«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تعتبر «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
TT

«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})

سلط مشروع القرار المعروض على الكونغرس الأميركي، الذي يقضي بإدراج «حركة النجباء» العراقية بزعامة أكرم الكعبي في قائمة الجماعات الإرهابية، الضوء على الدور الخطر الذي تلعبه الميليشيات الطائفية في الأزمتين السورية والعراقية. ذلك أن الصراع الإقليمي والدولي الدائر في منطقة الشرق الأوسط منحته السياسة الإيرانية بالمنطقة أبعادا دينية مذهبية وعسكرية؛ مما جعل من الميليشيات المسلحة جزءا من أدوات السياسة الخارجية والحروب بالوكالة. وربما هذا ما يفسر كون مشروع القانون الذي سُلم لمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يتضمن كذلك وضع حركة «عصائب أهل الحق» و«كتائب (حزب الله) - العراق» على لائحة الإرهاب مطالبين إدارة الرئيس دونالد ترامب بحظر هذه التنظيمات وكذا معاقبة مسؤوليها والمرتبطين بها، مع اعتماد هذا القانون في أجل لا يتجاوز 90 يوماً.
كما سبقت الإشارة «حركة النجباء» ميليشيا طائفية تأسست على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي. وهي تنظيم مذهبي مسلح مختلف عن تنظيم «حزب الله» اللبناني وفروعه القديمة بالعراق وبعض الدول العربية؛ رغم الخلط الذي يقع لبعض المتابعين، بسبب التداخل المرجعي بين التنظيمين. وهما يرتبطان بعلاقات جيدة، حيث جمعت بين قيادة التنظيمين اجتماعات عدة، وأكد الكعبي أنه اجتمع بحسن نصر الله منذ سنة 2004 «بحضور الحاج القائد عماد مغنيّة الذي تشرّفت بإشرافه على أولى دوراتي العسكريّة». وسبق للكعبي أن صرح في إحدى زياراته لطهران أن هناك مستشارين عسكريين من تنظيم «حزب الله» دخلوا للعراق قبل الانسحاب الأميركي 2011 «ينقلون خبرتهم في مقاومتهم ضد إسرائيل إلى العراق»؛ وبالتالي تعتبر «حركة النجباء» تنظيم «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى. أما عن علاقة زعيم «النجباء» بقاسم سليماني، فيقول عنها الكعبي: «نتشرف بكوننا من نفس المدرسة العسكرية - الآيديولوجيّة».
من جهة أخرى، فإن حركة «النجباء» لا يجب أن تفهم باعتبارها فصيلا من داخل الحشد الشعبي، بل هي أكبر من ذلك، من حيث الوظيفة والغاية الاستراتيجية من تكوينها. فهي مستقلة عن فصائل الحشد ولا تتبع بأي شكل من الأشكال للحكومة العراقية؛ بينما ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني بعلاقات مباشرة من حيث التمويل والتدريب والتجهيز. وفي ذلك يقول زعيم هذه الميلشيات: «دعم الحرس الثوري لحركة النجباء جيّد عبر كل المستويات ويتمّ بصورة مباشرة لنا. أما نحن كحركة النجباء فلا نتبع تنظيميّا للحشد الشّعبي إنّما نشرف على إدارة لواءين في الحشد، أفرادهم مرشّحون ومدرّبون ومجهّزون من قبل الحركة التي تشارك ميدانياً عبر الإشراف وإدارة تلك القوّات عبر كوادرنا».
ويبدو أن مسار حياة زعيم التنظيم، يفسر طبيعة تطور التنظيم أيضا؛ إذ ولد أكرم الكعبي في سنة 1977. ويعتبر الرجل من تلاميذة الإمام الصّدر الثّاني، وعمل إمام جمعة بمدينة المسيب. عهدت إليه قيادة جيش المهدي في معركة النّجف الثّانية 2004؛ بعد ذلك خضع لدورات في العلوم العسكريّة والإدارة الاستراتيجيّة بإيران. كان من مؤسّسي ميليشيا «عصائب أهل الحقّ»، وأصبح أميناً عامّاً لها بعد أن اعتقل البريطانيون الأمين العام للتنظيم قيس الخزعليّ. ولكن بشكل مفاجئ ترك الكعبي العمل العسكري وتفرغ للعلوم الدينية بإيران، ليعود للساحة بداية الحرب السورية متزعما ميليشيا عراقية للدفاع عن النظام السوري.
يمكن القول إن الكعبي لم يكن مشهورا لا من الناحية الدينية ولا العسكرية، إلا بعد سنة 2007. فقد ساعد خلاف داخلي للتيار الشيعي الذي يتزعمه المرجع مقتدى الصدر، وما صاحب ذلك من مواجهات عنيفة بين الميليشيات الشيعية والحكومة، على ظهور الرجل في الساحة العسكرية الشيعية العراقية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الكعبي كان ضمن رجال جيش المهدي؛ وعهد إليه تنظيم إدارة العمل الثقافي لمركز الشهيدين الصدريين في النجف الأشرف.
ونظرا لتقلبات المشهد السياسي الشيعي الذي عكس نتائج المواجهات العسكرية، بين مقتدى الصدر وطيف واسع من المرجعيات السياسية والدينية والعسكرية الشيعية، جمد مقتدى الصدر جيش المهدي سنة 2007، كما أن الهزيمة التي تلقاها هذا التيار، أدت إلى مغادرة قياديين بارزين لجيش المهدي، حيث أسس أكرم الكعبي وقيس الخزعلي ميليشيا طائفية جديدة سميت «عصائب أهل الحق». وكان الكعبي هو نائب الأمين العام للتنظيم الوليد، والمسؤول العسكري لـ«عصائب أهل الحق» العراقي، فيما شغل قيس الخزعلي الناطق الرسمي للتيار الصدري؛ غير أنه انشق عنه، احتجاجا على وقف العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في النجف وبغداد، من طرف مقتدى الصدر سنة 2004.
وبعد عملية اختطاف البريطانيين قاد الكعبي المفاوضات، لإطلاق سراح الخزعلي وسجناء من جيش «المهدي» و«العصائب»؛ وأدى نجاحه في التفاوض لمنح الرجل دفعة جديدة، خاصة بعد الدعم الكبير الذي تلقاه الكعبي من القيادة الإيرانية. وربما هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى اعتبار مؤسس «النجباء» مقاتلا من مقاتلي إيران بالعراق، واعتبرته وزارة الخزانة الأميركية منذ سنة 2008 فردا يهدد استقرار وسلام العراق؛ وجمدت واشنطن أصوله المالية ومنعت التعامل معه.
يتميز زعيم «النجباء» بخلطه بين الشخصية الدينية والقيادة العسكرية، مع التسليم بالمرجعية العليا للولي الفقيه بإيران. وهذا التحول الديني المرجعي الذي حدث له بعد الخروج من التيار الصدري، هو من الأسباب الجوهرية التي دفعت بالكعبي، للانتقال من مجرد قائد في «جيش المهدي»؛ إلى مؤسس لميليشيا «عصائب أهل الحق» رفقة صديقه، قيس الخزعلي.
ويبدو أن التحول المرجعي الذي تحدثنا عنه أعلاه، سيكون وراء ظهور تنظيم يلعب دورا دقيقا، وغامضا وخطرا. حيث تحدث بعض الخبراء العسكريين والباحثين في الشأن العراقي، أن الحرس الثوري كلف ميليشيا النجباء بمساعدة طهران في إنشاء طريق إمداد يصل إلى دمشق عبر العراق. ويبدو أن هذه الوظيفة الاستراتيجية تحتكرها جماعة الكعبي رغم كثرة فصائل الحشد الشعبي المتعددة والمتنوعة؛ سواء المتعلقة بمرجعية الولي الفقيه أو بمرجعية السيستاني بالعراق. وفي هذا الصدد، تشير أحدث الإحصاءات، أن نحو 65 في المائة من فصائل «الحشد» إلى حدود منتصف 2017، تابعة لمرجعية الولي الفقيه بطهران، فيما 25 في المائة فقط، تتبع مرجعيا السيستاني.
وفي هذا السياق يمكن تفسير التوسع والنمو السريعين لتنظيم النجباء منذ سنة 2013. فهذا التنظيم يتطور بشكل غامض وغير طبيعي، كما أنه استطاع أن يلعب أدوارا أكبر من عمره الزمني وخبرته العسكرية والميدانية، في كل من العراق وسوريا. الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة عن مكونات التنظيم البشرية، هل هي عراقية صرفة، أم فيها شخصيات من «حزب الله» اللبناني ومن «الباسيج» الإيراني؟، ففي الواقع لا يزال الغموض يلف طريقة عمل «اللواء عمار بن ياسر»، الذي تمركز منذ بداية دخول «النجباء» في حلب؛ والشيء نفسه يمكن قوله عن «لواء الحسن المجتبى» الموجود في دمشق.
في هذا الإطار تتحدث الأدبيات الدارسة لهذا التنظيم العراقي المنشأ والإيراني المرجعية؛ أن «النجباء»، أسست مطلع سنة 2013 «لواء عمار بن ياسر» بهدف القتال إلى جانب النظام السوري. غير أن حركة «النجباء» انفصلت عن «عصائب أهل الحق» بعد وقت قصير جدا. وهكذا ظهر أكرم الكعبي، على الساحة العراقية باعتباره شخصية مهمة مثل أبي يحيى المهندس، وهادي العمري زعيم ميليشيا بدر.
بل يمكن القول إن العلاقة الحقيقية بين الحرس الثوري، و«النجباء» لم يسلط عليها الضوء لحد الآن، وإن التجنيد الإيراني لهذه الميليشيات له بعد استراتيجي مستقبلي، يتجاوز الدور التقليدي لميليشيا بدر العراقية الموالية لطهران منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى اليوم. ذلك أن طبيعة التنظيم، والاستقلالية التي تصر «النجباء» عليها ضمن «الحشد الشعبي»، تثير كثيرا من التساؤل. ومعلوم أن زعيم ميليشيا «النجباء» لا يخفي ارتباطه بالحرس الثوري، إذ يقول الكعبي: «نحن لا نخفي الدعم الفني واللوجيستي من قبل إيران لنا، وعلى كل المستويات من ناحية التدريب والتسليح، وتقديم المشورة من خلال وجود قادة ومستشارين ميدانيين من الإخوة في (قوة القدس) من الحرس الثوري. وقد أعلنا عن هذا الدعم وتقدمنا بالشكر الجزيل لإيران على مساعدتها لنا ولبقية فصائل المقاومة؛ من أجل تحرير العراق من الاحتلال وكذلك في حربنا ضد الإرهاب».
وفي هذا الإطار، يمكننا فهم تكليف «النجباء» في الأسابيع القليلة الماضية، بتأمين مناطق واسعة من الحدود العراقية السورية التي طردت منها «داعش»، وهو ما يجعل المنطقة عمليا منطقة نفوذ إيراني مباشرة ومفتوحة، لا تصل فقط العراق بدمشق، بل تمتد لتصل الدولتين بطهران وبيروت.
لا تزال الميليشيات الطائفية تلعب دورا متناميا ومتماهيا مع الدور الإيراني الهيمني في العراق وسوريا. فلقد استطاع الحرس الثوري ربط الكثير من الميليشيات المدرجة في قائمة «الحشد الشعبي» بولاية الفقيه. وهذا ما سمح لطهران ببسط نفوذها بالعراق وإعادة الانتشار في المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة. ويبدو أن تمتع «الحشد الشعبي» بالدعم المالي الحكومي، في ظل إدارة ينخرها الفساد، يجعل من الصعب تحديد بدقة الأهداف الحقيقية للحشد، ودوره في خلق عراق المستقبل؛ ويجعل من شبه المستحيل معرفة عدد مقاتلي الميليشيات، وكذا المبالغ التي يتقاضونها. ورغم أن تصريحات صحافية لرئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي، تؤكد أن 120 ألف متطوع من الحشد يتقاضون رواتب من وزارة المالية العراقية، وأكثر من 30 ألف فرد آخرين تدفع رواتبهم من المرجعيات في كربلاء والنجف، ونحو 30 ألفاً يتسلمون رواتب من مؤسسات عسكرية ومخابراتية متنوعة ومرجعيات إيرانية؛ فإن الأدوار الحقيقية للميليشيات عامة، و«حركة النجباء» خاصة، لا تزال غامضة. وكل المؤشرات الحالية تقول بتفرد إيران من خلال الحرس الثوري بتحديد الدور الاستراتيجي لـ«حركة النجباء»، مما يجعل المنطقة معرضة لمزيد من عدم الاستقرار والإرهاب.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الرباط



مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب باستحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

ركزت الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية على تعزيز التعاون والتنسيق العربي في مجالات الأمن والدفاع مع التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة واستمرار الاعتداءات الإيرانية، ما كان دافعاً لطرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مسألة استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية مقدرات الدول العربية.

جاءت دعوة عبد العاطي خلال اتصال هاتفي أجراه، الأحد، مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، حيث أشار إلى «ضرورة تفعيل أطر العمل العربي المشترك واستحداث آليات أمنية فاعلة، في مقدمتها تشكيل القوة العربية المشتركة، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أي تهديدات مستقبلية، وتوفير بيئة مستدامة للاستقرار».

وتطرق وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بنظيره الأردني إلى الترتيبات المستقبلية في المنطقة، حيث أكد «الأهمية القصوى لبلورة رؤية واضحة للترتيبات الإقليمية والأمنية عقب انتهاء الحرب».

وجدد عبد العاطي «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات التي تستهدف أمن واستقرار الدول العربية»، مشدداً على الرفض التام «لأي ذرائع لتبرير هذه الانتهاكات التي تخرق قواعد القانون الدولي، وتهدد بدفع المنطقة بأكملها نحو فوضى شاملة».

وسبق أن شددت مصر في أكثر من مناسبة خلال الأيام الماضية على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. كما طالبت بسرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رؤوف سعد، أن الطرح المصري بشأن استحداث «آليات أمنية فاعلة» لحماية الأمن القومي العربي تبرهن على أن الموقف المصري من التصعيد الحالي بالمنطقة «يتجاوز مسألة الإدانات ويبحث عن أطر للتعاون بين الدول العربية»، بالتوازي مع اتصالات مع الجانب الإيراني لوقف الاعتداءات والوصول إلى نقطة تهدئة التصعيد ووقف الحرب.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الحديث عن تفعيل معاهدة الدفاع المشترك أو استحداث آليات أمنية فاعلة «لا يعني تشكيل جيش عربي موحد بالمعنى التقليدي، وإنما آليات مختلفة من الممكن أن تكون استخباراتية أو معلوماتية وتعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية بما يساهم في الصمود بوجه الاعتداءات التي قد تتعرض لها».

وأضاف أن الموقف المصري يهدف لأن تكون هناك ترتيبات مشتركة بين الدول العربية لعدم الانزلاق إلى الصراع القائم في المنطقة وتجنيب البلدان العربية مزيداً من الخسائر، بما في ذلك مصر التي قال إنها تأثرت سلباً نتيجة التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية.

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي، وأكد في هذا السياق رفض «فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم».

وتوافق وزيرا خارجية مصر والأردن على «ضرورة الوقف الفوري للحرب الراهنة والعمليات العسكرية المتصاعدة»، وحذرا من التداعيات الكارثية لاستمرار نهج التصعيد.

وأكد عبد العاطي، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، أن تغليب المسار الدبلوماسي ولغة الحوار يمثل الخيار الأوحد لاحتواء الأزمة الحالية، وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراع الممتد.

وقبل أن يبدأ جولة خليجية استهلها من قطر، أجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً، الأحد، مع نظيره الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح «للتشاور وتنسيق المواقف إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة».

وتطرق الاتصال إلى الانعكاسات المباشرة للتصعيد العسكري الجاري على حركة الملاحة الجوية والترتيبات اللوجيستية في الإقليم، حيث أعرب عبد العاطي «عن تفهم مصر ودعمها للإجراءات الاحترازية والسيادية التي اتخذتها دولة الكويت، بما في ذلك إغلاق مجالها الجوي، لضمان أمن وسلامة أراضيها ومواطنيها في ظل التهديدات المحيطة».


عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
TT

عبد العاطي يبدأ جولة خليجية لتعزيز التضامن المصري وتنسيق المواقف

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بالدوحة يوم الأحد (االخارجية المصرية)

تزامناً مع جولة خليجية بدأها وزير الخارجية المصري، الأحد، لتعزيز التضامن وتنسيق المواقف مع دول الخليج في مواجهة التطورات المتسارعة بالمنطقة، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصالات هاتفية، الأحد، مع قادة قطر والإمارات والأردن «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

ووصل عبد العاطي، الأحد، إلى العاصمة القطرية الدوحة، في مستهل جولة خليجية تستهدف «التنسيق والتشاور إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتوجيه رسالة تضامن مع الأشقاء العرب، والعمل المشترك لخفض التصعيد، وتغليب المسار الدبلوماسي لصون السلم والأمن الإقليميين»، وفق إفادة رسمية لـ«الخارجيّة المصرية» لم تحدد الدول التي ستتضمنها الجولة.

وزير الخارجية المصري خلال لقائه وأمير قطر في مستهل جولة خليجية (وزارة الخارجية المصرية)

من جانبه، قال مصدر دبلوماسي مصري لـ«الشرق الأوسط» إن القاهرة تكثف جهودها وتتواصل مع جميع الأطراف المعنية من أجل خفض التصعيد، وتعزير التعاون العربي في مواجهة التحديات الأمنية، وإنشاء قوة عربية مشتركة.

وأكد المصدر أن التطورات المتلاحقة في المنطقة والتهديدات المتكررة أثبتت أنه لا سبيل لتحقيق الأمن سوى تعزيز آليات التعاون العربي.

الأمن القومي العربي

وفي أولى محطات الجولة، التقى عبد العاطي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث نقل رسالة من السيسي تؤكد «دعم مصر الكامل قيادة وحكومة وشعباً لدولة قطر ووقوفها وتضامنها مع الأشقاء في قطر في هذا الظرف الدقيق على إثر الاعتداءات الإيرانية الآثمة المتكررة»، بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف.

وقال خلاف إن أمير قطر «ثمَّن الدور المحوري الذي تضطلع به القاهرة في الحفاظ على استقرار المنطقة والدفاع عن الأمن القومي العربي».

وأكد وزير الخارجية المصري موقف بلاده الرافض وإدانتها الكاملة «للاعتداءات التي تتعرض لها من جانب إيران، وتستهدف المساس بسيادة دولة قطر وأمنها القومي ومقدرات شعبها»، مشدداً على أنه «لا يمكن قبول أي ذرائع أو مبررات أو مسوغات لهذه الاعتداءات السافرة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ ميثاق الامم المتحدة».

وقال إن «أمن دولة قطر ودول الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي».

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي أن «الرسالة الأهم في جولة عبد العاطي هي التأكيد على وقوف مصر بشكل قاطع وداعم لدول الخليج، وتقديم كل ما من شأنه دعم أمنها وقدراتها، وإدانة الاعتداءات الإيرانية على أراضيها».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن الجولة «تأتي في مرحلة مفصلية وشديدة التعقيد وفي توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، ما يجعل من التحرك الدبلوماسي المصري أمراً ضرورياً ومطلوباً للحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وبذل المساعي وتبادل الأفكار لتنسيق المواقف». وأشار إلى أن أحد الملفات المطروحة خلال المباحثات هو مرحلة ما بعد الحرب ومقترح تشكيل قوة عربية مشتركة.

العمل المشترك

وتزامناً مع جولة عبد العاطي، أجرى الرئيس المصري اتصالات هاتفية، الأحد، مع أمير قطر ورئيس دولة الإمارات، وملك الأردن، أكد خلالها أن بلاده تُجري اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن»، بحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.

وشدد السيسي، بحسب بيان الرئاسة المصرية، على أن «مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومي الخليجي بوصفه امتداداً للأمن القومي المصري»، كما أنها ترى أن أمن الأردن «جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن المصير المشترك يفترض تعزيز التعاون العربي، وتوحيد الصفوف لمواجهة التحديات».

وأكد السيسي «ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومي العربي الجماعي بما يضمن التصدي لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية»، مشدداً على أن «وحدة الصف العربي هي السبيل الأمثل لمواجهة التحديات الراهنة، وصون استقرار المنطقة».

بدوره، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، إن جولة عبد العاطي الخليجية لها 3 أهداف، أولها هو «تأكيد التضامن مع دول الخليج في مواجهة الاعتداءات غير المبررة».

أما الهدف الثاني، بحسب تصريحات حسن لـ«الشرق الأوسط»، فيتمثل في «تنسيق المواقف في إطار استعداد مصر للوساطة من أجل إيقاف الحرب، في ضوء الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس المصري ونظيره الإيراني».

أما الهدف الثالث فهو «العمل على تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وإنشاء قوة عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن الإقليمي».

وزير الخارجية المصري مجتمعاً مع أمير قطر ووزير خارجيتها بالدوحة يوم الأحد (الخارجية المصرية)

وتلقى الرئيس المصري اتصالاً هاتفياً، الجمعة، من نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

وكان عبد العاطي قد أكد خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، الأسبوع الماضي، «أهمية تفعيل مفهوم الأمن القومي العربي للحفاظ على أمن الدول العربية، وصون سيادته»، مشيراً في هذا السياق إلى «ضرورة تفعيل أطر التعاون العربي المشترك للتعامل الفعال مع التهديدات القائمة».


تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
TT

تدهور الخدمات الصحية يفاقم معاناة المرضى في صنعاء

إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)
إغلاق البوابة الرئيسية لقسم الطوارئ في «مستشفى الكويت» بصنعاء (فيسبوك)

يشكو مرضى وذووهم في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء من تدهور غير مسبوق في الخدمات الصحية داخل المستشفيات الحكومية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، بالتوازي مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وارتفاع تكاليف العلاج، وتعطل بعض الأجهزة الحيوية، الأمر الذي فاقم من أعبائهم المالية في ظل تدهور أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويقول مرضى ومرافقون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن المستشفيات الحكومية التي كانت تُعد سابقاً الملاذ الأخير للفئات الفقيرة، أصبحت اليوم عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يدفع كثيراً من المرضى إلى البحث عن العلاج في المستشفيات الخاصة، رغم أن تكاليفها تتجاوز قدرتهم المالية المحدودة.

وتشهد أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات الرئيسية في صنعاء ازدحاماً شديداً، من بينها مستشفيات «الثورة» و«الجمهوري» و«الكويت» و«السبعين» و«المستشفى العسكري»، في ظل نقص ملحوظ في الكوادر الطبية، وتعطل كثير من الأجهزة التشخيصية والعلاجية.

معدات طبية معطلة في مستشفى حكومي خاضع للحوثيين بصنعاء (فيسبوك)

ويؤكد سكان أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الطارئة والحرجة؛ خصوصاً في ظل الضغط الكبير على هذه المرافق التي تستقبل يومياً أعداداً متزايدة من المرضى القادمين من العاصمة ومناطق ريفية مجاورة.

وبسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية داخل المستشفيات، يضطر كثير من المرضى إلى شراء المحاليل والعلاجات وحتى بعض المستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، وهو ما يزيد من معاناتهم المالية في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة، وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات.

أزمات متعددة

ويتحدث عاملون في القطاع الصحي في صنعاء عن تحديات كبيرة تواجه معظم المستشفيات الحكومية، من أبرزها: نقص التمويل، وانقطاع رواتب العاملين الصحيين منذ سنوات، إلى جانب محدودية الإمدادات الطبية، وتراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي.

ويقول هؤلاء العاملون إن سنوات الصراع والانقسام السياسي والحرب المستمرة أدت إلى إنهاك المنظومة الصحية بشكل كبير، وهو ما انعكس مباشرة على مستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان.

كما يشيرون إلى أن مستشفيات كثيرة تعاني نقصاً في الأطباء المتخصصين والكوادر التمريضية، في وقت تزداد فيه أعداد المرضى الذين يقصدون هذه المرافق بحثاً عن العلاج.

«مستشفى الشرطة» الخاضع للجماعة الحوثية في صنعاء (فيسبوك)

ويؤكد «محمد. ع»، وهو مريض قلب في صنعاء، أنه اضطر إلى الانتظار ساعات طويلة في قسم الطوارئ في «المستشفى الجمهوري»، قبل أن يتمكن من مقابلة طبيب.

وقال إن الدواء الذي وصفه له الطبيب لم يكن متوفراً داخل المستشفى، ما اضطره إلى شرائه من صيدلية خارجية بأسعار مرتفعة؛ مشيراً إلى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأدوية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى نقص الأطباء المتخصصين.

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى «أم سمير»، وهي والدة لطفل يعاني التهاباً رئوياً؛ إذ تقول إن معاناتها بدأت منذ لحظة وصولها إلى «مستشفى الثورة» قادمة من إحدى مناطق ريف صنعاء.

وأوضحت أن إدارة المستشفى أخبرتها أن بعض الأجهزة الطبية معطَّلة، وأن عليها إجراء الفحوصات في مركز خاص خارج المستشفى، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى أسرة بالكاد تستطيع توفير تكاليف المواصلات.

تجمع لمرضى يمنيين وذويهم في باحة أحد المستشفيات الحكومية بصنعاء (فيسبوك)

كما يروي «خالد»، وهو اسم مستعار لموظف حكومي في صنعاء، تجربة مشابهة بعد نقله والده المسن إلى «مستشفى الكويت» بسبب مضاعفات مرض السكري.

وقال إن الأسرة الطبية أخبرته بعدم توفر أسرَّة شاغرة، وأن معظمها مخصص لحالات أخرى، ما اضطر الأسرة إلى نقل والده إلى مستشفى خاص رغم تكاليف العلاج المرتفعة.

تحذيرات أممية

في ظل هذه الظروف، يحذِّر مختصون في القطاع الطبي من أن استمرار تدهور الخدمات الصحية قد يؤدي إلى تفاقم معاناة آلاف المرضى؛ خصوصاً المصابين بالأمراض المزمنة والنساء الحوامل والأطفال، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المستشفيات الحكومية للحصول على الرعاية الطبية.

ويتهم ناشطون يمنيون الجماعة الحوثية بفرض قيود على الحصول على الخدمات الصحية داخل بعض المرافق الحكومية، مؤكدين أن هذه الخدمات باتت في كثير من الحالات خاضعة لمعايير الولاء والانتماء.

حملات تعسف حوثية تستهدف عيادات خدمات صحية (إكس)

ويطالب هؤلاء الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية الدولية بتكثيف الدعم للقطاع الصحي في اليمن، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية إلى المستشفيات، بما يسهم في تخفيف معاناة المرضى وضمان حصولهم على الرعاية الصحية الأساسية.

وتأتي هذه التحذيرات بالتوازي مع تنبيه صادر عن المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، التي حذَّرت من احتمال إغلاق مئات المرافق الصحية في اليمن خلال عام 2026، بسبب العجز الحاد في التمويل.

وأوضحت المنظمة أن نحو 453 مرفقاً صحياً مهدد بالتوقف عن العمل إذا استمر نقص الدعم المالي، مشيرة إلى أن نحو 60 في المائة فقط من المرافق الصحية في البلاد تعمل حالياً بكامل طاقتها.

وأكدت المنظمة أن تراجع التمويل المخصص للقطاع الصحي قد يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وشددت على أن توفير الرعاية الصحية الأساسية يعد أحد أهم عوامل الاستقرار المجتمعي، محذِّرة من أن انهيار مزيد من المرافق الصحية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية في اليمن خلال الفترة المقبلة.