النجاح القوي للعملات الافتراضية ينطوي على مخاطر كبيرة

تعاملات ضخمة وضوابط ضعيفة

شكل إفتراضي للعملة الافتراضية مقابل الدولار (رويترز )
شكل إفتراضي للعملة الافتراضية مقابل الدولار (رويترز )
TT

النجاح القوي للعملات الافتراضية ينطوي على مخاطر كبيرة

شكل إفتراضي للعملة الافتراضية مقابل الدولار (رويترز )
شكل إفتراضي للعملة الافتراضية مقابل الدولار (رويترز )

أصبحت العملة الرقمية تتجه صوب المسار السائد مع ارتفاع أسعار بيتكوين الأخيرة. ولقد بدأت شركة سكوير، وهي شركة المدفوعات سريعة النمو التي يديرها جاك دورسي المؤسس المشارك لموقع توتير، في بيع بيتكوين للعملاء العاديين، وسوف تسمح بورصة شيكاغو التجارية قريبا للمصارف بالتداول على قيمة العملة الرقمية.
ولكن إذا رغبت في معرفة أين يتم تحديد سعر العملات الرقمية في مختلف المناقصات على مدار الساعة، فعليك متابعة عدد من التبادلات غير الخاضعة للرقابة التي غالبا ما تتعارض مع القوانين واللوائح التنظيمية الأميركية والأوروبية.
وفي هذه الأيام، ليست هناك تبادلات أكبر من بيتفينكس، وهي من العمليات الغامضة التي لا توفر أي معلومات عن موقعها، ومن أين تُدار، أو مَـن يشرف على عمليات الشركة.
وكانت شركة بيتفينكس، التي تأسست رسميا في جزر فيرجن البريطانية، قد تعرضت للغرامة من قبل الولايات المتحدة والمقاطعة من جانب المصارف الأميركية، كما أن الشركة فقدت ملايين الدولارات من أموال العملاء خلال عمليتي اختراق وقرصنة منفصلتين وقعتا مؤخرا، مما دفع النقاد إلى التساؤل حول ما إذا كانت الشركة تملك فعلا الأموال التي زعمت امتلاكها من قبل.
وفي آخر الحوادث المسجلة التي وقعت يوم الثلاثاء، أعلنت عملة افتراضية بديلة، تحمل اسم تيثر، التي يملكها ويديرها الأشخاص أنفسهم في شركة بيتفينكس، أنها قد تعرضت للاختراق هي الأخرى وفقدت ما قيمته نحو 30 مليون دولار من الرموز الرقمية جراء ذلك.
ولم يكن أي من ذلك كافيا لوقف العملاء عن ضخ المزيد من المليارات في مداولات العملات الافتراضية من خلال شركة بيتفينكس خلال الأسابيع الأخيرة، ويزعم المتداولون لتلك العملات أنه في بعض الأيام أجريت صفقات بالدولار الأميركي، بأكثر من بعض البورصات الفعلية في الولايات المتحدة الأميركية.
قلق من ضعف الضوابط
في مجال العملات الافتراضية
وكثيرون ممن يفضلون التعامل بالعملات الرقمية يساورهم القلق بشأن أن مزيج الضوابط الفضفاضة والانتفاخ الكبير في أكبر بورصات العالم من المرجح له أن يسبب المشكلات الكبيرة لجميع شرائح المستثمرين الذين يندفعون صوب هذه العملات في الآونة الأخيرة، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يقتربون من شركات مثل بيتفينكس.
وقال إيمين غون سيرر، أستاذ علوم الحاسوب لدى جامعة كورنيل، الذي لديه سجل حافل من التوقعات الناجحة للمشكلات الراهنة في صناعة العملة الرقمية المتنامية: «أشعر بالقلق من المخاطر النظامية التي تشكلها هذه الشركة المركزية، كما أشعر بمزيد من القلق من أنها إن انهارت في يوم ما، فسوف ينهار النظام بأسره معها». وقال الرئيس التنفيذي لعملة بيتفينكس وتيثر، ويدعى جان لودوفيكوس فان دير فيلدي، برسالة عبر البريد الإلكتروني يوم الثلاثاء: «لم يكن الموقف المالي للشركة أقوى في السابق مما هو عليه الآن». غير أن المخاوف بشأن تبادلات العملات الرقمية ليست بالأمر الجديد. إذ كان أول وأكبر تبادل لعملة بيتكوين، والمعروف باسم جبل غوكس، قد انهار في عام 2014 في أعقاب خسارة نصف مليار دولار من أموال العملاء للقراصنة والمتسللين. وخلال العام الحالي، شنت وكالات إنفاذ القانون حملاتها على إحدى تبادلات بيتكوين الأخرى، والمعروفة باسم (بي تي سي إي)، ووجهت لها الاتهامات بأنها محطة على طريق تدفقات كثير من عملات بيتكوين من خلال الأسواق السوداء على الإنترنت وهجمات القراصنة المطالبة بالفدى المالية. وقد حاولت الجهات الرقابية في الولايات المتحدة، وبعض البلدان القليلة الأخرى، ترويض تلك المبادلات، وأصبحت أكبر عمليات التبادل في الولايات المتحدة واليابان تخضع حاليا للرقابة الرسمية. وهذه التبادلات المنظمة، رغم ذلك، تعتبر طفيفة بالنسبة للتبادلات غير الخاضعة للرقابة مثل بيتفينكس وكثير من غيرها التي ظهرت في كوريا الجنوبية، التي لم تتخذ الجهات الرقابية ما يلزم من إجراءات حيالها.
العملات الرقمية هدف سهل للمتلاعبين بالأسعار
والطبيعة السائلة لأسواق بيتكوين، التي تتدفق عابرة للحدود والقوانين الوطنية، هي منتج الهيكل الاستثنائي لعالم العملات الرقمية. ويجري تخزين وتحريك بيتكوين من خلال شبكة غير مركزية من الحواسيب التي لا تخضع لأي رقابة كانت من جانب أي شركة أو حكومة.
ويعني هذا الهيكل أن العملة الرقمية لا تزال من الأهداف السهلة للناس الراغبين في التلاعب بالأسعار أو استخدامها في غسل الأموال.
وقالت كاثرين هاون، المدعية العامة الفيدرالية السابقة، التي تشغل حاليا منصبا في مجلس إدارة شركة (كوين - بيز) للعملات الافتراضية، إن «التبادلات غير المنظمة وغير المسجلة هي من أكبر المخاوف لهذه الصناعة وللمجتمع بشكل عام».
والوجه الأكثر ظهورا في شركة بيتفينكس هو فيل بوتر، كبير مسؤولي الاستراتيجية. ولقد عمل السيد بوتر لدى مؤسسة مورغان ستانلي للخدمات المالية في نيويورك في تسعينات القرن الماضي، ولكنه فقد وظيفته هناك في أعقاب تفاخره الكبير على صفحات جريدة «نيويورك تايمز» بشأن ساعة يده الخاصة التي كانت بسعر 3500 دولار وقتها، وبشأن نمط حياته الفخم للغاية وأساليبه غير المريحة لكسب الأموال.
ويدير السيد بوتر، 45 عاما، شركة بيتفينكس إلى جانب السيد فان دير فيلدي الناطق بالهولندية ويعيش في هونغ كونغ، وأيضا السيد جيانكارلو ديفاشيني الإيطالي الذي يعيش في الريفيرا الفرنسية، وذلك وفقا لسجلات الشركة في هونغ كونغ.
ولقد فقدت شركة بيتفينكس 1500 بيتكوين، بقيمة نحو 400 ألف دولار، بسبب تسلل أحد القراصنة في 2015 إلى حواسيبها. غير أن أكثر الحوادث إلحاقا للضرر كانت في أغسطس (آب) من عام 2016، عندما تمكن أحد اللصوص من سرقة نحو 120 ألف بيتكوين، بقيمة تقارب 75 مليون دولار في حادثة سرقة واحدة.
وقامت الشركة بتوزيع الخسائر المذكورة على جميع العملاء لديها - إلى جانب أولئك الذين لم يكونوا يملكون بيتكوين في وقت التعرض لمحاولة السرقة - وذلك عن طريق إجبار العملاء للحصول على 36 في المائة من فارق الأسعار أو فقدان أي مقدار من الأموال في أي تبادل يقومون به.
وأسفر نقص المعلومات التي وفرتها شركة بيتفينكس بشأن عملية القرصنة عن انسحاب عدد كبير من العملاء الكبار أمثال آرثر هايز، مؤسس شركة بيتميكس، وهي من شركات تبادل العملات الافتراضية ومقرها في هونغ كونغ.
وقال السيد هايز: «هناك كثير من التساؤلات بشأنهم، ويمكن تصحيح كل هذه الفوضى من خلال عرض الأرقام الحقيقية للتبادلات».
وقال السيد فان دير فيلدي إن الشركة التزمت حد «الشفافية والعلانية بقدر الإمكان بشأن الحادثة الأمنية التي وقعت في أغسطس عام 2016 مع اعتبار التحقيقات الجنائية الجارية في الأمر». كما قاطعت المصارف أيضا عمليات شركة بيتفينكس. وقال مصرف ويلز فارغو خلال العام الحالي إنه لن يقوم بنقل الأموال مجددا من حسابات بيتفينكس. وبعد فترة وجيزة، أعلنت شركة بيتفينكس أن المصارف الرئيسية التي تتعامل معها في تايوان قد أعلنت قطع المعاملات هي الأخرى. ومنذ ذلك الحين، انتقلت الشركة بين عدد من المصارف في بلدان أخرى، وذلك من دون إخبار العملاء عن أماكن تخزين أموال التبادلات الخاصة بهم.
«تيثر» تثير المزيد من الانتقادات
ولكن ما من شيء قد أثار المزيد من الانتقادات بأكثر من عملية تيثر، وهي العملة الرقمية التي كان من المفترض أن ترتبط بقيمة الدولار الأميركي.
ويمكن للعملاء شراء عملة تيثر من خلال شركة بيتفينكس، ثم نقل العملات بعد ذلك إلى تبادلات بعملات افتراضية أخرى، مما يوفر طريقة لنقل الدولارات بين الدول من دون المرور على المصارف الرسمية. وأصبحت العملة تيثر من أكثر الوسائل شهرة لشراء بيتكوين. وفي الأسابيع الأخيرة، نُقل ما قيمته بضعة ملايين الدولارات من عملة تيثر بين مختلف المتداولين على أساس يومي عبر كثير من المبادلات، وفقا للبيانات المتاحة على موقع (CoinMarketCap.com).
وأصرت كل من تيثر وبيتفينكس على أن العمليتين منفصلتان تماما. بيد أن الوثائق المسربة مؤخرا، والمعروفة في المجال العام باسم وثائق بارادايس، والتي خرجت للعلن خلال الشهر الحالي، تظهر أن شركة (آبل - باي) وهي من شركات المحاماة في الخارج، قد عاونت السيدين بوتر وديفاشيني من شركة بيتفينكس على إنشاء شركة تيثر في جزر فيرجن البريطانية في أواخر عام 2014.
وكتب أحد النقاد المستمرين عبر الإنترنت، الذي يحمل اسما مستعارا هو (بيتفينكس - إد)، كثيرا من المقالات المفصلة على موقع (ميديام) يقول إن شركة بيتفينكس تبدو أنها تخلق عملة تيثر من الهواء الطلق ثم تستخدمها في شراء بيتكوين وترفع الأسعار لأعلى.
ولقد عارضت بيتفينكس وتيثر هذه الانتقادات في بيانات صادرة على مواقع الشركة، وتعهدتا بأن تكون عملة تيثر مدعومة بالدولار الأميركي المودع في أحد الحسابات المصرفية. وفي سبتمبر (أيلول) ، قدمت الشركتان وثيقة محاسبية تهدف إلى إثبات أن العملة تيثر ممولة بواسطة أموال حقيقية.
وقال لويس كوهين، المحامي لدى مؤسسة هوغان لافليس التي تقدم المشورة القانونية لكثير من مشروعات العملات الرقمية، إن الوثيقة، ونظرا للطريقة الدقيقة التي استخدمت في صياغتها، لم تثبت بأن عملات تيثر مدعومة بالدولار الأميركي. وحتى إن كانت كذلك، كما أضاف، تبدو عملات بيتفينكس وتيثر منتهكة للقوانين واللوائح في الولايات المتحدة وأوروبا التي تحكم الاستثمارات مثل تيثر، والتي تملك بعض السمات شديدة الشبه لصناديق الاستثمار في سوق المال.
وأردف السيد كوهين يقول حول عملة تيثر: «هناك قائمة مطولة من الأسباب التي لا تجعلنا نرغب في التعامل معها».
وفي يوم الثلاثاء، أعلنت شركة تيثر أن «المتسلل الخارجي» قد استولى على ما قيمته 30 مليون دولار من العملة تيثر من محافظ الشركة على الإنترنت. وقالت الشركة إنها تعمل على استعادة العملات.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

الاقتصاد عملة البتكوين الرقمية (رويترز)

«بتكوين» تهبط إلى قرب 63 ألف دولار عقب الهجوم على إيران

شهدت أسواق العملات الرقمية تراجعاً حاداً خلال تعاملات يوم السبت، حيث اقتربت عملة «بتكوين» من مستوى 63 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد هاتف ذكي يُعرض عليه شعار «باينانس» (رويترز)

لماذا طردت «باينانس» محققيها؟ تفاصيل تحويل 1.7 مليار دولار لكيانات إيرانية معاقبة

كشفت تقارير استقصائية عن فضيحة تلاحق «باينانس» تفيد بأنها فككت وحدة تحقيقات داخلية، وطردت محققين بعد كشفهم عن تدفقات مالية ضخمة مرتبطة بإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة توضيحية لعملات رقمية من نوع «ريبل» و«بيتكوين» و«إيثيريوم» على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

أميركا تدقق بطفرة نشاط العملات المشفرة في إيران

قال باحث في تقنية المعاملات الرقمية إن محققين أميركيين يبحثون فيما إذا كانت منصات معينة للعملات المشفرة قد سهلت تهرب مسؤولين إيرانيين من العقوبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد دونالد ترمب الابن وإريك ترمب وزاك ويتكوف المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» يشيرون بأيديهم خارج مبنى «ناسداك» بعد قرع جرس الافتتاح (أرشيفية - رويترز)

بين إسلام آباد وعائلة ترمب... باكستان تفتح أبوابها لعملة «وورلد ليبرتي» الرقمية

وقَّعت باكستان اتفاقية مع شركة مرتبطة بشركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» الرئيسية في مجال العملات الرقمية لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (كراتشي (باكستان))
الاقتصاد تعد عملات «الميم» نوعاً من الرموز الرقمية التي غالباً ما ترتبط بالنكات أو الصور الساخرة (رويترز)

الأصول الرقمية في 2025... من فوضى النمو إلى مرحلة النضج المؤسسي

تتميز العملات المشفرة بتقلبات سعرية عالية جداً لقلة قيمتها الأساسية وغياب المنفعة الملموسة أحياناً، مما يجعلها استثماراً مضارباً عالي المخاطر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
TT

بغداد ودمشق تناقشان تأهيل خط «كركوك - بانياس» لتصدير النفط

صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)
صهاريج عراقية متجهة لدخول الأراضي السورية (الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية)

بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير، خلال اتصال هاتفي، الخميس، مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني، سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في قطاع الطاقة.

وذكرت «وكالة الأنباء السورية» (سانا) أنه جرى خلال الاتصال الإشادة بالجهود المشتركة والمتضافرة لبدء تصدير النفط العراقي من خلال الأراضي السورية، إضافة إلى مناقشة إمكانية توريد الغاز المنزلي إلى سوريا، في إطار تعزيز أمن الطاقة، وتلبية الاحتياجات المحلية.

وتناول الاتصال بحث تأهيل أنابيب نقل النفط، ولا سيما خط كركوك - بانياس، بما يُسهم في تطوير وتعزيز عملية تصدير النفط.

وأكد وزير النفط العراقي أن هذا التعاون سيستمر بشكل مستدام، ولن يكون مرتبطاً بالظروف الراهنة أو بالحرب القائمة، مشدداً على حرص بلاده على تطوير العلاقات الثنائية في هذا المجال الحيوي.

وكانت أولى دفعات الفيول العراقي وصلت إلى خزانات مصفاة بانياس عبر منفذ التنف الحدودي، تمهيداً لتصديرها إلى الأسواق العالمية، حيث باشرت فرق «الشركة السورية للبترول» عمليات التفريغ، تمهيداً لتجهيز الشحنات وإعادة تحميلها على نواقل بحرية مخصصة لنقلها إلى وجهتها التصديرية النهائية.


صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)
قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

رسم صندوق النقد الدولي صورة مختلطة لمستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم، فبينما أشاد بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025، أطلق جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي.

وفي ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، شدد الصندوق على أن التحولات الكبرى في السياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط باتت تفرض ضغوطاً تضخمية جديدة، مما يضيق الخناق على قدرة الاحتياطي الفيدرالي في مواصلة دورة خفض الفائدة.

أداء صامد أمام التحديات

سجل الاقتصاد الأميركي نمواً بنسبة 2 في المائة في عام 2025، وهو أداء وصفه الصندوق بـ«الجيد» بالنظر إلى التقلبات السياسية الكبيرة والإغلاق الحكومي الذي شهده الربع الرابع من العام الماضي. ورغم تباطؤ نمو التوظيف نتيجة تراجع تدفقات الهجرة، فإن الإنتاجية القوية حافظت على زخم النشاط الاقتصادي.

وتوقع الصندوق أن يتسارع النمو بشكل طفيف ليصل إلى 2.4 في المائة في عام 2026، مدعوماً بزيادة الإنفاق والتحولات الضريبية التي أُقرت مؤخراً.

فخ التضخم و«مساحة المناورة» الضيقة

وفي ملف السياسة النقدية، حذر خبراء الصندوق من أن مسار التضخم لا يزال محفوفاً بالمخاطر؛ حيث أدت التعريفات الجمركية المرتفعة إلى زيادة أسعار السلع، مما بدد أثر تراجع تضخم الخدمات. ومع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة الحرب، أكد الصندوق أن «المساحة المتاحة لخفض أسعار الفائدة في عام 2026 تبدو ضئيلة للغاية»، محذراً من أن أي تيسير نقدي سابق لأوانه قد يعطل عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة والمؤمل تحقيقه في النصف الأول من 2027.

الرئيس الأميركي يحمل أمراً تنفيذياً حول الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل الماضي (أ.ف.ب)

أزمة الديون والعجز الاستراتيجي

أعرب أعضاء المجلس التنفيذي للصندوق عن قلقهم البالغ إزاء العجز المالي المستمر، الذي بلغ 5.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الدين العام ليتجاوز 140 في المائة بحلول عام 2031. ونبّه البيان إلى أن اعتماد الحكومة على الديون قصيرة الأجل يخلق مخاطر على الاستقرار المالي العالمي، نظراً للدور المحوري لسوق سندات الخزانة الأميركية في النظام المالي الدولي. وطالب الصندوق بضرورة إجراء «تعديل مالي جبهوي» يشمل زيادة الإيرادات الفيدرالية وإعادة توازن برامج الاستحقاقات.

متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

التجارة والتعريفات الجمركية

انتقد الصندوق التحول في السياسة التجارية الأميركية، مشيراً إلى أن متوسط التعريفات الفعالة سيستقر عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8.5 في المائة. وأكد البيان أن هذه السياسات، إلى جانب عدم اليقين التجاري، ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي المحلي، وخلق آثار سلبية كبيرة على الشركاء التجاريين، داعياً واشنطن للعمل بشكل بناء مع شركائها الدوليين للحد من القيود التجارية والتشوهات في السياسات الصناعية.

الرقابة المالية والأصول الرقمية

وفيما يتعلق بالقطاع المالي، دعا الصندوق السلطات الأميركية إلى تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المصرفية ومواجهة مخاطر التقييمات المرتفعة للأصول. ورحب بالتشريعات الجديدة لتنظيم «العملات المستقرة» والأصول المشفرة، لكنه شدد على ضرورة التطبيق الكامل لاتفاقية «بازل 3» وتعزيز الإشراف على البنوك متوسطة الحجم لضمان سلامة النظام المالي في مواجهة أي هزات محتملة.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تواصل الانخفاض خلال مارس

مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)
مقر وزارة العمل الأميركية في واشنطن (رويترز)

انخفضت الطلبات الأسبوعية الجديدة للحصول على إعانات البطالة في الولايات المتحدة، في إشارة إلى استمرار تراجع معدلات التسريح واستقرار نسبي في سوق العمل خلال شهر مارس (آذار)، رغم تحذيرات من مخاطر سلبية ناجمة عن استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، تراجع الطلبات الأولية بمقدار 9 آلاف طلب، لتسجل 202 ألف طلب بعد التعديل الموسمي للأسبوع المنتهي في 28 مارس، مقارنةً بتوقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 212 ألف طلب.

وتراوحت الطلبات منذ بداية العام بين 201 ألف و230 ألف طلب، وهو نطاق يعكس، وفق توصيف اقتصاديين، سوق عمل تتسم بانخفاض كلٍّ من معدلات التوظيف والتسريح. ويُعزى هذا الجمود جزئياً إلى حالة عدم اليقين المستمرة المرتبطة بالرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الواردات.

في السياق ذاته، بلغ متوسط نمو الوظائف في القطاع الخاص غير الزراعي نحو 18 ألف وظيفة شهرياً خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير (شباط)، وهو معدل ضعيف نسبياً. ويرى اقتصاديون أن تقلص المعروض من العمالة، نتيجة تشدد سياسات الهجرة في عهد ترمب، يشكل عاملاً كابحاً لنمو التوظيف.

كما أضافت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي دخلت شهرها الأول، مزيداً من الضبابية أمام الشركات. وكان ترمب قد تعهد، الأربعاء، بتكثيف الضربات على إيران، مما عزز المخاوف بشأن تداعيات الصراع.

ورغم توقع انتعاش نمو الوظائف بنحو 60 ألف وظيفة في مارس، وفقاً لاستطلاع «رويترز»، حذّر بعض الاقتصاديين من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتاً، في ظل تداعيات الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة. كما تجاوز متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات.

كانت الوظائف غير الزراعية قد انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة في فبراير، متأثرةً جزئياً بإضرابات في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية. ومن المتوقع أن يستقر معدل البطالة عند 4.4 في المائة.

ومن المنتظر أن يُصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير التوظيف لشهر مارس، يوم الجمعة، علماً بأن «الجمعة العظيمة» لا تُعد عطلة رسمية في الولايات المتحدة.

وقالت نانسي فاندن هوتن، كبيرة الاقتصاديين الأميركيين في مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»: «نتوقع أن تؤدي الحرب إلى تأخير التحسن الطفيف الذي كنا نترقبه في سوق العمل هذا العام، إذ إن حالة عدم اليقين، وتباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وارتفاع التكاليف، كلها عوامل تدفع الشركات إلى تأجيل قرارات التوظيف».

وأظهر التقرير أيضاً ارتفاع عدد المستفيدين من إعانات البطالة المستمرة بمقدار 25 ألف شخص ليصل إلى 1.841 مليون شخص خلال الأسبوع المنتهي في 21 مارس، وهو مؤشر يُستخدم لقياس وتيرة التوظيف. ورغم تراجع هذه المطالبات مقارنةً بمستويات العام الماضي المرتفعة، فإن انتهاء أهلية بعض المستفيدين -المحددة عادةً بـ26 أسبوعاً في معظم الولايات- قد يكون عاملاً وراء هذا الانخفاض.

في سياق متصل، أظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل هذا الأسبوع، تراجعاً أكبر من المتوقع في عدد الوظائف الشاغرة خلال فبراير، إلى جانب انخفاض وتيرة التوظيف إلى أدنى مستوياتها في نحو ست سنوات.