رغم هجوم النقاد اللاذع... براون لا يزال متربعاً على قمة الروايات الشعبية

روايته الثامنة عن الصراع بين العلمِ والدّين

دان براون
دان براون
TT

رغم هجوم النقاد اللاذع... براون لا يزال متربعاً على قمة الروايات الشعبية

دان براون
دان براون

كما في كل مولود أدبي لدان براون، كاتب الروايات الشعبيّة الأميركي الأشهر، انقض عليه النقّاد بأقلامهم اللاذعة بلا رحمة فور صدور روايته الثامنة هذا الشهر الماضي، وكأن لهم حساباً مع الرجل لا بد من تصفيته. الرواية الجديدة وهي حملت اسم «الأصل» (Origin)، جاءت خامسة في سلسلة مغامرات دكتور الرموز الأميركي روبرت لانغدون التي تتجوّل بحريّة بين فضاءات الخيال العلمي والتاريخ والحاضر معاً. «لا يبدو أن براون قد تحسّن قيد أنملة في قدرته الكتابية منذ روايته الأخيرة»، كتب أحدهم، بينما علّق آخر «كأن دان يجاهد كي لا يكتب لنا جملة واحدة ذات قيمة أدبيّة حقيقيّة». وبالفعل فقد عاد لنا صاحب رواية «دافنشي كود» (2003) التي كانت تحولت منذ وقت صدورها إلى ما يشبه ظاهرة في عالم الروايات الشعبيّة المعاصرة، مستعيداً ذات الأسلوب المهلهل: 400 صفحة من الثرثرة والأوصاف الفارغة من المضمون - كما لو كنت تقرأ في كتاب مدرسي ضحل -، كما العديد من الكلمات المكرورة، لدرجة أن أيّاً منها لم يعد يعني في النهاية شيئاً. ورغم ذلك كلّه، فإن مبيعات الأسبوع الأوّل من «الأصل» في بريطانيّا تجاوزت المائة ألف نسخة، ويتوقع أن تتجاوز المليون، ربما بحلول فترة الكريسماس نهاية العام، وهذا دون احتساب النسخ الصوتيّة التي بيع منها 14 ألفاً في الأسبوع ذاته، مما يتوّج براون ملكاً على مبيعات الكتب العام الحالي دون منافس تقريباً.
وهو ما يعيد طرح التساؤل الدائم: لماذا تُقبِل جماهير غفيرة على ابتياع كتب دان براون رغم قيمتها الأدبيّة المحدودة؟ ربّما كانت محدوديّة اللغة ذاتها جزءاً لا يتجزأ من سرّ جاذبية كتاباته بين قطاعات جماهيريّة واسعة - والتي يقبل عليها الرجال والنساء كلاهما بشكل متساوٍ وفق بائعي الكتب في لندن - . فهو قادرٌ على طرح أفكار وموضوعات جدليّة مليئة بالغموض والتواطؤات والمصادفات التاريخيّة بلغة ويكيبيدية من النّوع الذي يسهل تقبّله من قبل جيل الإنترنت. كذلك فهو يربط حبكاته المتسارعة بشبكة من مواقع سياحية ذات ثراء تاريخي وتراكم معماري وفني معروفة بقدرتها على جذب ملايين السياح في كل وقت (لندن، باريس، واشنطن، فلورنسا، روما والآن برشلونة ومدريد)، إضافة إلى تقديمه مغامرات مسلية لسوبرمان أميركي استثنائي آخر - الدكتور لانغدون، لكنّه في روايات براون لا يرتدي بذلة كأبطال رابطة العدالة الآخرين، الأمر الذي جعل الكثيرين يتقبلونه كشخصيّة واقعيّة. وفي النهاية فإن براون - بغض النظر عن جودة منتجه - يعرض على جمهوره رؤية متكاملة للعالم يسهل ابتلاعها، لا سيّما وهي ذات نفس أميركي غربي محض، يتوافق وتجذرات العقل الجمعي الغربي، وتريحه على مستوى ما، ولا تتطلب تركيزاً أو معارف سابقة أو حتى قدرات عقليّة متقدّمة.
«الأصل» التي تنقل القرّاء إلى أجواء إسبانيّة بين بيلباو وبرشلونة ومدريد، تبدأ باستدعاء الدكتور الأميركي لانغدون خبير الرّموز - والجاهز أبداً للسفر بغض النظر عن مواعيد المحاضرات في جامعة هارفارد أو تسليم درجات الطلاب - لحضور مؤتمر يعد فيه إدموند كيرش - وهو تلميذ للانغدون عبقري وثري - للكشف عن سرّ خطير يتعلق بأصل الخليقة على نحو يهدد بنفي كل الأديان المعروفة. هذا التلميذ ورغم كراهيّته المطلقة لمؤسسات الدين الرسمي، إلا أنّه يبلغ وقبل وقت قصير من موعد مؤتمره ممثلين بارزين من الأديان الإبراهيميّة الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلامية) بمحتوى اكتشافه كنوع من تحرّز مهني. وبما أن موقع المؤتمر أختير ليكون في متحف غوغينهايم للفن المعاصر فلا بّد بالطبع - وعلى عادة براون - من استعراض الأعمال المشهورة داخل المتحف، ومن ثم توريط أمينة المتحف الحسناء - التي تصادف أنها خطيبة ولي عهد التاج الإسباني - لتتطوّر الأحداث باغتيال كيرش قبل كشفه عن السر بدقائق، ويرث البطل الأميركي تلك المهمّة النبيلة، فينطلق بصحبة الآنسة الحسناء في مغامرات هوليوودية الطراز، مستخدماً طائرات هليكوبتر وسيارات، ومتقاطعاً مع ملك إسبانيا ذاته الذي يصّور في علاقة مثليّة أفلاطونيّة مع أسقف الكنيسة الكاثوليكيّة في البلاد، ومطارداً من قوى محافظة لا تتوانى عن أي قسوة لحماية أسرارها، بينما هو يوظّف ذكاءه الخارق لفك الرموز والأحجيات التي تركها كيرش قبل مقتله.
لانغدون في رواية «الأصل» لا يتطور كشخصية درامية بأي شكل عنه في رواياته الأربع السابقة. فهو ذاته، الدكتور الشديد الذكاء، ساحر النساء، عميق الثقافة، المصاب برهاب الأماكن الضيقة، الذي يفكّر دائماً بما وراء المظاهر المباشرة للأحداث، ويرتدي على الدّوام ساعة طفوليّة تحمل وجه شخصية ديزني المشهورة «ميكي ماوس». وهو مع أناقته الظاهرة، مقاتل عنيد وسباح ماهر وذو ذاكرة لا يسقط منها شيء، ديدنه أنّه ينجح فريداً في النهاية في إنقاذ البشريّة - ربما مع دعم ثانوي من امرأة حسناء دائماً، وهنا على سبيل التغيير أيضاً بمساعدة صديق افتراضي يدعى وينستون من تصميم كيرش ذاته - . وهو في مغامرته الإسبانيّة يفعل ذلك بنشر السرّ الذي توصل إليه تلميذه من خلال ثلاثين صفحة تقريباً يستعرض نصاً علميّاً ملفقاً عن إمكان نشوء الحياة من العدم، وحتميّة تداخل الحياة مع التكنولوجيا في مستقبل البشريّة المقبل. الشيء الجديد الوحيد، ربّما في هذه الرّواية، هو توظيف متحف للفن المعاصر كخلفيّة للنص الروائي، بينما بقيت المغامرات الأربع السابقة للدكتور لانغدون في فضاءات الفنون الكلاسيكيّة والقديمة.
يشرح براون بأن «الأصل» بالذات تعبر عنه شخصيّاً، فهو ابن مدرّس رياضيّات وأمّه تعزف مع فرقة الكنيسة المحليّة، ولذا عاش دائماً بين أقنومي العلم والّدين تحت سقف واحد، بينما كانت الأحجيات طريقة والده الأثيرة في خلق أجواء الإثارة في المنزل فكبّر على عشقها. الباقي بالطبع نتاج زيارة مطوّلة للمواقع الموصوفة في الرواية، إذ انتقل براون بالفعل لإسبانيا هذه المرة وقضى فيها عدّة أشهر، بينما تعكس قراءاته تركيزاً على التاريخ والسياسة والعلوم المعاصرة على حساب الآداب، وهو الذي اعترف أنه لا يقرأ من روايات الآخرين سوى عدة صفحات فقط للاطلاع على أجواء المهنة.
يبدو براون في «الأصل» واعيّاً وبشدة لحقيقة أن دخله من تحويل العمل المكتوب إلى فيلم سينمائي قد يتفوق على أرباح الكتاب، ولذا بدا النّص جاهزاً للاقتباس، وكأنه كتب خصيصاً للممثل الأميركي توم هانكس الذي لعب دور الدكتور لانغدون في الاقتباسات السينمائيّة السابقة عن رواياته.
براون الذي يبدو أنّه ضاق ذرعاً بالنّقاد، قال للصحافيين: «أنا لم أقل يوماً بأنّي ديستوفسكي عصري، لكني أكتب تذّوقي الشخصي لأشياء العالم من حولي، وأتنحى بعدها لأجد أن الناس أحّبت ذائقتي تلك».
مع ذلك كلّه، فبراون اليوم لم يعد مجرد روائي آخر. لقد تبنته المنظومة الرأسماليّة بكليتها، وتواطأت لتنصيبه على قمة الروايات الشعبيّة دور النشر والصحف والمكتبات ومحلات السوبر ماركت، بل وكذلك المتاحف الكبرى والمدن السياحيّة، وأصبحت الدّائرة معروفة للجميع: يكتب براون، يهاجمه النقاد، تروّج له صناعة النشر وبيع الكتب، يشتريه الملايين، يتحوّل إلى فيلم سينمائي هوليوودي، ومن ثمّ يتدفق السّياح على المدن الموصوفة في النص والمتاحف التي تعرض الأعمال المشهورة فيها، وهكذا حتى موعد الكتاب القادم، وإن كانت برشلونة بالصدفة تعيش أجواء سياسيّة محمومة هذه الأيام بسبب مسألة استفتاء كاتالونيا على الاستقلال عن الحكم الإسباني، فلا نعرف فيما إذا كانت ستستفيد المدينة بالفعل من ترويج براون لها.
الكلّ إذن رابح ومستفيد من الظاهرة البراونية، ربما باستثناء من تهمهم القيمة الأدبية للأعمال، وهم قلة لم تَعد تهّم تجار الاستهلاكيّات في شيء.



«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».