ريتشارد كيمب: إيران أكبر تهديد للسلام العالمي... والحوثيون يستخدمون المدنيين دروعاً

الرئيس السابق لفريق مكافحة الإرهاب في رئاسة الحكومة البريطانية : محمد بن سلمان قائد قوي وشجاع... وبلا إصلاحاته سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية

الكولونيل ريتشارد كيمب
الكولونيل ريتشارد كيمب
TT

ريتشارد كيمب: إيران أكبر تهديد للسلام العالمي... والحوثيون يستخدمون المدنيين دروعاً

الكولونيل ريتشارد كيمب
الكولونيل ريتشارد كيمب

اعتبر الكولونيل ريتشارد كيمب، وهو مسؤول بريطاني رفيع خدم سابقاً في أجهزة عسكرية وأمنية، أن إيران تشكّل «أكبر تهديد أمام السلام العالمي اليوم»، ودعا إلى دعم التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية من أجل دعم الشرعية في اليمن، قائلاً إنه «يجب ألا نسمح، ببساطة، لإرهابيين توجههم إيران أو غيرها بالاستحواذ على الدولة في اليمن». وأشاد كيمب، في حوار مع «الشرق الأوسط» والشقيقة مجلة «المجلة»، بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وبرنامجه الإصلاحي، محذّراً من أنه من دون هذه الإصلاحات «سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية شديدة».
قاد الكولونيل كيمب القوات البريطانية على الجبهة الأمامية في بعض من أكثر النقاط المشتعلة في العالم، ومنها أفغانستان والعراق والبلقان وآيرلندا الشمالية. وفي عام 2003، أُرسل إلى كابُل لقيادة قوات بلاده هناك. وهو قضى الأعوام الخمسة الأخيرة في عمله في داوننغ ستريت في رئاسة فريق مكافحة الإرهاب العالمي في لجنة الاستخبارات المشتركة. كما كان عضواً في «كوبرا»، وهي لجنة رفيعة المستوى لإدارة الأزمات في الحكومة البريطانية، وترأَس مجموعة الاستخبارات في «كوبرا»، وهي المسؤولة عن تنسيق عمل أجهزة الاستخبارات الوطنية في يوليو (تموز) 2005، وهي الفترة التي شهدت تفجيرات لندن واعتداءات مدريد وبالي.
وفيما يأتي مقتطفات من الحوار:
- كيف تقيّمون جهود ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مكافحة الفساد وبرامجه الإصلاحية؟
- ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قائد قوي وشجاع يمتلك أجندة تحديث واسعة النطاق. ورغم أن برنامجه لحكم الدولة وإصلاحها يحمل مخاطر كبيرة، كما يعترف هو بذلك، تحتاج السعودية إلى هذا الأمر في الوقت الحالي. ستكون العملية صعبة على الدولة، وستتطلب من مواطنيها الانفتاح على التغيير. ولكن من دون الإصلاحات التي يخطط لها سينزلق السعوديون إلى صعوبات اقتصادية واجتماعية شديدة.
وتُعد إجراءات مكافحة الفساد التي يتخذها ولي العهد ضرورية للغاية وقد تكون متأخرة. وستكون مهمة من أجل إعادة تركيز الاقتصاد، وهو أمر لازم في ظل تراجع عائدات النفط. ويبدو أن ولي العهد، محمد بن سلمان، يرغب في إعادة البلاد إلى موقف أكثر اعتدالاً، وذلك يشمل الدور الذي يؤديه الدين الوسطي. ويتصل به قرارات السماح للمرأة بالقيادة والمشاركة في الفعاليات الرياضية.
وبالإضافة إلى مواجهة عدوان إيران التوسعي في أنحاء المنطقة، وخاصة في اليمن، يتفهم ولي العهد أيضاً الحاجة إلى مواجهة التطرف السنّي بصرامة. ومرة أخرى يحمل ذلك مخاطر، ولكنه ضروري من أجل استقرار المملكة في المستقبل.
- كيف تستطيع السعودية وأطراف أخرى في المنطقة فعل المزيد لمساعدة بريطانيا في مكافحة الإرهاب؟
- أعتقد أنه في الإمكان فعل المزيد. التعاون بين بريطانيا والسعوديين بالغ الأهمية. ويجب أن نساعد السعودية حيثما استطعنا في المشاكل التي تواجهها في التعامل مع التطرف. وأرى أن السعودية يجب أن تفعل كل ما في وسعها لمساعدتنا أيضاً. لدينا مصالح مشتركة. ومن خلال خبرتي، هناك علاقات استخباراتية جيدة بين السعودية وبريطانيا. قدمت السعودية لبريطانيا معلومات استخباراتية ساعدت - بحسب معلوماتي الشخصية - على منع وقوع هجمات إرهابية في بلادنا... كما تملك السعودية سجلاً إيجابياً من البرامج التي تكافح التطرف، وأعلم أن بريطانيا استفادت من تلك البرامج وأرسلت أشخاصاً لزيارة مراكز مكافحة التطرف في السعودية.
- تطالب بريطانيا بمساعدة السعودية في التحالف الذي تقوده لدعم حكومة اليمن الشرعية ضد التمرد الحوثي المدعوم من إيران. هل يمكن أن تخبرنا عن رأيك في هذه القضية؟
- تمتد خبرتي مع السعودية إلى عام 1977 عندما انضممت إلى الجيش في ساندهيرست. كان هناك ضباط في الجيش السعودي يتدربون معنا، وتواصلت مع الجيش السعودي على مدار الأعوام منذ ذلك الحين... من المرفوض أن يصدر الناس تنديداً بالسعودية بسبب ما تفعله في اليمن. عندما تجد أمثال جماعات حقوق الإنسان يخرجون ويقولون بجرأة ووضوح إن السعودية ترتكب جرائم حرب في اليمن، تعرف أنه لا يوجد أساس لما يقولونه. لم يجروا أي تحقيقات تسمح لهم بذلك القول. وأعتقد أن من المهم للغاية أن يتحدث العسكريون الغربيون الذين يستوعبون الوضع بالفعل، كما أفعل أنا، ليس بالضرورة للدفاع عن السعودية، ولكن لتوضيح وجهة النظر بأنه إذا قال حقوقيون أو منظمات مجتمع مدني إن السعودية ترتكب جرائم حرب، لا يعني ذلك أنها تفعل.
الأمر الثاني الذي أوضحه هو أنني أرى أن إيران قد تكون أكبر تهديد أمام السلام العالمي اليوم. ليس فقط على الشرق الأوسط، ولكن على العالم كله... في رأيي، لا شك على الإطلاق في أن إيران تؤدي دوراً خطيراً في حرب اليمن خاصة في ظل الأسلحة الفعّالة التي لم تكن لتصل إلى هناك من دونها، وأنها أيضاً تقدم المشورة والمساعدة والدعم والتوجيه للحوثيين. ويجب ألا نسمح ببساطة لإرهابيين توجههم إيران أو غيرها بالاستحواذ على الدولة في اليمن.
وفيما يتعلق بدعم بريطانيا في حرب اليمن، أعتقد أننا نقدم أسلحة متطورة إلى السعودية ويجب أن نستمر في ذلك... لقد وقع كثير من المدنيين قتلى، ويرجع السبب الأول والأهم في ذلك إلى رغبة الحوثيين في استخدام دروع بشرية بالطريقة ذاتها التي يتبعها تنظيم «القاعدة» وغيره من التنظيمات الأخرى في العراق وأفغانستان حتى يؤدي الأمر إلى قتل مدنييهم بالاختباء بين السكان المدنيين ووضع أسلحتهم وسط المناطق السكنية لجعل السعودية تقتلهم.
- هل يمكن شرح سبب معارضتك للاتفاق النووي الإيراني؟
- أرى أن المشكلة في الاتفاق النووي مع إيران هي أنه يمنحها جواز سفر لتصبح قوة نووية، وهي مجموعة مماثلة من الظروف التي أدت بكوريا الشمالية إلى الوضع الذي هي عليه اليوم، وبالطبع نحن نعلم أن كوريا الشمالية وإيران تتعاونان عندما يتعلق الأمر بالمسائل النووية. وأعتقد أن حيازة كوريا الشمالية للأسلحة النووية أمر مقلق ولكنها في الغالب تحت سيطرة الصين، ولكن الآيديولوجيا المتعصبة في القيادة الإيرانية أبعد من أن تتقيد بأي شيء.
والعناصر الأخرى في الاتفاق النووي هي الأصول المجمدة التي تم ردّها إلى إيران، مما مكنها من دعم الحوثيين. وأنا لا أقول إنهم ما كانوا ليتمكنوا من ذلك لولا استردادهم لتلك الأصول، ولكن هذه الأصول سهلت استمرارهم في دعم النظام السوري وعملياتهم في العراق والتوسع العام في المنطقة.
وأرى أن عدم تصديق (الرئيس دونالد) ترمب على الاتفاق النووي هو الصواب، وأن عليه إيجاد وسيلة إما لإلغاء الصفقة تماماً وإما لتغييرها بحيث لا تصبح خطيرة بالقدر الذي هي عليه اليوم.
- هناك تقارير عن دعم إيران حركة «طالبان» في أفغانستان. فما رأيك في هذا التحالف بين الطرفين؟
- دائماً ما كان دور إيران مثيراً لشك بالغ. عندما ذهب الأميركيون إلى أفغانستان في البداية، ذهب عدد كبير من عناصر تنظيم «القاعدة» إلى إيران، ومنها قيادة التنظيم وأفراد عائلة أسامة بن لادن. وعلى حد علمي، لا يزال بعض منهم هناك، وهم ليسوا ممنوعين من النشاط، وعلى الرغم من توجيه طلبات أميركية إلى إيران لم يتم ترحيلهم. وقد شهدنا في الماضي أدلة على تعاون بين إيران و«القاعدة». ولقد رأينا كيف تُستخدم إيران منذ أعوام كثيرة وحتى الآن كقاعدة تعمل منها «طالبان» إلى داخل أفغانستان. إن إيران قائمة في الأساس على كراهية الولايات المتحدة، وذلك أحد أهم الدوافع الأساسية للنظام الحالي في إيران. ولا بد أنهم سيبذلون ما في وسعهم لإيذاء الأميركيين أينما يكونوا، وسوف يواصلون ذلك في أفغانستان إن استطاعوا.
- تشعر الحكومة الأفغانية بالقلق من أن وجود مكتب رسمي لـ«طالبان» في قطر يعطي الحركة شرعية سياسية. ما رأيك في الأزمة السياسية المحيطة بقطر المتهمة من الدول العربية المجاورة بأنها تدعم الإرهاب؟
- أعتقد أن قطر أدت دوراً مخادعاً للغاية في كل ذلك. إنها تملك منذ فترة طويلة سياسة الرغبة في وضع قدمها في كل معسكر. لديهم قاعدة أميركية كبيرة هناك، ويرغبون في أن يكونوا أصدقاء للأميركيين، ولكن في الوقت ذاته، يدعمون أشخاصاً يهاجمون الأميركيين. من الصعب للغاية توقع كيف سيتطور ذلك، ولكن يشجعني أن أجد دولاً مثل السعودية وغيرها من بلدان الخليج يرغبون في إيقاف سلوك قطر. لقد رأيت بعض الدلائل على أنهم يدركون أنه سيكون عليهم تغيير وجهتهم قليلاً. إذا فعلوا ذلك سيكون جيداً، وإن لم يفعلوا فمن يدري إلى أين سينتهي الأمر.
- صرح مدير جهاز الأمن البريطاني، أندرو باركر، بأن بريطانيا تواجه «أسوأ تهديد إرهابي أراه منذ 34 عاماً»، وتوقع أن إضعاف «داعش» في سوريا والعراق سيزيد هذا التهديد. فما رأيك في تصريحات باركر؟
- أعرف باركر، وهو شخص عالي الكفاءة ويتسم بالهدوء والعقلانية. تلك ليست مبالغة أو حالة هلع. إذا صرح بذلك، فهو لأنه أجرى تقييماً هادئاً ورزيناً للوضع، وأنا متأكد من أنه على صواب. ولا أفضل تشبيه الإرهابيين بالجنود، ولكن يمكن استفادة بعض الدروس من بعض التشبيهات. إذا خاض جندي معركة يصبح ذا إمكانات أكبر. وبمجرد أن يقاتل الجنود يكتسبون ثقة وقدرة على القتال مرة أخرى. والأمر مشابه في حالة الإرهابيين. لقد تلطخت أيادي الذين ذهبوا إلى العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها من الدول بالدماء. ورأوا الموت والدمار، وتلقوا تدريباً وتسليحاً، وصدرت لهم توجيهات بالعودة والهجوم. وهم أخطر الأشخاص.
- وما رأيك في جماعة «الإخوان المسلمين»؟
- «الإخوان المسلمون» مصدر عدم استقرار هائل، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن في مناطق أخرى أيضاً، من بينها بريطانيا. ويثير دورهم في تسهيل تطرف المسلمين ودعمهم له بطرق كثيرة هنا قلقاً بالغاً. يجب أن يتم إعلانهم منظمة إرهابية. وأعلم أن الحكومة البريطانية أجرت تحقيقاً بشأنهم ووصلت إلى الإجابة الخاطئة في رأيي. أعتقد أن ذلك كان له علاقة بالإرضاء أكثر من كونه اتخاذ قرار يعلمون أنه صحيح. وفيما يخص هنا، لدى الحكومة البريطانية مشكلة صعبة الحل، نظراً لأن لدينا مشكلة تطرف متزايدة، منها ذلك الذي يصدر عن الإخوان المسلمين. هم في رأيي تنظيم يجب القضاء عليه عندما يعمل في الغرب، ويجب على أصدقائنا وحلفائنا فعل الأمر ذاته.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...