«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

رسخ الشعراء المتميزين وفتح الباب لهواة الخواطر والمدونات

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر
TT

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

«فيسبوك» يحقق ديمقراطية الشعر

فرضت «الميديا» ثقافتَها وتقاليدها، ومع التطور الهائل في علوم التكنولوجيا والإنترنت، اتسع فضاؤها المفتوح، وأصبح قوتاً يومياً من الصعب الاستغناء عنه، أو تنحيته جانباً، لا سيما في ظل عالم أصبح يموج بالتحولات والتغيرات وإقامة الحدود والحواجز التي تحدّ من حرية الإنسان والتعبير عن آرائه وأفكاره بشكل حر.
لكن هناك من يرى أن «الميديا» بإيقاعها اللاهث المتغير تنتج ثقافةً عابرةً لا يمكن أن تؤصل لأشكال وأنماط معينة، خصوصاً في مجال الأدب والفن.
ظاهرة شعراء «الفيسبوك»، لا تنفصل عن هذا الجدل... هل هم شعراء فعلاً؟ هل ما يكتبونه شعر؟ هل نجح قسم منهم في تقديم قصيدة ناضجة فنياً؟ هل أصبحوا جزءاً من المشهد الشعري العربي؟ أم أن كتاباتهم مجرد «خواطر» يبثها أصدقاء لأصدقاء؟ ولماذا الشعر فقط؟ لماذا لا نقرأ قصةً قصيرةً مثلاً في وسائل التواصل الاجتماعي؟!
«الشرق الأوسط» استطلعت في هذا التحقيق آراء عدد من الشعراء والشاعرات ينتمون لأجيال وتيارات مختلفة، لكن «الفيسبوك» أصبح الحاضن الأساس لنصوصهم وأفكارهم حول الشعر وقضاياه.
الشاعر صلاح اللقاني، أحد أبرز شعراء السبعينات في مصر، يرى أن «تقنية (الفيسبوك) تمثل في حياتنا الفكرية المعاصرة أكبر ديمقراطية ثقافية وسياسية في العصر الحديث»، لافتاً إلى أنها «أتاحَتْ للمرة الأولى في التاريخ إمكانية التعبير عن الرأي ونشره دون تدخل من أحد، ودون محظورات في الغالب، وذلك للجميع، ودون استثناء. هذه الإتاحة، وتلك الديمقراطية، وهذا الفضاء حدد مثلما مكّن شكلاً للتعبير يعتمد على التركيز الشديد، والتوهج، وكراهة الإطناب والحشو. ومثلما جمع هذا الفضاء الراسخين في العلم والمعرفة، فقد أضاف لهم أعداداً هائلة من متوسطي الحال في توقد الذهن، وما خبروه من معارف، ومن تجارب الحياة، وأعداداً أخرى من حرافيش المجتمع وعابري سبيله».
يضيف اللقاني متابعاً: «إذا كانت أسئلة الواقع، وأسئلة الوجود، مطروحة على الجميع فقد أسهم الجميع بإجاباتهم على قدر فهمهم. وتصادف في هذا الفضاء الجاذب للمكثف والمتوهج والجارح كشفرة الموسى أن كان الشعر أقربَ الفنون ملاءمةً له، ومجانسةً لإطاره. ومثلما كان هذا الفضاء السيبراني متنفَّساً لكبار الشعراء، فإنه كان مجالاً لكل من يقرزم الشعر، ومن قطع فيه شوطاً ما. وتصادف أن تتوفر تلك الوسيلة في اللحظة التي احتلَّتْ فيها قصيدة النثر المتن الشعري، فكان الاقتراب من عالم الشعر دون تهيُّب فرضه العروض زمناً طويلاً».
ويخلص صاحب ديوان «ضل من غوى وسر من رأى»، بقوله: «لم يصنع (الفيسبوك) شعراءً جدداً، إنما عرف بالشعراء راسخهم ومحدثهم من خلال وصوله لأعداد لم يحلم بها الشعراء من قبل. ومن خلال عملية تفاعل بين التقنية والقصيدة، والشاعر فإن شكل القصيدة اتسع للتوقيعات وللومضة وللقطعة المركزة بشكل غير مسبوق، كما أن المزاج العام للتلقي صار ضيِّق الصدر بالمطولات والملاحم. إن (الفيسبوك) لا يصنع شاعراً، ولكنه يؤثر في الشعراء، وفي القصيدة شكلاً وأسلوباً».
وتقول الشاعرة بهية طلب، إحدى البارزات في موجة التسعينات الشعرية: «لا أعتقد بشعرية هؤلاء الشعراء؛ فهي مجرد خواطر فعلاً تتوافق مع المتابعين لهم وحالاتهم التي لا يملكون ترجمتها إلى كلمات، ويستطيع هؤلاء صفَّها داخل لغة ركيكة وتراكيب بسيطة يصدق المتابعون أنها تعبر عنهم. أنا أتابع صفحات الكتب والقراءة على (الفيسبوك)، والكتب التي يقرأها الشباب مثلاً ويعيدون تذكير الآخرين بقراءتها، لا تختلف عن هذه الكتابات لشعراء (الفيسبوك)، فليس بها أي ملمح جمالي أو رؤية فلسفية أو عمق ما، ولكنهم ينجذبون إليها لأن هذه حدود ثقافتهم الآنية؛ فهم جيل أغاني المهرجانات، وكل ما يمكن أن يؤخذ سريعا (كساندوتش البرغر)». وتخلص صاحبة ديوان «قبل هروب أنجلينا جولي»، قائلة: «هذا هو السر... إنهم لا ينشرون على الصفحات قصصاً؛ فهذا تطويل يحتاج إلى وقت لاستيعابه، أما بخصوص أن أحدهم أنتج قصيدة جيدة أو في سبيله لإنتاجها، فالمسألة تحتاج إلى متابعة لهذا النوع من الكتابة ولعدة سنوات حتى نتأكد إن كان سيخطّ خطّاً في الشعرية العربية، أو أن ما يحدث هو كالزبد يذهب جفاء؟!».
ويرى الشاعر محمد القليني، أحد أبرز شعراء قصيدة النثر، أن «الفيسبوك» وجبة خفيفة، متفقاً ضمنياً مع ما سبق، وعلى حد قوله: «في قاع البحر يتناثر الحصى، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الشعاب المرجانية الجميلة. (الفيسبوك) بحر واسع، يتناثر داخله كثير من الشعراء الذين يقدمون نصوصاً متشابهة وعادية ولا تدفع عجلة المشهد الشعري إلى الأمام، لكن أيضاً - لو دققنا - سنجد شعراء حقيقيين لديهم من الوعي ما يجعلهم يقدمون نصوصاً مفارِقة. وعن نفسي أتعامل مع (الفيسبوك) باعتباره مجردَ وجبة خفيفة، فهو لا يصنع ثقافة شعرية كبيرة، الثقافة في الكتب والاحتكاك الإنساني المباشر... لكنه - ككل شيء - صاحب وجهين: وجه إيجابي، وآخر سلبي».
ولا يخلو «الفيسبوك» من إيجابيات، فكما يرى صاحب ديوان «أركض طاوياً العالم تحت إبطي» الحاصل على عدد من الجوائز أن «من إيجابياته طيّ المسافات... الشعر يسافر بلا جواز سفر، وينتقل من يد الشاعر إلى عيني القارئ في اللحظة نفسها، بلا وسطاء يحتكرونه، أو دور نشر تفشل في توزيع كتبه، ومن عيوبه أنه جعل الكتابة متاحة للجميع، وجعل (الفضفضة) شعراً، ولا مشكلة لدي في أن يكتب من يشاء ما يشاء، المشكلة تكمن في الاسم الذي يطلقه على ما يكتبه، فالشعر له مواصفات معينة، وليست كل كتابة شعراً. لكن تجدر الإشارة إلى أن (فيسبوك) في حياة الشعراء أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وربما (بمرور الوقت) يصبح بديلاً عن الكتب، ويصبح هو المشهد الشعري بالكامل، لكن إلى هذه اللحظة فهو يعج بشعراء يكتبون ما يمكن أن نسميه (فضفضة) أو (خواطر)، أما الشعراء الذين يقدمون نصوصاً ناضجة تجعلهم جزءاً من المشهد الشعري العربي فهم قلة قليلة لا تكاد تُرَى إلا بعدسة مكبرة».
أما الشاعر الناقد خالد حسان، صاحب أطروحة مهمة حول قضايا قصيدة النثر، حصل بها على الماجستير أخيراً، فيبدي قلقه من مصطلح «شعراء الفيسبوك» قائلاً: «لا أطمئن كثيراً لمصطلح (شعراء الفيسبوك) وأشم من ورائه رائحة تهكُّم لوصف مجموعة من الشعراء بالسطحية من خلال اللهاث وراء أعداد (اللايكات) على موقع (فيسبوك)».
يتابع حسان: «لقد ارتبط الشعر أخيراً بموقع (فيسبوك)، وذلك لسهولة النشر، فبالضغط على زر واحد في لوحة المفاتيح يمكن لآلاف من البشر أن يشاهدوا قصيدتك ويتفاعلوا معها، يمكن لقصيدتك أن تدخل في أي مكان وتسافر إلى كل بلاد العالم ليقرأها القاصي والداني في لمح البصر. لقد أصبح (فيسبوك) بمثابة نافذة نشر لجيل كامل من الشعراء ربما لم يجدوا طريقاً إلى النشر الورقي، كما أنه ساعد كثيرين على الانتشار والوصول إلى عدد لا بأس به من الجمهور على مستوى عربي أوسع، أتاح (فيسبوك)، كذلك وجود الجماعة المرجعية التي هي جزء لا يتجزأ من حياة أي مبدع؛ فحضور الأصدقاء والمتابعين على (فيسبوك) ومشاركاتهم وتعليقاتهم يقوم بدور سحري في تحفيز الشاعر ودفعه إلى الكتابة».
وبعين الناقد يؤكد حسان أن «(الفيسبوك) ساعد على إيجاد مناخ شعري حقيقي، ظهر من خلاله شعراء حقيقيون لم نكن نسمع عنهم. وأيضاً فتح الباب على مصراعيه أمام كل من هب ودب ليقول أي شيء ويسميه شعراً. ولكن أعتقد أن هذه ظاهرة صحية طالما ليس هناك اتفاق في أي مستوى على ما يمكن أن نطلق عليه شعراً، وهكذا يبقى فتح باب التجريب هو المعول عليه».
وبرمزية ديوانها النثري الجديد الشيق «الرقص فوق الماء» تقول الشاعرة منال محمد علي: «عندما تريد للماء أن يصل بين يديك وتحت ناظريك يروح ويجيء بين شفاهك بلا حدود ولا قيود، بل مجاني تماماً تطلبه ليلاً أو نهاراً، هذا هو الشعر الذي صادف وسيلة فائقة السرعة للنشر، وما اصطلح على تسميته بوسائل التواصل الاجتماعي. يمكننا الآن أن نضبط إيقاع التطور في شكل القصائد عالمياً فكل تطور وشكل للإبداع جديد في العالم يولد أمامك، تستطيع أن ترى المأساة شعراً وقت حدوثها، فالحرب أيضاً والمعاناة يترجمها الشعر. هذه الوسائل استطاعت في غضون سنوات أن تختصر المسافات وتؤلف بين قلوب البشر... فهنا تولد الصداقات والمحبات، وتستطيع أن تتعرف على أجيال سبقتك في الإبداع وغيرها مقبلة في البعيد لم تزل تنبت بين جنوب الصغار».
تتابع منال: «(الفيسبوك) كوسيلة للتواصل الاجتماعي هي الآن الناشر الأفضل والأسرع رَشَّحت الكثيرين ممن منعتهم ظروف الحرب وفوضى البلاد من النشر أو حضور المؤتمرات أو التواصل بالمعارض الدولية للكتاب للشهرة والمحبة والمتابعة، اختصرت ذلك كله. فهناك من تقرأ له من مبدعي العراق وشعرائها وكذلك اليمن وسوريا ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب والسعودية، وفرنسا وألمانيا وأميركا والهند والمكسيك، وغيرها من أقطار العالم... هناك من يكتب ويقرأ العربية في كل بقاع الأرض وهناك الناشر الإلكتروني الذي بات يستمد معرفته بالمبدعين عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي فنبتت مواقع إلكترونية تخصصت في النشر الأدبي، جذبت الكثيرين من الشعراء والكتاب».
وتلفت منال إلى الدعاية كملمح مهم يقدمه «فيسبوك»، حيث أصبحت هذه الوسائل تقدم الدعاية للكتاب المصدر وكذلك حفلات المناقشة والتوقيع وجميع المناسبات الأدبية حتى إن المعارض الدولية للكتاب باتت تحفل بالدعاية عبرها ليحضر الفعاليات الكثير من المبدعين والرواد وكذلك من يهتمون بالكتابة، كما تنشر ما كتب حول الكتاب من دراسات نقدية، والترجمات من اللغات الأخرى للعربية والعكس، فباتت محفلاً أدبياً شديد الالتصاق بيومنا وكل ما تمر به البشرية من حب وصراعات، كما قدمت البديل الأسرع والعملي للكتاب الورقي الذي يصادف نشره كثير من الصعوبات.
ويربط الشاعر مؤمن سمير الأمر كله بالماضي قائلا: «كان لإنسان الكهوف تصاوير وتهويمات شعرية، ثم تَمَشَّى الشعر مع الإنسان عبر سنواته الطويلة ملازماً ومصاحباً فريداً ولأن الشعر كائنٌ يدرك حتمية مرونته كان لا بد أن يبدل مراياه كل فترة الشعر الذي يتوق للحرية بعد حبسه طويلاً في الذاكرة أو على الأحجار أو على الورق ارتاح للواقع الافتراضي، الذي يتماهى معه من زاوية مخاتلته ومروره الضوئي بين الأنواع والأشكال والمشاعر».
ويلفت صاحب ديوان «بلا خبز ولا نبيذ» إلى أنه «عبر هذه النافذة أتاح (فيسبوك) لشعراء كبار أن يصلوا لأجيال وجغرافيا كانت بعيدة، مثل نصيف الناصري وصلاح فائق، وأتاح لشعراء غائبين أن تحفزهم فكرة التدوينات اليومية فعادوا إلى تجاربهم أو طوروها، كما أدخل شعراء صغاراً مضمار التجربة بلعبة التفاعل وفي المجمل أعاد ترتيب وتصنيف الأجيال، وكَشَفَ وأضاف ونَقَضَ وأعاد هيكلة مشهد الشعر العربي ونَكَزَ أسئلة الشعر الدائمة بشكل أكثر حيوية، وبشكل طبيعي هناك خواطر وكتابات لا تصمد أمام الفرز الدائم والمستمر كما أن هناك غثاً يَثْبُتْ كعظيم ولكن وسط أشباهه.هذا عكاظٌ عصري لا تغيب عنه القصة لكنها تظهر كَظِلٍ للشعر الأسرع في التلقي والولوج إلى الروح، الذي سيحكي دائماً عن رسوخ موقعه في الثقافة والوعي والذاكرة».


مقالات ذات صلة

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

إعلام مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» (أرشيفية - رويترز)

زوكربيرغ يواجه استجواباً في محاكمة تتعلق بإدمان صغار السن وسائل التواصل الاجتماعي

من المقرر استجواب الملياردير مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» لأول مرة في محكمة أميركية اليوم بشأن تأثير إنستغرام على الصغار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الاقتصاد تظهر تطبيقات «فيسبوك» و«ماسنجر» و«إنستغرام» و«واتساب» على شاشة هاتف ذكي تعكس شعار تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميتا» (د.ب.إ)

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن نتائجها المالية للربع الرابع، والتي جاءت متفوقة على توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا «ميتا» قالت إن الخطوة ستساعد في تحسين قدراتها في الذكاء الاصطناعي من خلال إتاحة ما يُعرف بـ«الوكلاء» للمستخدمين(رويترز)

«ميتا» تختبر اشتراكات مدفوعة لـ«إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب»

تستعد شركة «ميتا»، عملاق التكنولوجيا، لتجربة إطلاق اشتراكات مدفوعة لمستخدمي «إنستغرام» و«فيسبوك» و«واتساب» خلال الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العلامة التجارية لشركة «ميتا» (أ.ف.ب)

بسبب الحظر… «ميتا» تحذف 540 ألف حساب في أستراليا

أعلنت شركة «ميتا»، اليوم الاثنين، أنها عطّلت أكثر من نصف مليون حساب بأستراليا نتيجة أول حظر في العالم لوسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.