لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

تمثيل مشرف للعرب والأفارقة في أرفع منبر قانوني عالمي

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية
TT

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

لبناني وصومالي ومغربي ضمن قضاة محكمة العدل الدولية

تكرّر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 «السيناريو» الذي مُثّل فصولاً في الشهر نفسه من العام 2014 عندما جرى انتخاب أربعة قضاة فقط خلال جلسة للجمعية العامة للأمم المتحدة من بين خمسة قضاة يُصار إلى تغييرهم كل ثلاث سنوات في محكمة العدل الدولية، وبعدها بيومين أُعلِن اسم القاضي الخامس بعد انتهاء عملية التصويت. ولئن كان «سيناريو» 2014 قد شهد التجديد للقاضي المغربي محمد بنونة، فإن ما حدث هذا الخريف كان اختيار اللبناني نوّاف سلام، والتجديد لنائب رئيس المحكمة الصومالي عبد القوي أحمد يوسف.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط» اعتبر الدكتور محمود رفعت، أستاذ وخبير القانون الدولي الذي مارس المحاماة في دول أوروبية مختلفة، منها بلجيكا، وفرنسا، وبريطانيا، أنه «لشرف كبير وجود ثلاثة أسماء عربية وأفريقية في أعلى هيئة قضائية دولية». وأردف «نحن كعرب لنا باع طويل في القضاء والقانون الدولي، لكن للأسف هذا الأمر مغفول عنه، ويكفي أن أخبرك أن قاضياً جزائرياً هو محمد بجّاوي سبق له ترؤس محكمة العدل الدولية عام 1993، وأيضاً كان هناك قاض مصري في المحكمة هو الدكتور نبيل العربي (الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية) - من 2001 إلى 2006 - وقضاة في محاكم دولية أخرى».
محكمة العدل الدولية، ومقرّها مدينة لاهاي الهولندية هي الجهاز القضائي الرئيس لمنظمة الأمم المتحدة. وتتولى هذه المحكمة الفصل، طبقاً لأحكام القانون الدولي، في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقدّم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
تتألف المحكمة من 15 قاضياً ينتخبون بأغلبية مطلقة في كل من الجمعية العامة (97 صوتاً) ومجلس الأمن (8 أصوات). ويُنتخب خمسة قضاة كل ثلاث سنوات، ويجري اختيارهم على أساس مؤهلاتهم لا جنسياتهم، لكن لا يجوز وجود قاضيين في هيئة المحكمة من بلد واحد.
هذا الخريف انتخب مجلس الأمن، الذي عقد اجتماعاً مستقلاً تزامناً مع اجتماع آخر للجمعية العامة، الهندي دلفير بهانداري قاضياً في محكمة العدل الدولية لفترة تسع سنوات تبدأ في 6 فبراير (شباط) 2018، وذلك بعدما قررت بريطانيا سحب مرشحها من التنافس. وفي الانتخابات، التي استغرقت أسبوعين، تنافس ستة مرشحين على خمسة مقاعد، كان خمسة منهم أعضاء حاليين في محكمة العدل الدولية هم: روني إبراهام (فرنسا) - الرئيس الحالي -، وعبد القوي أحمد يوسف (الصومال) - نائب الرئيس -، وأنطونيو أوغوستو كانسادو ترينداده (البرازيل)، ودلفير بهانداري (الهند)، وكريستوفر غرينوود (بريطانيا)، بينما كان المرشح السادس هو نوّاف سلام، الممثل الدائم للبنان لدى الأمم المتحدة.
وبعد جولات تصويت عدة أجريت يوم 9 نوفمبر، أعاد المجلس انتخاب كل من الفرنسي روني (المولود في مصر)، والبرازيلي ترينداده، والصومالي يوسف، إضافة إلى اللبناني سلام، الذي لم يكن عضواً في المحكمة. أما الخامس فهو الهندي بهانداري.
وهكذا، في التشكيلة الجديدة، اعتباراً من فبراير المقبل، ستكون الدول العربية ممثلة بالمغربي محمد بنونة الذي تنتهي عضويته عام 2024، والصومالي يوسف الذي تنتهي عضويته في عام 2027، إضافة إلى اللبناني سلام الذي تنتهي عضويته في عام 2027 أيضاً. وبالنسبة للقاضي اللبناني نوّاف سلام كان اختياره مصدر سعادة وترحيب من جانب اللبنانيين والعرب بصفة عامة.

الأرفع في العالم
محكمة العدل الدولية تُعدّ أرفع محكمة في العالم؛ إذ تُعرض أمامها أكثر القضايا الدولية صعوبة وتعقيداً لحسم الخلافات بين الدول المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة. وخلال السنوات والعقود الأخيرة كان بين أهم القضايا التي نظرتها وحكمت فيها المحكمة الدولية قضايا النزاع بين اليمن وإريتريا حول جزر حنيش، وبين إريتريا وإثيوبيا حول منطقة بادمي المتنازع عليها، وجدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، وقضايا كثيرة أخرى.
ثم أن لمحكمة العدل الدولية نشاطاً قضائياً أشمل؛ إذ إنها تفسّر وتفصّل طبقاً لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، كما تمارس وظيفة استشارية من خلال إصدار الفتاوى للجهات التي تحال إليها من هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. وتعد الأحكام الصادرة عن المحكمة قليلة نسبياً، لكنها شهدت بعض النشاط ابتداءً من مطلع الثمانينات. من ناحية ثانية، سحبت الولايات المتحدة الأميركية اعترافها بالسلطة القضائية «الإلزامية» للمحكمة؛ ما يعني أنها تلتزم فقط بما تقبله من قرارات المحكمة، وتتحلل مما لا تقبله منها! وللعلم، كانت الولايات المتحدة قد شككت في نزاهة القضاة إبان قضية نيكاراغوا، وامتنعت عن تقديم أدلة حساسة بسبب وجود قضاة في المحكمة ينتمون إلى دول الكتلة الشرقية.
كما سبقت الإشارة، تضم المحكمة 15 قاضياً، ولا يسمح بوجود قاضيين يحملان نفس الجنسية فيها، وفي حال وفاة أحد القضاة الأعضاء، يصار إلى إعادة انتخاب قاضٍ بديل من جنسية القاضي الراحل ليشغل مقعده حتى نهاية فترته. ويشترط في القضاة، بحسب النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، أن يكونوا «مستقلين، ينتخبهم أشخاص من ذوي الصفات الخلقية العالية، وحائزين في بلدانهم المؤهلات المطلوبة للتعيين في أرفع المناصب القضائية، أو من المشرّعين المشهود لهم بالكفاية في مضمار القانون الدولي، وكل هذا بغض النظر عن جنسيتهم. هذا، ويمكن عزل القاضي عن مقعده فقط بموجب تصويت سرّي يجريه أعضاء المحكمة. ويجوز للقضاة أن يقدموا حكماً مشتركاً أو أحكاماً مستقلة حسب آراء كل منهم. وتؤخذ القرارات وتقدم الاستشارات وفق نظام الأغلبية، وفي حال تساوي الأصوات، ويعتبر صوت رئيس المحكمة صوتاً مرجّحاً.

«جدار الفصل» الإسرائيلي
من جهة أخرى، فيما يتعلق بجدار الفصل الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، سبق للمحكمة أن قضت بعد سبعة أشهر من المداولات القانونية بأن الجدار الذي تبنيه إسرائيل على مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية ينتهك القانون الدولي. ومن ثم، دعت إلى إزالته وتعويض الفلسطينيين المتضررين من بنائه، وجاء في نص الرأي الاستشاري «أن بناء الجدار شكّل عملاً لا يتطابق مع التزامات قانونية دولية كثيرة مفروضة على إسرائيل». وعددت المحكمة بين انتهاكات القانون الناتجة من بناء الجدار إعاقة حرية تنقل الفلسطينيين وحركتهم وتعطيل حقهم في العمل والصحة والتعليم ومستوى حياة كريمة». ورأت المحكمة، من جهة ثانية، أن «حق إسرائيل المشروع في الدفاع عن النفس لا يبرر هذه الانتهاكات للقانون الدولي». وفي النهاية اعتبرت محكمة العدل الدولية بناء الجدار العازل عملاً غير مشروع يخالف القانون الدولي، وعليه يتوجب على إسرائيل وقف عملية البناء وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم من بناء هذا الجدار الإسرائيلي.
تقر الأسرة الدولية أن القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك الفتاوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية غير ملزمة النفاذ من قبل الدولة أو الدول الصادرة ضدها هذه القرارات أو الفتاوى؛ وذلك لانعدام السلطة التنفيذية العالمية القادرة على فرض التنفيذ بالقوة.
وبالتالي، فإن القرار الصادر عن المحكمة فيما يتعلق بجدار الفصل الإسرائيلي غير ملزم لإسرائيل، لسببين: الأول، أن إسرائيل قاطعت جلسات محكمة العدل الدولية، وعليه تكون غير مُلزَمة بالقرارات التي تصدر عنها. والآخر، أن محكمة العدل الدولية متخصصة بالمنازعات التي تنشب بين «الدول» فقط، في حين أن «السلطة الفلسطينية» ليست دولة؛ وهو ما يعني أن ما يصدر عن محكمة العدل الدولية من قرارات تتعلق بالجدار مجرد قرارات استشارية غير مُلزِمة لأطرافها. وفي هذا الشأن، نشير إلى أن إسرائيل اعترضت منذ البداية على إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية على أساس أنه «نزاع سياسي»، وأن هذه المحكمة تنظر وفق اختصاصها الإفتائي فقط بالمنازعات القانونية.

انتقادات التسييس
بين الفينة والأخرى تظهر انتقادات للمحكمة الدولية، بل ذهب البعض إلى الزعم أن تسييس محكمة العدل الدولية طال قرارها الصادر بتاريخ 24-7-2010 - الذي يمكن اعتباره سابقة في تاريخ العلاقات الدولية - حين رأت أن الاستقلال الأحادي الجانب لإقليم كوسوفو الصربي لا ينتهك القانون الدولي. وهو ما مهّد ضمنياً لانفصال جنوب السودان عن دولة السودان عام 2011، علماً بأن قرار الجمعية العامة الرقم 2625 الصادر بتاريخ 24-11-1970 رأى أن الحق في «تقرير المصير» لا يكون إلا في حالة الاستعمار.
الكاتب سامي السلامي قال في هذا السياق: «لقد أقرّت محكمة العدل الدولية في نظامها الأساسي على إلزامية أحكامها الصادرة، ووجوب الالتزام بها من قبل الأطراف المتنازعة. وعليه، فإن تحديد طبيعة أحكام محكمة العدل الدولية ومدى إلزاميتها في مواجهة القوى العظمى يفرض علينا دراسة الحكم الصادر في أزمة نيكاراغوا. لقد أصدرت المحكمة يوم 27-6-1986 حكماً يدين عدوان الولايات المتحدة على نيكاراغوا وتسليحها المعارضة المسلحة، وتلغيمها شواطئ نيكاراغوا وموانئها ومطاراتها؛ ما خلّف 29 ألف قتيل، إضافة إلى تدمير البلاد». وتابع شارحاً «يومذاك اعتبرت المحكمة أن تدخل الولايات المتحدة في هذه الدولة في أميركا الوسطى غير شرعي، ويمسّ بقاعدتين آمرتين، هما: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واستعمال القوة في العلاقات الدولية. ومن ثم، طالبت المحكمة واشنطن بدفع تعويضات لنيكاراغوا مترتّبة على انتهاكها القانون الدولي، إلا أن واشنطن رفضت تطبيق الحكم، وظلت متشبثة بأطروحتها المبنية القائلة إن تدخلها في نيكاراغوا يدخل ضمن نطاق الدفاع الشرعي عن النفس نيابة عن حكومة السلفادور، إثر تسليح سلطات نيكاراغوا قوى المعارضة المسلحة في السلفادور».

لمحة تاريخية
أسست محكمة العدل الدولية عام 1945، وبدأت أعمالها في العام اللاحق، لتحل محل المحكمة الدائمة للعدالة الدولية، وهذه الأخيرة كانت تعد الصورة الأولى للقضاء الدولي الدائم، وارتبطت نشأة تلك المحكمة بتأسيس عصبة الأمم عام 1919. وفي حينه، نصت المادة 14 من عهد عصبة الأمم على تكليف مجلسها بإعداد مشروع محكمة دائمة للعدالة الدولية. وبالفعل، دعا مجلس العصبة لجنة استشارية للمتشرعين لإعداد مشروع نظام المحكمة.
عرض المشروع بالفعل على المجلس، ثم على الجمعية العامة التي وافقت عليه بقرار في 3 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1920. وأضحى النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدالة الدولية سارياً في 16 ديسمبر (كانون الأول) 1920، بعد التصديق عليه من أغلبية الدول الأعضاء في المنظمة. وأصدرت تلك المحكمة منذ عام 1922م حتى العام 1938م 31 حكماً قضائياً و27 رأياً إفتائياً، وجاءت كل الآراء الإفتائية بناءً على طلب من مجلس العصبة.
عام 1938 توقف نشاط المحكمة بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا النازية جارتها هولندا، وتقرر مقر المحكمة إبان الحرب إلى مدينة جنيف في سويسرا. وفي 18 أبريل (نيسان) عام 1946 تقرر اعتبار تلك المحكمة منحلة، وعقدت في اليوم نفسه الجلسة الأولى للمحكمة الجديدة (الحالية)، أي محكمة العدل الدولي، التي تعد رغم شخصيتها المستقلة امتداداً للمحكمة القديمة.

من هم الأعضاء العرب؟
نواف سلام
ولد نواف سلام في 15 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1953 لعائلة بيروتية وجيهة ومعروفة، وهو ابن عبد الله سلام ورقت بيهم. جدّه «أبو علي» سليم سلام، كان مؤسس «الحركة الإصلاحية في بيروت»، الذي انتخب نائباً عن بيروت في «مجلس المبعوثان العثماني» عام 1912. ومن أعمامه السياسي البارز صائب سلام الذي عرف بنضاله من أجل استقلال لبنان عن الانتداب الفرنسي، وتولى لرئاسة الحكومة اللبنانية أربع مرات بين 1952 و1973، والوزير السابق مالك سلام.
يحمل سلام شهادة دكتوراه دولية في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية في باريس عام 1992 وشهادة ماجستير في القانون من كلية الحقوق في جامعة هارفارد (1991). كما يحمل دكتوراه في التاريخ من جامعة باريس - السوربون (1979).
وعمل من 1979 إلى 1981 محاضراً في مادة التاريخ المعاصر للشرق الأوسط في جامعة باريس – السوربون. وعام 1981 غادر العاصمة الفرنسية ليمضي سنة باحثاً زائراً في مركز ويذرهيد للعلاقات الدولية في جامعة هارفارد. وبين عامي 1985 و1989 كان محاضراً في الجامعة الأميركية في بيروت إلى جانب ممارسته مهنة المحاماة وصار أستاذاً زائراً مساعداً في العلوم السياسية في هذه الجامعة عام 2003، ثم أستاذاً مساعداً عام 2004. وقد تولى منصب مدير دائرة العلوم السياسية والإدارة العامة فيها من 2005 إلى 2006.
وانتخب سلام عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس الاقتصادي الاجتماعي الأول في لبنان ما بين 1999 و2002. في 2005 عيّنه مجلس الوزراء في اللجنة المكلفة بإعداد مسودة قانون انتخابي جديد في لبنان. وشغل منذ يوليو (تموز) 2007 منصب سفير ومندوب دائم للبنان في الأمم المتحدة

عبد القوي أحمد يوسف
عبد القوي أحمد يوسف عمر، نائب رئيس محكمة العدل الدولية. وهو صومالي من مواليد 12 سبتمبر (أيلول) عام 1948 في منطقة إيل الساحلية بشمال شرقي الصومال.
حاز الإجازة في القانون من الجامعة الوطنية الصومالية. ثم تابع دراسات عليا في القانون الدولي جامعة فلورنسا بإيطاليا، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في القانون الدولي من معهد الدراسات العليا للعلاقات الدولية في مدينة جنيف السويسرية.
يجيد خمس لغات هي الصومالية والعربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية. وعمل محاضراً في القانون في الجامعة الوطنية الصومالية بين عامي 1974 - 1981. كما مثل الصومال في مؤتمر الأمم المتحدة لقانون البحار. وعمل محاضراً في جامعة جنيف ثم مستشاراً قانونياً. وبعدها عُيّن مدير مكتب المعايير الدولية والشؤون القانونية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) بين مارس (آذار) 2001 ويناير (كانون الثاني) 2009. إضافة إلى ذلك، ألف القاضي يوسف كتباً عدة، وكتب الكثير من المقالات حول مختلف جوانب القانون الدولي.

محمد بنونة
الدبلوماسي والمحامي المغربي محمد بنونة، ولد يوم 29 أبريل 1943 في مدينة مراكش المغربية.
درس الفقه والعلوم السياسية في جامعة نانسي (شمال فرنسا) وفي جامعة باريس، حيث حاز درجة الدكتوراه في القانون الدولي، كما تخرّج في أكاديمية القانون الدولي بمدينة لاهاي الهولندية عام 1970. وهو عضو في معهد القانون الدولي.
وعمل أستاذاً وعميداً لكلية الحقوق في العاصمة المغربية الرباط بين 1972 و1984. وأسس عام 1976 المجلة القانونية والسياسية والاقتصادية للمغرب وعمل مديراً لها. وبين عامي 1985 و1989 تولى منصب المدير العام لمعهد العالم العربي بالعاصمة الفرنسية باريس، وعمل سفيراً ممثلاً دائماً مساعداً لدى الأمم المتحدة. كما كان أستاذاً زائراً في الكثير من الجامعات في كل من تونس، والجزائر، وفرنسا (نيس وباريس) والولايات المتحدة (نيويورك).
عُيِن بنونة سفيراً وممثلاً دائماً للمغرب لدى الأمم المتحدة خلال الفترة بين 2001 و2006. وأصبح بعدها قاضياً في محكمة العدل الدولية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.