ريتشارد كيمب: إيران أكبر تهديد للسلام العالمي... والحوثيون يستخدمون المدنيين دروعاً

الرئيس السابق لفريق مكافحة الإرهاب في رئاسة الحكومة البريطانية : محمد بن سلمان قائد قوي وشجاع... وبلا إصلاحاته سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية

الكولونيل ريتشارد كيمب
الكولونيل ريتشارد كيمب
TT

ريتشارد كيمب: إيران أكبر تهديد للسلام العالمي... والحوثيون يستخدمون المدنيين دروعاً

الكولونيل ريتشارد كيمب
الكولونيل ريتشارد كيمب

اعتبر الكولونيل ريتشارد كيمب، وهو مسؤول بريطاني رفيع خدم سابقاً في أجهزة عسكرية وأمنية، أن إيران تشكّل «أكبر تهديد أمام السلام العالمي اليوم»، ودعا إلى دعم التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية من أجل دعم الشرعية في اليمن، قائلاً إنه «يجب ألا نسمح، ببساطة، لإرهابيين توجههم إيران أو غيرها بالاستحواذ على الدولة في اليمن». وأشاد كيمب، في حوار مع «الشرق الأوسط» والشقيقة مجلة «المجلة»، بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وبرنامجه الإصلاحي، محذّراً من أنه من دون هذه الإصلاحات «سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية شديدة».
قاد الكولونيل كيمب القوات البريطانية على الجبهة الأمامية في بعض من أكثر النقاط المشتعلة في العالم، ومنها أفغانستان والعراق والبلقان وآيرلندا الشمالية. وفي عام 2003، أُرسل إلى كابُل لقيادة قوات بلاده هناك. وهو قضى الأعوام الخمسة الأخيرة في عمله في داوننغ ستريت في رئاسة فريق مكافحة الإرهاب العالمي في لجنة الاستخبارات المشتركة. كما كان عضواً في «كوبرا»، وهي لجنة رفيعة المستوى لإدارة الأزمات في الحكومة البريطانية، وترأَس مجموعة الاستخبارات في «كوبرا»، وهي المسؤولة عن تنسيق عمل أجهزة الاستخبارات الوطنية في يوليو (تموز) 2005، وهي الفترة التي شهدت تفجيرات لندن واعتداءات مدريد وبالي.
وفيما يأتي مقتطفات من الحوار:
- كيف تقيّمون جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مكافحة الفساد وبرامجه الإصلاحية؟
- ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قائد قوي وشجاع يمتلك أجندة تحديث واسعة النطاق. ورغم أن برنامجه لحكم الدولة وإصلاحها يحمل مخاطر كبيرة، كما يعترف هو بذلك، تحتاج السعودية إلى هذا الأمر في الوقت الحالي. ستكون العملية صعبة على الدولة، وستتطلب من مواطنيها الانفتاح على التغيير. ولكن من دون الإصلاحات التي يخطط لها سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية شديدة.
وتُعد إجراءات مكافحة الفساد التي يتخذها ولي العهد ضرورية للغاية وقد تكون متأخرة. وستكون مهمة من أجل إعادة تركيز الاقتصاد، وهو أمر لازم في ظل تراجع عائدات النفط. ويبدو أن ولي العهد، محمد بن سلمان، يرغب في إعادة البلاد إلى موقف أكثر اعتدالاً، وذلك يشمل الدور الذي يؤديه الدين الوسطي. ويتصل به قرارات السماح للمرأة بالقيادة والمشاركة في الفعاليات الرياضية.
وبالإضافة إلى مواجهة عدوان إيران التوسعي في أنحاء المنطقة، وخاصة في اليمن، يتفهم ولي العهد أيضاً الحاجة إلى مواجهة التطرف السنّي بصرامة. ومرة أخرى يحمل ذلك مخاطر، ولكنه ضروري من أجل استقرار المملكة في المستقبل.
- كيف تستطيع السعودية وأطراف أخرى في المنطقة فعل المزيد لمساعدة بريطانيا في مكافحة الإرهاب؟
- أعتقد أنه في الإمكان فعل المزيد. التعاون بين بريطانيا والسعوديين بالغ الأهمية. ويجب أن نساعد السعودية حيثما استطعنا في المشاكل التي تواجهها في التعامل مع التطرف. وأرى أن السعودية يجب أن تفعل كل ما في وسعها لمساعدتنا أيضاً. لدينا مصالح مشتركة. ومن خلال خبرتي، هناك علاقات استخباراتية جيدة بين السعودية وبريطانيا. قدمت السعودية لبريطانيا معلومات استخباراتية ساعدت - بحسب معلوماتي الشخصية - على منع وقوع هجمات إرهابية في بلادنا... كما تملك السعودية سجلاً إيجابياً من البرامج التي تكافح التطرف، وأعلم أن بريطانيا استفادت من تلك البرامج وأرسلت أشخاصاً لزيارة مراكز مكافحة التطرف في السعودية.
- تطالب بريطانيا بمساعدة السعودية في التحالف الذي تقوده لدعم حكومة اليمن الشرعية ضد التمرد الحوثي المدعوم من إيران. هل يمكن أن تخبرنا عن رأيك في هذه القضية؟
- تمتد خبرتي مع السعودية إلى عام 1977 عندما انضممت إلى الجيش في ساندهيرست. كان هناك ضباط في الجيش السعودي يتدربون معنا، وتواصلت مع الجيش السعودي على مدار الأعوام منذ ذلك الحين... من المرفوض أن يصدر الناس تنديداً بالسعودية بسبب ما تفعله في اليمن. عندما تجد أمثال جماعات حقوق الإنسان يخرجون ويقولون بجرأة ووضوح إن السعودية ترتكب جرائم حرب في اليمن، تعرف أنه لا يوجد أساس لما يقولونه. لم يجروا أي تحقيقات تسمح لهم بذلك القول. وأعتقد أن من المهم للغاية أن يتحدث العسكريون الغربيون الذين يستوعبون الوضع بالفعل، كما أفعل أنا، ليس بالضرورة للدفاع عن السعودية، ولكن لتوضيح وجهة النظر بأنه إذا قال حقوقيون أو منظمات مجتمع مدني إن السعودية ترتكب جرائم حرب، لا يعني ذلك أنها تفعل.
الأمر الثاني الذي أوضحه هو أنني أرى أن إيران قد تكون أكبر تهديد أمام السلام العالمي اليوم. ليس فقط على الشرق الأوسط، ولكن على العالم كله... في رأيي، لا شك على الإطلاق في أن إيران تؤدي دوراً خطيراً في حرب اليمن خاصة في ظل الأسلحة الفعّالة التي لم تكن لتصل إلى هناك من دونها، وأنها أيضاً تقدم المشورة والمساعدة والدعم والتوجيه للحوثيين. ويجب ألا نسمح ببساطة لإرهابيين توجههم إيران أو غيرها بالاستحواذ على الدولة في اليمن.
وفيما يتعلق بدعم بريطانيا في حرب اليمن، أعتقد أننا نقدم أسلحة متطورة إلى السعودية ويجب أن نستمر في ذلك... لقد وقع كثير من المدنيين قتلى، ويرجع السبب الأول والأهم في ذلك إلى رغبة الحوثيين في استخدام دروع بشرية بالطريقة ذاتها التي يتبعها تنظيم «القاعدة» وغيره من التنظيمات الأخرى في العراق وأفغانستان حتى يؤدي الأمر إلى قتل مدنييهم بالاختباء بين السكان المدنيين ووضع أسلحتهم وسط المناطق السكنية لجعل السعودية تقتلهم.
- هل يمكن شرح سبب معارضتك للاتفاق النووي الإيراني؟
- أرى أن المشكلة في الاتفاق النووي مع إيران هي أنه يمنحها جواز سفر لتصبح قوة نووية، وهي مجموعة مماثلة من الظروف التي أدت بكوريا الشمالية إلى الوضع الذي هي عليه اليوم، وبالطبع نحن نعلم أن كوريا الشمالية وإيران تتعاونان عندما يتعلق الأمر بالمسائل النووية. وأعتقد أن حيازة كوريا الشمالية للأسلحة النووية أمر مقلق ولكنها في الغالب تحت سيطرة الصين، ولكن الآيديولوجيا المتعصبة في القيادة الإيرانية أبعد من أن تتقيد بأي شيء.
والعناصر الأخرى في الاتفاق النووي هي الأصول المجمدة التي تم ردّها إلى إيران، مما مكنها من دعم الحوثيين. وأنا لا أقول إنهم ما كانوا ليتمكنوا من ذلك لولا استردادهم لتلك الأصول، ولكن هذه الأصول سهلت استمرارهم في دعم النظام السوري وعملياتهم في العراق والتوسع العام في المنطقة.
وأرى أن عدم تصديق (الرئيس دونالد) ترمب على الاتفاق النووي هو الصواب، وأن عليه إيجاد وسيلة إما لإلغاء الصفقة تماماً وإما لتغييرها بحيث لا تصبح خطيرة بالقدر الذي هي عليه اليوم.
- هناك تقارير عن دعم إيران حركة «طالبان» في أفغانستان. فما رأيك في هذا التحالف بين الطرفين؟
- دائماً ما كان دور إيران مثيراً لشك بالغ. عندما ذهب الأميركيون إلى أفغانستان في البداية، ذهب عدد كبير من عناصر تنظيم «القاعدة» إلى إيران، ومنها قيادة التنظيم وأفراد عائلة أسامة بن لادن. وعلى حد علمي، لا يزال بعض منهم هناك، وهم ليسوا ممنوعين من النشاط، وعلى الرغم من توجيه طلبات أميركية إلى إيران لم يتم ترحيلهم. وقد شهدنا في الماضي أدلة على تعاون بين إيران و«القاعدة». ولقد رأينا كيف تُستخدم إيران منذ أعوام كثيرة وحتى الآن كقاعدة تعمل منها «طالبان» إلى داخل أفغانستان. إن إيران قائمة في الأساس على كراهية الولايات المتحدة، وذلك أحد أهم الدوافع الأساسية للنظام الحالي في إيران. ولا بد أنهم سيبذلون ما في وسعهم لإيذاء الأميركيين أينما يكونوا، وسوف يواصلون ذلك في أفغانستان إن استطاعوا.
- تشعر الحكومة الأفغانية بالقلق من أن وجود مكتب رسمي لـ«طالبان» في قطر يعطي الحركة شرعية سياسية. ما رأيك في الأزمة السياسية المحيطة بقطر المتهمة من الدول العربية المجاورة بأنها تدعم الإرهاب؟
- أعتقد أن قطر أدت دوراً مخادعاً للغاية في كل ذلك. إنها تملك منذ فترة طويلة سياسة الرغبة في وضع قدمها في كل معسكر. لديهم قاعدة أميركية كبيرة هناك، ويرغبون في أن يكونوا أصدقاء للأميركيين، ولكن في الوقت ذاته، يدعمون أشخاصاً يهاجمون الأميركيين. من الصعب للغاية توقع كيف سيتطور ذلك، ولكن يشجعني أن أجد دولاً مثل السعودية وغيرها من بلدان الخليج يرغبون في إيقاف سلوك قطر. لقد رأيت بعض الدلائل على أنهم يدركون أنه سيكون عليهم تغيير وجهتهم قليلاً. إذا فعلوا ذلك سيكون جيداً، وإن لم يفعلوا فمن يدري إلى أين سينتهي الأمر.
- صرح مدير جهاز الأمن البريطاني، أندرو باركر، بأن بريطانيا تواجه «أسوأ تهديد إرهابي أراه منذ 34 عاماً»، وتوقع أن إضعاف «داعش» في سوريا والعراق سيزيد هذا التهديد. فما رأيك في تصريحات باركر؟
- أعرف باركر، وهو شخص عالي الكفاءة ويتسم بالهدوء والعقلانية. تلك ليست مبالغة أو حالة هلع. إذا صرح بذلك، فهو لأنه أجرى تقييماً هادئاً ورزيناً للوضع، وأنا متأكد من أنه على صواب. ولا أفضل تشبيه الإرهابيين بالجنود، ولكن يمكن استفادة بعض الدروس من بعض التشبيهات. إذا خاض جندي معركة يصبح ذا إمكانات أكبر. وبمجرد أن يقاتل الجنود يكتسبون ثقة وقدرة على القتال مرة أخرى. والأمر مشابه في حالة الإرهابيين. لقد تلطخت أيادي الذين ذهبوا إلى العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها من الدول بالدماء. ورأوا الموت والدمار، وتلقوا تدريباً وتسليحاً، وصدرت لهم توجيهات بالعودة والهجوم. وهم أخطر الأشخاص.
- وما رأيك في جماعة «الإخوان المسلمين»؟
- «الإخوان المسلمون» مصدر عدم استقرار هائل، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في مناطق أخرى أيضاً، من بينها بريطانيا. ويثير دورهم في تسهيل تطرف المسلمين ودعمهم له بطرق كثيرة هنا قلقاً بالغاً. يجب أن يتم إعلانهم منظمة إرهابية. وأعلم أن الحكومة البريطانية أجرت تحقيقاً بشأنهم ووصلت إلى الإجابة الخاطئة في رأيي. أعتقد أن ذلك كان له علاقة بالإرضاء أكثر من كونه اتخاذ قرار يعلمون أنه صحيح. وفيما يخص هنا، لدى الحكومة البريطانية مشكلة صعبة الحل، نظراً لأن لدينا مشكلة تطرف متزايدة، منها ذلك الذي يصدر عن الإخوان المسلمين. هم في رأيي تنظيم يجب القضاء عليه عندما يعمل في الغرب، ويجب على أصدقائنا وحلفائنا فعل الأمر ذاته.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.