الفالح: نحن متأخرون ولا بد من مواكبة العالم في قطاع الكيماويات

وزير الطاقة السعودي قال إن رؤية بلاده تعمل على رفع حصة البتروكيماويات إلى 453.3 مليار دولار

خالد الفالح خلال كلمته في منتدى «جيبكا» السنوي بدبي («الشرق الأوسط})
خالد الفالح خلال كلمته في منتدى «جيبكا» السنوي بدبي («الشرق الأوسط})
TT

الفالح: نحن متأخرون ولا بد من مواكبة العالم في قطاع الكيماويات

خالد الفالح خلال كلمته في منتدى «جيبكا» السنوي بدبي («الشرق الأوسط})
خالد الفالح خلال كلمته في منتدى «جيبكا» السنوي بدبي («الشرق الأوسط})

قال المهندس خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية إن المنطقة تتمتع بإمدادات وفيرة ذات أسعار تنافسية من الوقود واللقيم، كما تتمتع مصانعها التحويلية بميزة في وفورات الحجم، مبيناً أن إيرادات صناعة الكيماويات في المنطقة - على الرغم من مكانتها العالمية في موارد النفط والغاز وإنتاجهما - لا تتجاوز 2 في المائة من إيرادات صناعة الكيماويات العالمية التي تبلغ أربعة تريليونات دولار سنويا، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى إنتاجها المحدود من المنتجات المتطورة ذات القيمة المضافة.
وأوضح أن حصة المنطقة في الإيرادات العالمية من المنتجات المتخصصة - على سبيل المثال - لا تكاد تصل إلى 1 في المائة، في مقابل 25 في المائة لأوروبا الغربية، كما أن نسبة القيمة المضافة التي تحققها المنطقة من صناعة الكيماويات لا تتجاوز 3 في المائة، في مقابل 25 في المائة للولايات المتحدة، مشيرا إلى أن المنطقة لا تستهلك محلياً سوى نحو 18 في المائة من البتروكيماويات لتحويلها إلى منتجات ذات قيمة أعلى، فيما يتم تصدير أكثر من 80 في المائة منها، وفي المقابل، لا تُصدِّر الولايات المتحدة إلا ثلث إنتاجها من البتروكيماويات كسلع أساسية، فيما يتم تحويل ثلثي الإنتاج إلى منتجات ذات قيمة أعلى.
وأضاف: «أدعو صناعتنا الإقليمية إلى مواكبة معدلات التحويل الأميركية بحلول عام 2030. وبالمثل، يصل عدد العاملين - سواء عن طريق التوظيف المباشر أو غير المباشر - في كل من قطاعي الكيماويات في الولايات المتحدة وأوروبا إلى ما بين خمسة وستة ملايين شخص، في مقابل نصف مليون شخص فقط في منطقة مجلس التعاون الخليجي بكاملها، كما أننا متأخرون عن منافسينا العالميين من حيث التميز في نفقات التشغيل، فالتكاليف التشغيلية في منطقتنا تتجاوز المستويات الأميركية بنسبة تتراوح بين 15في المائة و20 في المائة، وتتجاوز المستويات الصينية بضعف هذه النسبة».
وأشار إلى أن المنطقة نتيجة لذلك، شهدت ربحية القطاع وفوائده الاقتصادية الكلية تراجعا كبيرا، فهيكل التكاليف التنافسية يعتمد بدرجة كبيرة على مزايا تكلفة اللقيم وليس على الريادة في تكلفة الإنتاج، مؤكدا ضرورة تضافر جهود الحكومة والصناعة والمستثمرين والمبتكرين من أجل سد هذه الفجوات.
وزاد: «وبعبارة أخرى، إذا أردنا أن نتبوأ مكانة ريادية تليق بالإمكانات الهائلة التي تتمتع بها منطقتنا، فإن السياسات الحكومية التقدمية ذات التوجه المستقبلي يجب أن تدعمها استراتيجيات مؤسسية سليمة وبيئة تعزز روح المبادرة، ورأس المال المغامر، والبحث والتطوير».
وشدد على أهمية انتقال جهود إحداث التحول في الصناعة في منطقة الخليج من التركيز على إنتاج السلع الأساسية بأدنى تكلفة تشغيلية إلى التركيز على خلق قيمة عالية، مبيناً وجود فرص كثيرة للنمو يمكن الاستفادة منها في جميع مراحل سلسلة القيمة، خاصة زيادة تحقيق القيمة من إنتاجنا الحالي من الكيماويات الأساسية والوسيطة، والدخول في إنتاج الكيماويات المتخصصة والمنتجات التحويلية، وإعطاء الأولوية للمنتجات المتميزة التي تحمل العلامة التجارية للشركة والتي يمكنها أن تنافس أفضل المنتجات الكيماوية، ومشيراً إلى أن «نجاح السعودية في الدخول في مجال المنتجات التحويلية يتطلب أيضا فهما أعمق للمستهلكين، وسلاسل القيمة الخاصة بهم، وأهم استخدامات منتجاتنا، سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل».
ولفت وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية إلى أن زيادة القيمة المضافة في حالة السعودية يمكن تحقيقها من خلال دمج مصانع الكيماويات مع باقي المنظومة الصناعية، وأن المواد المتطورة التي ستنتجها المملكة ستفتح الباب أمام تطوير صناعات تنافسية أخرى في مجالات من بينها صناعة السيارات والطائرات والطاقة المتجددة والأدوية والتقنية الحيوية والتصنيع العسكري ومواد البناء وغيرها، مشيرا إلى أن هذا التحول يمكن دعمه من خلال رفع نسب المحتوى المحلي المشترطة وإيجاد سلسلة إمدادات أكثر قوة وتنافسية.
ونبه إلى أن تحويل هذا المفهوم إلى واقع ملموس يعني تحويل قطاع الكيماويات المتخصصة، وهو قطاع حديث النشأة نسبياً، إلى قوة عالمية، مضيفاً أن التحدي الذي يضعه أمام قطاع الكيماويات الخليجي هو مواكبة حصة أوروبا الغربية البالغة 25 في المائة من إيرادات الكيماويات المتخصصة العالمية بحلول عام 2030، وستتطلب تلبية هذا التحدي، فضلا عن الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة، والتفوق في الابتكار والبحث وتطوير التقنيات محلياً وقال: «علينا أيضا أن نزيد نسبة الكيماويات الأولية التي يتم تحويلها محلياً من خلال تشجيع عملائنا المحليين والدوليين على إقامة مرافق تصنيع هنا في المنطقة».
وأكد: «هناك أيضا فرص واعدة في التحويل المباشر للنفط الخام إلى كيماويات وتعزيز التكامل بين التكرير والكيماويات، بما يتيح لإنتاجنا من البتروكيماويات درجة أكبر من التنوع».
وذكر المهندس الفالح أن اثنتين من كبرى مؤسسات الطاقة في المملكة، وهما أرامكو السعودية وسابك، قد أعلنتا منذ فترة وجيزة عن مشروع عالمي مشترك لإنتاج الكيماويات بتكلفة قدرها 20 مليار دولار يقوم على هذا المفهوم، وسيعالج المشروع 400 ألف برميل يومياً من النفط الخام لإنتاج 9 ملايين طن من الكيماويات والزيوت الأساسية سنوياً.
وشدد على محركين إضافيين باعتبارهما المفتاح لإطلاق إمكانات المنطقة في مجال الكيماويات والاستفادة منها، وهما: أولا، البحث والابتكار والتقنية؛ وثانيا، التعاون مع المستثمرين الخارجيين.
وأضاف أن «عوامل البحث والابتكار والتقنية كانت دائما الأساس لتحويل المواد الأولية والسلع منخفضة القيمة إلى عدد لا يحصى من المنتجات الكيماوية ذات القيمة الهائلة، إن منطقتنا إذا أرادت أن تتفوق على الدول ذات الريادة في هذا المجال، فلا يمكن أن تظل مكتفية باستيراد التقنيات، بل علينا أن نعتمد على الابتكارات المحلية التي تقوم على الجمع بين الأبحاث الهادفة إلى التحسين التدريجي والأبحاث الابتكارية الرائدة»، وزاد: «تحقيق ذلك يتطلب منظومة ابتكار أكثر قوة، بما في ذلك زيادة التركيز على مجال البحث والتطوير والاستثمار فيه، بالإضافة إلى الاستعانة بالمؤسسات الأكاديمية ومنحها دورا فاعلا في هذه الجهود».
وأوضح: «فلنتعهد إذن بإقامة تجمع للابتكار وريادة الأعمال وشركات الكيماويات الناشئة على غرار وادي السيليكون هنا في منطقتنا»، وقال: «التحدي الذي أضعه أمام صناعة الكيماويات اليوم هو ابتكار أنواع وقود كيماوي مشتق من النفط لاستخدامها في وسائل النقل في المستقبل، فهذه الأنواع من الوقود من شأنها التخفيف من حدة التغير المناخي، على العكس من التكرير الذي طالما اعتمدنا عليه».
وأوضح المهندس الفالح وجود فرص هائلة للتعاون بين الشركات في المنطقة والمستثمرين الخارجيين، بما يعود بالنفع على الطرفين، مشيرا إلى أنه رغم المزايا التي تتمتع بها المنطقة، فإن المستثمرين الخارجيين يملكون التقنية والخبرة والمكانة السوقية التي يمكن أن تساعد المنطقة على سد الثغرات في قطاع البتروكيماويات خلال مراحل التطوير، ولذلك ينبغي بذل مزيد من الجهد لإقناع هؤلاء المستثمرين أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينتظرها مستقبل واعد، ومن أجل ترسيخ هذه الطموحات.
وبين أن «رؤية السعودية 2030» ستكون المحرك الأساسي لإحداث التحول في قطاع الطاقة والصناعة في المملكة في إطار الطموح الأكبر لتحقيق التنويع الاقتصادي، الذي يشمل البتروكيماويات، وسيكون البرنامج الوطني للتنمية الصناعية والخدمات المساندة الذي وضعته وزارة الطاقة والصناعة والثروة المعدنية هو الركيزة الاستراتيجية التي ستُمكِّن لإحداث هذا التحول.
وأشار الفالح إلى أن هدف البرنامج هو زيادة حصة القطاعات التي ذكرها في إجمالي الناتج المحلي، بما في ذلك قطاع الكيماويات، من نحو 500 بليون إلى 1.7 تريليون ريال (453.3 مليار دولار) بحلول عام 2030، فضلا عن زيادة الصادرات غير النفطية من نحو مائتي مليار إلى 2.5 تريليون ريال خلال الفترة نفسها.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.