خمسة شروط ضرورية لمهرجان ناجح

طريق العالمية مازال طويلاً

أعضاء لجنة التحكيم - حسين فهمي ويسرا بين المحتفين
أعضاء لجنة التحكيم - حسين فهمي ويسرا بين المحتفين
TT

خمسة شروط ضرورية لمهرجان ناجح

أعضاء لجنة التحكيم - حسين فهمي ويسرا بين المحتفين
أعضاء لجنة التحكيم - حسين فهمي ويسرا بين المحتفين

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة السينمائي

إذ تنتهي أعمال الدورة 39 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي اليوم، فإن إلقاء نظرة فاحصة على هذا الحدث يكشف عن أنه يحتاج إلى تغييرات عدة لا ليستمر فقط، بل لكي يستطيع التقدم في الاتجاه الصحيح ويرتفع عن مستوياته العادية المتكررة.

استمرارية

ليس أنه مهرجان بلا حسنات. هناك جهود رائعة تبذل فيه وله عاماً بعد عام، وعلى أكثر من صعيد بدءاً من إدارته ومروراً بخدماته الصحافية ووصولاً إلى تلبيته نهم المشاهد الذي ينتظر هذا الحدث سنة بعد سنة. هناك إصرار وزارة الثقافة على دعمه وهناك رئاسة المهرجان التي تحاول دوماً اجترار المعجزات لأجله.
ثم هناك مدينة القاهرة التي تستطيع، لو أتيح للمهرجان التغلب على مشكلاته، أن تكون عامل جذب مهماً للمدعوين والسينمائيين الأجانب. إنّها مدينة لديها اسم بحجمها توارث اهتمام قطاعات مختلفة ولا ينقصها سوى تثبيت استقرارها واستقرار الوطن المصري بكامله وهذا سيأتي وسيتم.
والواقع أن القائمين على المهرجان والإعلام ونجوم الفن في مصر حاولوا تأكيد أهمية هذا المهرجان، وبذلك لعب دور المروج والجاذب له. لكن الكلمات المختارة أصبحت «أكليشيهات»، كالقول بأنّه يقام في «أرض الحضارة» (جزء من شعار المهرجان هذا العام)، وما ورد في إحدى الخطب بأنّه «أهم مهرجانات العالم»، وهذا غير صحيح على الإطلاق، ثم ما تفرع عن هذين القولين من تصريحات مشابهة تدخل نطاق الحماس وتعلن عن حب الوطن، لكنها تبقى كلمات وليست أفعالاً.
الحال أن المهرجان بحاجة إلى معالجة جذرية لكي ينهض من واقعه الحالي. الحال أيضاً أنه ليس من أهم المهرجانات ولا أقواها ولا مصدر الاهتمام الأول بينها. حتى يحقق هذه المعادلات الإيجابية فإن المعالجة الجذرية له يجب أن تشمل منحه دوراً جديداً ومميزاً يجعله أكثر من مجرد مهرجان بين المهرجانات العالمية المنتشرة.
ولكي لا يبقى الكلام نظرياً، هناك خمسة أمور على المهرجان القيام بها لكي يستطيع، لا الاستمرار بنجاح فقط، بل ليتقدم كل سنة خطوة إلى الأمام. الاستمرار بحد ذاته صعب، لكن الارتقاء هو الفعل الأصعب وغير المستحيل في الوقت ذاته.

أولاً: التخلص من «فياف»

- «فياف» مؤسسة فرنسية أُسّست قبل أكثر من 50 سنة تعني، بين ما تعنيه، الاهتمام بتنظيم العلاقات بين المهرجانات وتوزيع مهامها. نعم مهرجان القاهرة هو العربي الوحيد بينها، لكنّ ذلك لا يقدّم كثيراً أو يؤخر. ها هو مهرجان دبي يتصدر المهرجانات العربية من دون أن يكون منضوياً تحت تلك المؤسسة.
بالتالي، كل ما سمعناه عن أهمية الانتماء لتلك المؤسسة لا يعني شيئاً فعلياً بالنسبة للمهرجان، فها هو يحافظ على مشكلاته سنة بعد سنة. بالخروج منه، يستطيع المهرجان المصري التمتع بحرية اختياراته الأفلام عوض ارتباطه بشروط المؤسسة في ذلك، ويستطيع أن يغيّر من وقت إقامته إذا شاء.

ثانياً: الهوية

- ما هو المرغوب من هذا المهرجان؟ أن يستمر كعارض لأفلام المهرجانات؟ (حتى المسابقة عرضت أفلاماً سبق عرضها في المهرجانات الأخرى) أو أن يقدم القاهرة كمكان حاضن لمهرجان سينمائي أسوة بعواصم عالمية أخرى؟
39 دورة أكدت أن ذلك لا يكفي، بل وربما ليس ضرورياً. الأفضل هو تشكيل هوية خاصة بالمهرجان تنبع من أقسام جديدة وتوجهات مختلفة. أن يكون لديه جانب واحد على الأقل هو أكثر التصاقاً به من سواه. جانب حاد كاشف عن اهتمام بجانب من العمل السينمائي ليس منتشراً بما فيه الكفاية. نقطة جذب أكيدة للسينمائيين الغربيين تجعلهم يفكرون جدياً بعرض أفلامهم على المهرجان عوض أن يطلبها المهرجان منهم.

ثالثاً: إعادة رسم خريطة البرامج

- هل يهم فعلاً أن يكون هناك قسم باسم «مهرجان المهرجانات» وآخر باسم «بانوراما» خصوصاً إذا ما كانت أفلام البانوراما هي أيضاً ممن سبق عرضه في المهرجانات الأخرى.
بالإضافة، اسم «مهرجان المهرجانات» عتيق تخلص منه كل مهرجان تقدم بخطواته. أطلقه مهرجان تورنتو على نفسه في الثمانينات والتسعينات ثم نبذه. أطلقه مهرجان لندن على نفسه طويلاً ثم توقف عن ذلك لأنه يعني تماماً ما يوحي به: جامع أفلام من مهرجانات أخرى.
لقد ثبت أن الجمهور يرغب هنا بمشاهدة أفلام المسابقة وأفلام «آفاق السينما العربية» وصولاً إلى «بانوراما الأفلام المصرية الجديدة». الباقي تفاوت كثيراً من فيلم لآخر. حتى يدرك الهاوي أي فيلم عليه أن يراه، وذلك تبعاً لرغبته، على القسم أن يكشف عن تخصصه. لم لا يكون هناك قسم لأفلام الأنيميشن؟ للأفلام التسجيلية؟ لأفلام بارزة في مجال التصوير السينمائي أو موسيقى الأفلام؟ لم لا يكون هناك قسم لكلاسيكيات السينما؟

رابعاً: إدارة قوية

دورة وراء أخرى تبرهن على أن الدورات الأكثر نجاحاً وتنظيماً هي تلك التي أقيمت في ظل إدارات قوية. لقد مرت مرحلة ناجحة في هذا الشأن، عندما قام الراحل سعد الدين وهبة بإدارته بقبضة قوية بحيث أن الأخطاء التي وجدها متكررة في مطلع ولايته، التي استمرت لعدة أعوام، تمكن من إزالتها. هناك تنظيم جيد في هذه الدورة من حيث علاقة المهرجان بضيوفه، لكن الأخطاء والهفوات ما زالت واقعة، فهناك أفلام استبدلت وأفلام تأخر عرضها وأخرى لم يكن الصوت فيها جيداً. وهذه هفوات يمكن تصحيحها بمجرد وضع الموظفين تحت سقف المسؤولية والمحاسبة.
ثم هل يمكن منع استخدام الهواتف الجوالة خلال العرض بالطلب من موظفي الصالات ممارسة دور المانع بالتنبيه على الأقل؟

خامساً: الميزانية

ميزانية المهرجان هذه السنة أعلى مما كانت عليه. ليست مثالية ولا هي كافية لتحقيق كامل ما يصبو المهرجان إليه. لكن هل هناك حاجة لاستقبال أكثر من 180 فيلماً؟ لماذا لا يخصّص جزء من الميزانية لاستقطاب إعلاميين عالميين؟ تعيين مستشار له خبرته الطويلة والمنفصلة (وبالتالي المختلفة) للإسهام في وضع وتنفيذ الخطط الصحيحة؟
وماذا عن صالات السينما؟ لكي يسترد المهرجان جزءاً من ميزانيته على أفلامه أن تعرض في قاعات منتشرة في كل القاهرة وربما سواها لجانب تطوير تلك التي تعرض فيها أفلامه الحالية.
إرضاء

كل ما سبق، له علاقة بإذا ما كان القائمون على مهرجان القاهرة لديهم النية للتغيير الكامل. لتثبيت رؤية مغايرة، تنظر إلى الخلف وتقول، كفى وتبدأ من جديد بأهداف جديدة.
يحتاج المهرجان أن يبدأ البحث عن مكان فريد تحت الشمس. للتفكير بكيف يمكن للسينمائي العالمي البدء بتفضيل هذا المهرجان على بعض سواه. وما سبق لا يصلح للعمل جزئياً. إنها معالجة شاملة ومتوحدة يمكن بعدها البدء في الارتقاء بهذا المهرجان الذي عليه أن يستمر خارج نطاق تنفيذه لأنه مطلوب. عليه أساساً أن يجد دوراً كبيراً وطموحاً وجديداً لكي يلعبه.
ولا يفيد مطلقاً الاكتفاء باستخدام العبارات الطنانة. هذه قد ترضي الذات، لكنها لا تصنع مهرجانات ناجحة.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز