«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تعتبر «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
TT

«حركة النجباء العراقية»... تنظيم غامض في ساحة الإرهاب

تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})
تأسست ميليشيا «النجباء» على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي ({الشرق الأوسط})

سلط مشروع القرار المعروض على الكونغرس الأميركي، الذي يقضي بإدراج «حركة النجباء» العراقية بزعامة أكرم الكعبي في قائمة الجماعات الإرهابية، الضوء على الدور الخطر الذي تلعبه الميليشيات الطائفية في الأزمتين السورية والعراقية. ذلك أن الصراع الإقليمي والدولي الدائر في منطقة الشرق الأوسط منحته السياسة الإيرانية بالمنطقة أبعادا دينية مذهبية وعسكرية؛ مما جعل من الميليشيات المسلحة جزءا من أدوات السياسة الخارجية والحروب بالوكالة. وربما هذا ما يفسر كون مشروع القانون الذي سُلم لمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين يتضمن كذلك وضع حركة «عصائب أهل الحق» و«كتائب (حزب الله) - العراق» على لائحة الإرهاب مطالبين إدارة الرئيس دونالد ترامب بحظر هذه التنظيمات وكذا معاقبة مسؤوليها والمرتبطين بها، مع اعتماد هذا القانون في أجل لا يتجاوز 90 يوماً.
كما سبقت الإشارة «حركة النجباء» ميليشيا طائفية تأسست على يد رجل الدين الشيعي أكرم الكعبي. وهي تنظيم مذهبي مسلح مختلف عن تنظيم «حزب الله» اللبناني وفروعه القديمة بالعراق وبعض الدول العربية؛ رغم الخلط الذي يقع لبعض المتابعين، بسبب التداخل المرجعي بين التنظيمين. وهما يرتبطان بعلاقات جيدة، حيث جمعت بين قيادة التنظيمين اجتماعات عدة، وأكد الكعبي أنه اجتمع بحسن نصر الله منذ سنة 2004 «بحضور الحاج القائد عماد مغنيّة الذي تشرّفت بإشرافه على أولى دوراتي العسكريّة». وسبق للكعبي أن صرح في إحدى زياراته لطهران أن هناك مستشارين عسكريين من تنظيم «حزب الله» دخلوا للعراق قبل الانسحاب الأميركي 2011 «ينقلون خبرتهم في مقاومتهم ضد إسرائيل إلى العراق»؛ وبالتالي تعتبر «حركة النجباء» تنظيم «حزب الله» اللبناني قدوتها ومثالها الأعلى. أما عن علاقة زعيم «النجباء» بقاسم سليماني، فيقول عنها الكعبي: «نتشرف بكوننا من نفس المدرسة العسكرية - الآيديولوجيّة».
من جهة أخرى، فإن حركة «النجباء» لا يجب أن تفهم باعتبارها فصيلا من داخل الحشد الشعبي، بل هي أكبر من ذلك، من حيث الوظيفة والغاية الاستراتيجية من تكوينها. فهي مستقلة عن فصائل الحشد ولا تتبع بأي شكل من الأشكال للحكومة العراقية؛ بينما ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني بعلاقات مباشرة من حيث التمويل والتدريب والتجهيز. وفي ذلك يقول زعيم هذه الميلشيات: «دعم الحرس الثوري لحركة النجباء جيّد عبر كل المستويات ويتمّ بصورة مباشرة لنا. أما نحن كحركة النجباء فلا نتبع تنظيميّا للحشد الشّعبي إنّما نشرف على إدارة لواءين في الحشد، أفرادهم مرشّحون ومدرّبون ومجهّزون من قبل الحركة التي تشارك ميدانياً عبر الإشراف وإدارة تلك القوّات عبر كوادرنا».
ويبدو أن مسار حياة زعيم التنظيم، يفسر طبيعة تطور التنظيم أيضا؛ إذ ولد أكرم الكعبي في سنة 1977. ويعتبر الرجل من تلاميذة الإمام الصّدر الثّاني، وعمل إمام جمعة بمدينة المسيب. عهدت إليه قيادة جيش المهدي في معركة النّجف الثّانية 2004؛ بعد ذلك خضع لدورات في العلوم العسكريّة والإدارة الاستراتيجيّة بإيران. كان من مؤسّسي ميليشيا «عصائب أهل الحقّ»، وأصبح أميناً عامّاً لها بعد أن اعتقل البريطانيون الأمين العام للتنظيم قيس الخزعليّ. ولكن بشكل مفاجئ ترك الكعبي العمل العسكري وتفرغ للعلوم الدينية بإيران، ليعود للساحة بداية الحرب السورية متزعما ميليشيا عراقية للدفاع عن النظام السوري.
يمكن القول إن الكعبي لم يكن مشهورا لا من الناحية الدينية ولا العسكرية، إلا بعد سنة 2007. فقد ساعد خلاف داخلي للتيار الشيعي الذي يتزعمه المرجع مقتدى الصدر، وما صاحب ذلك من مواجهات عنيفة بين الميليشيات الشيعية والحكومة، على ظهور الرجل في الساحة العسكرية الشيعية العراقية. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الكعبي كان ضمن رجال جيش المهدي؛ وعهد إليه تنظيم إدارة العمل الثقافي لمركز الشهيدين الصدريين في النجف الأشرف.
ونظرا لتقلبات المشهد السياسي الشيعي الذي عكس نتائج المواجهات العسكرية، بين مقتدى الصدر وطيف واسع من المرجعيات السياسية والدينية والعسكرية الشيعية، جمد مقتدى الصدر جيش المهدي سنة 2007، كما أن الهزيمة التي تلقاها هذا التيار، أدت إلى مغادرة قياديين بارزين لجيش المهدي، حيث أسس أكرم الكعبي وقيس الخزعلي ميليشيا طائفية جديدة سميت «عصائب أهل الحق». وكان الكعبي هو نائب الأمين العام للتنظيم الوليد، والمسؤول العسكري لـ«عصائب أهل الحق» العراقي، فيما شغل قيس الخزعلي الناطق الرسمي للتيار الصدري؛ غير أنه انشق عنه، احتجاجا على وقف العمليات العسكرية ضد القوات الأميركية في النجف وبغداد، من طرف مقتدى الصدر سنة 2004.
وبعد عملية اختطاف البريطانيين قاد الكعبي المفاوضات، لإطلاق سراح الخزعلي وسجناء من جيش «المهدي» و«العصائب»؛ وأدى نجاحه في التفاوض لمنح الرجل دفعة جديدة، خاصة بعد الدعم الكبير الذي تلقاه الكعبي من القيادة الإيرانية. وربما هذا ما دفع الولايات المتحدة إلى اعتبار مؤسس «النجباء» مقاتلا من مقاتلي إيران بالعراق، واعتبرته وزارة الخزانة الأميركية منذ سنة 2008 فردا يهدد استقرار وسلام العراق؛ وجمدت واشنطن أصوله المالية ومنعت التعامل معه.
يتميز زعيم «النجباء» بخلطه بين الشخصية الدينية والقيادة العسكرية، مع التسليم بالمرجعية العليا للولي الفقيه بإيران. وهذا التحول الديني المرجعي الذي حدث له بعد الخروج من التيار الصدري، هو من الأسباب الجوهرية التي دفعت بالكعبي، للانتقال من مجرد قائد في «جيش المهدي»؛ إلى مؤسس لميليشيا «عصائب أهل الحق» رفقة صديقه، قيس الخزعلي.
ويبدو أن التحول المرجعي الذي تحدثنا عنه أعلاه، سيكون وراء ظهور تنظيم يلعب دورا دقيقا، وغامضا وخطرا. حيث تحدث بعض الخبراء العسكريين والباحثين في الشأن العراقي، أن الحرس الثوري كلف ميليشيا النجباء بمساعدة طهران في إنشاء طريق إمداد يصل إلى دمشق عبر العراق. ويبدو أن هذه الوظيفة الاستراتيجية تحتكرها جماعة الكعبي رغم كثرة فصائل الحشد الشعبي المتعددة والمتنوعة؛ سواء المتعلقة بمرجعية الولي الفقيه أو بمرجعية السيستاني بالعراق. وفي هذا الصدد، تشير أحدث الإحصاءات، أن نحو 65 في المائة من فصائل «الحشد» إلى حدود منتصف 2017، تابعة لمرجعية الولي الفقيه بطهران، فيما 25 في المائة فقط، تتبع مرجعيا السيستاني.
وفي هذا السياق يمكن تفسير التوسع والنمو السريعين لتنظيم النجباء منذ سنة 2013. فهذا التنظيم يتطور بشكل غامض وغير طبيعي، كما أنه استطاع أن يلعب أدوارا أكبر من عمره الزمني وخبرته العسكرية والميدانية، في كل من العراق وسوريا. الشيء الذي يطرح تساؤلات عدة عن مكونات التنظيم البشرية، هل هي عراقية صرفة، أم فيها شخصيات من «حزب الله» اللبناني ومن «الباسيج» الإيراني؟، ففي الواقع لا يزال الغموض يلف طريقة عمل «اللواء عمار بن ياسر»، الذي تمركز منذ بداية دخول «النجباء» في حلب؛ والشيء نفسه يمكن قوله عن «لواء الحسن المجتبى» الموجود في دمشق.
في هذا الإطار تتحدث الأدبيات الدارسة لهذا التنظيم العراقي المنشأ والإيراني المرجعية؛ أن «النجباء»، أسست مطلع سنة 2013 «لواء عمار بن ياسر» بهدف القتال إلى جانب النظام السوري. غير أن حركة «النجباء» انفصلت عن «عصائب أهل الحق» بعد وقت قصير جدا. وهكذا ظهر أكرم الكعبي، على الساحة العراقية باعتباره شخصية مهمة مثل أبي يحيى المهندس، وهادي العمري زعيم ميليشيا بدر.
بل يمكن القول إن العلاقة الحقيقية بين الحرس الثوري، و«النجباء» لم يسلط عليها الضوء لحد الآن، وإن التجنيد الإيراني لهذه الميليشيات له بعد استراتيجي مستقبلي، يتجاوز الدور التقليدي لميليشيا بدر العراقية الموالية لطهران منذ الحرب العراقية الإيرانية إلى اليوم. ذلك أن طبيعة التنظيم، والاستقلالية التي تصر «النجباء» عليها ضمن «الحشد الشعبي»، تثير كثيرا من التساؤل. ومعلوم أن زعيم ميليشيا «النجباء» لا يخفي ارتباطه بالحرس الثوري، إذ يقول الكعبي: «نحن لا نخفي الدعم الفني واللوجيستي من قبل إيران لنا، وعلى كل المستويات من ناحية التدريب والتسليح، وتقديم المشورة من خلال وجود قادة ومستشارين ميدانيين من الإخوة في (قوة القدس) من الحرس الثوري. وقد أعلنا عن هذا الدعم وتقدمنا بالشكر الجزيل لإيران على مساعدتها لنا ولبقية فصائل المقاومة؛ من أجل تحرير العراق من الاحتلال وكذلك في حربنا ضد الإرهاب».
وفي هذا الإطار، يمكننا فهم تكليف «النجباء» في الأسابيع القليلة الماضية، بتأمين مناطق واسعة من الحدود العراقية السورية التي طردت منها «داعش»، وهو ما يجعل المنطقة عمليا منطقة نفوذ إيراني مباشرة ومفتوحة، لا تصل فقط العراق بدمشق، بل تمتد لتصل الدولتين بطهران وبيروت.
لا تزال الميليشيات الطائفية تلعب دورا متناميا ومتماهيا مع الدور الإيراني الهيمني في العراق وسوريا. فلقد استطاع الحرس الثوري ربط الكثير من الميليشيات المدرجة في قائمة «الحشد الشعبي» بولاية الفقيه. وهذا ما سمح لطهران ببسط نفوذها بالعراق وإعادة الانتشار في المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة. ويبدو أن تمتع «الحشد الشعبي» بالدعم المالي الحكومي، في ظل إدارة ينخرها الفساد، يجعل من الصعب تحديد بدقة الأهداف الحقيقية للحشد، ودوره في خلق عراق المستقبل؛ ويجعل من شبه المستحيل معرفة عدد مقاتلي الميليشيات، وكذا المبالغ التي يتقاضونها. ورغم أن تصريحات صحافية لرئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي، تؤكد أن 120 ألف متطوع من الحشد يتقاضون رواتب من وزارة المالية العراقية، وأكثر من 30 ألف فرد آخرين تدفع رواتبهم من المرجعيات في كربلاء والنجف، ونحو 30 ألفاً يتسلمون رواتب من مؤسسات عسكرية ومخابراتية متنوعة ومرجعيات إيرانية؛ فإن الأدوار الحقيقية للميليشيات عامة، و«حركة النجباء» خاصة، لا تزال غامضة. وكل المؤشرات الحالية تقول بتفرد إيران من خلال الحرس الثوري بتحديد الدور الاستراتيجي لـ«حركة النجباء»، مما يجعل المنطقة معرضة لمزيد من عدم الاستقرار والإرهاب.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس الرباط



تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
TT

تأمين «كهبوب» وتقدم «الوازعية» يعززان مكاسب «فجر اليمن»

قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)
قوات الحكومة اليمنية تتقدم في جبهات الوازعية وتثبّت مكاسبها نحو الساحل (رويترز)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الرابع مع اتجاه القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتعزيز مواقعها في المناطق المطلة على مضيق باب المندب، بالتوازي مع استمرار التقدم في مديرية الوازعية غربي محافظة تعز، فيما تتواصل المواجهات مع الجماعة الحوثية في ريف تعز الجنوبي والجبهات المحيطة بمدينة تعز.

وفي حين أكدت القوات المسلحة اليمنية تحييد أكثر من 1800 عنصر حوثي خلال الساعات الماضية تشير إحصائيات الجيش إلى أن خسائر الحوثيين البشرية تناهز 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين جراء الضربات الجوية والبرية في مختلف الجبهات.

وأحكمت قوات «درع الوطن» وألوية العمالقة والقوات المشتركة في الساعات الماضية، وفق الإعلام العسكري اليمني، سيطرتها على جبهة كهبوب، في تطور يعزز موقع القوات الحكومية في المرتفعات المشرفة على باب المندب، ويمنحها قدرة أكبر على تأمين هذا المحور الاستراتيجي، ضمن العمليات المتواصلة في الساحل الغربي.

وتزامن ذلك مع استمرار القوات الحكومية في التوغل داخل مديرية الوازعية إلى الشمال، حيث أسفرت المعارك عن السيطرة على مرتفعات حيوية وقطع خطوط إمداد للحوثيين باتجاه جبهات الساحل الغربي، في وقت وثقت فيه القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في أكثر من محور بالمديرية.

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال تقدمها في الساحل الغربي القريب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي مديرية ذوباب، واصلت قوات العمالقة الجنوبية تثبيت مواقعها والسيطرة على مناطق واسعة، بينما تصدت لهجوم حوثي على مواقعها في قطاع المطار، واستولت على آليات عسكرية استخدمتها الجماعة في الهجوم، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية.

وتسعى القوات الحكومية، من خلال هذه التحركات، إلى تأمين المناطق المحررة في الساحل الغربي وعزل ما تبقى من عناصر الجماعة الحوثية في محيط باب المندب، قبل التقدم نحو المخا، بالتزامن مع الضغط على خطوط إمداد الجماعة ومنعها من إعادة تنظيم صفوفها في المناطق القريبة من المضيق.

ضغوط في ريف تعز

في المقابل، دفعت الجماعة الحوثية بتحركات هجومية في ريف تعز الغربي والجنوبي، خصوصاً في محاور جبل حبشي والأقروض وجبل هان، في محاولة للضغط على مواقع القوات الحكومية بالتزامن مع التطورات المتسارعة في الساحل الغربي.

وخاضت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية معارك عنيفة في جبل حبشي والأقروض، كما تصدت لهجمات حوثية في محيط جبل هان غربي مدينة تعز، فيما نفذت وحدات القوة الصاروخية ضربات مركزة استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في منطقة الكدحة.

صور وزَّعها الحوثيون على عناصرهم في جبهات تعز (أ.ف.ب)

تأتي هذه المواجهات في وقت تحاول فيه القوات الحكومية الحفاظ على المبادرة الميدانية التي فرضتها عملية «فجر اليمن»، ومنع الجماعة الحوثية من نقل ثقل عملياتها إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية من تعز، أو إعادة فتح خطوط إمداد باتجاه الساحل.

وبالتوازي مع المعارك البرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 2103 عمليات استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العميد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات أسفرت عن تحييد 1860 من عناصر الجماعة وتدمير مئات المعدات والعتاد والمواقع العسكرية، مشيراً إلى أن الاستهداف شمل تحركات الحوثيين وتحصيناتهم وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية.

تعبئة سياسية وعسكرية

وفي عدن حيث العاصمة المؤقتة اليمنية، عكست التحركات الرسمية اتجاهاً نحو رفع الجاهزية العسكرية والسياسية بالتوازي مع استمرار العملية. وشدد نائب رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء الركن أحمد البصر، سرعة استكمال إجراءات التعبئة العامة وتجهيز الألوية والوحدات العسكرية وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والانضباط والتنسيق بين مختلف التشكيلات.

عنصران من القوات الحكومية اليمنية بعد السيطرة على مواقع للحوثيين في جبهة الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وأكد البصر، خلال اجتماع للجنة المكلفة بتنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن خطة التعبئة العامة، ضرورة استكمال الاحتياجات البشرية والتدريبية واللوجستية للوحدات، بما يمكّنها من أداء مهامها، مع التشديد على المتابعة المستمرة وتسريع إجراءات التجهيز.

وعلى المستوى السياسي، وضع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية أمام مستجدات الأوضاع الميدانية والسياسية، مؤكداً أن إطلاق عملية «فجر اليمن» يمثل مرحلة جديدة في مسار استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير الأراضي اليمنية وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

وشدد رئيس مجلس القيادة، خلال اللقاء، على أن المعركة لا تقتصر على القوات المسلحة، داعياً إلى جبهة سياسية وشعبية وإعلامية متماسكة تساند مؤسسات الدولة، وترفع معنويات المواطنين والمقاتلين، وتواجه المعلومات المضللة.

تقديرات الجيش اليمني تشير إلى خسارة الحوثيين نحو 10 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوعين (رويترز)

وأكد العليمي أن العمليات العسكرية قد تشهد تقدماً في جبهة وتعقيدات مؤقتة في أخرى، لكن اتجاه الدولة وأهدافها لن تتغير، وقال إن عملية «فجر اليمن» ماضية نحو أهدافها، وأن القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية ستواصل أداء واجبها حتى استعادة مؤسسات الدولة واستكمال تحرير البلاد.

وفي رسالة سياسية موازية، جدد العليمي إشادته بالدعم السعودي لمجلس القيادة والحكومة والشعب اليمني، وبإسناد المملكة للقوات الحكومية في معركة استعادة مؤسسات الدولة والأمن والاستقرار.


«طوارئ تعز» تعلّق التعليم في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون

مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
TT

«طوارئ تعز» تعلّق التعليم في المناطق التي سيطر عليها الحوثيون

مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)
مدينة تعز اليمنية تعاني من نقص الإمدادات بسبب الهجمات الحوثية والحصار (أ.ف.ب)

علّقت لجنة الطوارئ في محافظة تعز اليمنية الدراسة في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات العامة والأهلية والخاصة في المديريات التي أصبحت تحت سيطرة الجماعة الحوثية، ومنحت الموظفين العاملين في المؤسسات الحكومية هناك إجازة مؤقتة، على خلفية الظروف الأمنية الاستثنائية التي تشهدها تلك المناطق.

وقالت اللجنة، في تعميم صدر الخميس، إن القرار جاء بعد تعذُّر انتظام الدراسة والعمل في عدد من المديريات، وحرصاً على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية والموظفين وحماية الأرواح والممتلكات، ومنع تعرُّض المدنيِّين للمخاطر في ظلِّ التطورات الأمنية المتسارعة.

ويقضي القرار بتعليق الدراسة في المؤسسات التعليمية المشمولة حتى إشعار آخر، واعتبار الطلاب والطالبات في إجازة رسمية طوال فترة التعليق، على أن يصدر إشعار باستئناف الدراسة والعمل عند زوال الظروف التي دفعت إلى اتخاذ الإجراءات.

صبي يمني يقشر البصل في إحدى أسواق مدينة تعز (أ.ف.ب)

وشمل القرار الموظفين العاملين في المديريات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، بمنحهم إجازة مؤقتة تبدأ من تاريخ صدور التعميم وتستمر حتى إشعار آخر، مع التأكيد على عدم المساس بمراكزهم القانونية أو الوظيفية.

استثناء الصحة والنظافة

استثنت لجنة الطوارئ في تعز من القرار العاملين في القطاعات التي تتطلب طبيعة أعمالها استمرار تقديم الحدِّ الأدنى من الخدمات للسكان، وفي مقدمتها الصحة والنظافة والمياه، وفق ما تقرِّره اللجنة والجهات المختصة.

كما حذَّرت الموظفين والعاملين في الجهاز الإداري للدولة في المناطق المشمولة من الاستجابة لأي دعوات لمباشرة أعمال أو تنفيذ مهام أو تكليفات تصدر عن الحوثيين، مؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق المخالفين.

الحوثيون يحشدون مزيداً من عناصرهم إلى جبهات تعز (إ.ب.أ)

ويأتي القرار في وقت تشهد فيه تعز تطورات ميدانية وأمنية انعكست على حركة السكان والخدمات العامة في المناطق التي انتقلت إلى سيطرة الجماعة، ما دفع السلطات المحلية إلى التعامل مع استمرار العمل والدراسة بوصفه جزءاً من المخاطر التي تستوجب إجراءات استثنائية.

كما دعت لجنة الطوارئ الجهات المعنية إلى تنفيذ القرار كل فيما يخصه، ورفع الحالات الخاصة والإشكالات التي قد تنشأ إلى اللجنة لمعالجتها وفقاً للقانون والظروف القائمة.

وتبرز الإجراءات الجديدة جانباً آخر من تداعيات المعارك في تعز، إذ لم تعد آثار التصعيد مقتصرة على خطوط المواجهة، وإنما امتدت إلى المؤسسات التعليمية والإدارية والخدمات اليومية للسكان في المناطق المتأثرة.

مطار عدن مستمر

في سياق التصعيد الأوسع، كانت الجماعة الحوثية قد استهدفت، الأربعاء، مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيَّين وطائرات مسيّرة مفخخة، وفق ما أعلنته السلطات اليمنية، في وقت كانت فيه رحلة مدنية تقترب من الهبوط، ما عرَّض المسافرين والطواقم والعاملين في المطار للخطر.

وأدانت وزارة الخارجية اليمنية الهجوم، وحمَّلت الحوثيِّين المسؤولية عنه، عادة استهداف المطار تصعيداً خطيراً يهدد سلامة الطيران المدني. ودعت مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات تحول دون تكرار مثل هذه الهجمات.

ورغم الهجوم، فإن الخطوط الجوية اليمنية أكدت استمرار رحلاتها وفق جدولها التشغيلي، مع اتخاذ إجراءات لاختيار المسارات الجوية الأكثر أمناً، وإجراء أي تعديلات تفرضها الظروف الأمنية.

وقال المتحدث باسم الشركة، حاتم الشعبي، إن الرحلات استمرَّت أمس (الأربعاء)، وفق الجدول التشغيلي، داعياً المسافرين إلى متابعة الإعلانات الرسمية والتأكد من حالة رحلاتهم قبل التوجه إلى المطار.


الأمم المتحدة تُحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز

لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
TT

الأمم المتحدة تُحذّر من تفاقم الوضع الإنساني في تعز

لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)
لا يعرف النازحون في ريف تعز إلى أين سيذهبون بعد اقتحام الحوثيين مناطقهم (إعلام محلي)

حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني في محافظة تعز اليمنية، مع اتساع الهجمات الحوثية وحركة النزوح وتزايد القيود المفروضة على وصول المساعدات، بالتزامن مع استمرار إغلاق طرق رئيسية وضغوط متصاعدة على الخدمات والموارد المحدودة.

وذكرت الأمم المتحدة في تقرير حديث أن الطريق الشرقي المؤدي إلى مدينة تعز لا يزال مغلقاً، فيما أدّى قطع الطرق بين عدن وتعز إلى تعطيل أحد خطوط الإمداد الرئيسية القادمة من مستودعات عدن، ما يحدُّ من قدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى المتضررين والاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وتبرز تعز بوصفها المحافظة اليمنية الأكثر استقبالاً للنازحين حديثاً، إذ تستضيف أكثر من نصف الأسر التي اضطرت إلى الفرار من مناطقها منذ تصاعد القتال، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الخدمات والموارد المتاحة للسكان والنازحين على السواء.

ولا تقتصر الصعوبات على تدفق النازحين، إذ تواجه المنظمات الإنسانية عراقيل في إيصال المساعدات بسبب إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، فضلاً عن تأثير انقطاعات الاتصالات على عمليات التحقق من المستفيدين وصرف المساعدات النقدية.

آلاف الأسر في غرب تعز هربت من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

وتأتي هذه التطورات بينما تتسع موجة النزوح في أنحاء اليمن. ووفق أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح، نزح 180 ألفاً و312 شخصاً، أي نحو 30 ألفاً و52 أسرة، خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وأظهرت البيانات أن 96 في المائة من حالات النزوح سُجلت منذ 31 أغسطس، بالتزامن مع تصاعد حدة الأعمال القتالية.

ومع استمرار القتال، تتلقى آلية الاستجابة السريعة بلاغات عن نزوح ما بين 400 و700 أسرة جديدة يومياً، في حين تضطر أسر سبق أن نزحت من مناطقها إلى الفرار مرة أخرى من مواقع النزوح داخل تعز.

وتكشف هذه المعطيات عن اتساع ظاهرة النزوح المتكرر، إذ لا تجد بعض الأسر التي فرّت من مناطقها الأصلية أمامها فرصة للعودة، وإنما تضطر إلى البحث مجدداً عن أماكن أكثر أمناً، بما يزيد هشاشتها واحتياجاتها الإنسانية.

وتستضيف تعز 56 في المائة من إجمالي الأسر النازحة حديثاً، تليها لحج بنسبة 22 في المائة، وعدن بنسبة 11 في المائة، والحديدة بنسبة 3 في المائة.

وتعكس هذه النسب حجم الضغط الذي تتحمله المحافظات المستقبلة للنازحين، في ظل محدودية الموارد والقدرة على توفير الخدمات الأساسية.

أطفال بين الضحايا

ومع اتساع حركة النزوح، تتزايد الخسائر في صفوف المدنيين، ولا سيما الأطفال. وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان إنه سجّل مقتل ما لا يقل عن 46 مدنياً منذ بداية التصعيد، بينهم 24 طفلاً، فيما أصيب أكثر من 130 آخرين، بينهم 84 من النساء والأطفال.

الفارون من جحيم الحوثيين لم يجدوا وقتاً لحمل أمتعتهم قبل النزوح (إعلام محلي)

وتظهر هذه الأرقام التكلفة البشرية للتصعيد في مناطق مكتظة بالمدنيين، في وقت يدفع فيه القتال مزيداً من الأسر إلى النزوح، ويرفع الاحتياجات الإنسانية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال والنساء والنازحون.

وفي المقابل، لا تزال قدرة الجهات الإنسانية على الوصول إلى جميع المتضررين محدودة.

ووفق التقرير الأممي، تمكنت الجهات الإنسانية حتى الآن من تقديم المساعدة إلى 120 ألفاً و232 نازحاً، أي 17 ألفاً و176 أسرة، بما يعادل 57 في المائة من إجمالي الأسر النازحة.

فجوة الاستجابة

ولا تتوقف أزمة النازحين بسبب الهجمات الحوثية عند مغادرة المنازل، إذ يمتد أثر التصعيد إلى قدرة المنظومة الإنسانية نفسها على الوصول إليهم. فمع اتساع رقعة القتال، يزداد النزوح والطلب على المساعدات، فيما تؤدي القيود الأمنية واللوجستية إلى تقليص قدرة المنظمات على الاستجابة.

وتظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح أن نحو 64 في المائة من النازحين ظلّوا داخل محافظاتهم الأصلية، في حين اضطر 36 في المائة، أي نحو 64 ألفاً و20 شخصاً، إلى الانتقال إلى محافظات أخرى، خصوصاً من تعز والحديدة باتجاه لحج وعدن.

كما تدفع المعارك القريبة من مواقع النزوح القائمة عائلات سبق أن فرّت من مناطقها الأصلية إلى النزوح مرة أخرى، لتجد نفسها أمام مسار متكرر من الفرار من دون ضمانات بالعودة، في وقت تتراجع فيه قدرة الجهات الإنسانية على مواكبة الاحتياجات المتزايدة.

مخيم للفارين من الهجمات الحوثية في منطقة رأس عمران غرب مدينة عدن (أ.ب)

وتُقدم المعطيات الأممية صورة لأزمة تتداخل فيها 3 عوامل رئيسية؛ هي تصاعد القتال، واتساع حركة النزوح، وتراجع القدرة على الوصول الإنساني.

فخلال نحو شهرين، نزح أكثر من 180 ألف شخص، فيما تستقبل تعز وحدها 56 في المائة من الأسر النازحة حديثاً، وتتلقى فرق الاستجابة بلاغات عن مئات الأسر الجديدة يومياً.

وفي المقابل، لا تصل المساعدات إلا إلى 57 في المائة من الأسر النازحة، ما يبقي فجوة واسعة بين حجم الاحتياجات وقدرة الجهات الإنسانية على الاستجابة، مع استمرار تدفق النازحين وارتفاع الخسائر بين المدنيين.