ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

المحرك الخفي لدوامة العنف في الداخل.. وأياد خارجية وراء التصعيد

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»
TT

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

ليبيا.. صراع «النفط» و«السلاح»

في عرس بمدينة المرج في الشرق الليبي تصور أغنية شعبية الوضع في البلاد المضطربة بأنه صراع بين الضأن والراعي، والذئب الجديد. المقصود بالذئب الجديد جماعات الإسلام السياسي المتشددة التي تهيمن على البرلمان. تقول الأغنية إن الذئب الجديد حل محل الذئب القديم، وهو «نظام القذافي».
لكن الصراع الداخلي المتفجر في البلاد أصبح يحظى بزخم دولي أيضا بسبب مصالح جوهرية تتعلق بصفقات معطلة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في مجال السلاح والنفط، إضافة لقلق من تنامي ميليشيات التطرف وتهريب أسلحة الجيش وتنقل الجهاديين عبر حدود دول الجوار. يدرك الليبيون الأمر، فإن الاهتمام الدولي ببلادهم لا يتعلق بالديمقراطية ولا بحقوق الإنسان ولا أي شيء من هذه الأسماء التي يحلو للبعض ترديدها على شاشات التلفزيون ومواقع الإنترنت وواجهات الصحف. فالنفط والسلاح يبدو أنهما المحرك الخفي لتلك الصراعات الداخلية والخارجية. فمن الذي يتحكم في نفط ليبيا وغازها؟ وما حجم تجارة السلاح فيها؟ وما علاقة الصراعات الداخلية بين الميليشيات بالقوى الإقليمية والدولية؟ ومن حركها؟
في بعض الجلسات الخاصة في القاهرة لعدد من كبار المسؤولين السابقين (ممن عملوا مع القذافي وممن انشقوا عنه أيضا)، يمكن أن يتحدث إليك البعض عما يجري خلف الستار. مثلا.. أرادت شركات سلاح أميركية أن تعقد صفقة قيمتها مليارا دولار من حيث المبدأ من أجل توريد أسلحة وتدريب طيارين ليبيين. لكن هذه الصفقة تعطلت بسبب قانون أميركي قديم يحظر منح التأشيرة لليبيين الذين يريدون تعلم الطيران والعلوم النووية. وعليه بدأت شركات السلاح الأميركية في البكاء بين يدي الكونغرس.
وعلى أي حال.. تزيد الرواية قائلة إن شركات السلاح ومعها وزارة الدفاع الأميركية طلبت من الرئيس باراك أوباما التدخل لإلغاء قانون التأشيرة لليبيين الذي يعود لثمانينات القرن الماضي. وتأثر أوباما بالدفوع التي قدمها صناع السلاح ووزارة الدفاع، ومن أهمها أنه إذا تأخر عقد صفقات عسكرية أميركية مع الجانب الليبي، فإن سماسرة ودولا أخرى ستقوم بالأمر وتستفيد من حاجة السوق الليبية لأسلحة جديدة وتدريب عسكريين وبناء مطارات ودشم عسكرية بعد أن قصف حلف الناتو في 2011 معسكرات الجيش.
لكن أوباما حين بدأ يدرس موضوع إلغاء قانون التأشيرة الخاص بالليبيين، اصطدم بمنظمات أهلية وشبه رسمية قدمت تقارير للكونغرس بينت فيها أن ليبيا ما زالت دولة خطرة على السلام العالمي بسبب تزايد أعداد الجهاديين فيها، ومن بينهم قيادات في المؤتمر الوطني (البرلمان) والحكومة، وبعضهم له صلات بعمليات إرهابية أو أنه يتستر على مطلوبين نفذوا عمليات إرهابية وقعت في الماضي، بما فيها عملية تفجير القنصلية الأميركية في بنغازي في 2012.
أو كما قال أحد المشرفين الأميركيين على تحقيقات تجري بشأن تفجير القنصلية، في إفادة حصلت «الشرق الأوسط» على تفاصيل منها، وهو يوجه حديثه إلى مسؤولين عسكريين وآخرين من البيت الأبيض: هل توصلتم إلى الفاعل في الهجوم على القنصلية قبل أن تتحدثوا عن فتح باب التأشيرات لليبيين الساعين لتعلم الطيران؟ هل تعلمون أن الجيش الليبي (الرسمي) فيه جهاديون؟ هل تريدون أن ندرب هؤلاء لكي يقودوا طائرات يمكن أن يفجروها في ناطحات السحاب الأميركية؟ هل تريدون تكرار ما حدث في 11 سبتمبر (أيلول) 2001؟
جرى هذا اللغط في الأشهر الأولى من هذا العام. وأعقب ذلك إرسال موفدين أميركيين بشكل غير رسمي للتحقق من طبيعة ما يجري على الأرض الليبية، خاصة بشأن تغلغل الجهاديين في الجيش الرسمي الذي تديره وزارة الدفاع ورئاسة الأركان، وهما جهتان تقول المصادر إن كثيرا من القيادات فيهما من الموالين للجماعات المتشددة، وإن كثيرا منهم تدخل في السابق لإرساء مبادئ خطيرة تتعلق بالسماح للكتائب والميليشيات بالعمل كأذرع للبرلمان المؤقت والحكومة، وتخصيص رواتب لقادتها وعناصرها من ميزانية الدولة، وهو أمر أسهم في عرقلة بناء الجيش والشرطة.
ليس بالضرورة أن يكون للمقدمة السابقة علاقة مباشرة بـ«عملية الكرامة» التي بدأ تنفيذها اللواء خليفة حفتر، القائد السابق في الجيش الليبي، ضد المتشددين الإسلاميين والكتائب والميليشيات المحمية من قيادات رسمية، وفقا لأحد المصادر الليبية المطلعة، الذي يشير إلى أن عملية حفتر التي انطلقت منذ الشهر الماضي ليست إلا محصلة لمطالب محلية ودولية تريد تحقيق الاستقرار في ليبيا، لكن الاستحسان الذي تلقاه هذه العملية يزيد الزخم حول إمكانية أن يتحول القائد العسكري السابق إلى محور لدولة متماسكة، رغم أن أيا من الأطراف صاحبة المصلحة لم تعلن صراحة الوقوف مع أو ضد حفتر.
يقول المحلل السياسي الليبي حسين قدورة: «هذا ليس هدف الغالبية العظمى من المواطنين الليبيين فقط، ولا شركات السلاح الكبرى فقط، ولكنه أيضا هدف أصيل لشركات النفط العالمية التي لها مصالح منذ عقود في هذا البلد الغني بالنفط، إضافة إلى أنه هدف أصيل لدول الجوار الليبي التي تعاني ضعف الرقابة على الحدود وتهريب السلاح وتنقل الجهاديين عبرها، خاصة الجزائر ومصر وتشاد».
والخلاصة أن كل التقارير التي أعدتها مجموعة من الدول الغربية بشكل منفرد، على ما يبدو، من جانب كل منها، انتهت إلى أن الوضع الليبي لا يمكن أن يستمر بالطريقة التي يريدها الأعضاء الفاعلون في المؤتمر الوطني وفي الحكومة التي تساندها جماعة الإخوان المسلمين. ووفقا لدبلوماسيين غربيين، فإن هذه التحركات الدولية جاءت تحت ضغط من شركات السلاح والنفط التي أصيبت بخسائر ضخمة بسبب عدم القدرة على تفعيل أي صفقات، بما فيها الصفقات الموقعة سلفا مع دولة تعاني الفوضى.
ويلاحظ أن عددا من الدبلوماسيين الغربيين وحتى المسؤولين قاموا خلال الشهور الماضية، ومنذ أواخر العام الماضي، بزيارات أو اتصالات أو لقاءات في الداخل والخارج، مع أطراف ليبية مهمة، في محاولة لإيصال رسالة تقول إنه إما إرساء مبادئ دولة ديمقراطية آمنة بجيش وشرطة قويين، أو أن الأمور قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه. وتعد المحاولة الفاشلة لتهريب النفط من ميناء السدرة في الشرق الليبي، واحدة من الوقائع التي أعادت الزخم الدولي حول هذا البلد.
هناك الكثير من الصفقات التي كان ينبغي الانتهاء منها خلال الأشهر الماضية، إلا أنها تعطلت بفعل الانفلات الأمني والخوف من تنامي نشاط تنظيم القاعدة، وخلافات الفرقاء السياسيين. أو كما يقول البعض فإن أهم عنصرين حركا المياه الراكدة على الصعيد الدولي بشأن ليبيا أخيرا، هما «السلاح والنفط».. أي تعطل صفقات تبلغ قيمتها مليارات الدولارات.
قبل بداية عملية «الكرامة» مارست الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا ودول غربية أخرى، ضغوطا على أطراف النزاع الليبي من أجل التهدئة والسيطرة على الفوضى الأمنية والدخول في المسار الديمقراطي. وتشير المصادر إلى أن دولا إقليمية أخرى عملت منذ وقت مبكر في هذا الاتجاه، من بينها مصر وبلدان أفريقية مجاورة، لكن استقالة الدكتور علي زيدان من رئاسة الحكومة وفشل المؤتمر الوطني في لم شمل الخلافات، وتصلب مواقف الميليشيات المسلحة والكتائب التي يقودها متطرفون، أدت على ما يبدو إلى حالة من الإحباط على المستويين المحلي الليبي والإقليمي والدولي.
وبينما كان الليبيون في الداخل ينظمون خلال الشهرين الماضيين فعاليات للعصيان المدني احتجاجا على سياسات المؤتمر الوطني والميليشيات ومظاهر التسلح، زار عدد من المستشارين والمسؤولين الغربيين ليبيا، في محاولة على ما يبدو لفهم ما يجري في هذه البلاد النفطية شاسعة المساحة، وكان من بينهم نائب وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز. وقال مصدر قبلي ليبي إن زيارة بيرنز سبقتها زيارات أخرى لأميركيين من بينهم مستشار يعمل لصالح وزارة الدفاع الأميركية قام بجولة في الزنتان وطرابلس ومصراتة والمنطقة الشرقية، مشيرا إلى أن الأميركيين لديهم قلق من تصاعد نفوذ المتشددين في ليبيا.
وتتلاقى أهداف عملية «الكرامة» مع أطراف أخرى داخلية وخارجية لأنها «ربما ستكون طريقا جديدا لبناء دولة متماسكة، في حال تمكن قائدها حفتر من جمع الأطراف الرئيسة والفاعلة في البلاد حول مشروع وطني يؤيده الشارع، لاستعادة سلطة الدولة المركزية»، كما يقول أحد القيادات الليبية السابقة المقيمة في العاصمة المصرية القاهرة. ويضيف أن أمام حفتر عدة تحديات من بينها إيجاد خطاب متوازن يرضي ثورة 17 فبراير (شباط) ويرضي القبائل التي جرى تهميشها وإقصاؤها تحت زعم مساندتها لحكم القذافي، بالإضافة إلى إقناع القيادات التي خرجت بفعل قانون العزل السياسي من الحياة العامة منذ صيف العام الماضي، بالتفاهم وتصويب الوضع القانوني الذي تضرر منه الألوف من الليبيين ممن عملوا في الإدارات الحكومية في العهد السابق.
ومنذ سقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي في خريف عام 2011، كانت خيوط الدولة المركزية تفلت يوما بعد يوم من بين أصابع قيادات الحكم الجديدة. وجرى إقصاء أي إمكانية لتكوين جيش وسلطات أمنية قوية، لصالح استفحال الميليشيات والكتائب وسيطرتها على مخازن سلاح جيش القذافي وكتائبه، وإحلال نفسها محله ليتحول قادة هذه الميليشيات وأمراؤها إلى المئات مما أصبح يسميه البعض «القذافيين الصغار». ويمارس قادة الميليشيات سياسات القذافي في الإقصاء والتهميش والاحتجاز والمحاكمة خارج نطاق القانون. أو كما يقول أحد الأساتذة في جامعة بنغازي: «من السهل الإطاحة بديكتاتور، ومن الصعب بناء دولة».
وحصلت «الشرق الأوسط» على وثائق جديدة تخص التحقيق في مقتل اللواء عبد الفتاح يونس، الذي كان يسعى لتفعيل الجيش الوطني الليبي، ليكون ركيزة للدولة الجديدة في صيف 2011، وتبين هذه الوثائق إدراك قادة الميليشيات الإسلامية منذ وقت مبكر لخطورة وجود جيش أو سلطة مركزية قوية على مستقبلها. كما تشير هذه الوثائق إلى وجود تململ من جانب اللواء حفتر بسبب عدم حسم اللواء يونس لعدة أمور ظلت معلقة وربما تسببت في مقتله في نهاية المطاف، ومن بينها العلاقة المركبة والغامضة بين يونس ومراكز حلف الناتو التي كانت تدير عمليات القصف ضد قوات القذافي، وعلاقته بقادة الميليشيات، خاصة تلك التي يقودها إسلاميون ليبيون متشددون قادمون من أفغانستان وغيرها، وكانوا يدبرون المكائد ضده دون أن يتخذ الاحتياطات اللازمة.
ويقول أحد العسكريين الليبيين إن حفتر بدأ في ذلك الوقت في التراجع خطوات للخلف، لأنه لم يكن راضيا عن طريقة عمل يونس على الجبهة. وحين تعرض يونس للقتل على أيدي من يعتقد أنهم إسلاميون متشددون، ابتعد حفتر عن القيادة، وظل يعمل بقدر استطاعته للإسهام في القضاء على القذافي دون أن يكون موجودا في الصفوف الأولى التي حرص أمراء الحرب من الجماعات الإسلامية مثل «الجماعة المقاتلة» و«الإخوان» وغيرهما، على تصدر مشهدها طيلة الوقت. وحين انتهى نظام القذافي، أخذت الميليشيات والكتائب الإسلامية تعمل على سد أبواب العمل أمام حفتر رغم أهميته كرجل عسكري مخضرم.
ويعتقد البعض أن «الجيش الوطني الليبي» الذي بدأ عملية «الكرامة» أخيرا بقيادة حفتر مجرد اسم جديد لمجموعة من العسكريين. وهذا غالبا غير صحيح. وكلمة «الجيش الوطني» ارتبطت أساسا بحفتر حين انضم إلى المعارضة الليبية ضد القذافي في الخارج في ثمانينات القرن الماضي. كان حفتر من رجال الجيش في عهد النظام السابق، وحقق انتصارات في قيادته للحرب الليبية في تشاد، مما تسبب في خوف القذافي منه، فتخلى عنه، ليقع في أسر التشاديين مع مئات من الجنود الليبيين في معركة وادي الدوم الشهيرة عام 1987.
وبعد هذه الواقعة انشق حفتر عن القذافي وتدخلت عدة دول مع ظروف سياسية أخرى، لتحريره من الأسر، وانتقل مع رفاقه إلى الخارج، وبدأ في تأسيس الجيش الوطني عام 1988 ليكون الذراع العسكرية للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وهي جبهة معارضة كانت تتكون من معظم القيادات التي عادت من المنفى وأسهمت في الإطاحة بنظام القذافي في 2011، لكن المؤتمر الوطني المنحاز للميليشيات الإسلامية تخلص من غالبية قيادات المعارضة هذه، وتسببت حالة الفوضى في طرد الكثير من السياسيين الكبار إلى خارج البلاد مرة أخرى، واستخدم قادة إسلاميون عدة وسائل مثل إصدار قانون العزل السياسي، والخطف والاغتيالات ووصم قادة المعارضة التاريخية بـ«الليبراليين والعلمانيين» الذين يعارضون إقامة دولة إسلامية في ليبيا، وغيرها من وسائل الترهيب.
وقبل الوصول إلى مطلع تسعينات القرن الماضي كان الزخم حول الجيش الوطني الليبي قد بدأ في التراجع، ولم يظهر مجددا بشكل قوي إلا مع عودة حفتر من الخارج مع بدء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي في 2011، لكن مقتل يونس أدى إلى تبخر حلم إحياء الجيش الوطني.
وبدأ الحكام الجدد في المجلس الانتقالي وعدة دول أجنبية في التعامل مع قادة الميليشيات والكتائب كجيوش مستقلة عن بعضها البعض، لا يجمعها غير الرغبة في التخلص من القذافي. انتهت المهمة، لكن هذه المجموعات المسلحة ما زالت تعمل كجيوش صغيرة داخل الدولة التي تركها القذافي وهي تعاني تناقضات معقدة.
مثلا في منطقة جنوب ليبيا، أو ما يعرف بـ«إقليم فزان»، كانت التربة صالحة لإنبات وضع مختل، وفقا لما أشار إليه تقرير للباحث الألماني ولفرام لاخر، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تقريره اعتمد على «مقابلات أجريت مع شخصيات سياسية وعسكرية في سبها وأوباري ومرزق في شهر سبتمبر من عام 2013 ومع ممثلين عن فصائل المجتمع في الجنوب الليبي في كل من طرابلس وبنغازي ونيامي وأغادز في عامي 2012 و2013 وشهر يناير (كانون الثاني) من عام 2014».
«لقد انقسمت فزان، كما هو حال سائر مناطق ليبيا، إلى مناطق نفوذ محلية متعددة، فمنها ما يرزح تحت سيطرة مجموعة مسلحة واحدة، ومنها ما تتصارع عليه مجموعات كثيرة، كما في بعض أجزاء من سبها». هكذا يشير تقرير «ولفرام لاخر». لكنه يتحدث أيضا عن اشتباه في قدرة المجموعات المتطرفة على عبور فزان بالاعتماد على حلفائهم المحليين «فقد أرسلت مجموعة أنصار الشريعة على الأقل رتلا من المقاتلين والأسلحة إلى شمال مالي في أواخر عام 2012، ونقل أن هذا الرتل استخدم أذونات رسمية لعبور نقاط التفتيش في (منطقتي) هون وتمنهنت. وكذلك نقل أن المجموعة المسؤولة عن هجمات يناير من عام 2013 على المرافق النفطية في عين أميناس في الجزائر كانت قد اجتمعت في العوينات شمال غات في ليبيا».
ويزيد التقرير قائلا إن أكثر المناطق الجغرافية قيمة تتمثل في «الحدود والطرق ونقاط التفتيش وحقول النفط والقواعد العسكرية ومستودعات السلاح.. وقد أدت الأرباح التي تجنى من هذه الموجودات إلى إغراء المجموعات المسلحة لتوسيع نطاق سيطرتها أو مضاعفة أرباحها.. ففي يونيو (حزيران) من عام 2013. على سبيل المثال، قام الحرس المنتمون إلى قبائل التبو بإيقاف الإنتاج في حقل الفيل (النفطي) للمطالبة بفرص عمل إضافية لأفراد المجتمع المحلي في مجال حماية هذا الحقل. وعندما أراد الحرس القادمون من الزنتان والمسؤولون عن حماية الحقل فك الحصار عنه، قوبلوا بتعزيزات من التبو اضطرتهم إلى التقهقر، وانتهت الأزمة بتعزيز حرس التبو لمواقعهم في الحقل». ويقول «ولفرام لاخر» إن المصالح التي رسختها المجموعات المسلحة ستشكل عائقا كبيرا أمام محاولات إعادة تأسيس سلطة الدولة.
ويطلق البعض على ما يجري في ليبيا تعبير «الصراع بين السلاح القبلي والسلاح الإسلامي»، في إشارة إلى المجموعات القبلية التي تمكنت من الاستحواذ على الألوف من قطع السلاح الخفيف والمتوسط والثقيل عقب سقوط نظام القذافي، والتحصن وراء ما تملكه من ترسانة أسلحة لحماية نفسها من الميليشيات والكتائب الإسلامية المدججة بالأسلحة بما فيها الدبابات والصواريخ.. لكن المشكلة الرئيسة، كما يراها البعض، أن الميليشيات والكتائب لها نصيب الأسد في الدولة الجديدة بسبب الاعتماد عليها من جانب المؤتمر الوطني والحكومة، على حساب القبائل، خاصة تلك التي كانت منخرطة في الأجهزة الأمنية التابعة للقذافي.
وتبرز التفاصيل الصغيرة للصراع اليومي بين السلاح القبلي والإسلامي، في كل المناطق النفطية، خاصة تلك التي جرى فيها استجلاب عمالة من خارج المدن القريبة منها، وتسبب هذا النزاع في إغلاق موانئ نفطية في عدة مناطق في هذا البلد العضو في منظمة أوبك، خاصة في منطقة الشرق، مما كبد البلاد خسائر بمليارات الدولارات، وتوقفت الغالبية العظمى من صادرات البلاد، وتأخر تنفيذ عقود تخص عشرات الشركات النفطية الأجنبية.. فبعد أن كان الإنتاج اليومي قبيل فبراير 2011 يصل إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميا، تراجع إلى نحو 200 ألف برميل يوميا.
وتبرز تفاصيل الصراع اليومي أيضا في كل الأراضي المتنازع عليها.. والمقصود هنا تلك الأراضي الشاسعة التي أقام عليها القذافي مشروعات ومساكن بينما هي تخص قبائل، بينما من يستفيد من هذه المشروعات والمساكن قبائل أخرى. وكل هذا يحتاج لدولة مركزية قوية قادرة على صياغة قوانين وإصلاح ما أعطبه القذافي، ومعالجة إقصاء الحكام الجدد لقبائل مهمة مثل ورفلة وورشفانة وترهونة والمقارحة وغيرها.
وتصور أغان شعبية ليبية البرلمان الذي يهيمن عليها الإسلاميون وجماعة الإخوان على أنه «ذئب»، وتصور ليبيا على أنها «ضأن»، بينما الراعي هو «الشعب». وتقول كلمات الأغنية إن الراعي عليه أن يواجه الذئب الجديد لحماية أغنامه، بعد أن تخلص من الذئب السابق.
وتتجسد مأساة التعامل بناء على الانتماء للميليشيات والهوية القبلية، في حكايات أخرى لليبيين. مثلا تقول هذه القصة إن أحد المصريين انطلق في سيارة أجرة من مدينة طرابلس الليبية، متوجها إلى بلاده بصحبة ستة من أصدقائه الليبيين، وفي كل نقطة تفتيش من تلك النقاط التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة على الطرق البرية من طرابلس إلى حدود مصر، مرورا بمدينتي سرت وبنغازي، كان يجري سؤال الركاب الليبيين عن هويتهم القبلية ودرجة ولائهم للميليشيات. ويقول المصري إنه في نهاية المطاف وصل إلى حدود بلاده وحده، بعد أن قام المسؤولون عن تلك البوابات بتوقيف أصدقائه واحدا تلو الآخر لأسباب قبلية وميليشياوية إسلامية.
وتوجد الكثير من الحالات المماثلة للنزاع ليس في الجنوب الليبي فقط كما ورد في تقرير السيد «لاخر»، بل في شرق البلاد وغربها أيضا.. أي في إقليمي برقة وطرابلس، حول مواقع النفوذ، خاصة فيما يتعلق بحراسة حقول النفط التي تعمل فيها شركات تابعة للكثير من الدول، والسيطرة على المطارات الجوية، ومخازن السلاح، وغيرها. وتوجد نحو 40 شركة نفط دولية لها تعاقدت مع الدولة الليبية منذ عهد القذافي، أصيبت بأضرار بالغة منذ ثورة 2011، بسبب تراجع القدرة على التصدير أو الالتزام بالتعاقدات، من بينها شركات أميركية تعمل في المنطقة التي يسيطر عليها دعاة الحكم الفيدرالي في الشرق، وأخرى إيطالية في جنوب غربي طرابلس، إضافة لشركات فرنسية لها حصص في آبار نفطية في الجنوب.
وحول ما إذا كان يعتقد بوجود ضغوط تمارس من جانب جهات دولية من أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا بشكل عاجل لتنفيذ صفقات معطلة منذ أشهر، خاصة بالسلاح والبترول، قال مصدر قبلي كان من ضمن وفود ليبية رسمية زارت القاهرة في أبريل (نيسان) الماضي: بطبيعة الحال الدول تسعى لمصالحها، سواء الغرب؛ أوروبا، أو أميركا.. توجد شركات تابعة لهذه الدول أصبحت متضررة بشكل كبير.. والأطراف الرئيسة، وعلى رأسها واشنطن، يمكن أن تقول إنها أصبحت تدرك أن الوضع في ليبيا يحتاج إلى جهود دولية حقيقية لمساندتها.
وتقول المصادر الليبية إن حفتر حاول بالتعاون مع عدة «أطراف وطنية» داخل البلاد وخارجها، البدء بعملية الكرامة في فبراير الماضي، لكن العملية تعرضت للإجهاض حين تعجل بعض القادة على الأرض في تنفيذ مهام دون تنسيق، خاصة في الجنوب وفي طرابلس. وتزامن ذلك مع زيادة دول ذات مصلحة في ليبيا، للضغط من أجل التوصل لحلول دون اللجوء لنزاع طويل الأمد بين الفرقاء الليبيين، ومن بين هذه الدول فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة.
وتشير المصادر إلى أن الدول الغربية ضغطت على أطراف إقليمية لها علاقات وثيقة بقادة قبائل وميليشيات وكتائب مسلحة، من أجل الانخراط في عملية بناء الدولة الليبية، وتشكيل جيش وشرطة ومؤسسات وحكومة مركزية قوية، إلا أن هذه المحاولات لم تأت بأي نتائج ذات شأن، مما فتح الباب لكل الاحتمالات، بما فيها مصير عملية الكرامة التي بدأت أخيرا بشكل أكثر تنسيقا واحترافية من المحاولة السابقة التي جرت في فبراير، وكانت «مجرد دعوة للم الشمل السياسي»، قبل أن تتحول إلى عملية عسكرية، عقب اتهام المؤتمر الوطني لحفتر ومن معه بمحاولة الانقلاب على ما يسميه الإسلاميون وقادة الإخوان الليبيين «الشرعية»، ليستمر الصراع بين الضأن والراعي والذئب الجديد.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.