إبراهيم الحسين: الفضاء الإلكتروني يوفر للشاعر القارئ الذي يريد

كتب في الـ«فيسبوك» خلال سنة واحدة ما يعادل كتابته في ربع قرن

إبراهيم الحسين
إبراهيم الحسين
TT

إبراهيم الحسين: الفضاء الإلكتروني يوفر للشاعر القارئ الذي يريد

إبراهيم الحسين
إبراهيم الحسين

يقول الناقد والشاعر عبد الله السفر عن إبراهيم الحسين إنه «كائن مثالي للعزلة والانقطاع». وهو كذلك فعلا. وأكثر من ذلك، إنه يعشق حياة المتصوفين ويكتب بلغتهم. عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة الـ«فيسبوك»، يمارس كتابة نصوصه الشعرية التي تعبر الحدود، وتخلق له بيئة من محبين تتجاوز ما تجمعه أمامه أي أمسية شعرية يحييها. وخلال سنة، كتب أكثر من 400 نص شعري، وهو ما يعادل ما نشره في خمس مجموعات شعرية على مدى ربع قرن.. صدر كتابه الأخير متضمنا منها 142 نصا، وهي مجموعة: «على حافة لوحة في المنعطف الموسيقي».
قبل هذه المجموعة، أصدر إبراهيم الحسين أربع مجموعات شعرية، يعود تاريخ كتابة النصوص الأولى بها إلى عام 1989. وقد جمعها في إصداره الأول: «خرجت من الأرض الضيقة» (1992)، يليه «خشب يتمسح بالمارة»، ثم «انزلاق كعوبهم»، وأعقبه بـ«رغوة تباغت ريش الأوراق» (2011).
عن هذه التجربة، جاء هذا الحوار الذي أجري معه في الدمام حيث يقيم:
* أصبحت تكتب القصيدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هل تشعر بأن المدونات تمنحك فضاء أكثر حرية فعلا؟
- لنتفق في البدء مع الشاعر الكبير صلاح فائق على أن «في مثل هذه اللقاءات مجالا كبيرا للادعاءات»، التي من السهل انجراف المرء إليها. لكن، ﻻ بأس في أن أقول لك إن هذه النافذة «الفيسبوكية» تعطيني مساحة كبيرة من الحرية؛ من ناحية سرعة النشر، وسرعة تلقي الانطباع ممن يتابعني من خلال بعض التعليقات التي كثيرا ما تفرحني، فنحن نحتاج أحيانا لمن يصفق لنا، نحتاج لمن يمدحنا بين وقت وآخر، نحتاج لمن يدفعنا إذا ساخت أقدامنا في رمل الإحباطات لننطلق مسافة أبعد، ونحتاج لمن يجعلنا نرتفع قليلا لنشعر بجدوى ما نكتب، كما قال سليم بركات في واحد من لقاءاته النادرة.
باختصار، نحتاج إلى قارئ حقيقي. وكلام الشاعر الرائع قاسم حداد حول مثل هذا القارئ في جريدة «الشرق»، قبل وقت قصير، يمكن أن يضيء شيئا مما أردت قوله.
* ماذا تمنحك الكتابة في الوسائط الإلكترونية؟
- أنت لست في معزل عما يكتب وينشر في هذه الوسائط، ولست منفصلا عما يقترح فيها؛ فهي متاحة لك. بذلك، أنت تتصل بأشياء جميلة ورائعة كانت غائبة عنك بشكل أو بآخر، فبين حين وآخر ترتفع الصخرة فيضيء داخلك وترى بأي مدخرات تكتنز روحك وقد كانت مغطاة ومتروكة، تجد فجأة جسرا لتعبر إليها وتتحسسها، تحملها وتجري بها في لحظة تكون أنت جاهزا بأدواتك وتكون معداتك تقريبا مكتملة.
* ألا تشعر بأن الفضاء الإلكتروني يسلبك بهجة التواصل مع الجمهور؟
- الأمر على العكس من ذلك؛ في ظل ما ترى من عزوف الجمهور عن حضور الأمسيات إﻻ ما ندر، ﻷسباب عدة ليس هنا مجال ذكرها أو الخوض فيها. ولن أذهب في هذه اللحظة مع بول شاوول في أن الشعر ليس جماهيريا، ولكن أعيد هنا ما سبق أن قلته: أنت بحاجة إلى قارئ حقيقي يقدر على التنبؤ بمواقفك قبل أن تتخذها، على حد قول قاسم حداد، هذا القارئ بت أعثر عليه في هذا الفضاء من خلال أسماء معروفة أحبها وأجلها وأجد رد فعلها أيضا على ما أجترحه وأقترحه من نصوص، وبشكل سريع.

* القصيدة الحديثة والرقمية
* هل يمكن أن يمنح الفضاء الإلكتروني مساحة أوسع لكتاب القصيدة الحديثة في المملكة تحديدا، ويوفر لهم قنوات اتصال سالكة مع الجمهور؟
- هذا كلام يعيدنا إلى ما قاله عبد الله السفر عن الحرية التي يوفرها ويمنحك إياها الفضاء الإلكتروني، أنت اﻵن في هذا الفضاء تجد السائد هو هذه القصيدة الجديدة، ولا تكاد تجد القصيدة القديمة أو كما تسمى أحيانا التقليدية أو العمودية. تجد المهتمين بهذه القصيدة وتشعر بتقبلها والتفاعل معها. هو فضاء افتراضي يوفر لك ما تريد، يوفر لك القارئ الذي تبحث عنه، القارئ الذي يحييك ويصفق لك، ويقدم لك درعا افتراضية هي في الحقيقة أفضل من الدرع التي تقدم لك في ختام كل أمسية، تتسلمها وأنت تضحك في داخلك من النهاية التي آلت إليها اﻷمور؛ وميض كاميرات ودرع ليست معها دليل إرشادي للكيفية التي توضع بها على الصدر.. تكتشف في النهاية أنك صنديد، يخجل من الدخول بدرعه إلى بيته.
* ما شروط القصيدة الرقمية (إن صحت العبارة)؟
- أي قصيدة، سواء أكانت رقمية أم غير ذلك، ما من شروط لها سوى أن تكون قصيدة تحمل حالة شعرية، تحمل شحنة شعرية تجفل منها يدك حين تلمسها؛ لغة وتراكيب جديدة وتأويلات تسلك من أجلها طرق الخيال الحي والحار، لغة تتنفس بكل عنفوان..
أنت حين تكتب القصيدة ﻻ تفكر فيما إذا كانت رقمية أو ﻻ، أنت تحاول أو تسعى لأن تقول، لأن تتخلص وأن تكتب قصيدة.
* هناك تدافع هائل تشهده الساحة الثقافية في السعودية نحو النشر الرقمي تحديدا.. هل ترى ثمة فوائد لهذا الفائض الكبير من ممارسة التعبير؟
- ما تسميه أنت فائضا هو في الواقع عملية غربلة مستمرة، غير مرئية لكنها موجودة، ﻷن ما سيبقى هو اﻷقدر على الصمود ومقاومة الظروف وعوامل الوقت، ما سيبقى هو اﻷقدر على تجديد نفسه، أما الضحل الذي بلا عمق فسيجرف ويلقى به بعيدا، هذا من فوائد التدافع الهائل الذي ذكرت. دع الكل يكتب، دع الجميع يتدافع.. يجرب، ويقترح، فثمة مصفاة تقف بالمرصاد.
* عبر وسائل الإعلام الرقمية؛ كتبت ما يزيد على 400 نص في سنة واحدة، وهو ما يعادل ما نشرته في خمس مجموعات شعرية على مدى ربع قرن.. إلى أي شيء تعزو هذا الثراء الشعري؟
- ما حدث هو أن هناك من جاء وأخذك في زيارة إلى الفنانة «فريدا كاهلو» وأجلسك عند سريرها، من نبهك إلى مرآتها المعلقة فوق ذاك السرير، من أخذ عينك ووضعها عند ما ينز منها..
ما حدث هو أن هناك من أدخلك في لوحة غزالتها وجعلك الغزالة المطاردة، من جعلك تئن مما ينغرز فيك من السهام، من منحك الدم ذاته الذي كان يبلل الهواء كلما انغرز سهم جديد فيك..
ما حدث هو أن هناك من أعارك ملابس وعيون وقلق شخوص لوحات هنري تولوز..
من جعلك تسمع نعيب غربان فان غوخ وجعلك تشم فجيعته في حقوله الصفراء، ومن جعلك مصبا ومرمى لعيونه..
ما حدث هو أن هناك من جعلك تصاحب «ياني» اليوناني وفتح لك فتحة على جنونه وعلى كمنجاته وعلى صفير موسيقاه الحاد الذي كان يغرزه في أكياس كانت مخبأة في نفسك، وجعل ما بداخلها يخرج وينسكب على الأرض، فتحة على «أورجه» و«غيتاره» الذي كانت أوتاره تكسر جرارك فيسيل ما فيك، جعلك تقف عاريا تحت مطره..
وهناك من جعلك ترافق عود نزار روحانا وعود أنور أبراهام، من صيرك فراشة هناك..
من وضعك في أعواد الثلاثي جبران وجعلك تفتتح بها صباحاتك وغيرهم وغيرهم..
هناك من جعلك تعشق كاميليا جبران في «صوت في سكون الليل يناديني»، فادية طنب الحاج في أغنيتها «أيها الساقي إليك المشتكى»، ودنيا مسعود ومروان عبادو وريم البنا وغادة شبير وهبة القواس وجاهدة وهبة وغيرهم وغيرهم..
من جعل رائحة الجرائد اللبنانية: «السفير» و«النهار» و«المستقبل» تخرج من ثيابك فتبريك كتابات أحمد بزون، ونديم جرجورة، وصفوان حيدر، وعناية جابر، وسمر دياب، وعارف حمزة، وعقل عويط، وعباس بيضون وغيرهم وغيرهم.. وجرائد أخرى وأخرى..
هناك من جعلك تتنشق الغاز الذي خنقت به نفسها في مطبخها «سيلفيا بلاث» وجعلك تتحسس خيط حذاء الممثلة المسرحية «سارة كين» الذي شنقت به نفسها دائما في جيبك..
ما جعلك تعاني عذابات وجنون النحاتة العاشقة «كاميل كلوديل»..
هناك من غسلك ونظفك وصهرك يا صديقي..
لغة أخرى.. لغة أخرى.. يا صديقي..
أردت أن أقول إني كنت مصدوما، أو لنقل على اﻷصح: كنت مفجوعا، فعن أي 400 نص تتحدث، تلك كانت بكاءات.
فماذا كنت تنتظر بعد كل هذا، ضع نفسك أنت أو غيرك في مكاني، حاول أن تخلص في صحبتك للبيانو أو الناي أو الكمنجة أو التشللو وانظر ما يحدث لك.

* تسلق اللغة
* لديك علاقة وثيقة باللغة تتسم بالحفر والمداومة والحضور في شتى الفنون، حيث يمكنك الحديث عن الفن التشكيلي والموسيقى من خلال الشعر.. كيف أثرت هذه اللغة في إثراء تجربتك الشعرية؟
- اللغة قصتنا، واللغة شجرتنا التي نتسلقها لنسد جوعنا، واللغة نخلتنا التي ما نبرح نهزها.. منذ أمد بعيد، تحدث الشاعر قاسم حداد عن ذلك وأشار إليه، كنا متنبهين إذن منذ البدء إلى وجوب الاعتناء بها، متنبهين إلى أهمية سقايتها وتربيتها..
أنت تكتب قصيدة نثر، تحتاج إلى مهارة عالية. أو لنقل إنك تكتب نصا، إذا لم تكن لديك لغة، إذا لم تهتم بما يرن ويلمع من المفردات، لما ينقل حالتك ويكون أمينا عليها، فسيسقط نصك أمامك، ويفلت من يدك وتراه شظايا على الأرض..
الحالة الشعرية، أو لنقل حالة الكتابة، ﻻ يمكن أن تنهض وحدها دون لغة ترفدها، تمسك يدها وترفعها؛ أنت ماذا لديك هنا غير اللغة؟
قرأنا القرآن الكريم، وقرأنا الأحاديث ومنها القدسية ذات اللغة العالية التي تبهرك.. قرأنا لغة المتصوفة: النفري والحلاج والتوحيدي وجلال الدين الرومي وغيرهم، قرأنا للغيطاني وبسام حجار وإدوار الخراط.. كل هؤلاء كانوا يصقلون لغتك ويزيلون عنها الشوائب، حد أنك تستطيع أن تصب شيئا منها وتجعله قرطا أو سوارا وتهديه لمن تحب.. من هنا، جاءت اللغة إذا كنت ترى أن لدي لغة..
فاللوحات والمنحوتات والقصائد وأنواع الموسيقى كلها موجودة فيك، لكنها تحتاج إلى ممر، تحتاج إلى جسر.
* هناك من يرى أن هذه العلاقة الوطيدة باللغة ساهمت في إحداث (عزلة) بينك وبين الناس، مما أضعف تجربتك في العلاقات الإنسانية؟
- الأمر ليس كما تسميه «عزلة»، وليس للغة علاقة به، كل ما في الأمر هو أنك ﻻ تجيد عرض نفسك، أو بالأحرى هو الكسل.. فلم يحدث في أي أمسية لي أن قمت بإرسال رسالة واحدة عنها لأي كان، أو أعلنت عنها في أي قناة تواصل.. أما العلاقات الإنسانية، فأمرها هو أنك تبحث عمن يثريك، عمن يعينك، عمن تشم فيه رائحة الشعر من مسافة بعيدة.
* هل يتعين على أي شاعر طليعي أن تكون لديه مواقف متميزة عن بقية الناس؟ لماذا أنت تتحاشى اتخاذ مثل هذه المواقف؟
- عن أي مواقف تتحدث؟ اذكر لي موقفا واحدا لم أكن فيه واضحا مثل قصيدة، وإذا أردت فاسأل الوردة، فأوراقي كلها بين أصابعها وأغاني ﻻ تخرج إلا من بوابتها.. ثم، هل تريد مني أن أكون شعاراتيا، هل تريد صراخا!
نصوصي هي مواقفي، بكائي أمام اللوحات ودخولها ثم عدم الخروج منها أو التخلص من ألوانها. بسهولة، أليس هذا موقفا..
استغراقي وذهابي بكليتي في الموسيقى الجميلة، أليس هذا موقفا؟ ملازمتي للوردة، ألا تعده موقفا؟ ألا يعجبك؟
* أنت أحد شعراء قصيدة النثر في السعودية، وتتجلى تجربتك في ديوانك (خشب يتمسح بالمارة) مثلا، كيف تجد مستقبل هذه القصيدة محليا؟
- في البدايات، أذكر أني أعطيت بعض نصوصي للشاعر قاسم حداد، لتجيئني بعد فترة، رسالة منه، حجرها: «أبشرك برفض كبير لكتابتك ممن حولك، وهذا الرفض لن يزيدك إلا مجدا ومكابرات». وقد ثبت أن كلامه كان صحيحا، فلا شك في أن هناك رفضا للقصيدة الجديدة - إن لم يكن محاربة، يقابله تكريس للقصيدة التقليدية، تكريس للنظم، ومع كل ذلك النبذ وإغلاق الأبواب في وجهها ومع ما يصب عليها من خرسانة إلا أنها كما ترى تدفع الإسمنت وتكسر الأبواب.. تخرج وترفع جذعها، تفتح أوراقها وتبرعم زهورها.
فانظر إلى ما يطرح من أعمال، سواء كانت ورقية أو رقمية، وأنت تعرف.. جل ما يطرح الآن هو قصيدة نثر أو ما يشبهها أو هو محاولة لكتابتها..
ثم إنك تكتب القصيدة ليس لأن فلانا أو علانا يكتبها، لكن لأنك تشعر بأنها تلبي حاجتك وهي الأقدر على قولك..
أنت ﻻ ترفض الوزن ولا القافية، أنت ﻻ ترفض القصيدة العمودية، لكن شرط أن تكون قصيدة.



«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.


جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية
TT

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

جان جاك روسو والمؤامرة الجهنمية

يا لها من معركة حامية الوطيس تلك التي جرت في قلب القرن الثامن عشر: عصر التنوير الكبير. كل المثقفين الفرنسيين انقسموا إلى قسمين: قسم مع حزب الفلاسفة وقسم مع حزب الأصوليين. وهناك قسم ثالث بين بين. ولكن ينبغي الاعتراف بأن أغلبية الشعب الساحقة كانت مع الأصوليين لا مع الفلاسفة. وهذا شيء طبيعي لأن أفكار الأصوليين كانت مسيطرة على الجميع منذ مئات السنين وكانت راسخة في العقليات رسوخ الجبال. أما أفكار الفلاسفة وتصوراتهم عن الدين المسيحي فكانت جديدة كلياً، وبالتالي فلا قاعدة شعبية لها. ولن تتشكل لها قاعدة إلا بعد مرور وقت طويل. ولذلك قال أحدهم: كانت فرنسا أصولية ظلامية في بداية القرن الثامن عشر ثم أصبحت فولتيرية تنويرية في نهايته. لكن ليس عن فولتير سوف أتحدث الآن وإنما عن القطب الآخر جان جاك روسو. فالواقع أن تأويله الجديد والمنعش جداً للدين المسيحي كان أخطر من تأويل فولتير، وتجديده أكبر بكثير، على عكس ما نظن.

بعد أن أصدر روسّو كتابه الشهير عن التربية والدين عام 1762 هاجت عليه الهوائج. ونزل مطران باريس كريستوف دو بومون شخصياً إلى ساحة المعمعة. قال عنه ما فحواه: «إننا نُدين الكتاب الصادر عن هذا الشخص المسمى جان جاك روسّو الذي يدَّعي العلم والفلسفة وهما منه بَرَاء. إننا نُدينه إدانةً قاطعةً مانعةً لأنه يحتوي على جملة من الأخطاء الفاحشة عن ديننا وتراثنا. إن كتابه مليء بالكفر والهرطقة والزندقة. ينبغي أن يعلم الجميع أن أفكاره الهدامة تزعزع أركان الدين المسيحي».

في الواقع أن أفكار روسّو لا تشكل أي خطر على الدين، وإنما فقط على الأصولية الدينية. وشتّان ما بينهما. ولكن ما كان أحد يستطيع التفريق بينهما في ذلك الزمان. ونضيف؛ ولا حتى في هذا الزمان.

من يستطيع التفريق بينهما في العالم العربي حالياً؟ ولذلك ردَّ عليه روسّو قائلاً: «يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لعقيدة الإنجيل فقط. يا مولانا صدِّق أنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن ليس كتلميذ للكهنة والأصوليين وإنما فقط كتلميذ ليسوع المسيح. إنني مؤمن عن جدٍّ، ولكن طبقاً لقوانين العقل والمنطق لا طبقاً للخرافات والشعوذات، والتعصبات والتكفيرات... إلخ».

يقال إن فولتير عندما قرأ نص روسّو عن الدين صرخ قائلاً: «رائع، رائع، ليتني أنا الذي كتبته». ويقال إنه أحسَّ بالغيرة تلسع قلبه لسعاً، وكذلك الحسد. ومعلوم أن المثقفين الفرنسيين يغار بعضهم من بعض تماماً كالمثقفين العرب. هل رأيتم امرأة حلوة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ من رابع المستحيلات. تكاد تذبحها. وكذلك لن تجدوا مثقفاً واحداً يُثني على مثقف آخر الا ما ندر. أين تكمن المشكلة بالضبط؟ إنها تكمن في الشيء البسيط التالي: الأصوليون الظلاميون يشكّلون صورة معينة عن الدين، والفلاسفة التنويريون يشكّلون صورة أخرى مضادة تماماً. الأصوليون يشكّلون صورة تكفيرية متجهمة، والفلاسفة يشكّلون صورة تسامحية متنورة. ينبغي العلم أن جان جاك روسّو كان يأخذ من الدين جوهره لا قشوره. ولهذا السبب اندلع الصراع بينه وبين الأصوليين. وجوهر الدين في رأيه يتلخص في عبارة واحدة: الإيمان بالله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق. جوهر الدين هو الشفقة على الفقير والمسكين واليتيم وابن السبيل. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم حرفياً كما نعلم. وبالتالي فالعبرة ليست في الشعائر والطقوس والعبادات وإنما في الأفعال والمعاملات. ولذلك قال أحد فلاسفة الأنوار الكبار: الدين المعاملة. نقطة على السطر. مَن كانت معاملته حسنة مع الآخرين، مَن كان نزيهاً صادقاً، فهو أكبر متدين حتى ولو لم يؤدِّ الطقوس والشعائر.

وأما من كان غشاشاً في التعامل فهو ليس من الدين في شيء حتى لو صلّى يومياً مائة ركعة. يضاف إلى ذلك أن الفلاسفة كانوا يقولون ما معناه: المسألة ليست هل أنت مع الدين أو ضد الدين. كلنا مع الدين. المسألة هل أنت مع الأصولية الطائفية التكفيرية التي تؤدي مباشرةً إلى المجازر والمذابح أم لا؟ هذا هو السؤال الأساسي، والباقي تفاصيل.

لكن لِنَعُدْ إلى جان جاك روسو. بعد أن أصدر كتابه الشهير الذي أشعل الحرائق في كل مكان احمرَّت عليه الأعين وأصبح في عين العاصفة. ولذلك قال له صديقه الكبير وراعيه، الماريشال دو لوكسمبورغ، بعد الثانية ليلاً: «البس ثيابك فوراً وارحل على وجه السرعة. إنهم آتون للقبض عليك». ومعلوم أن الماريشال كان ينتمي إلى إحدى كبرى العائلات الأرستقراطية الفرنسية. وهكذا ودَّعه روسّو باكياً وهو يعرف أنه لن يراه بعد ذلك اليوم، لأن الماريشال كان متقدما في السن.

وبالفعل فقد لمح روسّو رجال الشرطة الآتين للقبض عليه في منتصف الطريق. هم آتون وهو راحل. لقد نجا منهم بأعجوبة في آخر لحظة. وعندما وصل إلى سويسرا نزل من عربة الخيول وانبطح فوراً على التراب السويسري قائلاً: «أقبِّل أرض الحرية». كان يعتقد أنه قد نجا بنفسه بعد أن عاد إلى أرض آبائه وأجداده. ومعلوم أن سويسرا الأقلّوية البروتستانتية كانت أكثر تسامحاً واستنارةً من فرنسا الظلامية الكاثوليكية. ولكنَّ هذا لا يعني أن رجال الدين فيها كانوا قادرين على هضم أفكاره عن الدين. فقد كانت سابقة لأوانها بكثير. والدليل على ذلك هو أن كتبه أُحرقت أيضاً في جنيف. فاضطر إلى الهرب إلى إنجلترا؛ أكثر بلدان أوروبا تسامحاً واستنارةً في ذلك الزمان.

عندئذٍ عاش جان جاك روسّو فترة عصيبة استمرت حتى مات. يقول عن ذلك في كتاب «الاعترافات» الشهير: «هنا في هذه الفترة بالتحديد ابتدأت المؤامرة الكبرى التي لا تزال تلاحقني وتُطْبق عليَّ حتى اللحظة. منذ ثماني سنوات وأنا غارق في ظلمات رهيبة لا أعرف ما الذي يحصل حولي. أشعر بالضربات الموجعة ولكن لا أعرف بالضبط مَن هي اليد التي تلسعني من خلف الستار. كل ما أعرفه هو أني مطوَّق من كل الجهات: لا مخرج ولا منفذ ولا خلاص».

كان هناك أمير فرنسي من العائلة المالكة يحميه سراً من الاعتداءات الجسدية أو حتى الاغتيال. وكان أميراً ليبرالياً معجباً بالأفكار التنويرية الجديدة التي ابتدأت شمسها تشرق على البلاد. وفي إحدى المرَّات قال له: «انتبه جيداً حالتك أصبحت حرجة جداً، وأنا ما عدت قادراً على حمايتك. أفكارك عن الدين تعد راديكالية وانقلابية أكثر من اللزوم. وهي مرفوضة من كل الأصوليين المزمجرين الذين يكادون يشربون دمك شرباً. وقد يفتكون بك في أي لحظة. فانزل تحت الأرض».

وهكذا اختفى جان جاك روسّو عن الأنظار. بل غيَّر اسمه وملابسه وهيئته وشكله لكيلا يعرفوه وهو يمر في الشارع.

وحلف بأغلظ الأيمان بأنه لن يكتب حرفاً واحداً بعد اليوم؛ لا عن الدين ولا عن السياسة ولا عن أي شيء. وهذا أكبر دليل على مدى ضراوة الصراع الذي كان دائراً آنذاك بين الأفكار الجديدة والأفكار القديمة. كما أنه أكبر دليل على أن المفهوم الأنواري الجديد للدين المسيحي، أي المفهوم العقلاني واللاطائفي واللاتكفيري، لم يتحقق الا بعد مخاض عسير. هنا تكمن معجزة الأنوار الكبرى.

وبعد موته عام 1778 عن خمسة وستين عاماً قبروه في إحدى ضواحي باريس المحاطة بغابات السرو والصفصاف. وهل هناك أجمل من ضواحي باريس؟ وراح البشر يتوافدون على قبره زرافاتٍ ووحداناً. ولن تصدقوا إذا ما قلنا لكم إن ماري أنطوانيت وزوجها لويس السادس عشر قاما بالزيارة أيضاً ضمن إطار «الحج الفلسفي». وعندما رآهما الشعب صفَّق لهما طويلاً. كان ذلك في 14 يونيو (حزيران) 1780.

وأما نابليون بونابرت الذي كان يعرف جيداً من هو جان جاك روسّو؛ لأنه كان تلميذه المعجب جداً بكتاباته، فقد زار القبر يوم 28 أغسطس (آب) 1800. وبعد أن خشع أمامه طويلاً قال لأحد مرافقيه هذه العبارة التي لا تكاد تُصدَّق: «كان من الأفضل من أجل راحة فرنسا لو أن هذا الرجل لم يوجد قط». فاستغرب مرافقه وسأله باندهاش: «ولماذا يا جلالة الإمبراطور؟»، فأجابه نابليون: «لأنه هو الذي مهَّد للثورة الفرنسية وأشعلها».

فقال له المرافق: «والله شيء عجيب، كنت أعتقد أنه يحق لجميع الناس أن يتذمروا من الثورة الفرنسية ما عداك أنت؟ لولاها لما كنت على رأس فرنسا الآن».

فأجابه نابليون: «المستقبل وحده سيقول ما إذا لم يكن من الأفضل لراحة البشرية كلها أنه لم يوجد شخصان اثنان على وجه الأرض: أنا وجان جاك روسو...».


الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.