الجيش الليبي يستنفر قواته بعد معارك بنغازي

استنفار أمني وتهديد بقصف الخارجين على القانون جوا.. وحكومة زيدان تحصل على دعم أميركي بريطاني

مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
TT

الجيش الليبي يستنفر قواته بعد معارك بنغازي

مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)
مواطن يطلق النار على عناصر من ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف مؤازرة للجيش الليبي في مدينة بنغازي أمس (رويترز)

استمرت، أمس، حرب الشوارع في مدينة بنغازي بشرق ليبيا بين قوات الجيش الليبي، الذي أعلن حالة الاستنفار القصوى، وميليشيات تنظيم أنصار الشريعة المتطرف، حيث أبلغ إبراهيم العوامي الناطق الرسمي باسم الغرفة الأمنية المشتركة في المدينة «الشرق الأوسط» أن الجيش بات يفرض سيطرته بشكل شبه كامل على المدينة التي تعد معقل الثوار ومهد الانتفاضة الشعبية ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي قبل نحو عامين.
وقال العوامي إن «لدى بنغازي تجربة في هذه الأوضاع. وضع الاشتباكات حاليا في انحسار، هناك اشتباكات متقطعة جدا جدا، لكن الأصابع ما زالت على الزناد، المجموعة التي كان الجيش يتعامل معها أصبحت خارج المدينة».
وردا على تقارير بمشاركة عناصر من غرفة عمليات ثوار ليبيا في القتال مع ميليشيات «أنصار الشريعة» ضد الجيش الليبي، أضاف العوامي: «هذه ميزة الجيش والشرطة؛ أن تعرفه من زيه، لكن هؤلاء لا يمكنك الحكم عليهم، ويختلط الأمر».
وأوضح أن رئيس الغرفة الأمنية المشتركة عقد اجتماعا مع مجلس حكماء بنغازي، الذي أكد دعمه لقوات الجيش، مشيرا إلى أن المواطنين يطلبون الحماية بعد ترويعهم ومنع أولادهم من الالتحاق بمدارسهم، وأنهم يريدون وقفة حازمة من الجيش.
وحذر العوامي من أن أي أرتال عسكرية تخرج من مدينة بنغازي أو تدخلها من دون تعليمات من رئاسة الأركان أو الغرفة الأمنية ستعتبر بمثابة أرتال خارجة عن القانون، وسيجري قصفها من قبل السلاح الجوي الليبي، وكذلك الذين يحملون أسلحة من المدنيين ويجوبون بها الشوارع.
كما نفى العقيد مصطفى الشركسي الناطق باسم قاعدة بنينا الجوية ببنغازي التصريحات المنسوبة لآمر القاعدة بشأن قدوم أرتال عسكرية إلى المدينة، وقال في تصريحات بثتها قناة «ليبيا» الوطنية: «نحن الآن نعمل بمنظومة عسكرية تتبع رئاسة الأركان العامة ووزارة الدفاع، ولا نتحرك إلا بأوامر عسكرية».
ووقعت الاشتباكات في منطقة جزيرة البركة، لدى نقطة تفتيش «أنصار الشريعة» حيث استخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، بينما دعا العقيد ونيس بوخمادة رئيس القوات الخاصة بالجيش كل العناصر بالثبات في نقاطهم والتمركز بها، وأعطى الأوامر بالتعامل مع أي اعتداء مسلح يستهدف أي نقطة للقوات الخاصة في أي منطقة.
وأمكن سماع إطلاق نار وانفجارات في بنغازي وتصاعد دخان كثيف من منطقة رأس عبيدة، وقال شهود إن الجيش طلب من السكان تجنب الخروج إلى الشوارع واستدعى جنودا من إجازاتهم للانضمام إلى وحداتهم بالمدينة.
وتعد هذه هي أول مواجهات من نوعها بين القوات النظامية والمجموعة الإسلامية، حيث كانت السلطات تتجنب حتى أمس أي مواجهة مع الإسلاميين، الذين يتزايد نفوذهم في شرق البلاد.
وأعلنت وزارة الداخلية الليبية وضع إمكاناتها تحت تصرف القوات الخاصة (الصاعقة) المكلفة بعملية تأمين وحماية مدينة بنغازي. وأوضحت الوزارة في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه أن هذا الموقف يأتي دعما لأمن واستقرار المدينة بعد هذه الاشتباكات المسلحة.
وقال ميلود الزوي المتحدث الرسمي باسم القوات الخاصة الليبية إن اشتباكا عنيفا وقع لعدة ساعات بين قواتنا وخلية من «أنصار الشريعة»، لافتا إلى أن المواجهات اندلعت بعد تعرض دورية تابعة للقوات الخاصة لهجوم. وأوضح أن «الجيش قام بالرد، مما أدى إلى اندلاع اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة»، مشيرا إلى أن المواجهات بين الطرفين توسعت لتصل إلى مناطق أخرى من بنغازي.
وأعلن الجيش الليبي حالة «النفير العام» في بنغازي، ودعا «كافة العسكريين إلى الالتحاق بثكناتهم ووحداتهم العسكرية بشكل فوري» بعد المواجهات، كما وجهت الغرفة الأمنية المشتركة نداء إلى العسكريين بضرورة التوجه فورا لأقرب معسكر لهم، للمشاركة في تأمين المدينة.
وأقام مسلحون في مناطق شرق بنغازي كثيرا من الحواجز في الطريق إلى المدينة، تحسبا لقدوم قوات مساندة لجماعة أنصار الشريعة من مدينة درنة.
وقالت وكالة الأنباء المحلية إن مجموعات مدنية من ثوار مدينة بنغازي قامت بجلب أسلحة خفيفة، وشاركت عناصر القوات الخاصة في عمليات اشتباكها ومداهمتها للأماكن التي يتركز فيها مسلحون تابعون لجماعة أنصار الشريعة. كما نقلت عن شهود عيان أن الاشتباكات بين عناصر القوات الخاصة وجماعة أنصار الشريعة امتدت لعدة مناطق، من بينها الماجوري والبركة والليثي وقار يونس، مشيرة إلى أن أشد هذه الاشتباكات تركزت في منطقة رأس عبيدة التي يتحصن فيها أغلب المسلحين التابعين لجماعة أنصار الشريعة.
وحذرت الحكومة الانتقالية، برئاسة علي زيدان، من أن الجيش يشكل «خطا أحمر» يجب عدم تجاوزه، بعدما أعلن وزير الداخلية بالوكالة الصديق عبد الكريم أثناء تلاوته بيانا للحكومة أن «المواجهات أوقعت تسعة قتلى و49 جريحا».
وأكدت الحكومة أنها في حالة انعقاد مستمر منذ ساعات الصباح الأولى أمس، لمتابعة ما وصفته بـ«الأحداث المؤسفة الجارية بمدينة بنغازي، الناتجة عن الاعتداء على القوات الخاصة التابعة للجيش الليبي، المكلفة تأمين المدينة». وأكدت أن ما حدث يعكس بوضوح الحاجة لتسريع تطبيق القرار 53 لسنة 2013 بإخراج جميع التشكيلات المسلحة خارج المدينة، وإسناد الأمن بكامله للجيش والشرطة دون غيرهما.
وطمأنت المواطنين بأن الجيش الوطني الليبي بكل تشكيلاته والقوات الخاصة للجيش الليبي تقوم بواجباتها المقررة قانونا، مشيرة إلى أن هذه القوات خط أحمر، كونها تمثل سيادة الدولة الليبية، وأنها ترفض التعدي عليها لأي سبب من الأسباب.
وطالبت الحكومة جميع الأهالي في بنغازي بالتزام الهدوء حتى تتمكن السلطات الأمنية من ضبط الموقف الأمني، من خلال الغرفة الأمنية والقوات الخاصة وقوات الأمن والتعاون الكامل معها، مؤكدة أن الدولة تتعامل مع الموقف بكل حسم لتطبيق القانون وبسط الأمن في بنغازي وكامل التراب الليبي، وتناشد الشعب الليبي تفهم ذلك.
ودعا المؤتمر الوطني العام (البرلمان) جميع الأطراف في مدينة بنغازي إلى ضبط النفس والاحتكام إلى الحكمة والحوار، لكنه أكد في المقابل في بيان أصدره أمس إصراره على دعم الشرعية وإخلاء بنغازي وجميع المدن الليبية من المظاهر المسلحة كافة، داعيا الوجهاء والحكماء والأعيان إلى مواصلة جهودهم في التوصل إلى التهدئة والإصلاح. ودعت مديرية الأمن الوطني في بنغازي رجال الشرطة إلى الالتحاق بأعمالهم فورا للمساعدة في تأمين المدينة وإعادة الهدوء والطمأنينة إلى سكانها، فيما أغلقت المدارس بالمدينة أبوابها.
وهذه المواجهات هي الأولى من نوعها بين جماعة إسلامية والجيش، لكن محمود البرعصي أحد قادة تنظيم أنصار الشريعة اتهم، أمس، السلطات الرسمية في ليبيا بالكفر والردة، مشيرا في تصريحات لقناة «ليبيا الأحرار» إلى أن التنظيم سيقاتل من لا يطبق الشريعة أو يسلم المواطنين إلى الكفار والنصارى، في إشارة إلى خطف القوات الخاصة الأميركية للمواطن الليبي نزيه الرقيعي (أبو أنس)، المتهم بالتورط في عمليات إرهابية ضد المصالح الأميركية.
وتأسست جماعة أنصار الشريعة بعد إعلان تحرير البلد، إثر سقوط نظام القذافي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011 في مدينة بنغازي، ومن ثم تكونت لها فروع عدة في مصراتة وسرت ودرنة وعدد من المدن الليبية الأخرى.
وتدعو الجماعة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، علما بأنه قد نسبت إليها مسؤولية اغتيال قضاة ومسؤولين أمنيين في بنغازي، كما يشتبه في ضلوعها في الهجوم الذي قتل فيه السفير الأميركي وثلاثة أميركيين آخرين العام الماضي، لكنها تنفي أي ضلوع لها.
وتأتي أعمال العنف في بنغازي بينما اتخذت السلطات الليبية خطوات لإخراج الجماعات المسلحة من طرابلس، بسبب الاستياء الشعبي في العاصمة.
وفي منتصف الشهر الحالي قُتل 46 شخصا، وأصيب أكثر من 500 بجروح في طرابلس، بعدما فتح مسلحون النار على متظاهرين مسالمين كانوا يطالبون بخروج الجماعات المسلحة من العاصمة. وتزامنت هذه الاشتباكات مع اجتماع ثلاثي عقده بالعاصمة البريطانية لندن علي زيدان رئيس الحكومة الانتقالية مع كل من وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ونظيره البريطاني ويليام هيغ، جرى فيه متابعة التعاون في مختلف المجالات بين الدول الثلاث، وتبادل وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
واعتبر كيري عقب الاجتماع أن ليبيا مرت بكثير من الاضطرابات، ولكن التغير الذي حصل يوم الجمعة بالعاصمة طرابلس شكل فرصة لليبيا لتخطو خطوة نحو الدولة الديمقراطية، دولة القانون.
ومن جهته، نوه هيغ بأن تضحيات الليبيين المستمرة، وآخرها تضحيات الجمعة 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، تؤكد مدى إصرار الليبيين على التحول الديمقراطي والسعي لبناء دولة مدنية، قائلا في هذا الصدد: «نحن ندعم ليبيا».
ومن جانبه، حيا زيدان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وعبر عن شكره وتقديره لموقفهما الداعم لليبيا، مؤكدا أن تضحيات الشعب الليبي وسقوط ما يقارب عن 50 قتيلا جاء من أجل أمن ليبيا وضمان استقرارها، وسيكون هذا الحدث نقطة تحول مفصلية لاستتباب الأمن واستقرار ليبيا، مجددا حرص الحكومة الليبية على استمرار الصداقة والتعاون مع جميع الأصدقاء من أجل بناء ليبيا دولة القانون دولة مستقلة مستقرة.
من جهة أخرى، بحث مسؤولون بوزارة الداخلية الليبية، أمس، مع بعثة الاتحاد الأوروبي في ليبيا سبل تطوير التعاون القائم بين ليبيا والاتحاد في دعم الأجهزة والمؤسسات الأمنية في ليبيا.
وأملا في احتواء المقاتلين السابقين، استعانت الحكومة بميليشيات لتوفير الأمن، لكن ولاء هذه الميليشيات ظل لقادتها أو قبائلها، وكثيرا ما تدور بينها اشتباكات في نزاعات على الأرض أو لعداوات شخصية.
ووعد الجيش الأميركي وبريطانيا وفرنسا وحلف شمال الأطلسي وتركيا بتقديم العون للقوات المسلحة الليبية، على أن معظم برامج المساعدات بدأت لتوها، وما زالت خبرة الجنود لا تضاهي أفراد الجماعات المسلحة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.