ألمانيا بين تطرفين: «تشدد داعشي» و«يميني شعبوي»

ألمانيا بين تطرفين: «تشدد داعشي» و«يميني شعبوي»

الاثنين - 7 شهر ربيع الأول 1439 هـ - 27 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [ 14244]
مداهمات في ألمانيا بعد حادث الدهس العام الماضي («الشرق الأوسط»)
القاهرة: إميل أمين
هل أضحت ألمانيا بالفعل في أزمة بين تطرفين أصوليين، أحدهما يميني ألماني موجود على الأراضي الألمانية وله جذور تاريخية لا تخفى على أحد، والآخر إرهاب «إسلاموي» نشأ في السنوات الأخيرة وواكب «داعش» وظهوره، ومد أطرافه إلى الداخل الألماني؟ يبدو أن ذلك كذلك بالفعل، وما يزيد الأزمة تعقيداً تعقد الموقف السياسي للمستشارة الألمانية ميركل، وعدم قدرتها على بلورة حكومة ائتلافية جديدة بعيدة عن أهواء وميول المتطرفين اليمينيين، الذين حازوا قرابة مائة مقعد في البرلمان الألماني «البوندستاغ»، ويبقى السؤال: هل صعود التيارات الشعبوية الألمانية ذات السمات المتطرفة رد فعل على صعود حركات راديكالية خارجية كـ«القاعدة» و«داعش»، أم أن المشهد له أبعاد تتصل بالأوضاع الاقتصادية الأوروبية، عطفاً بكل تأكيد على إشكالية الديموغرافيا المركبة والمعقدة معاً، الناجمة عن حركة اللاجئين والمهاجرين في الأعوام الأخيرة؟
على الرغم من الهزائم الساحقة والماحقة التي حلت بتنظيم داعش مؤخراً، الأمر الذي لا بد من أن ينعكس بشكل إيجابي على ضعف بل وانكسار شوكة مريدي التنظيم في أوروبا بشكل عام، وفي الداخل الألماني بنوع خاص، تذهب الاستخبارات الداخلية الألمانية برئاسة «هانس غيورغ ماسين» مذهباً آخر، إذ تعتبر أن هناك خطراً داهماً وجاسماً يتمثل في أطفال الجهاديين الذين قد يعودون بأفكارهم من مناطق القتال إلى ألمانيا... ماذا يعنى ذلك؟
المؤكد أن الخوف هنا من إقحام جيل جديد من المتطرفين وُلد أو نشأ على الأراضي السورية والعراقية، ومعروف أن هناك نحو 950 إسلاموياً ألمانياً سافروا إلى الشرق الأوسط، بينهم 20 في المائة من النساء، و5 في المائة من الأطفال دون سن الرشد.
ولعل الكارثة التي تزعج رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني هي أن تنظيم داعش قد استخدم (ولا يزال) في دعايته الأطفال والشباب عبر الإنترنت، بل وروج لفيديوهات تُظهر مشاركة أطفال في عمليات إعدام، وتوقع الرجل أن يلعب الجيل الجديد من الإرهابيين دوراً خطيراً على الأراضي الألمانية من خلال ما يسمى الحرب الإلكترونية، وعن طريقها يمكن تدبير عمليات عنف وإرهاب جديدة لا سيما أن هناك نحو 10 آلاف شخص تضعهم سلطات الأمن الألمانية تحت مراقبتها بوصفهم قنابل موقوتة.
والشاهد أن تصريحات «ماسين» ليست حديثاً دعائياً، بل هناك شواهد بنى عليها قراءته المستقبلية، ففي العام الماضي نفّذ صبي ألماني عراقي يبلغ من العمر 12 عاماً محاولة فاشلة لتفجير عبوتين ناسفتين في بلدة «لود فيشغافن» في غرب البلاد.
- جماعات إسلاموية على الأراضي الألمانية
في الأيام القليلة الماضية ألقت السلطات الألمانية القبض على 6 سوريين في عدة مدن ألمانية خلال حملة لمكافحة الإرهاب (صباح الثلاثاء 21 نوفمبر «تشرين الثاني»)، وأعلن الادعاء العام في مدينة فرانكفورت أن المشتبه بهم رجال تتراوح أعمارهم بين 20 و28 عاماً، ينتمون إلى تنظيم داعش وخططوا لشن هجوم في ألمانيا. وحسب بيانات المحققين، فإن خطط شن الهجوم لم تكتمل بعد، لكنها كانت تستهدف مكاناً عاماً في ألمانيا... هل يُفهم من هذا أن هناك خلايا قائمة ونائمة في الداخل الألماني تشكل خطورة حقيقية على الأمن والأمان بالنسبة إلى عموم الألمان؟
أفضل جواب عن السؤال المتقدم نجده عند «المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب» وفيه قائمة طويلة ومثيرة عن الجماعات المتطرفة في ألمانيا، مثل جماعة «ميلي غوروش» التي أسسها الإسلاموي التركي «نجم الدين أربكان» في ستينات القرن الماضي، و«جماعة الشريعة الإسلامية» وقوامها 100 شيشاني مسلح، أما «جماعة الدين الحق»، فقد تكون أخطرها، إذ هي جماعة سلفية جهادية تدعم تنظيم داعش، وتتبنى خطابات الكراهية.
ولعل الكارثة الكبرى التي تزعج أجهزة الأمن الأوروبية والألمانية معاً، وجود جماعات وشبكات أصولية نشأت على أيدي ألمان الجنسية بالمولد، مثل «منظمة الإسلامي النشط» السلفية، ومؤسسها «سفين لا»، و«منظمة الدعوة إلى الجنة» السرية، ويقودها «بيير فوجل» في ضواحي كولون.
والثابت أن خطورة تلك المجموعات تتمثل في كونها المرجعية الفكرية للأشخاص المتطرفين، وتعمل مغناطيساً جاذباً لهم، ومن ثمّ نشر أفكارهم المتطرفة وسط الشباب الألماني، ومساعدتهم على تنفيذ هجمات في قلب ألمانيا.
- مخاوف من الكريسماس الدامي
أسابيع تفصل الألمان عن احتفالات أعياد الكريسماس، والألمان يتذكرون ما جرى في إحدى أسواق برلين العام الماضي من دهس لمدنيين في غمرة الاحتفالات والمهرجانات، وهناك مخاوف تتداعى الآن وقد يصدق «داعش» في وعوده ليفتح الباب واسعاً أمام الجماعات الألمانية والأوروبية المتطرفة.
منتصف الشهر الجاري نشر تنظيم داعش صورة جديدة هدد من خلالها باستهداف الفاتيكان خلال فترة احتفالات الكريسماس، ومعروف أنه في أغسطس (آب) الماضي كان قد أصدر تحذيراً مصوراً، هدد فيه بقتل بابا الفاتيكان.
التهديد جاء من خلال تقرير مصور نشرته قناة «فوكس نيوز» والصورة يظهر بها أحد عناصر «داعش» الملثمين في أثناء قيادته سيارة ويظهر عبر زجاجها مبنى كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، وحملت الصورة عبارة «انتظروا الكريسماس الدامي».
الصورة ذاتها تُظهر احتمالية اتباع تنظيم داعش طريقة الدهس في تنفيذ الهجوم الإرهابي المحتمل، وهي الطريقة التي كان يتبعها في العديد من الهجمات السابقة له في مدن مختلفة.
لم تقتصر تهديدات الإسلامويين الأوروبيين على حاضرة الفاتيكان بما لها من دلالات رمزية، إذ امتد الأمر إلى النمسا التي تنتابها مخاوف واسعة من حدوث هجمات إرهابية خلال الأعياد القادمة، بل إن الشرطة النمساوية أعلنت أنها أحبطت بالفعل حالات شروع في شن هجمات إرهابية للتنظيم الإرهابي في عدد من الدول الأوروبية وفي مقدمتها ألمانيا.
في هذا السياق يفهم المرء لماذا تعيش ألمانيا في حالة من القلق إزاء التهديدات الإرهابية، وما زالت تجد نفسها في مرمى الإرهابيين، ولهذا تشير استطلاعات الرأي إلى زيادة حدة مخاوف الألمان من أن يكون بلدهم هدفاً إرهابياً، ويعتقد أكثر من ثلاثة أرباع الألمان أن بلادهم ستكون قريبا هدفاً للإرهاب.
- اليمين الألماني والأصوليات الإسلاموية
على أنه وفي حين تجهد ألمانيا نفسها في ملاحقة الإسلامويين، فإنها تواجه خطراً سوف يتكشف لها عما قريب ليس أقل خطورة، ألا وهو اليمين الألماني الشعبوي المتطرف إلى أقصى حدود، وعلامة الاستفهام في هذا المقام: هل من رابط بين تلك الجماعات الألمانية وبين جماعات التطرف الإسلاموي؟
هناك في حقيقة الأمر رابط ما لا يتصل بالفرص الاقتصادية أو أسواق العمل، بل بالحياة الثقافية الألمانية، وهذه تحديداً يجيد اليمين الأوروبي العزف عليها وبامتياز، وقد جاء حضور اللاجئين والمهاجرين ليفجر صراعاً ذهنياً كبيراً في هذه الأيام تحديداً... ماذا عن ذلك؟
يمكن الإشارة إلى التغيرات التي جرت في بعض المدن الألمانية، حيث تم تغيير اسم «أسواق الميلاد» حيث تباع الزينة والتماثيل وأشجار الكريسماس إلى «أسواق الأضواء»، ما مثّل كارثة بالنسبة إلى اليمين المتطرف، ويمين الوسط، ذلك أنه في الوقت الذي يري فيه البعض أن التغيير ينطلق من مفهوم إنساني ثقافوي، وكي لا يشعر المهاجرون واللاجئون بالمزيد من الاغتر اب المكاني والإنساني في قلب أوروبا، فإن آخرين مثل «إريكا شتانيباخ» البرلمانية السابقة عن حزب المستشارة ميركل المسيحي الديمقراطي التي تحولت لمناصِرة لحزب «البديل»، كتبت غاضبة على حسابها على موقع «تويتر»: «لا أعرف بلداً يتخلى بنفسه عن ثقافته وتقاليده... ألمانيا تدمِّر هويتها بنفسها».
باختصار، المشهد أن اليمين الألماني بات يرى وجود اللاجئين والمهاجرين يمثل نوعاً من أنواع تهيئة التربة الألمانية للمزيد من الخضوع الثقافي المتواصل عبر الاستعاضة عن الثقافة المسيحية بثقافات أخرى.
ولعل الناظر إلى الداخل الألماني بمزيد من التحليل والتفكيك يمكنه أن يلحظ وجود المتطرفين على صعيدين: الحياة المدنية من جهة، والجيش الألماني من جهة ثانية، وهنا الخطورة الكبيرة التي تواجه الألمان.
أما على صعيد الحياة السياسية والحزبية فهذه هي المرة الأولى منذ عام 1945 التي يشارك فيها نحو مائة نائب متطرف من أحزاب اليمين في مجلس النواب الألماني «البوندستاغ»، تابعون لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو الحزب الذي سبق له أن خرق العديد من المحرمات الوطنية خلال حملته، خصوصاً تنديده بالتعويضات عن جرائم النازي.
أوائل الشهر الحالي كانت الاستخبارات العسكرية الألمانية -والعهدة هنا على الراوي (صحيفة «دويتشه تسايتونغ»)، تصنف نحو مائتي جندي ألماني بوصفهم يمينيين متطرفين، بينما أشارت «إيرينى مياليس» خبيرة الشؤون الداخلية في الحزب، إلى وجود «أكثر من 20 يمينياً متطرفاً في الجيش الألماني سنوياً، وهذا معدل يثير القلق، وهو عدد قليل جداً مقارنةً بأعداد الجيش الألماني».
حسب رئيس الاستخبارات الألمانية فإن انتماء نحو 8 أفراد من الجيش سنوياً إلى النازيين الجدد يشير إلى ارتباك تحليلي في هذا المجال، هذا الارتباك له خطورة بالغة بالنظر إلى التدريبات العسكرية التي من الممكن أن يستخدمها هؤلاء اليمينيون المتطرفون في تحقيق مساعيهم.
على أن كارثة الكوارث بين المتطرفين الحادثين في ألمانيا: تطرف الإسلامويين من جهة، وتطرف اليمين الألماني من جهة أخرى، هي أن الأخيرين ربما يتخذون من الأولين ستاراً لتنفيذ عملياتهم وإلصاق التهمة بهم.
- العامل الاقتصادي واليمين الألماني
لا يمكن القطع بأن وجود اللاجئين أو المهاجرين المسلمين والشرق أوسطيين على الأراضي الألمانية، هو سبب التطرف الألماني، مدنياً وعسكرياً، ويبدو أن أوضاع أوروبا الاقتصادية كانت عاملاً محفزاً لإذكاء مخاوف الألمان، فبعدما كانت ألمانيا قاطرة الاقتصاد الأوروبي، تتجلى الآن المخاوف من أن يتغير الوضع بما يؤثر سلباً على حياة الألمان.
خير دليل على وجود عامل اقتصادي ومالي في الأزمة الألمانية، استطلاع الرأي الذي أجراه معهد «بوليسي ماتزر» مؤخراً لـ5 آلاف ألماني فوق 18 سنة، وقد ظهرت مخاوفهم جليةً من فقدان عملهم بسبب عدم تأهلهم الكافي، أو فقدان السيطرة على حياتهم ومستقبلهم، وقلقهم على أولادهم وعلى رواتبهم التقاعدية، الأمر الذي يدفعهم دفعاً إلى السير في طريق الشعبويين المتطرفين العاملين على تشجيع شعارات من عينة «ألمانيا للألمان» وليس للآخرين، سيما أن كتلة اليمين الشعبوي في البرلمان الألماني سوف تتمتع قريباً بإمكانيات مالية ومعنوية تسهم في تعزيز حضوره على المستوى السياسي في ألمانيا انطلاقاً من النظام الداخلي للبرلمان الذي ينص على أن لكل مجموعة برلمانية الحق في الحصول على مبلغ شهري أساسي، ما يمكّن الحزب من الانتشار وتعميق أفكاره بين عموم الألمان.
- ألمانيا بين تطرفين
... ثم ماذا وإلى أين؟ وكيف ستمضي ألمانيا بين التطرفين الضارّين؟ مما لا شك فيه أن هناك علاقة ما تجمع بين الجهاديين الإسلامويين من جهة، وهي علاقة طردية حكماً، ذلك أنه كلما ارتكب «داعش» أو «القاعدة» عمليات إرهابية جديدة في الداخل الأوروبي، حصد اليمين المتطرف المزيد من مبررات وجوده، بل وشرعنة حضوره في الحال والاستقبال.
وعلى الجانب المقابل كلما ازداد اليمين كرهاً وإقصاء للآخر، وبخاصة الآخر المسلم، واللاجئ والمهجّر قسوةً وعنوةً، توالدت الرغبة في الانتقام والصراع، وإن بدأ الأمر في عالم الأفكار قبل أن يتبلور على الأرض في شكل عمليات إرهابية.
وأغلب الظن أنه يقع على عاتق الجاليات الإسلامية في الداخل الألماني دور بالغ في إظهار حقيقة الإسلام، والعمل على تقليص مساحة مراكز الجذب للمؤسسات والهيئات الجاذبة إلى عالم التطرف، وبشكل عام يتوجب على العلماء المسلمين أن يكونوا أكثر فاعلية في إنكار أي شرعية للإرهاب، وفي تقديم رؤى بديلة أكثر جاذبية وقبولاً.
وعلى الشاطئ الألماني لا بد للمفكرين والمثقفين أن يدقوا نواقيس الخطر، وأن يسعوا لإعادة تقديم ملامح أوروبا جديدة قائمة على الحداثة والإنسانية واستيعاب الآخر.
المانيا الارهاب تطرف اليمين

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة