مرآة تجسد جدلية الواقع والخيال

النقشبندي يفكك شخصية الخطيب في روايته الجديدة

مرآة تجسد جدلية الواقع والخيال
TT

مرآة تجسد جدلية الواقع والخيال

مرآة تجسد جدلية الواقع والخيال

ينقلنا الروائي السعودي هاني النقشبندي في روايته السابعة «الخطيب»، الصادرة عن دار الساقي 2017، إلى عوالم مألوفة لدى القارئ العربي، ولكنها ظلت بعيدة عن النقاش والجدل. يطرح الكاتب شخصية الخطيب، المعروفة لدى الجميع، التي يستمع إليها الناس أثناء صلواتهم في المساجد، وهي تتمتع بأهمية كبيرة لما تطرحه من أفكار وآراء تؤثر في سلوك الناس وتفكيرهم. نحن أمام شخصية الخطيب وجهاً لوجه، في دراما اجتماعية تنسج خيوطها أربع شخصيات هي: المؤذن، والخطيب، والفتاة، والمعلم، حيث تدور الحوارات بينها في مسجد قديم في مكان ما من الوطن العربي، وفي خضم الحوارات هذه تتكشف لنا أسرار وألغاز تتعلق بالعلاقة الموجودة بين هذا الخطيب وجمهوره. من هو الخطيب، وما هي الأعباء التي يحتملها، والرسالة التي يريد إيصالها؟ لكي نفهم هذه الشخصية وأبعادها، لا بد من الاستماع إلى رأي الكاتب الذي نطرح عليه هذا التساؤل: هل لأن شخصية الخطيب غامضة لدرجة تكرس لها رواية كاملة؟ يجيب عن هذا السؤال، إن «ما يقوله الخطيب أهم مما يقوله رجل السلطة أو الحاكم، لأنه يرمز إلى الخطاب الديني، فهو محدود الثقافة، خارج عن الفقه لا يعلم شيئاً في العلوم الدنيوية والدينية، وهو لا يهتم بما يكتبه المفكرون والمبدعون، بينما يجب أن يتوفر فيه قدر من الثقافة العلمية، وألا تنحصر ثقافته فيما يقرأ فقط، لأنه يحركُ جمهوراً عريضاً».
والمفارقة التي يطرحها الكاتب على القارئ تتجلى من خلال تكرار خطب الخطيب أسبوعاً بعد آخر، دون أن ينتبه إلى ذلك جمهوره، ويحصل أن يعيد الخطبة عن طريق الخطأ في الجمعة التالية، والعجيب هنا أن الجمهور لم ينتبه إلى ذلك، هل لأنه لا يستمع إليه، أم يسبح في عالم آخر؟ هذه تساؤلات يطرحها المؤلف عبر توليفة درامية وروائية ترقى إلى المناظرة الفلسفية الاجتماعية.
وتذهب الرواية إلى أبعد من علاقة الخطيب بالجمهور إلى معالجة هذا الخطأ الفادح المتمثل في انفصال الخطيب عن جمهوره وعن الحياة العامة، بدليل أنه لو كرر خطبه جمعة بعد جمعة لا ينتبه إليه أحد. وهذا ما يحصل في الرواية، إضافة إلى ما يرافق هذه الخطب من حالات الملل والتكرار، لذلك يقترح عليه مساعده المؤذن أن يقوم بإجراء تدريبات والاستعانة بمدرّب إلقاء من أجل تجديد خطبه والتأثير أكثر في الجمهور. وهنا ينقلنا الكاتب إلى الجانب الفانتازي في الرواية، لأننا نكون في قلب مشهد مسرحي، يتطلب دراية وحنكة ودراما، أي أن يستخدم الكاتب آليات العمل المسرحي من أجل إقناع الجمهور الذي تجاوز وعيه الآن وعي الخطيب ذاته. وفي هذه الحالة، يضعنا المؤلف في قلب التناقضات التي تعصف بأوضاع الخطيب وحالته الراهنة التي تجاوزها الجمهور من خلال الحياة الحديثة التي يعيشها، والزاخرة بالتقنيات والابتكارات. ولكن كيف يمكن أن يؤثر الخطيب في سلوك الأفراد، ويجعلهم يتعلقون بخطابه؟ وهل تشكل خطبه تناقضاً مع رأي المؤسسات المدنية التي أصبحت فاعلاً أساسياً في حياة الجمهور؟ يجيب الكاتب، إن «الخطاب الديني متخلف عمّا تطالب به المؤسسات السياسية العربية، ولكن المشكلة تكمن في المتلقين الذي يأخذون الكلام على علاته دون تمحيص أو نقاش أو جدل». واستطاع الكاتب في رواية «الخطيب» أن يسبر أغوار هذه الشخصية ويفكك علاقته بالجمهور المتلقي. ولكن، أي تناقض تطرحه شخصية الخطيب في واقعنا العربي؟ يجيب الكاتب: «تريد الرواية أن تقول إن العالم العربي يسكن في أعماقه وحش قد يشهر أنيابه في أي لحظة كما حصل مع ظهور التيارات المتطرفة التي تنادي بالعنف، لذلك نرى أن الخطيب عندنا يلجأ إلى الحديث عن التسامح والمحبة، وهو الحديث الذي تنادي به السلطة العربية من أجل الحفاظ على السلم الاجتماعي».
هكذا يطوّع الكاتب هذه الفكرة في عمله الروائي الذي يحتوي على قدر كبير من الفانتازيا والخيال والأفق الواسع المفتوح على جميع الاحتمالات. ويجسّد ذلك من خلال خطورة الخطاب الديني، وتأثيراته الكبيرة في الجمهور الذي لا يفقه في غالبيته في أمور الدين والدنيا كما يقول الكاتب. ويطرح علينا تساؤلات مثل: لماذا أغفلت السلطة العربية شخصية الخطيب؟ وهل هذه الشخصية حرّة في قول ما تشاء قوله؟ وما هي الضوابط التي تتحكم في خطبه وتفسيراتها؟ اعتدنا أن تكون هذه السلطة راعية لرجل الدين وغالباً ما تكون متحالفة معه، ولذلك استمد رجل الدين قوته من هذا التحالف، وأصبحت له قوة السلطة في تحريك غرائز الناس ومشاعرهم الدينية أكثر من أي قائد سياسي. ويؤكد الكاتب في هذا الصدد، أن «السلطة الحقيقية تكاد تكون في يد الخطيب أكثر مما هي في يد السياسي».
لا نرى بلداً معيناً في الرواية، ولا توجد جغرافيا محددة أو زمن محصور أيضاً، كما فعل غابرييل ماركيز ماكاندو في ابتداع مدينته الوهمية ماكاندو. وهنا يقول الكاتب هاني النقشبندي: «الرواية عمل متخيل ومن صنع الخيال، ليس من الضروري تحديد المكان أو الزمان، وأحداث الخطيب يمكن أن تنطبق على أكثر البلدان العربية والإسلامية، وعلى القارئ أن يشارك معي في كتابتها، ويعمل على تطبيقها على أي بلد يشاء». وعند طرح سؤالنا: هل تعتقد أن الرواية ستجد صدى التفاعل في العالم العربي والإسلامي؟ يجيب الروائي: «لا يعنيني أن يتم ذلك أولاً، لأن رسالتي هي الكتابة ورسالة الآخرين هي القراءة. لا أستطيع أن أدخل إلى كل بيت، حاملاً نسخة من روايتي (الخطيب)، لكني أفترض أنها موجودة في كل مكان أو في أكثر الأماكن». يطرح الكاتب أيضاً رؤيته عن المجتمع المدني والعلماني الذي أصبح جزءاً من كيان الدولة العربية. يقول إن «معظم السلطات العربية ترفض اليوم خطاب العنف والكراهية، لأن ذلك يعمل على نخر المجتمع، لذلك لا يمكن للدولة العربية أن تناصر الخطيب لو كانت خطاباته تحتوي على الفجاجة والتطرف». وهذا الخطيب في رؤية الكاتب يمثل «كاتم أسرار الحي وأمينه، لأنه أصبح الرجل البارز بعد أن كان متوارياً في زاويته، فأسرار الحي باتت في عهدته، حتى أسرار الزوج والزوجة، من فرط ما توغل في أسرار المجتمع».
ويركز المؤلف على درامية العمل من خلال العلاقة التي تتطور بين المؤذن وإحدى فتيات الحي، وهي قصة حب معقدة، تتلاقى فيها ذات كل منهما في تناقض صارخ، بين مفهومين، وعالمين، وفكرتين. والمشكلة الجوهرية هي قوة الإقناع التي يمتلكها الخطيب، ولكنه بدأ بفقدها مع تطور التقنيات الحديثة التي تتحكم بالمجتمع الراهن.
ولا تنفصل هذه عن التاريخ، فهي مرتبطة به، لأن الخطبة مادة عريقة في تاريخنا، وشهدت تراكمات عبر السنين، سادها المّد والجزر، لذا فهي تنقلنا بين التاريخ الماضي والحاضر الراهن، بين التقليد والتجديد.
استطاع الروائي هاني النقشبندي أن يدفع بالصراع في الرواية إلى نهاياته من أجل التعبير عن الفكرة الأساسية التي يقول عنها: «ما دام يتم تقديس الكلام الذي ينطلق من أفواه رجال الدين من دون تمحيص أو نقاش، فنحن في حاجة إلى إصلاح يتجاوز السياسي والاقتصادي إلى الإصلاح الديني، وهذا ما كنت أطالب به دوماً منذ صدور عملي الأول (اختلاس) في عام 2007». جعل الروائي نهاية روايته مفتوحة، ويعلق على ذلك بقوله: «أميل دوماً إلى النهايات المفتوحة أملاً في أن يشاركني القارئ في اختيار النهاية التي يراها مناسبة، إذ إنني لست ديكتاتوراً أفرض رأياً واحداً فقط، لأن للقارئ رأيه فيما يقوله الروائي».
يمكن القول، إن طرح موضوع الخطيب وعلاقته بالجمهور وطبيعة الخطاب الذي يطرحه هو جوهر هذه الرواية التي تحمل الكثير من الخيال، ولكنها لا تبتعد عن الواقع في آن واحد، ثنائية سيطر عليها الكاتب بمهارة كبيرة من خلال استخدام لغة روائية بارعة في التعبير عن دواخل الشخصيات، وهمومها، بطريقة رمزية تقربنا من الحدث الواقعي، وذلك بانتقاله من الخاص إلى العام، ومن الجمهور إلى الأمة، ومن الذات الشخصية إلى الذات الإنسانية، ومن الدنيوية إلى الأخروية، ومن المنابر إلى مسرح الحياة، بلغة شفافة.
وقد تعمّد الكاتب إخفاء اسم الخطيب، لكي يجعل منه شخصية إنسانية تصلح لكل زمان ومكان، وخطبته تنطبق على جميع الخطب من حيث جوهرها، سواء كانت سياسية أو اجتماعية.
رواية «الخطيب»، عمل أدبي ضد الغلو والتطرف والتعصّب والتكفير، يسعى الكاتب من خلالها إلى إحداث هزة في علاقة الخطيب بالجمهور، وعلى الاثنين أن يفكرا في إيجاد علاقة أخرى بينهما قائمة على فهم مشترك للحياة العصرية كما يعيشها الملايين حالياً، وأولى هذه الرسائل هي: التعايش السلمي بين جميع الأطياف في المجتمع، وتجديد الخطاب الديني، وعدم إقصاء الآخرين، والانفتاح على الحياة المعاصرة.



الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأردن يستعيد من أستراليا قطعة أثرية نادرة عمرها 14 ألف عام

رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس مجلس النواب الأسترالي ميلتون ديك يستقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في مقر البرلمان بكانبيرا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

استعاد الأردن، الثلاثاء، قطعة أثرية نادرة قررت أستراليا إعادتها إلى المملكة يعود تاريخها إلى نحو 12 ألف عام قبل الميلاد (أي عمرها 14 ألف عام)، وهي واحدة من ثلاثة أجزاء شكّلت لوحاً معمارياً حجرياً منقوشاً ومصنوعاً من الحجر الطيني.

وتسلّم القطعة الأثرية وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مراسم أُقيمت في المعرض الوطني الأسترالي على هامش زيارة الدولة التي يجريها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لأستراليا، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان: «اكتُشفت القطعة عام 1983 خلال أعمال تنقيب نفّذتها بعثة مشتركة من جامعة سيدني وكلية ووستر، قبل نقلها إلى المعرض الوطني الأسترالي عام 1985، وفق ترتيبات اتفق عليها البلدان» في ذلك الحين.

واوضحت أن «القطعة تكتسب أهمية أثرية وتاريخية استثنائية؛ إذ تشكّل، مع الجزأين الآخرين، ما يُعد أقدم منحوتة كبيرة الحجم معروفة في العالم، بينما يحفظ الأردن الجزأين الآخرين في متحف الأردن في عمّان ومتحف دار السرايا في إربد (89 كلم شمال عمان)».

وأكد الصفدي، خلال مراسم التسليم التي حضرتها من الجانب الأسترالي المبعوثة الخاصة للحكومة الأسترالية لشؤون الفنون سوزان تمبلمان، ومسؤولون في المتحف معنيون بالشؤون الثقافية والفنية، «أهمية التعاون الأردني الأسترالي في مجال التنقيب عن الآثار وحفظها»، معرباً عن شكره للحكومة الأسترالية والمتحف على تعاونهما وإعادة القطعة الأثرية إلى الأردن.

ويحتوي الأردن على أكثر من 100 ألف موقع أثري مكتشف، سجَل منها أكثر من 15 ألف موقع رسمياً، بحسب دائرة الآثار العامة.

كما يضم العديد من المواقع المسجلة على لائحة التراث العالمي لمنظمة «اليونسكو» منها مدينة البتراء الأثرية (مدينة الأنباط الوردية)، وقصر عمرة (قصر صحراوي أموي)، وموقع أم الرصاص الأثري، وصحراء وادي رم التي تشبه تضاريسها سطح القمر، والمغطس (موقع معمودية السيد المسيح بحسب التقليد المسيحي).


مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر تبرز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان مدناً تراثية بـ«اليونسكو»

جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات المؤتمر (وزارة الثقافة المصرية)

بعد نجاحها في تسجيل 11 عنصراً على قوائم التراث غير المادي بـ«اليونسكو»، أبرزت مصر تسجيل مدن القاهرة والجيزة وأسوان بوصفها مدناً تراثية ذات طابع ثقافي في المنظمة الدولية، حسبما أشارت الدكتورة هالة عبد الجواد، ممثلة اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو»، التي أكدت خلال مؤتمر «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» الذي عُقد، الثلاثاء، بالمجلس الأعلى للثقافة في وزارة الثقافة المصرية «أن التراث يمثل الذاكرة الحية للشعوب، وأن مصر تمتلك تراثاً مادياً وغير مادي ووثائقياً ثرياً»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أهمية توثيق الممارسات التراثية وتسجيلها ونقلها إلى الأجيال الجديدة والعالم المحيط.

المؤتمر الذي يحتفي باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته «اليونسكو» ليوافق 17 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، ويستمر 3 أيام بمشاركة أكثر من 160 باحثاً، بدأت فعالياته بعرض التنورة، واستعراض نماذج من الفنون التراثية، وعُرض فيلم تسجيلي عن التراث الثقافي غير المادي المصري، واستعرض مستهدفات الخطة التنموية المتعلقة بالحرف التراثية، إلى جانب إبراز نماذج من الأعمال الحرفية في مدن مصرية عدة، منها الأقصر والمنوفية والواحات وشلاتين.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ورئيس اللجنة العلمية المنظمة للمؤتمر، الدكتور أشرف العزازي، أن المؤتمر يقوم على شراكة بين مؤسسات ومنظمات معنية بالتراث، في مقدمتها اللجنة الوطنية لـ«اليونسكو» وجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وجمعية «خير بلدنا». وأوضح في بيان للمجلس، أن التراث الثقافي غير المادي هو ذاكرة حية للمجتمع، ويشمل هذا التراث الحكايات والأمثال والأغاني والموسيقى، والفنون الشعبية، والحرف التقليدية والمعارف المرتبطة بالطبيعة والبيئة، وغيرها من أشكال التعبير التي تمنح المجتمعات خصوصيتها الثقافية.

شارع المعز في القاهرة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى امتلاك مصر رصيدا تراثياً متنوعاً يمتد من الوادي والدلتا إلى سيناء والنوبة والصعيد والسواحل، بما تحمله هذه البيئات من فنون وموسيقى وحرف وعادات وتقاليد وأشكال متنوعة من التعبير الثقافي. وقال إن هذا التنوع ثروة وطنية تستحق أن نقدمها للعالم بوصفها جزءاً أصيلاً من الشخصية الثقافية المصرية.

وفي هذا السياق، تكتسب الجهود المصرية لتسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي على قوائم منظمة «اليونسكو» أهمية خاصة، سواء قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل، أو القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، بما يعزز حضور التراث المصري على الساحة الدولية.

وكانت مصر قد سجلت 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونسكو» للتراث العلمي غير المادي من بينها «السيرة الهلالية» و«الأراجوز» و«التحطيب» و«الخط العربي»، و«النخلة: المعارف والمهارات والتقاليد والممارسات» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«آلة السمسمية» بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية، وكان «الكشري المصري» أحدث العناصر المسجلة.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهلة إمام على أهمية الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي أقرته منظمة «اليونسكو»، وشددت في كلمتها خلال المؤتمر على أن تسجيل عناصر التراث في قوائم «اليونسكو» ليس الغاية الوحيدة؛ إذ يتطلّب صونه التعاون بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني وحاملي التراث الذين يمثلون الركيزة الأساسية لاستمراره. وأشارت إلى حصول مصر على دعم مادي لصون بعض الحرف التراثية، ومنها الأراجوز، مؤكدة دورها الفاعل في تنفيذ الاتفاقية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي.

ودعت إلى تعزيز التعاون بين خبراء التراث والمؤسسات التعليمية، بما فيها المدارس المنتسبة لـ«اليونسكو» والجامعات، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل الانفتاح العالمي. وأوضحت أن اللجنة الوطنية تقوم بتنسيق العمل مع منظمات «اليونسكو» و«الإيسيسكو» و«الألكسو»، وتنفيذ المشروعات والفعاليات المشتركة، فضلاً عن دعم جهود توثيق التراث، ورفع التقارير إلى وزارة الخارجية. كما أشارت إلى تسجيل القاهرة وأسوان والجيزة مدناً تراثية لدى «اليونسكو»، مؤكدة أهمية التشبيك بين المؤسسات المعنية والتراث المصري.

ويؤكد الدكتور محمد شبانة، عضو اللجنة العلمية للمؤتمر، أن تسجيل المدن المصرية الثلاثة القاهرة والجيزة وأسوان مدناً ثقافية بمنظمة «اليونسكو» يعود لما تحتويه من صناعات ثقافية وتراثية كبيرة مثل صناعة السينما في الجيزة وصناعات ثقافية أخرى في القاهرة وأسوان.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المؤتمر يسعى لإبراز كثير من عناصر التراث المصري اللامادي الذي يشكل جزءا من وجدان المصريين عبر العصور»، مشيرا إلى أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر ستفضي لتوصيات شتى مرتبطة بتسجيل عناصر جديدة في اليونسكو. مبينا أن هناك عنصرا جديدا يتم التوجه لتسجيله بـ«اليونسكو»، وهو آلة العود المصرية صناعتها وسماتها الخاصة «فالعود المصري مدرسة مستقلة في العزف الموسيقي وفي نغماته وصناعته، وهو ما نسعى للتأكيد عليه، وتسجيله ضمن التراث غير المادي»، على حد تعبيره.

جانب من مؤتمر التراث الثقافي غير المادي (وزارة الثقافة)

وفي كلمتها، أوضحت الدكتورة عبير عناني، ممثلة جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن التعاون بين الجامعة ووزارة الثقافة امتداد لشراكة بدأت، العام الماضي، ولفتت إلى ابتكار مجموعة من طلابها تطبيقاً لترجمة اللغة الهيروغليفية، حصلوا بسببه على جائزة من وزارة الثقافة، ومن المقرر أن يعرضوا مشروعهم خلال إحدى جلسات اليوم الثاني للمؤتمر بمقر الجامعة.

وترى الدكتورة دينا سليمان المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» والمشاركة في المؤتمر، أن إبراز تسجيل القاهرة والجيزة وأسوان ضمن المدن التراثية الثقافية بـ«اليونسكو» فرصة لإعادة النظر إلى التراث المصري بوصفه منظومة متكاملة، لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تشمل أيضاً العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية التي تناقلها المصريون عبر الأجيال.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تكتسب هذه الخطوة أهميتها من تأكيدها على التنوع الحضاري الذي تمثله المدن الثلاث؛ فالقاهرة تختزن طبقات متراكمة من التاريخ والعمران والحرف التقليدية، بينما ترتبط الجيزة بتراث أثري استثنائي يعكس مكانة مصر القديمة، وتتميز أسوان بخصوصية ثقافية وإنسانية تتجلى في التراث النوبي والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية المتوارثة».

وختمت أن «الحفاظ على التراث غير المادي ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لتطوير هذه المدن، من خلال توثيق الروايات الشفهية، ودعم الحرفيين، ونقل المعارف التقليدية إلى الأجيال الجديدة، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد عناصر تراثها وصونها؛ فالتسجيل الدولي ليس غاية في حد ذاته، وإنما مسؤولية تستلزم وضع خطط مستدامة تضمن استمرار هذا التراث في حياة الناس».


أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
TT

أحمد حلمي يُعَول على «حدوتة» للعودة إلى «المسار الصحيح»

حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)
حلمي يراهن مجدداً على العودة للمسار الصحيح (الشركة المنتجة)

بعد 4 سنوات من الغياب، يعود الفنان المصري أحمد حلمي إلى السينما مجدداً عبر أحدث أفلامه «حدوتة»، الذي يُعَول عليه لاستعادة مساره الصحيح كنجم شُباك، تصدرت أغلب أفلامه أعلى الإيرادات، وحقق من خلالها نجاحاً جماهيريا لافتاً، غير أن مجموعة من أحدث أفلامه لم تحقق الإيرادات المعتادة أو النجاح المنشود، على غرار «خيال مآتة»، و«واحد تاني» اللذين عُرضا في عاميْ 2019 و2022.

وتحدَّد يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لعرض فيلم «حدوتة» الذي تشارك في بطولته أمينة خليل وماجد المصري وخالد الصاوي، إلى جانب رحمة أحمد، وشيرين، ومحمد عبد العظيم، ويظهر به بعض نجوم التمثيل ضيوف شرف. والفيلم من إنتاج أحمد بدوي، بمشاركة صندوق «بيغ تايم» السعودي، وكتبه أحمد عبد الرحمن، وإخراج مازن أشرف.

وتدور أحداث العمل في إطار كوميدي اجتماعي، ويؤدي أحمد حلمي من خلاله شخصية رجل فقَدَ والديه منذ طفولته، وتولت تربيته أسرة بديلة، في حين يتعرض لسلسلة من المفارقات الكوميدية والإنسانية التي تؤثر في مسار حياته وتكشف عن جوانب مختلفة من شخصيته.

ويلتقي حلمي في أول تعاون له مع الفنانة أمينة خليل، كما يُعد هذا التعاون الأول بينه وبين المخرج مازن أشرف، الذي يُعد هذا العمل ثاني أفلامه بعد فيلمه الأول «5 جولات».

كان أحمد حلمي قد انتهى من تصوير فيلم آخر، هذا العام، بعنوان «أضعف خلقه»، الذي تُشاركه بطولته هند صبري، وهو من تأليف وإخراج عمر هلال، في ثاني أفلامه بعد «فوي فوي فوي»، وإنتاج محمد حفظي، ويدور في إطار الكوميديا السوداء، وتقرَّر تأجيل عرضه للصيف المقبل.

ويرى الناقد خالد محمود أن استعادة حلمي تألقه فنياً بعد فترة تراجع قد تفتح الباب ليس فحسب لعودته لما كان عليه، بل سوف تسهم كذلك في استعادة أغلب نجوم جيله مكانتهم.

ملصق الفيلم الذي يعيد أحمد حلمي للمنافسة من جديد (حساب أحمد حلمي على «إنستغرام»)

وأضاف محمود، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «حلمي نجم محبوب، حقق جماهيرية لافتة عبر اختيارات ذكية، لكن أفلامه الماضية لم تحقق النجاح الجماهيري نفسه، ولم تشهد توحده مع الشخصيات التي يقدمها كأفلامه السابقة التي لم يعتمد فيها على موهبته فحسب، ولكن على ذكاء الفكرة وتفردها، مما وضعه في مكانة مختلفة تَجاوب معها الجمهور بشكل كبير.

ولفت محمود إلى أن «آفة نجوم الكوميديا المصريين عدم العمل على تطوير المشروع الذي يقدمونه وتفضيلهم المنطقة الآمنة، خوفاً من تغيير قد يصيب أو يخطئ، لكن من المهم أن يتجاوز حلمي ذلك، ويستعيد مكانته عبر اختيارات تُحسَب له، وقد يكون فيلم (حدوتة) فرصة أخرى وليست أخيرة، مثل بعض نجوم جيله؛ لأن مكانة حلمي كممثل لم يشغلها أحد، وهناك حالة جيدة تربطه بالجمهور، لكن الغياب لـ4 سنوات لم يكن في صالحه ولا صالح السينما ولا الجمهور».

في السياق نفسه، تستقبل صالات السينما، خلال الفترة المقبلة، عدداً من الأفلام الجديدة، مِن بينها فيلم «ولا كان عالبال» من بطولة نور النبوي وياسمينا العبد في أولى بطولاتها السينمائية إلى جانب أشرف عبد الباقي ومروان المسلماني، وإخراج أحمد عماد، والمقرر عرضه 28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقد جرى تصوير أغلب مشاهد الفيلم بمدينة الأقصر (جنوب مصر)، حيث البطل مرشد سياحي يقود فوجاً سياحياً ويقع في حب فتاة وسط المعابد التاريخية.

كما يُعرَض في اليوم نفسه فيلم «نصيب»، من بطولة ياسمين صبري ومعتصم النهار، وقد تأجّل عرضه لنهاية الشهر ليبعد نسبياً عن توقيت طرح فيلمها «مطلوب عائلياً» مع كريم عبد العزيز الذي انطلق عرضه في السابع من الشهر الحالي، وتصدَّر إيرادات الأفلام منذ اليوم الأول لعرضه. أما فيلم «نصيب» فتدور أحداثه من خلال فتاة جميلة تجد نفسها أمام أكثر من عريس، وتخوض رحلة بحث عن الشخص المناسب الذي يمكن أن يشاركها حياتها. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح، وإخراج أحمد خالد أمين.

ملصق فيلم «ولا كان عالبال» (الشركة المنتجة)

وأشار الناقد خالد محمود إلى أن العروض السينمائية تتواصل بشكل جيد بعد موسم الصيف الذي شهد تنوعاً لافتاً وأفلاماً ذات إنتاجات كبيرة حققت إيرادات مماثلة، على غرار فيلم «DOGS 7».

لكن الناقد أحمد سعد الدين يرى أن اختيار توقيت عرض فيلم «حدوتة» غير موفَّق، حيث يُطرَح يوم افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي. وقال، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إنه «كان يجب على صُناع الفيلم إدراك أن توجه الجمهور يكون للمهرجان الذي يعرض أفلاماً من مختلف دول العالم، مما يؤثر سلباً على الأفلام المصرية التي تُعرَض في التوقيت نفسه».

ولفت إلى أن «إيرادات الفيلم يتحدد مصيرها من الأسبوع الأول»، مشيراً إلى «أن أحمد حلمي من النجوم الذين يتوقع منهم الجمهور تقديم موضوعات شيقة، مثلما اعتادوا منه، عبر أفلام تحترم عقل المتفرج، لكن فيلميه الأخيرين لم يصادفهما الإقبال الجماهيري نفسه الذي لقيته أفلامه السابقة».

وتصدرت أفلام أحمد حلمي شُباك التذاكر بمصر مرات عدة على غرار «صايع بحر» 2004، و«زكي شان» 2005، و«مطب صناعي» 2006، و«كده رضا» 2007، و«آسف على الإزعاج» 2008، و«ألف مبروك» 2009، و«عسل أسود» 2010، و«إكس لارج» 2011، و«على جثتي» 2013.