خوان سانتوس لـ «الشرق الأوسط»: لا عصا سحرية لأزمة فنزويلا التي تجلب لنا المشكلات

الرئيس الكولومبي دعا رجال الأعمال السعوديين إلى الاستثمار في بلاده

الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس (أ.ف.ب)
الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس (أ.ف.ب)
TT

خوان سانتوس لـ «الشرق الأوسط»: لا عصا سحرية لأزمة فنزويلا التي تجلب لنا المشكلات

الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس (أ.ف.ب)
الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس (أ.ف.ب)

يقوم الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس الحائز على جائزة نوبل للسلام بعد توقعيه اتفاق السلام مع حركة «فارك» المتمردة في بلاده، بجولة دولية تشمل منطقة الشرق الأوسط وبريطانيا والبرتغال. وأثناء زيارته للندن، تحدث الرئيس سانتوس إلى «الشرق الأوسط» عن اتفاق السلام الكولومبي والتحديات التي تواجه بلاده وسط الأزمة الفنزويلية، إضافة إلى نظرته للعالم العربي الذي يرى أنه عالم واعد للاستثمارات مع بلاده ودول أميركا اللاتينية. كما دعا العالم العربي إلى الإسهام في مرحلة ما بعد الصراع في بلاده واكتشاف الفرص الاقتصادية فيها. وفي هذا الإطار، دعا سانتوس المستثمرين السعوديين والعرب إلى الاستثمار في بلاده والاستفادة من تحالف المحيط الهادي الذي تعد كولومبيا عضواً فيه واستغلال الموارد الطبيعية الهائلة لدوله.
ووصل سانتوس بصحبة وفد تجاري ودبلوماسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك لتوقيع عدد من الاتفاقات. ويُتوقع أن تسهم الإمارات بنحو 45 مليون دولار للمساعدة في إحلال السلام في كولومبيا.
وفيما يأتي نص المقابلة:
- ما رصيدك السياسي الحالي بعد عام من توقيع اتفاق السلام مع «فارك»؟
- بعد عام من توقيع الاتفاق وتدمير آخر قطعة سلاح في أيدي التمرد واستخدام هذا السلاح لإقامة نصب تذكاري ليعبّر عن السلام، هذا أهم شيء لديّ. يعيش العالم الآن أوضاعاً استثنائية، وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن أهم خبر لديه كان توقيع كولومبيا على اتفاق السلام وإنهاء صراع دموي. سيحتاج تطبيق السلام إلى بعض الوقت، ولكن المهم أن يُطبّق في قلوب الكولومبيين، وأن ينشر روح التسامح في مجتمع عاش أكثر من 50 عاماً في الصراع. وأعتقد أن ذلك سيأخذ وقتاً ليمر في الطريق الصحيحة.
- ما الدروس المستفادة من جنوح كولومبيا إلى طريق السلام؟
- كل صراع في العالم له طبيعته الخاصة وأحب أن أؤكد أنه لا صراع دون حل، خصوصاً إذا وجدت العزيمة. الناس في بلادي لم يكونوا ليتوقعوا يوماً ينتهي فيه الصراع المسلح. لقد استطعنا تحقيق المستحيل، إلا أن تهيئة الأجواء قبل الحل كانت ضرورية لضمان النجاح. وأؤكد أن حل أي صراع يبدأ من إضفاء الصيغة الشرعية على عملية السلام، وهذه الشرعية تأتي في إطار الإقليم المحيط والضحايا، لأن كل صراع له أشكاله وخصائصه.
- كحائز على جائزة نوبل للسلام، بم تنصح العالم العربي؟
- لست بصدد إعطاء دروس لأحد، ولكن ما أستطيع قوله إن خبرتنا تقول إن كل صراع له وضعه المختلف، ولكن الأهم هو شرعنة أي عملية للسلام، لا بين أطراف النزاع فقط، ولكن أيضاً عبر المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية، لأن أي صراع في العالم الآن يؤثر على أي إقليم يقع فيه الصراع. ولذلك فإن إشراك الإقليم شيء مهم (في الحل). كما أن وجود النظرة المستقبلية لحل أي صراع يجب أن يؤخذ في الحسبان. وأضيف أن أي حل لصراع يجب أن يكون بموافقة أطرافه، ونحن كأشخاص لسنا كاملين ولسنا دائماً على صواب، لكننا نستطيع أن نفعل الصواب وننهي الحروب.
- لماذا تعتقد أن إحلال السلام شيء ضروري؟
- الحرب دائماً مكلفة والسلام ضروري حتى وإن لم يكن كاملاً. الحرب تكلّف كثيراً، فالحرب في كولومبيا أنستنا الخصال الحميدة؛ الإنسانية والعفو والإحساس بآلام الآخر، حتى أن وسائل الإعلام في بلادنا أصبحت لا تشعر بحجم الأسى لمجرد أنها كل يوم كانت تنقل أخبار الصراع الوحشي الذي كنا نعيشه بشكل يومي، فذلك يدمر الشعوب ويفكك النسيج الأخلاقي في المجتمعات. ولذلك فالحرب مكلفة، وأقول إن سلاماً وإن كان غير كامل أفضل من الحرب.
- ما الذي يجب ألا يتناساه أي زعيم يُقبل على السلام؟
- كنت ضابطاً في البحرية الكولومبية وعلمني قادتي الإبحار، ولكي أكون بحاراً ناجحاً يجب أن أعرف طريقي جيداً، وكيف أرسو إلى المرفأ قبل أن أُبحر. هذا ما طبقته في عملية السلام: تحديد الهدف قبل أن أبدأ الحل، وكان يجب أن أعرف أنه ستكون هناك عقبات في طريقي واعتراضات، فهناك من يريد استمرار النزاع والحروب لتحقيق المصالح الشخصية، ولكن كان علي ألا أفقد الطريق، وأن أعرف هدفي للوصول إلى السلام. وهذه هي رسالتي لأي زعيم يريد السلام.
- بعد توقيع السلام مع حركة «فارك» ونزع السلاح، ما رأيك في زعيم الحركة تيموشينكو إذا أصبح مرشحاً لرئاسة كولومبيا العام المقبل؟
- لقد حاربت زعيم «فارك» تيموشينكو وتغلبت عليه في الميدان وانتصرت عليه، وعندما قابلته في كوبا حاربت معه من أجل السلام. لا أتوقع فوزه في الانتخابات المقبلة كما أني لا أشارك آراءه القديمة التقليدية، ولكني وقّعت معه اتفاق سلام يضمن له حقوقه في خوض العمل السياسي في إطار الديمقراطية.
- هل سيذهب زعيم «فارك» إلى المحاكمة قبيل ترشحه في الانتخابات المقبلة؟
- سيكون تيموشينكو قيد تطبيق ما يسمى العدالة الانتقالية، لأنه لن يكون تحت طائلة القانون التقليدي، وذلك لأن اتفاق السلام كان فريداً من نوعه، وبالتالي سيحاسب زعيم التمرد داخل هذا الإطار، وفي الوقت ذاته سيمارس العمل السياسي. هذا شيء فريد من نوعه. فلأول مرة تخضع حركة متمردة لمقررات روما وتسلّم السلاح وتقبل أن تُحاسب، وبالتالي كان علينا اتباع أساليب تحفيزية لانخراطهم في العمل السياسي.
- هل ستحمي الدولة عناصر «فارك» أثناء العمل السياسي؟
- بالطبع فهذا في إطار مسؤوليتنا وهو شيء فريد من نوعه، فرجال الشرطة والجيش سيحمون من كانوا يحاربونهم في يوم من الأيام، وهذا بناء على طلبهم، وهو شيء لم يسبق من قبل.
- هل من الممكن حدوث تغييرات في اتفاق السلام من قبل من يفوز برئاسة كولومبيا بعدك؟
- بالطبع لا، فالاتفاق تم تمريره عبر الكونغرس الكولومبي والمحكمة الدستورية وأقرت المحكمة عدم تغيير أي شيء خلال الحكومات الثلاث المقبلة.
- ستكون أول رئيس كولومبي يقوم بزيارة رسمية لمنطقة الشرق الأوسط، فما هدفك؟
- نحن نريد توطيد العلاقات مع الشرق الأوسط وبلدان العالم العربي، وخصوصاً من يملكون المقومات لذلك ومن يلعبون أدواراً إقليمية مهمة ولديهم دبلوماسية نحتاجها. هناك موارد نحتاجها من العالم العربي وكذلك لدينا كثير من الأشياء التي يحتاجها العالم العربي. هناك فرص الاستثمار في أميركا اللاتينية وكولومبيا وتحالف المحيط الهادي الذي يعتبر قوة إقليمية مستقبلية، كما أن لدينا الطاقة والغذاء، لأن بلادنا تحقق أعلى معدلات تنمية، وأعتقد أن ذلك يعتبر شيئاً مهماً للمستثمر العربي.
- لماذا كولومبيا دون البلدان الأخرى في أميركا اللاتينية؟
- كولومبيا تتمتع باستقرار عالٍ وتحقق معدلات نمو غير مسبوقة، كما أن التنوع فيها يعتبر الأكبر في العالم، لأن لدينا القدرات والبنية التحتية التي تشجع أي مستثمر وتحفزه، ولذلك تلقت كولومبيا دون البلدان اللاتينية الأخرى أكبر كم من الاستثمارات الأجنبية بمعدل 7.5 في المائة.
- هل تدعو المستثمرين السعوديين لاستغلال الفرص التجارية في بلادكم؟
- أدعو المستثمرين السعوديين لبلادنا، وأقول لهم وللعرب إن كولومبيا لديها مقومات الاستثمار على المدى البعيد، فلدينا الموارد الطبيعية والطاقة والبترول والغاز والطاقة المائية. فنحن ننمو في قطاع الطاقة بشكل كبير وخصوصاً الطاقة البديلة، ولدينا أيادٍ عاملة تعد من الأفضل في العالم، ولدينا طبقة عريضة من الشباب، كما أن السوق الكولومبية مهمة تحتوي على 50 مليون مواطن، إضافة إلى كوننا عضواً في تحالف المحيط الهادي المكون من 4 بلدان (كولومبيا وتشيلي وبيرو والمكسيك)، فمن يستثمر في بلدنا يتمتع بأسواق الدول الثلاث الأخرى في التحالف، وبالتالي سأقوم في دولة الإمارات العربية المتحدة، خلال زيارتي، بتوقيع عدد من الاتفاقات لحماية الاستثمارات والمعاهدات الجمركية لكي تصبح بلادنا مشجعة على الاستثمار.
- قلت إن فنزويلا كابوس بالنسبة لك، ماذا يمكن فعله لهذا البلد؟
- أتمنى لو كانت لدي عصا سحرية لحل مشكلة فنزويلا الجارة. الوضع هناك معقد للغاية، ويقلقني كثيراً، فلدينا حدود تقدر بأكثر من ألفي كيلومتر، كما أن المواطنين الفنزويليين يهربون إلى كولومبيا للبحث عن حياة أفضل. أتمنى لو كان هناك حل سلمي في فنزويلا من أجل استرداد الشرعية والديمقراطية التي دمّرها النظام الحالي هناك، وكلما حدث ذلك بشكل أسرع كان أفضل، وسأضغط حتى يتحقق السلام في الإقليم. أعتقد أن استقرار الإقليم مهم، فكولومبيا مرهونة بفنزويلا والصراع الفنزويلي يؤثر على الإقليم بأكمله.
- لقد أوشكت ولايتك الرئاسية على الانتهاء فماذا تخطط للعمل؟ هناك أخبار عن أنك ستنتقل للعيش في لندن.
- لقد قالوا إنني اشتريت بيتاً في لندن، وأقول لهم من يكتشف هذا البيت سأعطيه هدية له. أحب لندن كثيراً ولكن ليست لدي خطط للعيش خارج كولومبيا. سأعيش في بلادي مع عائلتي وسأمتهن التدريس دون أن أكون مصدر قلق للرئيس المقبل. وبالطبع إذا سمح لي من يخلفني بذلك، لا أريد أن أتسبب في المشكلات لأحد كما لن أتدخل في الحكومة المقبلة.
- هل ستكتب مذكراتك؟
- بالطبع. لقد عملت في مجال الصحافة وأحب الكتابة جداً وجزء من اهتماماتي فن الكتابة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...