«الخروج الآمن» من اتفاق خفض إنتاج النفط قيد التحركات الأميركية

حفارات نفطية في حقل للنفط بباكو يوم 5 أكتوبر 2017 (رويترز)
حفارات نفطية في حقل للنفط بباكو يوم 5 أكتوبر 2017 (رويترز)
TT

«الخروج الآمن» من اتفاق خفض إنتاج النفط قيد التحركات الأميركية

حفارات نفطية في حقل للنفط بباكو يوم 5 أكتوبر 2017 (رويترز)
حفارات نفطية في حقل للنفط بباكو يوم 5 أكتوبر 2017 (رويترز)

التزمت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) مع بعض المنتجين المستقلين باتفاق رفع الأسعار فوق مستوى 60 دولارا، مع رفع حجم التوقعات في العام المقبل، بعد الاتفاق، يوم الخميس، على تمديد اتفاق تخفيض الإنتاج لآخر 2018؛ بيد أن استراتيجية «الخروج الآمن» منه لم تحدد بعد.
إلا أن زيادة أسعار الخام الأميركي الذي يتداول عند 58 دولارا حاليا، نحو دولارين ليبلغ 60 دولارا، قد تشجع منتجين آخرين للنفط الصخري على زيادة إنتاجهم، وهو ما يقلل من فعالية اتفاق منتجي النفط بين «أوبك» وروسيا، لكن بنحو قد لا يتجاوز 500 ألف برميل يوميا. ومع الإعلان عن الاتفاق، سجلت أسعار النفط ارتفاعا طفيفا في تسوية تعاملات يوم الجمعة، لكنها قبعت دون مستويات الذروة التي سجلتها خلال الجلسة، مع تضرر الأسواق المالية من تقرير لـ«إيه بي سي نيوز»، عزز المخاوف بشأن انكشاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تحقيق حول تدخل روسيا في حملة الانتخابات الرئاسية العام الماضي. وارتفع خام القياس العالمي «مزيج برنت» ليصل إلى 64.32 دولار للبرميل.
لكن النفط بدد بعض مكاسبه مع تراجع «وول ستريت» بعد تقرير «إيه بي سي» الذي ذكر أن مستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين مستعد لإبلاغ المحققين بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أصدر له توجيهات قبل تولي منصبه بالاتصال بالروس.
وجرت تسوية العقود الآجلة لخام القياس العالمي «مزيج برنت» عند 63.73 دولار للبرميل، ليكون عقد أقرب استحقاق لشهر فبراير (شباط) بذلك مرتفعا 16 سنتا من حيث انتهى أجل عقد يناير (كانون الثاني). وارتفعت عقود فبراير 1.8 في المائة عن إغلاق الجلسة السابقة.
وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 96 سنتا، أو 1.7 في المائة، إلى 58.36 دولار للبرميل في التسوية. ولا ينتهي عقد يناير لخام غرب تكساس الوسيط قبل 19 ديسمبر (كانون الأول).
وانخفض الخامان على أساس أسبوعي، حيث نزل «برنت» أقل من واحد في المائة، بينما تراجع الخام الأميركي بنحو واحد في المائة.

زيادة عدد حفارات النفط الأميركي
وفي إشارة إلى توقعها للاتفاق على تمديد اتفاق التخفيض، زادت شركات الطاقة الأميركية عدد حفارات النفط العاملة للأسبوع الثاني على التوالي، مع تداول أسعار الخام بالقرب من أعلى مستوى، منذ صيف عام 2015، بعدما مددت الدول الكبرى المنتجة للخام اتفاقا عالميا لتقليص الإمدادات.
وقالت «بيكر هيوز» لخدمات الطاقة يوم الجمعة، إن الشركات زادت عدد منصات الحفر النفطية بواقع حفارتين في الأسبوع المنتهي في الأول من ديسمبر، ليصل العدد الإجمالي إلى 749 منصة.
وأشاد المنتجون الأميركيون بقرار منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمنتجين من خارجها، وعلى رأسهم روسيا، تمديد تخفيضات إنتاج الخام بنحو 1.8 مليون برميل يوميا، حتى نهاية عام 2018، مع سعيهم للتخلص من تخمة المعروض في الأسواق العالمية.
بيد أن زيادة الإنتاج الأميركي أمر شائك بالنسبة لمنظمة «أوبك»، ويقوض أثر تخفيضات الإنتاج التي تقودها.
وارتفع الإنتاج الأميركي إلى 9.5 مليون برميل يوميا في سبتمبر (أيلول)، وهو أعلى مستوى إنتاج شهري منذ أن بلغ 9.6 مليون برميل يوميا في أبريل (نيسان) 2015 بحسب بيانات اتحادية لقطاع الطاقة. وعدد الحفارات، الذي يعد مؤشرا مبكرا على الإنتاج في المستقبل، ما زال أكبر من 447 حفارة كانت عاملة قبل عام، بعد أن عززت شركات الطاقة خطط الإنفاق لعام 2017، مع تعافي الخام من انخفاض استمر عامين.
وارتفع سعر العقود الآجلة للخام الأميركي 5.5 في المائة، في نوفمبر (تشرين الثاني) وسط حديث عن تمديد الاتفاق الذي تقوده «أوبك» لخفض الإمدادات، وبلغ في المتوسط أكثر من 50 دولارا للبرميل منذ بداية 2017، ليتجاوز بكثير متوسط العام الماضي البالغ 43.47 دولار للبرميل.
وقفزت العقود الآجلة هذا الأسبوع فوق 58 دولارا للبرميل، مقتربة من أعلى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2015.
وقال بنك «باركليز» إن التزام منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وروسيا بمستويات إنتاج عام 2017 بعد الربع الأول من عام 2018، سيؤدي بشكل أساسي إلى مزيد من التوازن بين العرض والطلب في السوق بنحو 400 ألف برميل يوميا (مع تساوي بقية العوامل) وسيشكل خطرا صعوديا لتوقعاته لأسعار النفط في النصف الثاني من 2018. وأضاف «باركليز»: «نتوقع ردا من إنتاج النفط الصخري الذي قد ينمو مجددا بما يتراوح بين 400 و500 ألف برميل يوميا، إذا بلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 60 دولارا للبرميل».
ويتوقع «باركليز» أن ينكمش نمو الطلب بما يتراوح بين 100 و200 ألف برميل يوميا، إذا بلغت أسعار خام القياس العالمي «مزيج برنت» في المتوسط ما بين 60 و65 دولارا للبرميل العام المقبل.
من جانبه قال وزير الاقتصاد الروسي ماكسيم أورشكين، إن وزارته سترفع توقعاتها لسعر النفط لعام 2018 بعد أن اتفقت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ومنتجون غير أعضاء في المنظمة بقيادة روسيا، على تمديد تخفيضات إنتاج النفط. وقال أورشكين إن الوزارة سترفع توقعاتها لعام 2018 للبرميل من خام «الأورال» إلى ما يزيد على 50 دولارا، مقارنة مع تقديراتها السابقة البالغة 43.8 دولار للبرميل.

واردات الصين تدعم ارتفاع الأسعار
قال محللون ومصادر تجارية، إن من المتوقع أن ترتفع واردات الصين من النفط الخام في يناير، مع تسارع طلب شركات التكرير المستقلة فور صدور حصص الاستيراد لعام 2018، وشروع شركات التكرير في إعادة تكوين المخزونات.
ومن المتوقع أن ترتفع واردات الصين من الخام إلى مستوى قياسي جديد في عام 2018، مع دخول قدرات تكرير جديدة حيز التشغيل، وسماح بكين لمزيد من شركات التكرير المستقلة باستيراد الخام. كما تساعد قوة نمو الطلب في أكبر مستورد للخام في العالم، في دعم أسعار النفط العالمية في الوقت الذي مددت فيه منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وبعض المنتجين المستقلين تخفيضات الإنتاج.
وتخطت الصين الولايات المتحدة هذا العام، لتصبح أكبر مستورد للخام في العالم.
وقال سينغ إيك تي، المحلل لدى «إس آي إيه إنرجي» للاستشارات، ومقرها بكين، إن واردات الصين من الخام قد تبلغ 8.8 مليون برميل يوميا العام المقبل، في حين من المحتمل أن تبلغ الواردات في يناير مستوى قياسيا على أساس شهري عند 8.53 مليون برميل يوميا، مع تلقي شركات التكرير المستقلة لحصص وارداتها، وشروع المشترين في إعادة تكوين المخزونات قبل السنة الصينية الجديدة، التي تحل في منتصف فبراير.
وأضاف: «من المستبعد أن يثني أي سعر للنفط فوق 60 دولارا للبرميل المشترين، في الوقت الذي يمكن فيه لشركات التكرير تمرير التكلفة إلى المستخدم النهائي، مع الاتجاه الصعودي لأسعار الخام».
وتقول مصادر بقطاع التكرير وأخرى تجارية، إن من المتوقع أن تقدم بكين موعد إصدار حصص الاستيراد لعام 2018 إلى ديسمبر، مما يسمح للشحنات بدخول البلاد اعتبارا من يناير. وفي عام 2017 أصدرت وزارة التجارة الحصص في يناير.
وقال مصدر بشركة تكرير مستقلة: «الطلب يتسارع بسبب (إصدار) مزيد من حصص الخام في يناير».
وقال المصدر إن شركات التكرير تطلب شراء مزيد من الخام الذي من المنتظر أن يصل في النصف الثاني من يناير، بفعل مخاوف من أن الحصص قد لا تأتي في موعدها.
ورفع طلب يفوق المتوقع على الوقود وارتفاع الهوامش، معدلات استهلاك شركات التكرير في الصين للنفط، ودفع مخزونات النفط الخام لأدنى مستوياتها في أكثر من سبع سنوات، مع سحب شركات التكرير من المخزونات.
وقالت المصادر إن من المرجح أن تشتري الصين الخام بشكل أساسي من الشرق الأوسط وروسيا، بينما ستتم تلبية بعض طلبها من مناطق أخرى. وبلغت العلاوة الفورية لخامي عمان وشرق سيبريا - المحيط الهادي (إسبو) الروسي، وهما من بين الدرجات الأكثر شيوعا بين شركات التكرير المستقلة، أعلى مستوى في عدة سنوات للتحميل في يناير.
وقال محلل يتتبع تدفقات النفط، إن من المتوقع أن يصل 800 ألف برميل يوميا من الخام الأميركي إلى آسيا في ديسمبر.
وترسل «رويال داتش شل» ستة ملايين برميل من خام بحر الشمال إلى شاندونغ، حيث تعمل معظم شركات التكرير المستقلة في البلاد، في ديسمبر ويناير، وفقا لما تظهره بيانات التدفقات على منصة «تومسون رويترز إيكون»، وقالت «شل» إنها لا تعقب على مسائل تجارية.


مقالات ذات صلة

ما الذي أسقط الذهب؟ وهل يستعيد بريقه أم يواصل الهبوط؟

تحليل إخباري بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)

ما الذي أسقط الذهب؟ وهل يستعيد بريقه أم يواصل الهبوط؟

تعرّض الذهب لموجة بيع حادة يوم الجمعة، إذ هبطت بأسعاره إلى ما دون 4 آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى منذ منتصف يوليو. فما الأسباب التي دفعت إلى ذلك؟

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تقرير إخباري وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يونيو (الاحتياطي)

تقرير إخباري «الفيدرالي» أمام استراحة محتملة... والتضخم يهدد بتجدد رفع الفائدة

يتَّجه «الاحتياطي الفيدرالي» إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يومَّي الثلاثاء والأربعاء، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مستودع وقود تابع لشركة «أرال» في مصفاة نفطية في مدينة غيلزنكيرشن بغرب ألمانيا (أ.ف.ب)

ألمانيا تطرح عطاء لبيع الديزل وزيت التدفئة من المخزونات الاستراتيجية

طرحت الوكالة الألمانية الوطنية لتخزين النفط عطاء لبيع كميات من الديزل وزيت التدفئة والنفط الخام من الاحتياطيات الاستراتيجية. حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن وثيقة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في عرض البحر (رويترز)

3 ناقلات محملة بديزل روسي تتجه نحو أميركا الشمالية

قال ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، إن ثلاث ناقلات محملة بالديزل الروسي في طريقها إلى أميركا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الأوروبي يظهر منعكساً في نافذة بفرانكفورت أم ماين - غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

التضخم وعوائد السندات يضعان «المركزي الأوروبي» أمام اختبار صعب

يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الخميس المقبل، وسط تصاعد المخاطر المحيطة بالتضخم.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ترمب: «آودي» تعتزم استثمار 4.2 مليار دولار لبناء أول مصنع لها بأميركا

مصنع سيارات «آودي» في ألمانيا (إكس)
مصنع سيارات «آودي» في ألمانيا (إكس)
TT

ترمب: «آودي» تعتزم استثمار 4.2 مليار دولار لبناء أول مصنع لها بأميركا

مصنع سيارات «آودي» في ألمانيا (إكس)
مصنع سيارات «آودي» في ألمانيا (إكس)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنَّ شركة صناعة السيارات الألمانية «آودي» تعتزم استثمار 4.2 مليار دولار لإنشاء أول مصنع لها في الولايات المتحدة والذي سينتج 200 ألف مركبة سنوياً.

وأكدت الشركة الألمانية الاستثمار في بيان، مشيرة إلى أن المصنع سيوفر نحو 4500 فرصة عمل.

وقال ترمب في تجمع انتخابي قبل 10 أيام من انتخابات منتصف الولاية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) التي ستحدِّد أي معسكر سيسيطر على الكونغرس: «يسرني إعلان استثمار ضخم في مجال تصنيع السيارات في ولاية جورجيا العظيمة من جانب شركة رائعة».

وأضاف: «التزمت شركة (آودي) للتو باستثمار 4.2 مليار دولار في ولاية جورجيا، للبدء الشهر المقبل في إنشاء مصنع ضخم سينتج 200 ألف سيارة سنوياً».

من جهتها، ذكرت الشركة التابعة لمجموعة «فولكسفاغن» في بيان أنه من المقرر بدء أعمال البناء العام المقبل على أن يبدأ الإنتاج مطلع ثلاثينات القرن الحالي.

وأوضحت أن «الاستثمار، المخطَّط له، يهدف إلى تأكيد التزام طويل الأمد تجاه الولايات المتحدة، وترسيخ أميركا الشمالية ركيزةً رئيسيةً ثالثةً ضمن شبكة الإنتاج العالمية لـ(آودي)، إلى جانب أوروبا والصين».


روسيا تبيع 62 طناً من الذهب منذ بداية العام... والصين تشتري

غسل قوالب الذهب على سير ناقل بعد إزالتها من القوالب في مصهر مصفاة للذهب في سيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب على سير ناقل بعد إزالتها من القوالب في مصهر مصفاة للذهب في سيدني (أ.ف.ب)
TT

روسيا تبيع 62 طناً من الذهب منذ بداية العام... والصين تشتري

غسل قوالب الذهب على سير ناقل بعد إزالتها من القوالب في مصهر مصفاة للذهب في سيدني (أ.ف.ب)
غسل قوالب الذهب على سير ناقل بعد إزالتها من القوالب في مصهر مصفاة للذهب في سيدني (أ.ف.ب)

تباينت تحركات البنوك المركزية في سوق الذهب، مع مواصلة روسيا بيع جزء من احتياطياتها من المعدن النفيس، واتجاه كازاخستان إلى تقليص حصته في احتياطياتها، في مقابل استمرار الصين وبولندا في تعزيز حيازاتهما. وتثير هذه التحركات تساؤلات بشأن اتجاه الطلب الرسمي على الذهب، وما إذا كانت مبيعات بعض الدول تمثل تحولاً أوسع في سياسات إدارة الاحتياطيات، أم أنها ترتبط باحتياجات مالية وظروف خاصة بكل دولة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «يورونيوز» الأحد، خفضت روسيا احتياطياتها من الذهب بنحو 6.2 طن في سبتمبر (أيلول)، لترتفع الكميات التي باعتها منذ بداية العام إلى نحو 62 طناً. ويأتي ذلك في ظل ضغوط على الموازنة الروسية، مع احتياجات تمويلية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا والإنفاق الدفاعي.

ونقل التقرير عن آدم سترونيافسكي، المدير العام لشركة «مينيتسا سكاربوفا» البولندية لتجارة المعادن النفيسة، قوله إن روسيا تبيع الذهب خارج سوق لندن، وإن جزءاً من الكميات يتجه إلى هونغ كونغ، حيث يُعد البنك المركزي الصيني، بحسب تقديره، المشتري الرئيسي. ورأى أن طبيعة هذه المعاملات ووجهتها قد تحدان من تأثيرها المباشر على الأسعار العالمية.

وتشير بيانات التجارة في هونغ كونغ، وفق التقرير، إلى وصول نحو 100 طن من الذهب الروسي إلى المدينة بين يناير (كانون الثاني) ويوليو (تموز)، أي ما يقارب ثلاثة أمثال الكمية المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

ولا يستبعد سترونيافسكي أن تعود روسيا مستقبلاً إلى شراء الذهب وإعادة بناء احتياطياتها، مستشهداً بما حدث بعد موجة بيع سابقة في عام 1998.

كازاخستان تتجه إلى تقليص حصة الذهب

في تحرك موازٍ، أعلنت كازاخستان عزمها خفض حصة الذهب إلى 75 في المائة من إجمالي احتياطياتها بحلول نهاية العام، مقارنة بنحو 78 في المائة حالياً. ويأتي هذا التوجه بعدما كانت البلاد من بين أكبر مشتري الذهب عالمياً خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

ويرى سترونيافسكي أن الخطوة قد تكون مؤقتة، وربما ترتبط بالحاجة إلى تغطية عجز الموازنة أو جني الأرباح بعد سنوات من تراكم حيازات الذهب وارتفاع أسعاره. وأشار إلى أن تقليص الحصة المستهدفة بثلاث نقاط مئوية، مع توزيع المبيعات على فترة زمنية، قد يحد من تأثيرها على السوق العالمية.

وتوضح الخطوتان الروسية والكازاخستانية أن قرارات البنوك المركزية المتعلقة بالذهب لا ترتبط بالضرورة بتوقعاتها للأسعار وحدها، بل قد تعكس أيضاً احتياجات التمويل وإدارة الموازنة وإعادة التوازن بين مكونات الاحتياطيات.

الصين وبولندا تواصلان تعزيز الاحتياطيات

في المقابل، تواصل الصين شراء الذهب، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي التي أظهرت أن بنك الشعب الصيني أضاف 23 طناً إلى احتياطياته في سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وبلغت مشترياته خلال الربع الثالث 63 طناً، بينما وصلت الزيادة منذ بداية العام إلى 103 أطنان.

ويشير التقرير إلى أن انتقال جزء من الذهب الروسي إلى هونغ كونغ، مع وجود طلب صيني، قد يعني أن بعض المبيعات الرسمية لا تتحول بالضرورة إلى ضغط صافٍ مماثل على السوق العالمية، إذ يتوقف الأثر على الجهة التي تشتري الكميات المباعة، وطريقة تنفيذ المعاملات، وحجم الذهب الذي يصل فعلياً إلى الأسواق المتداولة.

أما بولندا، التي رفعت احتياطياتها من الذهب بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، فتقترب من هدفها البالغ 700 طن. لكن سترونيافسكي يستبعد أن يؤدي بلوغ هذا المستوى إلى توقف المشتريات أو البدء في بيع الاحتياطيات، مشيراً إلى أن الذهب يدعم الجدارة الائتمانية للدولة ويساعد على استقرار العملة.

ووفق التقرير، تحتل بولندا المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم احتياطيات الذهب، وقد يكون بلوغ 700 طن محطة ضمن استراتيجية طويلة الأجل، لا نهاية لعمليات الشراء.

هل تمهد المبيعات لتحول أوسع في السوق؟

يثير بيع روسيا وكازاخستان جزءاً من احتياطياتهما تساؤلات بشأن احتمال انتقال بنوك مركزية أخرى من الشراء إلى البيع، خصوصاً بعد الارتفاعات الكبيرة التي سجلها الذهب خلال السنوات الماضية. لكن التقرير لا يرى أن تحركات البلدين تكفي وحدها للاستدلال على تحول عام في سياسة البنوك المركزية، في ظل استمرار الشراء من الصين وبولندا.

وبحسب بيانات مجلس الذهب العالمي الواردة في التقرير، ارتفع الذهب بنسبة 25.5 في المائة خلال عام 2024، ثم صعد بنسبة 67.4 في المائة في عام 2025، قبل أن يتراجع بنسبة 4.4 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، وفق الأسعار المقومة بالدولار الأميركي.

وقال سترونيافسكي إن بعض المستثمرين الذين اشتروا الذهب قبل سنوات قد يفكرون في جني الأرباح بعد الارتفاعات الكبيرة، لكنه يرى أن التصحيحات السعرية المؤقتة لا تعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصاعد على المدى الطويل.

وأضاف أن مشتريات البنوك المركزية والمستثمرين الذين ينظرون إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً وأصلاً احتياطياً قد تواصل دعم الأسعار. لكنه شدد على أن تحقيق عوائد موثوقة من الاستثمار في الذهب يتطلب أفقاً زمنياً طويلاً، ولا يعني أن الأسعار لن تتراجع على المدى القصير.


ما الذي أسقط الذهب؟ وهل يستعيد بريقه أم يواصل الهبوط؟

بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)
بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)
TT

ما الذي أسقط الذهب؟ وهل يستعيد بريقه أم يواصل الهبوط؟

بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)
بائع يعرض سبائك ذهبية في متجر مجوهرات داخل سوق الذهب في السوق القديمة بدبي (إ.ب.أ)

تعرّض الذهب لموجة بيع حادة خلال الأسبوع المنتهي في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، إذ هبطت بأسعاره إلى ما دون 4 آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى منذ منتصف يوليو (تموز)، مع تصاعد المخاوف من استمرار التضخم وتزايد الرهانات على احتمال رفع أسعار الفائدة الأميركية مجدداً قبل نهاية العام.

وجاء التراجع في وقت كان يفترض أن تدعم فيه التوترات الجيوسياسية الطلب على المعدن بوصفه ملاذاً آمناً، لكن ارتفاع أسعار النفط وموجة البيع في أسواق الأسهم دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكزهم وجني السيولة.

وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنحو 4 في المائة خلال الأسبوع، مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي منذ يونيو (حزيران)، بعدما لامس مستوى 3975 دولاراً للأونصة يوم الجمعة، قبل أن يتداول قرب 4 آلاف دولار. وأغلقت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر (كانون الأول) عند 4007.90 دولار للأونصة، منخفضة 1.3 في المائة في جلسة الجمعة، وفق بيانات نقلتها «رويترز».

ولم يكن الهبوط نتيجة عامل منفرد، بل جاء مع تداخل مجموعة من الضغوط، في مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة، وتغير توقعات السياسة النقدية، وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، إلى جانب عمليات تصفية للمراكز الاستثمارية. كما أعادت حركة الذهب الأخيرة طرح سؤال بشأن قدرته على الاحتفاظ بجاذبيته كملاذ آمن عندما تتعرض الأسواق لضغوط تدفع المستثمرين إلى بيع الأصول لتوفير السيولة.

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

النفط يعيد مخاوف التضخم إلى الواجهة

كان ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز العوامل التي ضغطت على الذهب خلال الأسبوع. فقد صعد خام برنت إلى أعلى مستوى له في أكثر من خمسة أشهر، وسط مخاوف من اضطراب الإمدادات بعد اعتداءات الميليشيات الحوثية على منشآت نفطية في السعودية.

وأعادت هذه التطورات مخاطر ارتفاع تكاليف الطاقة إلى واجهة الأسواق، في وقت يترقب فيه المستثمرون مسار التضخم الأميركي وقدرة البنوك المركزية على مواصلة تيسير السياسة النقدية.

وتكمن أهمية ارتفاع النفط بالنسبة إلى الذهب في أنه قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد الضغوط التضخمية، مما يقلص فرص خفض أسعار الفائدة سريعاً، بل يعزز احتمال تشديد السياسة النقدية إذا استمر التضخم فوق المستويات المستهدفة.

وعادة ما يستفيد الذهب من تراجع أسعار الفائدة أو انخفاض العوائد الحقيقية، لأن المعدن لا يدر عائداً دورياً. أما عندما ترتفع توقعات الفائدة وعوائد الأصول المنافسة، فتزداد تكلفة الاحتفاظ به مقارنة بالسندات والأدوات التي تقدم عائداً.

وقد عززت بيانات التضخم الأميركية الأقوى من المتوقع، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة، رهانات الأسواق على احتمال رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في ديسمبر. وفي حين كانت الأسواق تتوقع على نطاق واسع تثبيت الفائدة في اجتماع أكتوبر، اتجهت الأنظار إلى نبرة البنك المركزي وإشاراته بشأن الأشهر المقبلة.

موجة بيع الأسهم تزيد الضغوط

إلى جانب النفط والفائدة، ساهم التراجع الحاد في أسهم شركات التكنولوجيا في تسريع خسائر الذهب. فقد دفعت عمليات البيع في أسواق الأسهم بعض المستثمرين إلى توفير السيولة لتغطية طلبات الهامش أو تقليص المخاطر في محافظهم، وهو ما أدى إلى بيع أصول أخرى، من بينها الذهب.

وتوضح هذه الحركة أن الطلب على الملاذات الآمنة لا يؤدي دائماً إلى ارتفاع أسعارها بصورة فورية. ففي فترات اضطراب الأسواق، قد يضطر المستثمرون إلى بيع الذهب، حتى مع تصاعد المخاطر، إذا كانت حاجتهم إلى السيولة أكبر من رغبتهم في الاحتفاظ بالأصول الدفاعية.

كما أظهر تراجع الذهب بالتزامن مع انخفاض بعض عوائد السندات وضعف الدولار خلال جزء من موجة البيع أن تحركات المعدن لم تكن مرتبطة بعامل واحد فقط؛ إذ تداخلت توقعات الفائدة مع عمليات تصفية المراكز الاستثمارية والعوامل الفنية.

عرض سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

هل ضغطت مبيعات البنوك المركزية على الأسعار؟

لم تقتصر التساؤلات بشأن أسباب هبوط الذهب على أسعار النفط والفائدة؛ إذ برزت أيضاً تحركات البنوك المركزية بين البيع والشراء. وتشير البيانات المتاحة إلى أن بعض المؤسسات الرسمية قلصت حيازاتها، لكن الصورة لم تكن موحدة، كما لا تتوفر أدلة كافية للجزم بأن هذه المبيعات كانت المحرك الرئيسي للهبوط خلال الأسبوع.

فقد واصلت روسيا بيع جزء من احتياطياتها من الذهب. وأظهرت بيانات نشرها البنك المركزي الروسي أن حيازاته تراجعت بنحو 6.2 طن في سبتمبر (أيلول)، لتصل إلى 2264 طناً، وهو أدنى مستوى منذ نهاية عام 2019. وبذلك تكون روسيا قد خفضت حيازاتها بنحو 62 طناً منذ ديسمبر 2025، في ظل ضغوط مالية مرتبطة بتمويل عجز الموازنة.

ويمكن لمبيعات الذهب الرسمية أن تزيد المعروض المتاح في السوق، وأن تضغط على الأسعار إذا تزامنت مع ضعف الطلب الاستثماري. غير أن أثرها يعتمد على حجم الكميات المباعة وتوقيت طرحها في السوق، وعلى قدرة الطلب من المستثمرين والبنوك المركزية الأخرى على امتصاص المعروض الإضافي.

في المقابل، لم تكن الصين من البنوك المركزية البائعة، بل واصلت زيادة احتياطياتها. ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي الصادرة في أكتوبر، أضاف بنك الشعب الصيني 23 طناً إلى حيازاته في سبتمبر، وهي أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر 2023. ورفعت هذه المشتريات إجمالي ما أضافته الصين منذ بداية العام إلى 103 أطنان، لتصل حيازاتها الرسمية إلى 2410 أطنان.

وتكشف هذه الأرقام عن اختلاف توجهات البنوك المركزية؛ فبينما لجأت روسيا إلى بيع الذهب في إطار عمليات مرتبطة بالتمويل، واصلت الصين تعزيز احتياطياتها من المعدن. لذلك لا يصح تفسير التراجع الأخير على أنه نتيجة موجة بيع موحدة من البنوك المركزية، بل ينبغي وضع المبيعات ضمن صورة أوسع تشمل الطلب الرسمي والاستثماري والتطورات الاقتصادية العالمية.

ما الذي تقوله توقعات السوق؟

تبدو التوقعات قصيرة الأجل أكثر حذراً بعد كسر الذهب مستوى 4 آلاف دولار. فاستمرار ارتفاع أسعار النفط، أو صدور بيانات تضخم قوية، أو تبني «الاحتياطي الفيدرالي» نبرة أكثر تشدداً، قد يبقي الأسعار تحت الضغط ويشجع مزيداً من عمليات البيع، خصوصاً إذا تراجعت توقعات خفض الفائدة أو ارتفعت احتمالات زيادتها.

كما أن استمرار التداول دون المستوى النفسي البالغ 4 آلاف دولار قد يزيد الضغوط الفنية، مع احتمال أن يلجأ بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم إذا لم يتمكن المعدن من استعادة هذا المستوى سريعاً. لكن هذا الاحتمال يظل مشروطاً بتطورات السوق، ولا يعني أن الهبوط سيستمر بالضرورة.

في المقابل، قد يجد الذهب دعماً إذا هدأت أسعار الطاقة، أو تراجعت مخاوف التضخم، أو أظهرت البيانات الاقتصادية تباطؤاً يعيد توقعات خفض الفائدة إلى الواجهة. وقد تساعد أي زيادة جديدة في الطلب الاستثماري أو مشتريات البنوك المركزية على الحد من الخسائر، وإن كانت هذه العوامل لا تضمن ارتداداً فورياً.

وتبقى اجتماعات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية المقررة خلال الأسبوع التالي محورية في تحديد اتجاه السوق. ومن أبرز المحطات قرار مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ثم اجتماع البنك المركزي الأوروبي، إلى جانب بيانات التضخم الأميركية ومؤشرات النمو.

وسيبحث المستثمرون في القرارات والتصريحات عن مؤشرات توضح ما إذا كانت ضغوط الأسعار الناجمة عن الطاقة ستؤخر التيسير النقدي أو تدفع إلى تشديد إضافي.

أساور ذهبية معروضة للبيع في محل ذهب بالسوق الكبيرة في إسطنبول (أ.ف.ب)

هل فقد الذهب جاذبيته كملاذ آمن؟

لا يعني الهبوط الأخير بالضرورة أن الذهب فقد دوره كأداة للتحوط، لكنه يوضح أن هذا الدور لا يعمل بمعزل عن ظروف السيولة والسياسة النقدية. فعندما ترتفع أسعار الطاقة وتتعزز توقعات الفائدة، قد تتغلب تكلفة الاحتفاظ بالذهب على الطلب الناتج عن المخاطر الجيوسياسية. وإذا تزامنت هذه العوامل مع تراجع حاد في الأسهم، فقد يتحول المعدن نفسه إلى مصدر للسيولة لدى بعض المستثمرين.

وعلى المدى الأبعد، تظل مشتريات البنوك المركزية، والمخاوف المتعلقة بالعجز المالي والديون، والتوترات الجيوسياسية، من العوامل التي قد تدعم الطلب على الذهب. غير أن هذه العوامل لا تمنع حدوث تصحيحات حادة عندما تتغير توقعات أسعار الفائدة أو تتعرض الأسواق لعمليات تصفية واسعة.

وبذلك، يدخل الذهب المرحلة المقبلة أمام اختبار مزدوج: قدرته على استعادة مستوى 4 آلاف دولار، وقدرة الطلب الاستثماري والرسمي على موازنة الضغوط الناجمة عن النفط والتضخم وتوقعات السياسة النقدية. وستحدد إشارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية ما إذا كان الهبوط الأخير تصحيحاً مؤقتاً أم بداية فترة أطول من الضغوط على المعدن الأصفر.