أمام مفترق السرايا وسط مدينة غزة، يتجول الطفل إياد عبد الله (13 عاما) بين سيارات الأجرة والمواطنين ليعرض عليهم بعض قطع الحلوى، وغيرها من البضائع الخفيفة، على أمل أن يكسب بعض المال القليل ليسلمه إلى والدته التي تعيل أسرة بكاملها.
لكن إياد ليس حالة استثنائية، بل نموذج مصغر لآلاف الحالات المماثلة لأطفال تقل أعمارهم عن عشر سنوات، يعملون في بيع الدخان والحلوى وغيرها، في حين أن البعض الآخر يعمل في تنظيف زجاج السيارات وغيرها من المهن البسيطة لكي يحصل على «2 شيقل» (نصف دولار تقريبا) من السائق، وهو ما يسبب أزمات نفسية للآباء والأمهات الذين تضطرهم ظروف الحياة الصعبة للاستعانة بأولادهم في كسب لقمة العيش رغم صغر سنهم.
وعادة ما يملأ هؤلاء الأطفال الصغار المناطق الأكثر رقيا أو حيوية في غزة، كالرمال وميدان فلسطين، والمطاعم والفنادق، والمناطق الساحلية، خاصة في فصل الصيف من أجل كسب لقمة العيش، وعادة ما يحصلون على البضائع التي تكون بحوزتهم عن طريق أهاليهم، أو بدعم من أصحاب متاجر بهدف تصريف بضاعتهم وكسب المال بطرق أخرى.
وازدادت عمالة الأطفال في قطاع غزة مع تراجع الأوضاع الحياتية خلال 10 سنوات من الانقسام والحصار الإسرائيلي المشدد، ما ضاعف من معدلات الفقر والبطالة، وعقد من ظروف الحياة بالنسبة لآلاف الأسر، حيث تشير الأرقام الحقوقية الرسمية إلى أن نحو 80 في المائة من العائلات في غزة تعيش تحت خط الفقر، وأكثر من مليون ونصف المليون مواطن يعتمدون على مساعدات إغاثية في حياتهم.
تقول والدة الطفل إياد لـ«الشرق الأوسط» إن الظروف التي تعيشها هي التي ترغمها على دفع نجلها واثنين من أشقائه الصغار بعد على ممارسة التجارة انتهاء دوامهم الدراسي، وكسب بعض المال، مشيرة إلى أن ما يتمكنون من جمعه لا يتعدى 15 شيقلا (نحو 4 دولارات ونصف) بعد 9 ساعات من العمل الشاق والوقوف ساعات النهار في الحر الشديد والبرودة القاسية أياما أخرى.
وبحسب إحصائيات فلسطينية من مؤسسات مختصة فإن هناك نحو 15 ألف و500 يتيم في قطاع غزة، يعانون بسبب الوضع الإنساني والمعيشي، الذي يرغم عددا كبيرا جدا منهم للعمل في أعمال مختلفة، ومنها ممارسة التجارة في الشوارع والاشتغال في المتاجر والمطاعم وغيرها.
بدوره، يضطر الطفل إسلام (15 عاما) إلى ترك مدرسته جل أيام الأسبوع من أجل العمل في الأسواق، وبيع المكسرات وأنواع مختلفة من البسكويت، تقوم والدته المطلقة بشرائها لبيعها في الأسواق والشوارع.
يقول إسلام لـ«الشرق الأوسط»: «تعمل والدتي في قسم النظافة بأحد مستشفيات القطاع، ولكن ما تحصل عليه لا يكاد يكفي لإيجار المنزل ولباقي الضروريات الملحة، وما تبقى لا يكاد يكفي لمصاريف المنزل من طعام.. لذلك أعمل أحيانا في بيع الدخان أو المشروبات الساخنة، مثل الشاي والقهوة للمتجولين في الساحات العامة».
وبحسب إحصائية أصدرتها جمعية الوداد للتأهيل المجتمعي في غزة، فإن ظاهرة عمالة الأطفال لمن هم دون سن 15 عاما ازدادت معدلاتها في غزة خلال الآونة الأخيرة، لتصل إلى أكثر من 54 في المائة، موضحة أن هذه الأرقام معرضة للزيادة في كل وقت بسبب استمرار الحصار الإسرائيلي وانعدام الآفاق الاقتصادية والسياسية.
وترى الاختصاصية الاجتماعية فلسطين عابد أن عمل الأطفال يخفي مخاطر كبيرة، أبرزها تراجع الظروف الاقتصادية للأسر، وارتفاع ملحوظ في نسب الفقر والبطالة بغزة، ما يبرز تفاقم هذه الظاهرة، موضحة أن عددا كبيرا من الأطفال يجبرون على العمل تحت ضغوط الأسرة، أو الضغوط الاجتماعية مثل حالات طلاق الأبوين، أو حالة الإدمان التي يرغم فيها الأب أطفاله على العمل من أجل المال.
ووفقا لإحصائية صادرة عن الإحصاء الفلسطيني عشية يوم الطفل العالمي، فقد بلغت نسبة الأطفال العاملين، سواء بأجر أو من دون أجر، في كافة الأراضي الفلسطينية نحو 3.9 في المائة من إجمالي عدد الأطفال في الفئة العمرية 10 - 17 سنة خلال عام 2016، وذلك بواقع 5.3 في المائة في الضفة الغربية و1.9 في المائة في قطاع غزة، وكان من الواضح فيها أن نسبة الأطفال الذكور المنخرطين في العمل أعلى من الإناث بنسب كبيرة. فيما بلغت نسبة التسرب في مرحلة التعليم الأساسي في العام الدراسي 2015-2016 نحو 1.2 في المائة بين الذكور، مقابل 0.7 في المائة بين الإناث. وفي المرحلة الثانوية بلغت هذه النسبة 1.3 في المائة بين الذكور مقابل 1.1 في المائة بين الإناث.
8:27 دقيقه
عمالة الأطفال... أزمة اجتماعية تؤرق أسر قطاع غزة
https://aawsat.com/home/article/1100781/%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%A4%D8%B1%D9%82-%D8%A3%D8%B3%D8%B1-%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9-%D8%BA%D8%B2%D8%A9
عمالة الأطفال... أزمة اجتماعية تؤرق أسر قطاع غزة
مرغمون على المزاوجة بين الدراسة والعمل بسبب الفقر وغلاء المعيشة
أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم النصيرات في غزة (إ.ب.أ)
عمالة الأطفال... أزمة اجتماعية تؤرق أسر قطاع غزة
أطفال فلسطينيون يلعبون في مخيم النصيرات في غزة (إ.ب.أ)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة











