ظلال البعد القبلي على الحرب ضد الإرهاب في سيناء

«الشرق الأوسط» ترصد أبعاد مواجهة القبائل للتنظيمات المتطرفة

ظلال البعد القبلي على الحرب ضد الإرهاب في سيناء
TT

ظلال البعد القبلي على الحرب ضد الإرهاب في سيناء

ظلال البعد القبلي على الحرب ضد الإرهاب في سيناء

لا صوت يعلو على صوت المعركة في محافظة شمال سيناء المصرية، بعد المجزرة البشعة، التي ارتكبتها قبل أسبوع العناصر الإرهابية ضد المصلين في مسجد قرية الروضة، التي راح ضحيتها أكثر من 305 رجال وأطفال من أبناء القرية وسكانها، إذ جدد «اتحاد قبائل شمال سيناء» تهديده لعناصر تنظيم داعش، وتوعدهم بـ«القتل والإبادة» رداً على «المجزرة». وانشغل المجال العام في مصر، في الفترة الأخيرة، التي تفاقمت خلالها الأحزان جراء الهجوم الإرهابي غير المسبوق، بالحديث عن دور جوهري لقبائل سيناء في مساندة القوات المسلحة والشرطة في عملية مجابهة الإرهابيين. وفي حين أكدت مصادر رسمية أن اجتماعات جرت بين مسؤولين أمنيين ورجال قبائل ناقشت «أسس التعاون وأشكاله»، فإن ثلاثة مصادر قبلية أكدت لـ«الشرق الأوسط» صعوبة أن تنخرط القبائل في تلك المواجهة، ولمح بعض هذه المصادر إلى «مطالب» يجب تحقيقها أولاً قبل الحديث عن التعاون، في تلميح إلى مشكلات يعاني منها أهل المنطقة تتطلب تدخلاً من الدولة.
تسبب إعلان «اتحاد القبائل» في شبه جزيرة سيناء المصرية في إثارة التساؤلات حول إمكانية نجاح تلك القبائل في مواجهة التنظيمات الإرهابية الموجودة في نطاق سيطرتها من عدمه. وعلى الرغم من استحسان قطاع كبير من المواطنين فكرة مواجهة القبائل السيناوية العناصر الإرهابية للقضاء على الإرهابيين المتمركزين في مدن محافظة شمال سيناء، باعتبار أن القبائل «أدرى بشعاب المناطق التي يسكن أبناؤها بها»، فإن قيادات قبلية وخبراء، حذروا من الاعتماد على القبائل في مواجهة الإرهاب، حتى لا تتطور المواجهات إلى حرب بين بعض القبائل، بسبب تقاسم السيطرة على الأراضي، وخوفاً من انتشار الأسلحة بين شبابها. ورأوا أيضاً أن البيانات والتصريحات الإعلامية التي يصدرها «الاتحاد»، عقب كل حادثة كبيرة «مجرد طحن بلا طحين، لأن معركة اتحاد القبائل مع العناصر الإرهابية، لم تؤتِ ثمارها المنشودة حتى الآن»، رغم إعلان الاتحاد نفسه في شهر مايو (أيار) 2015، مساندته للقوات المسلحة، في حربها على الجماعات الإرهابية في شمال سيناء، ثم أصدر بيانات إعلامية أكد فيها دعمه لقوات الجيش والشرطة، التي تخوض مواجهات شرسة مع إرهابيين عقب انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وقالت مصادر أمنية وعسكرية لـ«رويترز» إن الهجوم الذي راح ضحيته أكثر من 300 مصلٍّ في شمال سيناء، دفع المسؤولين المصريين إلى تجديد مساعيهم للاستعانة بالقبائل المحلية، التي سيكون تأييدها حاسماً في الجهود الرامية للتغلب على تنظيم داعش.
ونقلت الوكالة عن الدكتور إتش إيه هيليير، الخبير في الشأن المصري والزميل الباحث غير المقيم في مركز رفيق الحريري لشؤون الشرق الأوسط في «المجلس الأطلسي» (ذي أتلانتيك كاونسل) قوله إن «لدى الجيش المصري من الأسلحة ما يكفي ويزيد، إلا أن المشكلة الأهم عندما يتعلق الأمر بإنجاز شيء في سيناء هي الوثوق من أن لديه استخبارات جيدة»، وأردف: «إذا كان المطلوب مجموعة من الاستراتيجيات لمكافحة الإرهاب وحرب العصابات فسيحتم ذلك مشاركة من القبائل على مستوى كبير جداً».
من ناحية ثانية، أفادت ثلاثة مصادر أمنية وعسكرية «رويترز» بأن مباحثات أجريت خلال الأيام الماضية بين مسؤولين أمنيين وقيادات قبلية في شمال سيناء ووسطها. ورأى المسؤولون الأمنيون أنه من الضروري زيادة التنسيق والتعاون لإنزال الهزيمة بالمتطرفين. وذكر أحد المصادر الأمنية للوكالة: «لقد طلبنا منهم أن يساعدونا للسيطرة على المسلحين في المناطق حيث يسكنون ويزرعون ويتحركون لأن كل قبيلة أدرى بأهلها ومناطقها. هناك أشياء كثيرة تجعلهم يتعاونون معنا وهي تختلف من قبيلة لأخرى. لذا جلسنا بشكل منفصل مع كل مجموعة. ثمة قبيلة تحتاج إلى خدمات وهناك قبيلة أخرى يتم التعاون الاقتصادي معهم في مشاريع اقتصادية».

تغير نمط سيطرة القبيلة
أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور عبد الحميد زيد يعتقد أنه على الرغم من أن النمط القبلي البدوي العام هو الغالب على معظم سلوكيات المجتمع في شمال سيناء، فإن القبيلة لم تعد هي المتحكم في قرارات أفرادها، كما جرى العرف سابقاً. وأوضح زيد لـ«الشرق الأوسط» أن «كلمة كبار القبيلة كانت هي الأساس في السلوك التصويتي (الانتخابي) وكذلك فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطة وتحديد العدو. غير أن ذلك كله تأثر على عدة مستويات، وعبر سنوات طويلة، بدأت بالانفتاح الثقافي عبر وسائل الإعلام، إضافة إلى بداية ظهور الجماعات المتطرفة في شمال سيناء واستقطابها بعض أبناء القبائل وتلقينهم بأن الصلة والرابط تتمثل في الجماعة التي ينتمي إليها، وليس القبيلة أو العائلة».
وخلص زيد في كلامه عن القبيلة إلى مثال «ابن أحد كبار الصوفيين في شمال سيناء الذي كان قائداً في صفوف (داعش)، الأمر الذي يعني انسلاخ بعض أبناء الجيل الجديد عن الروابط العائلية والفكرية والروحية التي تربّوا عليها»، ويواصل: «حتى الآن الأنماط القبلية مسيطرة من حيث الشكل، لكن الحقيقة أن هناك تخلخلاً وتغيراً واضحاً في سمات المجتمع هناك».
زيد يرفض أن يكون «حادث الروضة الأخير ضمن سياق لاستهداف الفكر الصوفي في المدينة»، معتبراً أن «التناقضات التي يمكن أن يكون منظّرو التنظيم طرحوها على المنفذين لا يمكن أن تكون كافية لإقناعهم، وبالتالي أن الدافع الرئيس هو الرسالة السياسية بالقدرة على التأثير والعقاب وتأكيد سيطرتهم على نطاق وجودهم، وردع مَن يتعاون مع مؤسسات الدولة بالمعلومات».
وبشأن توقعه لردة الفعل المجتمعية من قبل أهالي قرية الروضة قال زيد: «هناك عائلات كثيرة فقدت المعيل سواءً كان جداً أو أباً أو ابناً، وبات الأطفال دون الخامسة والنساء هم عماد العائلة، وهذا ما يعزز الرغبة أكثر في التمسك بالأرض وعدم المجازفة بالانتقال إلى بقعة أخرى في ظل انعدام الذكور في العائلة يمثلون السند والأمن للعائلة».

عمال وافدون
وتحدث نقيب أطباء شمال سيناء، الدكتور صلاح سلام إلى «الشرق الأوسط» قائلاً إن «النشاط الاجتماعي الأبرز في بلدة بئر العبد، التي تقع قربها قرية الروضة، يعتمد على الصيد، واستخراج الملح من قبل الشركات المتخصصة».
ولفت إلى أن «انتشار تلك الشركات كان السبب وراء وجود كثير من الضحايا من خارج المحافظة ممن انتقلوا إليها بسبب ظروف عملهم». وتابع سلام أن «هناك عائلات كثيرة باتت بلا معيل، فضلاً عن تعرض أفرادها لإصابات بالغة، ثم أن غالبية الشهداء كانوا من العاملين في المهن الحرة، وعدد محدود بينهم كانوا موظفين، وهو ما يكشف فداحة التأثيرات الاجتماعية والمعيشية على عائلات الضحايا».
وبشأن مدى ارتباط «مجزرة المصلين» بصراع بين عناصر «داعش» والجماعات المتصوّفة، ذكر سلام أن «مسلحي (ولاية سيناء) قتلوا تقريبا 480 شخصاً من أبناء سيناء ممن هم خارج تنظيمهم على مدار السنوات الماضية، دون أن يكون لذلك علاقة بالخلاف الفكري. وبعضهم ذُبح علانية أمام أهله وذويه، وكان كل ما جرى بغرض الترهيب وإثبات الوجود، ومنع أبناء شمال سيناء من التعاون مع الجيش والشرطة»، ويضيف: «استهدفوا الشرطة والجيش والأقباط والمسلمين، وهذا كله ينفي فكرة أن تكون قرية بعينها هي المستهدفة».

خريطة توزّع القبائل
توجد أربع قبائل رئيسة تمثل الملامح الأساسية في التركيبة السكانية لشمال سيناء، هي: قبيلة السواركة، أكبر القبائل في سيناء، وتمتد مواطنها من غزّة وبئر السبع في الأراضي الفلسطينية إلى باقي أنحاء مصر وخصوصاً الوادي الجديد. وقبيلة الرميلات، المنتشرة من غزّة حتى مدينة الشيخ زويّد. وقبيلة الترابين الممتدة أراضيها جنوب رفح والشيخ زويد، والعريش حتى جنوب سيناء. وقبيلة التياهة، التي تجاور مناطق الترابين. وهناك قبائل أخرى موزّعة على باقي مراكز المحافظة، ففي مدينة رفح، وبالإضافة إلى قبيلة الرميلات، هناك عائلات تمتد جذورها من فلسطين مثل البراهمة، والزعاربة وغيرها، وهناك عائلات البطين والخدايجة والسناجرة، وغيرها في الشيخ زويّد.
أما في مدينة العريش نفسها، فتسكن عدة عائلات تسمّى في سيناء «العرايشية». بينما تتمركز قبائل البياضية والأخارسة والدواغرة والسماعنة والعقايلة في منطقة غرب سيناء وبئر العبد.
تعيش كل هذه القبائل في مساحة تبلغ نحو 27564 كيلومتراً مربعاً، ويقدّر تعدادها السكاني التقريبي بـ419.200 ألف نسمة لعام 2013. وجدير بالذكر أن 86.5 في المائة من السكان يعيشون على الشريط الساحلي، وتضم محافظة شمال سيناء ستة مراكز، وعاصمتها مدينة العريش. أما المراكز فهي بئر العبد ونخل والحسنة والعريش والشيخ زويّد ورفح.

مظلة قبلية
القبائل السيناوية سعت إلى إنشاء مظلة قبلية تتبني مطالبها في عام 2011، إذ دعا القيادي القبلي المعروف إبراهيم المنيعي، أحد رموز قبيلة السواركة برفح وقادتها، لتأسيس «اتحاد قبائل سيناء الرسمي»، خلال شهر فبراير (شباط) عام 2011 برئاسته، واتخذ الناشط السيناوي مسعد أبو فجر نائباً له، وهو أحد أبناء قبيلة الرميلات في رفح، وعمل أيضاً متحدثاً رسمياً باسم «الاتحاد». وضم في تشكيلته عدداً كبيراً من مشايخ وقادة قبائل جنوب وشمال سيناء، ولقي تأسيس «الاتحاد»، بالفعل، تجاوباً واسعاً من القبائل السيناوية التي انضوت تحت لوائه.
عقد «الاتحاد» أول مؤتمراته الرسمية يوم 18 من فبراير 2011 في منطقة وادي وتير بجنوب سيناء، بحضور حاشد مثل كل رموز وأبناء قبائل جنوب وشمال سيناء. وكانت أهم توصياته للحكومة المصرية، هي إلغاء جميع الأحكام الغيابية الصادرة بحق بعض أبناء القبائل، وطالب بإعادة توزيع الثروة، بشبه جزيرة سيناء.
ثم عقد مؤتمراً ثانياً في الثالث من سبتمبر (أيلول) عام 2012 بقرية الجفجافة بمنطقة وسط سيناء (التيه)، تحت إشراف قبيلة الأحيوات (اللحيوات) التي تسكن المنطقة. وخلال المؤتمر، أعلن الشيخ ناصر أبو عكر، أحد مشايخ قبيلة السواركة، بشمال سيناء ومنظمي المؤتمر، أن أبناء سيناء «عانوا من نهب ثروات سيناء طويلاً وتهميشهم طويلاً».
ومن جهته، أعلن نائب رئيس الاتحاد مسعد أبو فجر أن «المرحلة المقبلة يجب أن تشهد اعترافاً بالحقوق، وتحقيقاً للمطالب التي أهملها النظام السابق، وهو ما أدى إلى خلق فجوة غير مبررة بين المواطن السيناوي وأجهزة الدولة المصرية».
عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من منصبه في 3 يوليو (تموز) 2013، ارتفعت وتيرة الاعتقالات في صفوف أبناء القبائل. ومع ضعف تأثير «الاتحاد» وتعذر وصول صوته إلى أجهزة الدولة، جرى تجميد نشاطه بينما تزايدت العمليات الإرهابية على أيدي تنظيم «بيت المقدس» الذي تحوّل إلى «ولاية سيناء في داعش» فيما بعد، عندما أعلن ولاءه لتنظيم داعش في سوريا والعراق.

«اتحاد» قليل التأثير
قبل عدة شهور دخلت قبيلة الترابين في مواجهة مباشرة مع الإرهابيين في منطقة نفوذها بشمال سيناء، بعد إقدام التنظيم على قتل أحد شباب القبيلة رمياً بالرصاص جنوب رفح. أدى هذا الحادث إلى انتفاض عدد من أبناء قبيلة الترابين، وتشكيلهم «اتحاد القبائل» في نسخته الثانية، وأصدر هذا «الاتحاد» الجديد أول بيان له من خلال مسؤوله الإعلامي موسى الدلح، أحد أبناء الترابين في عام 2015. وأشار إلى أن التحركات تنضوي تحت لواء القوات المسلحة. وطالب «الاتحاد» الجديد شباب القبائل المنضمين إلى تنظيم «أنصار بيت المقدس»، الذي بايع «داعش» في عام 2014، بتسليم أنفسهم للقبائل وترك التنظيم، محذراً كل الشبان المغرّر بهم من قبل «الدواعش» في بيان جاء فيه: «عودوا لأهلكم وقبائلكم وعائلاتكم قبل فوات الأوان... مَن سلم نفسه قبل أن يُضبط متلبساً فله الأمان، وأما مَن كابر وخان فلا يلومنّ إلا نفسه».
وبعد «مذبحة المصلين» بالروضة، قال الاتحاد في بيان له: «لا عزاء إلا بعد الثأر من التكفيريين، ولن تنام أعين الرجال حتى تطهير كامل أرضنا من آخر تكفيري يمشي بأقدامه على أرض سيناء. سنقتلكم ولن تأخذنا بكم رأفة، وأنتم جرّبتم ذلك وشاهدتموه بأعينكم». وأضاف البيان: «المجزرة الجماعية ضد أهل سيناء وقبائلها في مسجد الروضة وهم يصلون، ستجعلنا ناراً تحرقكم بالدنيا لنلحقكم بنار الآخرة».
ولكن رغم التهديد والوعيد الذي أعلنه «اتحاد قبائل سيناء» أكثر من مرة خلال العامين الماضيين، فإن متابعين محليين في شمال سيناء، يرون أن الحرب التي أعلنها ضد «داعش» قد فشلت مع أول مواجهة حقيقة مع عناصر التنظيم المتطرف في منطقة البرث، وذلك بعد تفجير سيارة مفخّخة بكمين لأبناء قبيلة الترابين أوقع نحو 11 قتيلاً على رأسهم القيادي البارز سالم لافي، أحد قيادات القبيلة. اليوم تواجه هذه الحرب مشكلات عدة، أهمها حالة الرفض التي تسيطر على أهالي سيناء، خوفاً من جرّهم إلى مواجهة مع «داعش»، أو أن يكونوا بديلاً للجيش والشرطة وفق عدد من مشايخ القبائل. وحقاً، لم تلق دعوة قبيلة الترابين قبولاً لدى باقي قبائل سيناء، خصوصاً أبناء قبيلة السواركة، التي حصدت المذبحة أبناءها المصلين في مسجد الروضة، حيث وقعت خلافات شديدة بين أبناء قبيلتي السواركة والترابين مجدداً. وفي هذا الشأن يقول عدد من مشايخ القبائل التي تسكن بئر العبد إن «عدة محاولات واتصالات جرت بين قيادات قبلية للسيطرة على الخلافات بين قبيلتي الترابين والسواركة فيما يخص أسلوب مواجهة الإرهاب والتعامل مع أبناء القبائل».
ووفق الشيخ سلمان البياضي، أحد مشايخ ورموز قبيلة البياضية ببئر العبد، الذي التقته «الشرق الأوسط» فإن قبائل بئر العبد «ومن بينها قبيلة السواركة، لم تتخذ أي إجراءات عقب وقوع مذبحة المصلين حتى الآن»، مشيراً إلى «أهمية إنهاء عدة إجراءات أولية قبل عقد أي اجتماعات أو اتخاذ أي قرارات بشأن الثأر لأبناء قبيلة السواركة».
ومن جهته، أفاد الشيخ حسين الجريري، أحد مشايخ قبيلة السواركة لـ«الشرق الأوسط»، بأنه «لم يتخذ أي قرار منذ وقوع الحادث المفجع، لمتابعة أبناء الشهداء، ومتابعة أحوال المصابين وخروجهم جميعاً من المستشفيات أولاً، قبل بدء التجهيز لمؤتمر لقيادات القبائل للوقوف على الإجراءات المزمع اتخاذها».
في حين قال الشيخ عبد الحميد الأخرسي، أحد مشايخ قبيلة الأخارسة بمدينة بئر العبد أيضاً إن «قبائل بئر العبد ترفض رفضاً قاطعاً الدخول في حرب قبلية تشبه «الصحوات» في العراق، لكونها قد تؤدي إلى صراعات وتقطيع أوصال أبناء القبائل في غرب ووسط وجنوب سيناء». ويوضح في كلامه لـ«الشرق الأوسط»: «القبائل لن تقوم بمحاربة تنظيم داعش بالوكالة عن الدولة، وذلك لأن القوات المسلحة ممثلة بالجيش، هي المنوط بها محاربة التنظيمات الإرهابية بالتعاون مع الشرطة».

تعاون قديم
إلى ذلك لا يُعتَبَر لجوء أجهزة الأمن المصرية إلى الاستعانة بأبناء قبائل سيناء لملاحقة العناصر المتشددة دينياً في شبه الجزيرة مرتبطاً فقط بالأحداث التي تشهدها المناطق الملتهبة منذ أربع سنوات، إذ استعانت أجهزة الأمن بأبناء القبائل بعد تفجيرات طابا وشرم الشيخ ونويبع عامي 2005 و2006 من خلال ملاحقة تلك العناصر في مناطق جبل الحلال.
المصادر الأهلية المحلية تشير أيضاً إلى ارتباط أفراد من عائلات وقبائل بأجهزة الأمن في مجال الإفادة المعلوماتية، أثناء انطلاق الحملات الأمنية، وهذا من منطلق خبرتهم الجغرافية، وإدراكهم لطبيعة المناطق القبلية، وذلك قبل إعلان «اتحاد قبائل سيناء» عن تكوين تشكيلات لملاحقة عناصر تنظيم «ولاية سيناء في داعش» في مناطق جنوب الشيخ زويّد.
أخيراً، أوضح سليم سواركة، أحد أبناء قبيلة السواركة لـ«الشرق الأوسط» أن «عناصر التنظيم تغلغلت بين القبائل كأفراد لهم انتماء فكري متقارب، وتجاوزت الشكل القبلي المتعارف عليه، لوجود عناصر من خارج القبائل ومن محافظات أخرى... وهو ما لم تقبل به الطبيعة القبلية، للانتشار في قراهم». واعتبر أن «الالتقاء الفكري المتشدد كان عامل الاحتضان الأقوى، وليس التهميش، أو تدنّي مستوى الخدمات، لا سيما أن التيار المتشدّد نشأ في الثمانينات، وتطور عاماً بعد عام». وعن قدرة أبناء القبائل على القضاء على الإرهاب، قال سواركة إن «التفكك الذي ضرب القرى خلال السنوات الماضية، ونزوح أبناء القبائل إلى مناطق أخرى، لن يساهم في القضاء على الإرهابيين بأيدي أبناء القبائل».



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.