ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

تخوف من انتخابات جديدة بعد انفراط «مباحثات جامايكا»... وتزايد الحديث عن بداية نهاية ميركل

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة
TT

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

ألمانيا أمام أزمة تشكيل حكومة

كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل في العاصمة الألمانية برلين. في الخارج كانت درجات الحرارة يوم الأحد الماضي تلامس الصفر. وأمام مقر مباحثات الأحزاب الألمانية المجتمعة منذ الصباح للتشاور حول تشكيل حكومة، كان الصحافيون متجمعين. هم أيضاً جاءوا باكراً، وانتظروا طويلاً خروج متحدث ليعلن النجاح بتشكيل الحكومة. كان الملل والتشاؤم قد بدأ يتآكلهم. ونحو الساعة الثامنة مساء فُرشت أمامهم المشروبات الباردة، ولم تكن كافية لإبعاد الشعور بالتشاؤم.. ولكن داخل القاعة كانت المباحثات حامية.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تقود حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بدت منزعجة. وبنبرة جامدة، توجهت إلى كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الديمقراطي الحر، وقالت - حسب ما نقلته مجلة «دير شبيغل» -: «لا يمكن القول ببساطة إن الأمر لا يسير إلى الأمام. علينا أن نحدد لماذا لا تسير الأمور». وأضافت وهي تنظر إلى ليندنر وتسأل بأسلوب المواجهة: «ما هو السبب إذاً؟»، فردّ الرجل قائلاً: «لا أرى أين يمكن تطبيق المبادئ الأساسية للابتكار والتنافس والتطوير في (ائتلاف جامايكا)».
تبادل الزعيمان الكلام لدقائق قبل أن تنظر ميركل فجأة إلى هاتفها. كانت تقرأ بياناً وصلها أصدره الحزب الديمقراطي الحر أعلن فيه فشل المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافية. كانت الساعة تشير إلى الساعة 11:26 قبل منتصف الليل. وبذا انتهى «حلم جامايكا»، كما باتت تعرف الحكومة الألمانية التي كانت ستبصر النور بسبب تشابه ألوان الأحزاب المتفاوضة مع ألوان علم جامايكا (الأسود والأصفر والأخضر) - بعد شهرين من البحث والمساومات عقب صدور نتائج منذ الانتخابات البرلمانية.
شكل انهيار مباحثات تشكيل حكومة ائتلافية في ألمانيا يوم الأحد الماضي مفاجأة، ليس للناخبين الألمان فقط، بل للأحزاب نفسها المشاركة في تلك المباحثات. وعندما خرج كريستيان ليندنر، رئيس الحزب الديمقراطي الحر (شعاره اللون الأصفر) من القاعة ليقرأ بيان الانسحاب من المشاورات، بقي ممثلو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (شعاره اللون الأسود)، الذي تقوده المستشارة أنجيلا ميركل وحليفه البافاري الحزب الاجتماعي المسيحي، وممثلو «حزب الخضر» (شعاره اللون الأخضر)، في الداخل يستمعون إلى كلمته وهو يعلن: «أفضل لنا ألا نحكم من أن نحكم بشكل سيئ». ووفق المصادر الصحافية كان الشعور بالأسف طاغياً، وحسب تعبير «دير شبيغل» كان هناك «الكثير من هزّ الرؤوس».

أسباب الفشل
هذا الشعور بالأسف لانهيار المفاوضات، كان سبقه ترويج، على الأقل من قبل الأحزاب الثلاثة الأخرى، بأن تقدماً ما جرى في الأيام الأخيرة، وتحدث البعض حتى عن إيجاد «أرضية مشتركة» لبناء التحالف. فـ«حزب الخُضر» البيئي اليساري كان قدّم تنازلات في القضايا الشائكة التي كانت تشكل عقبات أمام تشكيل الحكومة، خصوصاً في قضايا الطاقة والبيئة والهجرة. بل إنه قدم تنازلات في قضية حق اللاجئين السوريين بلمّ الشمل، أي جلب عائلاتهم إلى ألمانيا، علماً أن «الخضر» من أكثر الأحزاب دعما لقضية لم الشمل. ولكن في المقابل، تمسك الحزب الديمقراطي الحر، الليبرالي الوسطي المؤيد لمجتمع الأعمال، بسياساته حول ضرورة وقف برنامج لم الشمل رابطاً معارضته بأسباب اقتصادية، ريثما يتم إيجاد سياسة اقتصادية لاستيعاب اللاجئين السوريين والاستفادة منهم. كذلك أصر على رفض تقديم أي تنازلات في ما يتعلق بالسياسة النقدية لليورو.
وفي النهاية قد تكون الخلافات الآيديولوجية العميقة بين «الخُضر» و«الديمقراطيين الأحرار» حول معظم القضايا هي ما أفشلت المفاوضات، وليست قضية واحدة بالتحديد. غير أن المؤكد أن هذه الخلافات والاختلافات أدخلت ألمانيا إلى منطقة لم تختبرها من قبل؛ فهي ليست معتادة على الاضطراب السياسي. وأيضاً، أوروبا ليس معتادة أن تكون ألمانيا بعيدة عن الاستقرار. ولكن حالة الغموض والارتباك التي أنتجتها الانتخابات بنهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، طالت. ويبدو أنها لن تنتهي قريباً.

الارتباك السياسي
وحقاً، منذ أيام تعيش الساحة السياسية في ألمانيا تفاقم الفوضى والارتباك. ورئيس الجمهورية فرانك فالتر شتاينماير - الذي ينتمي إلى الحزب الديمقراطي الاشتراكي - رأى أن انهيار المفاوضات زجّ بألمانيا «في موقف لم تشهده من قبل». وهو الآن من موقعه الذي يشمل الإشراف على تشكيل الحكومة، يحاول جاهداً إنقاذ الموقف من دون اللجوء إلى انتخابات جديدة، تكلف الخزينة وتزعج الناخبين، والأسوأ أنها قد لا تأتي بأي نتائج مختلفة.
شتاينماير عبّر عن موقفه بوضوح من الدعوة لانتخابات جديدة، فقال خلال مؤتمر صحافي عقده بعد يوم من فشل المفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي: «لا نستطيع تمرير المسؤولية إلى الناخب بهذه البساطة». وأردف أنه يتوجب على الأحزاب كلها أن تتوقف وتفكر بمواقفها.
وحقاً حاول شتاينماير إقناع أحزاب «مباحثات جامايكا» بالعودة إلى مائدة التفاوض، واجتمع بهم الثلاثاء الماضي ليحثهم على ذلك، ولكن - كما يبدو - من دون تحقيق أي اختراقات. ومن ثم، كانت خطوته التالية البحث عن إعادة إنتاج الحكومة الحالية، أي ائتلاف الحزبين الكبيرين الديمقراطي المسيحي والديمقراطي الاشتراكي. غير أن هذه مهمة ليست بالسهلة.

الشريك القديم
مارتن شولتز، زعيم الديمقراطيين الاشتراكيين الذين ينتمي الرئيس شتاينماير إليهم، كان قد تعهّد بعد ظهور نتائج الانتخابات، بالجلوس في مقاعد المعارضة ورفض المشاركة في أي حكومة مقبلة. وعلى الرغم من أن حزبه يشارك ميركل في الحكم منذ عام 2013، فإن خسارته 12 في المائة من أصوات الناخبين هذه المرة، دفع بزعيمه إلى التعهد والتكرار بتغيير نهج الحزب، خوفاً من خسائر إضافية في المستقبل. وبعد انهيار «مباحثات جامايكا» بقي شولتز مصراً على موقفه، مشدداً على القول إنه يفضل إجراء انتخابات جديدة على الدخول في مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية شبيهة بالحكومة الحالية. ولكن بعد مرور أيام معدودة، تغيّرت نبرة شولتز. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية، قائلاً إنه يعلم أن المسؤولية الملقاة على كاهل حزبه مسؤولية كبيرة، بعد قوله: «في الأيام والأسابيع المقبلة، سنجد حلاً جيداً لبلدنا».
هنا، ثمة مَن يشير إلى أن الانقسامات داخل حزب شولتز لم تساعده على التمسك بموقفه الرافض للتفاوض على العودة إلى الحكومة. وفي اجتماع لكتلة الحزب الديمقراطي الاشتراكي النيابية يوم الاثنين، أي في اليوم الذي تلا انهيار المباحثات، طرح عشرات من النواب الاشتراكيين تساؤلات حول صحة قرار زعيمهم برفض الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة، بحسب تقارير نقلتها صحف ألمانية عن مسؤول بارز في الحزب.

«شبح» اليمين المتطرف
كان منطق النواب الاشتراكيين المؤيدين للمشاركة بمباحثات تشكيل الحكومة أن الدعوة لانتخابات جديدة وعجز الأحزاب الرئيسية عن تشكيل الحكومة، سيؤديان إلى إضافة مكاسب لليمين المتطرف، الذي دخل مجلس النواب الألماني (البوندستاغ) للمرة الأولى، وبات يملك ثالث أكبر كتلة برلمانية إثر حصوله على 13 في المائة من الأصوات، ثم إن أحد النواب نقل لشولتز مخاوفه من أن ينتهي الاشتراكيون بنتيجة أسوأ حتى من التي سجلوها في حال الدعوة لانتخابات جديدة العام المقبل.
في المقابل، يرى رافضو الدخول المباحثات، وبينهم شولتز، أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت رسالة لرفض الائتلاف الذي حكم طوال السنوات الأربع الماضية. ويعتبرون أن الجلوس في مقاعد المعارضة هي الطريقة الوحيد لإعادة ترميم صورة الحزب بعدما مني بأكبر هزيمة في تاريخه.
وأمام هذا التخبط داخل الحزب الديمقراطي الاشتراكي، وعجز الرئيس شتاينماير عن إقناع أحزاب «مباحثات جامايكا» على العودة للتفاوض، عقد شتاينماير لقاءً مطولاً مع شولتز مساء الخميس الماضي، ولم يرشح لتاريخه كثير عن اللقاء. ولكن، في أي حال، تحدثت الصحافة الألمانية قبل اللقاء عن ضغوط سيمارسها الرئيس على الزعيم الاشتراكي لحثه على التفاوض مع ميركل. وتحدثت الصحف عن أن مقاومة شولتز لذلك قد تعني نهايته. وتابعت أن الحزب قد يصوّت لإزاحة شولتز عن زعامته في اجتماع من المقرّر عقده بعد أسبوعين، معددة أسماء محتملة لمن قد يخلفه، وكلهم مثل شتاينماير من مؤيدي التفاوض مع المستشارة الحالية.
ولكن، في المقابل، قد يكون أمام شولتز خيار آخر غير الدخول في الحكومة، يمكنه من إنقاذ منصبه والحفاظ على موقفه، وهو خيار دعم حكومة أقلية ترأسها ميركل بمشاركة حزب صغير، قد يكون «حزب الخضر» (حليف الاشتراكيين السابق)، يقرّر بذلك أية سياسات يريد دعمها، وتلك التي يريد معارضتها.
ونقلت صحيفة «بلومبيرغ» عن شخص مقرّب من شولتز قوله إن الأخير «مستعد لبدء مباحثات مع ميركل ولدعمها في حكومة أقلية، إلا أنه لن يقبل المشاركة في ائتلاف موسّع كما هو حاصل الآن». من جهتها، المستشارة ميركل لا تحبذ حكومة أقلية، بل تفضل إجراء انتخابات جديدة. ولقد قالت بعد يوم من فشلت مباحثاتها مع الأحزاب الثلاثة الصغيرة، إنها «حذرة» من فكرة قيادة حكومة أقلية ستكون ضعيفة ومقيدة بتأييد أحزاب معارضة لها داخل «البوندستاغ» لتمرير مشاريعها.
وأضافت ميركل في مقابلة مع القناة الألمانية «آي آر دي»، موضحة: «طريق تشكيل حكومة يبدو أصعب بكثير مما تمنّيت. وإجراء انتخابات جديدة هو الطريق الأفضل برأيي، لأن حكومة أقلية ليست من ضمن مخططاتي». ولدى سؤالها عما إذا كانت تتخوف من خسارة المزيد من المقاعد إذا ما أُجرِيَت انتخابات جديدة، أجابت بهدوء وثقة: «أنا في الحقيقة لا أخاف من شيء».

فترة الانتظار
في مطلق الأحوال أمام ألمانيا الآن بضعة أسابيع لتقرر ما إذا كانت ستتمكن من تشكيل حكومة جديدة، أو الذهاب إلى انتخابات العام المقبل، على الأرجح بين فبراير (شباط) وأبريل (نيسان) المقبلين. ولكن الخيار الأخير قد يعني أن ألمانيا مرشحة لفترة اضطراب تقود خلالها البلاد «حكومة تصريف أعمال»، ستطول فترتها ربما حتى بداية الصيف، وهو تاريخ الاتفاق على تشكيل حكومة.
هذه فكرة، رغم أن معظم الأحزاب تحاول تفاديها، تجذب حزباً واحداً بشكل خاص... هو حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف؛ فالحزب الذي دخل «البوندستاغ» أخيراً للمرة الأولى حاصلاً على 13 في المائة من الأصوات، يطمع بتحقيق مكاسب إضافية في جولة انتخابية جديدة. وفي حديث لصحيفة «الإندبندنت» البريطانية.
قال مدير حملة الحزب اليميني المتطرف في برلين، بعد فشل مباحثات ميركل مع الديمقراطيين الأحرار و«الخُضر»: «ميركل قد تعتقد أن هذا البلد عاجز على السير من دونها، ولكن هذه لحظة تاريخية وعليها تمرير العصا لغيرها».
وأضاف المتحدث باسم الحزب الذي يدعو لإعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، أنه يرحب بانتخابات جديدة «إذا كانت الطريقة الوحيدة للتخلص من ميركل».
ما إذا سينجح بتحقيق ذلك، أمر مستبعد، ولكن الانتخابات الجديدة إذا ما أُجرِيَت قد لا تحقق نتائج شديدة الاختلاف بالنسبة لميركل. وهو أمر دفع البعض بالحديث عن قرب نهاية مشوار المستشارة الألمانية بعد 12 سنة أمضتها في الحكم.

بداية النهاية
وفي هذا السياق، كتبت مجلة «إيكونوميست» البريطانية: «تقول ميركل إنها ستترشح مجدداً، إذا ما دُعِي لانتخابات جديدة. ومن المستبعد أن تواجه تحدياً على زعامة الحزب (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في الوقت الحالي. ولكن النتائج المتواضعة التي حققتها في هذه الانتخابات، وما تبعها من فشل في المشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي، أعطاها شعوراً بأن وضعها ما عاد مستقراً. وبغض النظر عن أي قرار تختار؛ فهي ستكون قد دخلت الفصل الأخير من عملها السياسي». وذهب جوزيف جوفي، رئيس تحرير صحيفة «دي زيت» الألمانية، أبعد من ذلك إذ قال: «الأحد الأسود، اليوم الذي انهارت فيه مباحثات الائتلاف، قد تسجل في التاريخ على أنها بداية نهاية أنجيلا».
ولكن حتى أمثال هؤلاء يعربون عن اعتقادهم بأن ميركل ستتخطى أزمتها هذه، وقد تنجح حتى بإقناع الحزب الديمقراطي الاشتراكي بالدخول معها في حكومة ائتلافية للمرة الثالثة تمكنها من الحكم بثبات، وتقود بلادها لفترة رابعة... قد تكون الأخيرة.

الأحزاب الألمانية الممثلة في مجلس النواب
> الاتحاد المسيحي الديمقراطي: زعيمته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. فاز في الانتخابات الأخيرة بـ200 مقعد (أقل بـ55 مقعداً عن انتخابات عام 2013) من أصل 709 في مجلس النواب الاتحادي (البوندستاغ)، فاحتفظ بأكبر كتلة نيابية ولكن من دون أن يحصل على الغالبية المطلقة التي تخوله الحكم منفرداً. الحزب يعتبر من الأحزاب اليمينية الوسطية - المعتدلة. وهو يقود الائتلاف الحاكم منذ 12 سنة. وكان قرار ميركل السماح لمليون ونصف مليون لاجئ سوري بالدخول إلى ألمانيا عام 2015 قد أثار صدمة لدى الكثير من المحافظين داخل حزبها.
> الحزب الديمقراطي الاشتراكي (أو الحزب الديمقراطي الاجتماعي): زعيمه مارتن شولتز. فاز بـ153 مقعدا في «البوندستاغ» (أقل بـ40 مقعدا عن عام 2013). يملك ثاني أكبر كتلة برلمانية، وهو شريك في الحكم في الحكومة الائتلافية الحالية. ويُعد من أحزاب اليسار الوسط، آخر مستشار للبلاد من الحزب كان غيرهارد شرويدر، الذي بقي في منصبه بين 1998 و2005. شارك الحزب لمدة 34 سنة بالحكومات، ولمدة 21 سنة كان منصب المستشارية من نصيبه.
> حزب البديل لألمانيا: زعيمه يورغ مويتن. فاز بـ94 مقعدا في «البوندستاغ» الذي يدخله للمرة الأولى. يعد من أحزاب اليمين المتطرف، وأُسس عام 2014. تقوم أفكاره على معاداة اللاجئين والمهاجرين، وهو يدعو لإعادة مليون ونصف مليون لاجئ سوري إلى سوريا بعدما سمحت ميركل بدخولهم إلى ألمانيا. تتركز قاعدته الشعبية في مناطق شرق ألمانيا. ويرفض هذا الحزب أيضاً أن يكون الإسلام جزءاً من المجتمع الألماني، كما أنه مناهض للاتحاد الأوروبي ورحب بقرار بريطانيا الخروج منه.
> الحزب الديمقراطي الحرّ: زعيمه كريستيان ليندنر. عاد هذا الحزب إلى «البوندستاغ» بـ80 مقعداً بعد غيبته عنه 4 سنوات. يعتبر حزبا ليبرالياً وسطياً. معظم ناخبيه الحزب من أصحاب الأعمال الحرة. شارك الحزب الديمقراطي الحر كشريك ائتلافي صغير في كل الحكومات بعد الحرب حتى عام 2013، أحياناً مع الديمقراطيين المسيحيين وأحياناً أخرى مع الديمقراطيين الاشتراكيين.
> حزب اليسار: يتزعمه كاتيا كيبينغ وبيرند ريكسينغر. فاز بـ69 مقعدا في «البوندستاغ» (بزيادة 5 مقاعد عن عام 2013). أسس رسمياً عام 2007، إلا أنه فعلياً أسس على أنقاض الحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية سابقاً. هو الحزب الوحيد الذي يرفض أي مشاركة للجيش الألماني في الخارج. ويطالب بحل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ورفع الحد الأدنى من الأجور في ألمانيا.
> حزب الخُضر: تتزعمه سيمون بيتر. فاز بـ67 مقعدا في «البوندستاغ» (بزيادة 4 مقاعد عن عام 2013). نشأ الحزب من حركات احتجاجية ظهرت في الثمانينات، كانت على رأس أهدافها رفض استعمال الطاقة النووية وضرورة الحفاظ على البيئة. وهو حالياً يدافع عن حق لَمّ شمل عائلات اللاجئين السوريين الذين دخلوا ألمانيا عام 2015.
> الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا: يتزعمه هورست زيهوفر. فاز بـ46 مقعداً في «البوندستاغ» (أقل بـ10 مقاعد من عام 2013). يشكّل مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل كتلة نيابية موحّدة. ولا ينافس حزب ميركل في ولاية بافاريا، بينما لا ينافس حزب زيهوفر في أي ولاية ألمانية أخرى. يعد من الأحزاب اليمينية المحافظة، ويحمل تقريباً أفكار الديمقراطيين المسيحيين نفسها.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.