بوفون... سجل اسمه في قائمة أفضل حراس المرمى على مر التاريخ

أحد عمالقة «الساحرة المستديرة» يودع بالدموع مسيرة زاخرة مع المنتخب الإيطالي

TT

بوفون... سجل اسمه في قائمة أفضل حراس المرمى على مر التاريخ

ولد الحارس الإيطالي العملاق جيانلويجي بوفون في مدينة كرارا بإقليم توسكانا الإيطالي، الذي استخرج منه الرخام الذي استخدمه الفنان العالمي الشهير مايكل أنغلو في صناعة تمثال داود في عصر النهضة قبل 500 عام من الآن. وقد يجرى استخراج جزء آخر من الرخام لصناعة تمثال جديد لأفضل حارس مرمى في تاريخ إيطاليا، والذي اعتزل اللعب الدولي والدموع تملأ عينيه خلال الأسبوع الحالي، بعد المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي أمام السويد وفشل منتخب «الأزوري» في الصعود لكأس العالم الصيف المقبل بروسيا، لكن هذه الأفعال في تلك المواقف الصعبة هي التي تحجز لبوفون مكانا بين العظماء في تاريخ الساحرة المستديرة. لكن الشيء الذي سيعجز أعظم النحاتين في العالم عن إظهاره هو ما يقدمه بوفون داخل المستطيل الأخضر، إذ يمكنك أن تقضي 90 دقيقة كاملة في مشاهدة التعبيرات المختلفة التي تظهر على وجهه، بدءا من الغضب الشديد والواضح في عينيه إلى الابتسامة الماكرة، كما ستعجب أيضاً بالطريقة التي يقدم بها نفسه للمنافسين على أنه تجسيد للصمود والعزيمة والروح الرياضية العالية.
لقد أمتعنا بوفون بتصدياته الخرافية التي لا يمكن لغيره أن يقوم بها، والتي ظهرت منذ بداية مسيرته الحافلة بالإنجازات من خلال تصديه للتسديدة القوية من اللاعب الإيطالي الكبير أندريا بيرلو عندما كان اللاعبان في بداية مشوارهما الكروي عام 1996، فكان بيرلو يدافع عن ألوان إنتر ميلان في الوقت الذي كان يحرس فيه بوفون عرين نادي بارما. سدد بيرلو كرة قوية لكن بوفون أنقذ الكرة ببراعة في مشهد أظهر للجميع أن هذا الحارس الشاب سيكون له مستقبل كبير في عالم كرة القدم. وعلاوة على ذلك، سوف يتذكر الجميع أن بوفون قد ساهم بشكل كبير في تطور أزياء حراس المرمى، بداية من القمصان قصيرة الأكمام التي كان يرتديها.
ولا يلقي أي شخص باللوم على بوفون في إخفاق المنتخب الإيطالي الكارثي في الوصول لنهائيات كأس العالم للمرة الأولى منذ 60 عاما بعد تعادله السلبي أمام السويد الاثنين الماضي. فقد ظهر بوفون وزملاؤه في خط الدفاع - والذين ساهموا في حصول نادي يوفنتوس على لقب الدوري الإيطالي الممتاز ست مرات متتالية خلال الفترة بين عامي 2011 و2017 وهم ليوناردو بونوتشي وأندريا بارزالي وجورجيو كيليني - بمستوى جيد أمام السويد على ملعب «سان سيرو». وحتى الهدف القاتل الذي استقبلته شباك إيطاليا في السويد قبل ثلاثة أيام من تلك المباراة جاء من تسديدة خدعت بوفون عدما غيرت اتجاهها نتيجة اصطدامها بلاعب آخر. وخلال مباراة العودة، قدم بوفون وخط دفاعه مباراة جيدة تتماشى مع الدفاع القوي المعروف عن الطليان بصفة عامة، لكن المشكلة كانت تكمن في مكان آخر وليس في خط الدفاع.
وكانت مباراة إيطاليا أمام السويد هي المباراة رقم 77 التي يحافظ فيها بوفون على نظافة شباكه خلال الـ175 مباراة الدولية التي دافع فيها عن ألوان المنتخب الإيطالي، وهما رقمان قياسيان من بين كثير من الأرقام القياسية التي حققها الحارس العملاق. كان بوفون يمني النفس بأن يصبح أول لاعب كرة قدم في التاريخ يلعب في خمس نهائيات لكأس العالم، وربما كان من الممكن أن يرتفع هذا العدد إلى ست بطولات لكأس العالم لو كان قد استدعي من على مقاعد البدلاء للمشاركة في المباريات خلال نهائيات كأس العالم بفرنسا عام 1998. وقاد بوفون منتخب إيطاليا للوصول لدور الستة عشر في كأس العالم 2002، ثم الحصول على لقب المونديال عام 2006، لكنه تعرض لإصابة في المباراة الافتتاحية لإيطاليا في كأس العالم 2010، قبل أن يخرج منتخب بلاده من دور المجموعات في كأس العالم 2014 بالبرازيل.
وفي الحقيقة، تعكس النتائج التي حققتها إيطاليا المستوى الذي وصلت إليه كرة القدم الإيطالية بصفة عامة خلال الـ15 عاما الماضية. وكان الانتصار الأعظم للمنتخب الأزوري خلال هذه الفترة عام 2006 قد جاء عن طريق الفوز بركلات الجزاء الترجيحية على منتخب فرنسا الذي خاض اللقاء بعشرة لاعبين بعد استفزاز أفضل لاعب في العالم آنذاك زين الدين زيدان وحصوله على البطاقة الحمراء. وبعد ذلك، ودعت إيطاليا المونديال مرتين متتاليتين من دور المجموعات، وهو ما يعكس تدهور مستوى الدوري الإيطالي الممتاز، الذي أصبح يتعين عليه الآن أن يعمل على استعادة أمجاده بعد سنوات من الفضائح وغياب النجوم.
ولو نجح خط هجوم المنتخب الإيطالي في إحراز هدفين في مرمى السويد في المباراة التي أقيمت على معلب «سان سيرو» مساء الاثنين الماضي، لشارك بوفون في كأس العالم الصيف المقبل وهو في الحادية والأربعين من عمره. وقد تكون هذه بمثابة إشارة أخرى على وجود شيء خاطئ في كرة القدم الإيطالية، وهو اعتمادها على اللاعبين الكبار في السن، ويكفي أن نعرف أن دينو زوف، الحارس الكبير لنادي يوفنتوس ومنتخب إيطاليا، كان في الحادية والأربعين من عمره أيضاً عندما خاض آخر مباراة دولية من المباريات الـ112 التي لعبها بقميص منتخب إيطاليا، وكان ذلك بالتحديد في مايو (أيار) 1983، وللمفارقة كانت هذه المباراة أيضاً أمام السويد وخسرها منتخب إيطاليا ليفشل في التأهل لنهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 1984. وكان أصغر لاعبين في تشكيلة المنتخب الإيطالي في مباراة السويد الأخيرة أمام السويد في الخامسة والعشرين من العمر!
ويجب أن نشير إلى أنه عندما فاز المنتخب الإيطالي بكأس العالم في إسبانيا عام 1982، كان الفريق يضم، إلى جانب زوف الذي كان في الأربعين من عمره، المدافع جوزيبي بيرغومي الذي كان في الثامنة عشرة من عمره وواصل الدفاع عن ألوان المنتخب الإيطالي في 81 مباراة دولية. وكان نجم الفريق آنذاك باولو روسي، الذي سجل في كل جولة من جولات البطولة، في الخامسة والعشرين من عمره، كما كان اللاعبون الثمانية الآخرون في التشكيلة الأساسية لمنتخب إيطاليا في المباراة النهائية أمام ألمانيا الغربية في العشرينات من عمرهم.
يمكنك أن تبحر في الإحصائيات المتعلقة بكرة القدم كما تريد، لكنك لن تجد إجابة محددة بشأن توقيت التحول من الخبرة إلى الشباب في كرة القدم العالمية. لقد حققت ألمانيا طفرة في الاعتماد على الشباب قبل عدة سنوات، وبدأت تجني ثمار ذلك. ويحاول منتخب إنجلترا تبني نهج مماثل في الوقت الحالي، لكن يجب علينا أن ننتظر بطولة كأس عالم وربما بطولتين لكي نرى ما إذا كان النجاح الكبير الذي حققته المنتخبات الإنجليزية تحت 17 عاما و20 عاما سيتحول إلى نجاح مماثل على مستوى المنتخب الأول في البطولات القارية أم لا.
ولا تظهر الحقيقة إلا بعد فوات الأوان، وهذا هو ما حدث مع منتخب إيطاليا خلال هذا الأسبوع، بعد أن تمسك لفترة طويلة بالاعتماد على الحرس القديم. ولم يتمكن المدير الفني لمنتخب إيطاليا، والذي لم يكن اختياره موفقاً على الإطلاق، من تجديد دماء الفريق بالشكل الذي ربما كان من الممكن أن يقوم به مدير فني مثل أنطونيو كونتي في حال توليه المسؤولية. وسوف تبدأ عملية إعادة بناء الفريق مرة أخرى باعتزال بوفون والاعتماد على حارس ميلان البالغ من العمر 18 عاما جيانلويجي دوناروما في حراسة المرمى.
وكانت أول مرة يشاهد فيها الإنجليز بوفون في نوفمبر (تشرين الثاني) 2000، في المباراة الودية التي أقيمت في تورينو. وكان بوفون، الذي كان في الثانية والعشرين من عمره آنذاك، يلعب خلف خط دفاع قوي مكون من فابيو كانافارو وأليساندرو نيستا وباولو مالديني. وكانت المواجهة الثانية بعد 15 عاما، وبالتحديد في مارس (آذار) 2015، وانتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق وأقيمت في الملعب الجديد لنادي يوفنتوس الإيطالي.
وبعد اعتزاله اللعب الدولي، سيكون بوفون متقدما على الحارس الإسباني إيكر كاسياس، منافسه الأقوى من بين حراس المرمى الأوروبيين في القرن الحادي والعشرين، بثماني مباريات دولية. يذكر أن كاسياس، الذي فقد مكانه في صفوف المنتخب الإسباني لصالح ديفيد دي خيا، أصغر من بوفون بثلاث سنوات، لكنه يتفوق عليه فيما يتعلق بالحصول على البطولات الدولية، حيث حصل على كأس الأمم الأوروبية مرتين ودوري أبطال أوروبا ثلاث مرات، وهما البطولتان اللتان لم يحصل عليهما بوفون، لكن الحارس الإيطالي حصل على ثمانية بطولات للدوري المحلي مقابل خمسة لكاسياس. لا يتعين عليك أن تختار الأفضل من بينهما، لكن يجب عليك أن تعتبر نفسك محظوظا لأنك عشت في هذه الحقبة التي لعب خلالها الحارسان العملاقان بكل مهارة وحماس وذكاء والتزام وساعدا على إعادة تعريف فن حراسة المرمى في عالم كرة القدم.
وهكذا بالدموع والأسى بعد الفشل في بلوغ نهائيات مونديال 2018، ودع بوفون مرحلة زاخرة مع المنتخب الإيطالي، جعلت منه أحد أفضل حراس المرمى في التاريخ. وبدلا من أن تنتهي المسيرة تحت أضواء الملاعب الروسية المضيفة لمونديال 2018، وجد بوفون نفسه يكفكف دموعه بعد التعادل السلبي لمنتخب بلاده أمام ضيفه السويدي.
وقال بوفون وهو شبه منهار لقناة «راي» الإيطالية: «لا أشعر بالأسى تجاه نفسي بل تجاه الكرة الإيطالية. لقد فشلنا في أمر يعني الكثير على الصعيد الاجتماعي». وأضاف: «أنا واثق من وجود مستقبل لكرة القدم الإيطالية لأننا شعب يملك كبرياء وتصميما وبعد السقوط نجد دائما وسيلة للنهوض».
والمفارقة أن مسيرة بوفون مع المنتخب الإيطالي بدأت كما انتهت: في ملحق مؤهل إلى نهائيات كأس العالم. تحت ثلوج العاصمة الروسية موسكو عام 1997، تعرض الحارس السابق للمنتخب جانلوكا باليوكا للإصابة، ودفع مدرب المنتخب في حينها تشيزاري مالديني، باليافع بوفون. سأل مالديني بوفون: «هل تشعر بأنك قادر على الحلول بديلا؟»، ولم يخيب الحارس الشاب الآمال: لعب، وكان جيدا، كما هو الحال في كل مرة تقريبا وقف بين الخشبات الثلاث.
منذ ذلك العام، لم يغب بوفون عن المنتخب: بداية كحارس احتياطي، ولاحقا كحارس أساسي، وحامل شارة القيادة في ختام مسيرته. مع يوفنتوس، كان بوفون صمام الأمان خلف الدفاع، وساهم في ثمانية ألقاب أحرزها فريق «السيدة العجوز» في الدوري الإيطالي. ومع المنتخب، شكل مفتاحا أساسيا في إحراز لقب كأس العالم 2006، إذ تلقى مرماه هدفين فقط في سبع مباريات، وهو رقم قياسي يتشاركه مع الحارسين السابقين الإسباني إيكر كاسياس والفرنسي فابيان بارتيز.
إلا أن بوفون ينفرد عن أقرانه بكونه حارس المرمى الوحيد الذي أحرز جائزة أفضل لاعب التي يمنحها الاتحاد الأوروبي للعبة (2003).
وفي مباراته الدولية الأخيرة، ستبقى الدموع الذكرى المحفورة عن بوفون، إضافة إلى تقدمه إلى منطقة الجزاء السويدية خلال ركلتين ركنيتين لمنتخب بلاده في المراحل الأخيرة من المباراة. كما ستبقى عالقة في الذاكرة طريقته في أداء النشيد الوطني: مغمض العينين وممسكا بقوة بكتف زميله في المنتخب الواقف إلى جانبه، أيا يكن.
بدأ بوفون الذي يتحدر من عائلة رياضة (والدته كانت رامية للقرص، ووالده رافعا للأثقال) مسيرته مع نادي بارما، وأحرز معه كأس إيطاليا والكأس السوبر الإيطالية وكأس الاتحاد الأوروبي، قبل الانضمام إلى يوفنتوس عام 2001 في صفقة قدرت بنحو 51 مليون يورو. أحرز مع «السيدة العجوز» الألقاب المحلية، إلا أنه افتقد اللقب القاري الأغلى: دوري أبطال أوروبا الذي بلغ مباراته النهائية مرتين في المواسم الثلاثة الماضية، دون أن يتمكن من إحراز اللقب.


مقالات ذات صلة

مطالبات لأندية «البريميرليغ» بدفع رسوم سنوية لتغطية نفقاتها

رياضة عالمية مطالبات لأندية «البريميرليغ» بدفع رسوم سنوية لتغطية نفقات الهيئة التنظيمية المستقلة (إ.ب.أ)

مطالبات لأندية «البريميرليغ» بدفع رسوم سنوية لتغطية نفقاتها

نشرت الهيئة التنظيمية المستقلة التي أنشأتها الحكومة البريطانية العام الماضي لوضع معايير الحوكمة في كرة القدم الإنجليزية، مقترحاً يوضح خطتها للتمويل الذاتي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الإيطالي روبرتو دي زيربي المدير الفني لفريق توتنهام (رويترز)

دي زيربي: سجلنا السيئ أمام تشيلسي لا يُقلقنا

قال الإيطالي روبرتو دي زيربي، المدير الفني لفريق توتنهام، إن السجل السلبي لفريقه في مواجهة تشيلسي على ملعبه سيكون بمثابة حافز إضافي للاعبيه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية الكرواتي نيكو كوفاتش مدرب بوروسيا دورتموند (أ.ف.ب)

كوفاتش: لا مكان للعواطف أمام فرانكفورت!

قال الكرواتي نيكو كوفاتش، مدرب بوروسيا دورتموند، إنه لن يسمح لأي مشاعر عاطفية بالتأثير عليه خلال مواجهة السبت ضد فريقه السابق آينتراخت فرانكفورت.

«الشرق الأوسط» (دورتموند)
رياضة عالمية مايكل كاريك مدرب مانشستر يونايتد (رويترز)

كاريك يثق في قدرته على تغيير وضع يونايتد

دافع مايكل كاريك، مدرب مانشستر يونايتد المنافس في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، بشدة عن قيادته، الجمعة، وأقرّ بمسؤوليته عن تدهور أداء النادي.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
رياضة عالمية فينسن كومباني مدرب بايرن ميونيخ (أ.ف.ب)

نقل كومباني مدرب «بايرن» إلى المستشفى

ذكرت وسائل إعلام ألمانية، الجمعة، أن فينسن كومباني، مدرب بايرن ميونيخ، نُقل إلى المستشفى بعد أن شعر بتوعُّك أثناء التدريب.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.