الأكاديمية البريطانية تستحضر شعراء العالم القديم

في «ملتقى أفريقيا وآسيا وأوروبا» بلندن

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى
TT

الأكاديمية البريطانية تستحضر شعراء العالم القديم

من ندوات الملتقى
من ندوات الملتقى

استضافت الأكاديمية البريطانية ليومين متتالين نشاطات مؤتمر «وجوه اللامتناهي: الأفلاطونية المحدثة والشعرية» الذي شارك فيه أكاديميون وباحثون جاءوا من عدة جامعات أوروبية وأميركية وغيرها، ولم يكن هناك حضور لأي جامعة عربية، ما عدا الدكتورة فريال غزول، رئيسة قسم اللغة الإنجليزية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، التي كانت الأكاديمية العربية الوحيدة التي ساهمت في أعماله.
الثيمة الأساسية للمؤتمر الذي نظمه معهد الدراسات الأفريقية والشرقية (جامعة لندن) دارت حول السؤال التالي: ما هو تأثير الأفلاطونية المحدثة على الشعراء عبر العصور وفي شتى الثقافات التوحيدية؟
لذلك كانت الجلسة الأولى للمؤتمر مكرسة للبدايات، وبداية البدايات كانت مع الفيلسوف أفلاطون المولود عام 428 قبل الميلاد في أثينا. فهو الذي أسس أول جامعة في تاريخ البشرية أطلق عليها اسم «الأكاديمية». وفي كتبه الحوارية التي جعل بطلها أستاذه سقراط، طرح جملة أفكار متفرقة شكلت الأرضية التي نشأت عليها الأفلاطونية المحدثة لاحقاً. وهو يعد مؤسس الفكر المثالي في تاريخ الفلسفة، إذ حسب رؤيته، هناك مقابل كل الكائنات القائمة في عالمنا نماذجها في العالم اللامرئي أطلق عليها «المُثُل العقلية»، كذلك فهو من المؤمنين بفكرة «المبدأ الأول» التي كانت أساساً لمبدأ الوحدانية في الديانات السماوية الثلاث.
لكن النقلة الحقيقية لأفكار أفلاطون تحققت في القرن الثالث الميلادي على يد الفيلسوف المصري - اليوناني، أفلوطين، الذي أنشأ نظاماً مثالياً يستند إلى فكرة «المبدأ الأول» أو علة الوجود الأولى. ومن هذا المبدأ الأول جاء العقل الأول ثم النفس الكلية فالوجود المادي.
في القرن التاسع الميلادي قام عبد المسيح عبد الله بن ناعمة الحمصي بترجمة فصول من كتاب أفلوطين المعروف باسم «التساعات» تحت عنوان آخر هو «أثولوجيا أرسطاطاليس»، وقام بتحريره لأحمد بن المعتصم بالله، الفيلسوف الكندي.
وقد ظل المفكرون العرب يظنون أنه من أعمال الفيلسوف أرسطو، فأطلقوا على مؤلفه اسم «الشيخ اليوناني»، كما انتُزِعت منه فصول سميت بـ«رسالة في العلم الإلهي للفارابي»، مع أنه مستخلص من التساع الخامس.
وعلى الرغم من تجاهل اسم المؤلف الحقيقي لهذا الكتاب، فإن تأثيره على الفكر الإسلامي عامة لا يقل عن أثر أرسطو، بل قد يزيد عليه في تشعبه إذ شمل الفلسفة والمذاهب الدينية ذوات النزعة الروحية، وتغلغل في ضمائر المفكرين الإسلاميين بطريقة لا شعورية كانت أعمق نفوذاً من ذلك المذهب الظاهري الذي كان لأرسطو.
في اليوم الأول من أعمال المؤتمر تم التركيز على أولئك الشعراء من العصر الوسيط، فكان هناك محيي الدين بن عربي وابن الفارض، حيث قدم البروفسور شتيفان شبيرل أستاذ الأدب العربي في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية، ورقة عن قصيدة لكل من هذين الشاعرين. كذلك قدمت أستاذة الأدب الفارسي في جامعة إنالكو بباريس، ليلى أنور، ورقة عن الشاعر عبد الرحمن جامي، ومدى تأثره بالأفلاطونية المحدثة.
يمكن القول إن هؤلاء الشعراء قد كيفوا طروحات أفلوطين بشكل يتوافق مع الدين الإسلامي، وساهموا عبر أشعارهم بتعزيز الاتجاه الصوفي الذي يسلم بأن المعرفة الحقيقية للعالم الخفي تأتي عبر القلب وعبر حالة الانخطاف (أو الشطح)، إضافة إلى القبول بكل الديانات باعتبارها تشير إلى نفس الرب.
كرست أعمال يوم الجمعة بالدرجة الأولى على عصر النهضة في إيطاليا وإسبانيا وتركيا. كانت أبرز الأوراق التي حظيت باهتمام الحضور، تلك التي قدمتها الدكتورة أبيغايل براندين من جامعة كمبردج، إذ أضاءت في محاضرتها «الثقافة الشعرية خلال القرن السادس عشر في إيطاليا ومدى تأثرها بالأفلاطونية المحدثة»، حيث كان الأسلوب البتراركي (نسبة إلى الشاعر بترارك) هو السائد في البلاطات الملكية قبل انتشاره بين قطاعات أوسع من الناس بفضل بروز الطباعة.
وقد ركزت المحاضِرة براندين على الشاعرة الأرستقراطية الأرملة فيتوريا كولونا (1490 - 1547) وصديقها المقرب الفنان مايكل أنجلو بوناروتي (1475 - 1564). وكان هذان الصديقان يناقشان ويتبادلان القصائد الروحية ذات التأثير المشترك على اهتماماتهما بقضايا الإيمان والتسامي.
وعن إسبانيا القرون الوسطى كانت ورقة البروفسور جوليان وايس، أستاذ العصر الوسيط والحديث المبكر الإسباني، من جامعة كنغز كوليج بلندن، التي سلطت الضوء على شاعرين من تلك الحقبة هما فرانسيسكو دو ألدانا (1578 - 1537) وكاتالينا كلارا راميرز دو غوزمان (1680 - 1611)، وهو بتناوله لهذين الشاعر أراد إظهار أهمية الأفلاطونية المحدثة كظاهرة عابرة للثقافات، ولفهم الكيفية التي انتقلت فيها عبر الثقافات المختلفة، «فإنه من اللازم الاعتراف بقدرتها الآيديولوجية الكامنة كي تتجاوز الحواجز الثقافية وتتعايش مع كل الاختلافات الكثيرة».
جرت أعمال اليوم الثالث من المؤتمر في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بلندن، وتم التركيز فيه على الشعراء المعاصرين.
ومن بين الأوراق التي قدمت كانت تلك التي تناولت عدة شعراء أتراك تأثروا بالفكر الصوفي الإسلامي الذي يحمل بين طياته أفكار الأفلاطونية المحدثة بصيغة تتوافق مع الدين الإسلامي. وقد تطرق المحاضران محمد كلباكلي ونسليهان ديميركول إلى تأثير التحولات السياسية على الشعراء الأتراك، فهناك خانات أصبح على الشاعر المعاصر أن يناضل للتحرر من الوقوع فيها. فمَن يكتب تحت تأثير الشعراء المتصوفة العرب والفرس الكبار كالرومي وابن عربي وابن الفارض سيتهم بانتمائه إلى الماضي العثماني، وإذا حاول أن يكتب بطريقة الشعراء الغربيين، فإنه سيتهم بنكران ثقافته. ومن بين الشعراء الذين ركز الباحثان على أعمالهما، آصف حاليت جلبي (1958 - 1907).
كانت آخر أوراق المؤتمر للأستاذة العراقية فريال غزول من الجامعة الأميركية في القاهرة، وكما ذكرَت فإنها أمَلت أن تكون محاضرتها مسك الختام، ولعلها نجحت في تحقيق ذلك، على الأقل بالنسبة للعرب المتواجدين في القاعة.
تحدثت الدكتورة غزول عن الخلفية الأكاديمية للشاعر الراحل محمد عفيفي مطر (2010 - 1935) فهو درس الفلسفة في جامعة عين شمس بالقاهرة، وعن العلاقة التي جمعته بأستاذه عبد الرحمن بدوي الذي حقق الترجمة الأولى لكتاب أفلوطين الذي قام بها عبد المسيح بن عبد الله الحمصي في القرن التاسع.
سلطت المحاضرة في ورقتها على الكيفية التي تشربت بها قصائد محمد عفيفي مطر بالأفلاطونية المحدثة بشكل خاص وبالفلسفة بشكل عام.

إعداد دقيق
في هذه الورشة الأكاديمية التي استمرت ثلاثة أيام، أقف عند الإعداد الدقيق والعمل الذي سار وكأنه ساعة رقمية دقيقة حسب البرنامج المعطى.
كذلك، أثارت انتباهي تلك الجهود المبذولة في العديد من الجامعات الغربية لإعادة أولئك الذين أبدعوا في المجال الأدبي أو الفني عبر العصور إلى الحياة، بتقصي كل ما تركوه من تراث، بدراسته وكشف كل أسراره وكشف ملامح عصره، فلا رسالة أو ملاحظة سجلها هذا المبدع هنا أو هناك ستترك من دون دراسة. وفي هذا العمل يساهم الفلاسفة ومؤرخو الأدب والفنون والنقاد في ترميم تلك القطع المتفرقة للمبدعين الراحلين بحيث نجدهم في الأخير، وقد عادوا إلى الحياة واختلطوا مع الطلبة والمهتمين بتراثهم.
هناك علماء متخصصون بحقبة تاريخية واحدة يعيدون تدريسها والبحث فيها والكتابة عنها سنة بعد سنة، بل نجد أحياناً من هو متخصص بتراث أديب أو مفكر واحدة طوال حياته.
هنا يشعر المرء بأنه امتداد لأجيال سبقته، وأن قيمة ما يضيفه تكمن في أنها إضافة صغيرة تسمح لنهر الحياة أن يستمر في التدفق: إنه انتصار على الموت الفردي.

- نماذج شعرية من الأوراق البحثية
> قصيدتان مغنتان من نوع المادريجال (الغناء من دون آلات موسيقية) لمايكل أنجلو مهداتين لفيتوريا كولونا (1544):
رجل ضمن امرأة، أو بالأحرى ملاك
يتكلم عبر فمها، لذلك فأنا،
باستماعي إليها،
أعِيدَت صياغتي إلى الحد الذي لن أكون فيه أبداً نفسي ثانية.
أنا أؤمن، لكوني استُلِبتُ من نفسي على يدها،
بأني سأشفق على نفسي، لأني خارج نفسي؛
وجهها الجميل يدفعني
بعيداً جداً إلى ما وراء الرغبة العابرة
إلى الحد الذي أرى الموت في أي جمال آخر.
أيتها السيدة التي تمرر الأنفس
عبر النار والماء إلى أيام مبهجة:
أتضرع، ألا تجعليني أعود إلى نفسي ثانية.
***
فقط كما زال ذلك، أيتها السيدة، يضع المرء
في صخر صلب شاهق صورة حية
تظل تنمو أكثر فأكثر
بينما الصخر يتلاشى شيئاً فشيئاً،
بحيث تكون الزيادة في لحم تلك الصورة،
مع قشرتها الخشنة، الجافة، الصلبة
تخفي قدراً من الأعمال الجيدة في النفس
التي ترتعش تحت هذا العبء.
أنتِ وحدك قادرة على أن تكوني نائية جداً من كينونتي الخارجية،
ففي داخلي هناك عينان علي
إنه ليس إرادة وليس قوة.

- فيتوريا كولونا (قصائد نشرت لأول مرة عام 1546)
إذا كنتُ غالباً ما أفشل في رفع ملف
الحس السليم عالياً، التطلع حولي
بعينين مزدريتين، فإني أرفض التنميق
أو مسح أشعاري الخشنة غير المهذبة،
هذا لأن همي الأولي هو ليس
لكسب الثناء بفضلها أو لتجنب الازدراء،
ولا كي تستمر أشعاري بعد عودتي المبهجة إلى السماء
في العالم حية ومكرَّمة عالياً؛
بل أن تشعل النار الإلهية، من خلال رحمتها،
عقلي، وأحياناً تمنح هذه الشرارات برضاها،
وإذا كانت إحدى هذه الشرارات أدفأت مرة واحدة
بعض القلوب الرقيقة فإني مدينة ألف مرة
بألف شكر لتلك الغلطة السعيدة.

- أوجينيو مونتال
(1920 - 1954)، إيطاليا
استمعوا إليّ: الشعراء المكللون بالغار
وحدهم من يمشون بين نباتات
ذات أسماء نادرة: البقس، وجنبة الرباط والأقنثا.
لكني أحب دروباً تؤدي
إلى خنادق عشبية حيث الأطفال
يرفعون بأيديهم بضع أسماك جائعة
من سمك الإنقليس من بُرَك شبه جافة:
دروباً تمتد بجانب الضفاف،
وتمر ما بين الخيزران المقنبر
وتنتهي ببساتين، بين أشجار الليمون.
من الأفضل إذا كان صخب الطيور
يتلاشى، حيث الزرقة تبتعله:
نستطيع أن نسمع همسات أكثر
لأغصان حميمة في جو غير هادئ تماماً،
والأحاسيس الناجمة عن هذه الرائحة
التي لا يمكن فصل ذاتها عن التراب
والأمطار، حلاوة مضطربة في القلب.
هنا، وبمعجزة ما، الحرب
الناجمة عن عواطف متكدرة تعلن هدنة؛
هنا نحن الفقراء، نتسلم، أيضاً، حصتنا من الثروات،
التي هي عبق الليمون.
شاهِد، في مساحات الصمت هذه حيث الأشياء
تكف عن الفعل فتبدو كأنها على وشك الكشف
عن سرها النهائي،
أحياناً نحن نشعر بأننا على وشك
أن نكشف عن خطأ في الطبيعة،
النقطة الساكنة للعالم، الآصرة التي لن تبقى،
الخيط لغرض حلّ ذلك الذي سيؤول أخيراً
إلى قلب الحقيقة.
العين تستكشف ما يحيطها،
العقل يستقصي صفوف العطر المنقسمة
وهو يفوح
في أكثر الأيام وهناً.
إنك في مساحات الصمت تلك ترى
في ظل كل إنسان عابر
بعضاً من ألوهية مضطربة.
لكن الوهم يفشل، والزمن يعيدنا
إلى مدن صاخبة حيث الزرقة
مرئية في هيئة بقع، إلى أعلى ما بين السقوف.
المطر يرهق التربة آنذاك؛
ضجر الشتاء يثقل على البيوت،
الضوء يصير بخيلاً - النفس مريرة.
حتى اليوم الذي من خلال بوابة نصف مغلقة
في فناء ما، هناك ما بين الأشجار،
نستطيع رؤية صفرة الليمون؛
فيذوب الفلفل الحار في القلب، وفي أعماقنا
ترمي أبواق الشمس الذهبية
بأغانيها علينا.

- كاتالينا كلارا راميريز دو غوزمان (1611 - 1684)، إسبانيا
أيها البورتريه، إذا كنت ظلاً، كيف تستطيع تقليد
سنى الشمس الساطعة؟
وإذا كنت ميتاً، كيف تكون ألوانك حية جداً؟
وإذا كنت مفتقداً الحياة، كيف استطعت سرقة حيوات كثيرة جداً؟
بافتقادك للجسد، منحتَ قوة للكثير من النفوس؛
بافتقادك للنفس، أين تطرُق صرامتك؟
وإذا كان المفضَّلون لدى «كلوري» لا نظير لهم،
لماذا تستميت كي تتجاوزها؟
أنت لست إلا طيفاً يمكن الاستمتاع به من خلال العينين،
وهماً مبهجاً لفكرة ما؛
خداعاً مصاغاً من خلال المظهر
خيالاً يداهن الذائقة؛
كذبة، تعطي الكذبة، أخيراً، للحقيقة.



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended