وسط أكبر أزمة مالية يشهدها العالم خلال العقود الأخيرة، تطالب أقاليم في دول عضوة في الاتحاد الأوروبي باستقلالها. فإلى جانب كاتالونيا التي أجرت استفتاءً شعبياً للاستقلال التام عن حكومة مدريد، تسعى أسكوتلندا وإقليم الباسك وأقاليم أخرى غنية لاتخاذ نفس الخطوة.
والحكومات المركزية هناك تحاول إعاقة ذلك بكل الطرق والوسائل، وأحياناً بالتهديد كما يحدث في إسبانيا، مستفيدة من رفض نسبة من السكان الاستقلال.
وبينما تقيد الدساتير الأوروبية حق الانفصال في حالات معينة كتعرض حقوق سكان الإقليم لانتهاكات خطيرة، وبالتالي لا يمكنهم ممارسة حق تقرير المصير، فإن هذه الأوضاع لا تنطبق على الأقاليم المطالبة حالياً بالانفصال، حيث إنها تطلب الاستقلال لأسباب تتعلق بشكل رئيسي بالرغبة في الاستفادة من مواردها الاقتصادية.
والسؤال المهم الذي يُطرح بإلحاح، ولا يريد المطالبون بالاستقلال سماعه، هو هل سيكتب لهذه الكيانات الصغيرة البقاء والاستمرارية في ظل اضطرابات اقتصادية ومالية خطيرة تعصف بأقوى اقتصادات العالم، وهل تصبح جاذبة للاستثمارات الأجنبية؟ فلنلقِ نظرة إذن على كل إقليم بشكل منفصل.
كاتالونيا
منذ سنوات يسعى هذا الإقليم للانفصال التام عن مدريد عبر حركات انفصالية كثيرة، لكن في الآونة الأخيرة، ومع الاضطرابات الاقتصادية العالمية، كانت مطالبته لها تبعات خطيرة عليه. إذ بمجرد الإعلان عن نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أيد الانفصال، بدأت الشركات والمصارف الإسبانية نقل مقارها الرئيسية من برشلونة (عاصمة الإقليم) إلى مدريد ومدن إسبانية أخرى، وهي التحركات التي تتعارض مع مصالح الإقليم مالياً واقتصادياً.
رغم أن كاتالونيا من أغنى الأقاليم الإسبانية إلا أنه يرزح تحت مديونية ضخمة، وتصل ديونه في الوقت الحالي إلى ما يقرب من 73 مليار يورو، وهذا أعلى قياس للديون في إسبانيا.
ويبلغ عدد سكان إقليم كاتالونيا نحو 7.5 مليون نسمة، وتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لديه عام 2016 الـ207 مليارات يورو، متراجعاً بما نسبته 0.5 في المائة.
في حين قارب معدل البطالة لديه 6.9 في المائة، بينما تعدى على صعيد إسبانيا بحلول عام 2016 الـ20 في المائة. ولقد أصبح الإقليم منذ مطلع هذا القرن هدف العاطلين عن العمل من مناطق فقيرة مثل الأندلس وأكستريمادورا ونفار وإقليم الباسك.
وما يدعم اقتصاد كاتالونيا اليوم أنه يتمتع بقوة صناعية كبيرة في مجال الأبحاث والتطوير والتكنولوجيا العالية، ويضم صناعات مهمة مثل الكيمياء والصيدلة وهندسة السيارات والمنسوجات، وتعتمد عليه شركة «فولغسفاغن» لصناعة مقاعد سياراتها.
وفي القطاع الزراعي، يشتهر هذا الإقليم بكروم العنب، وهو ثاني أهم منتج ومصدر للنبيذ الفوار في أوروبا بعد فرنسا.
وخشية وقوع اضطرابات تضر بمصالحها نقلت 802 شركة عاملة في كاتالونيا عام 2016 مقرها إلى أقاليم أخرى، بالأخص في مدريد، في الوقت نفسه، أعيد توطين 531 شركة.
وبعد الاستفتاء الشعبي غادر أكبر مصرفين في كاتالونيا وهما بنك «زاباديل» و«خياكسا بنك» إلى مناطق أخرى، وبناء عليه تخشى الحكومة الكاتاولونية المزيد من السلبيات على قطاعها المالي، فهذا القطاع مهم جداً في السعي إلى الاستقلال. ومن الإجراءات التي تخطط حكومة مدريد لها إصدار مرسوم يسهل على المؤسسات والشركات المالية الخروج من كاتالونيا. ومنذ احتدام الخلاف بين العاصمة الكاتالونية برشلونة والحكومة المركزية في مدريد، تشهد الأسهم المالية تراجعاً ملحوظاً في الأسعار.
كما سجل الإقليم خلال الأشهر الماضية تراجعاً في عدد السياح، وتعد السياحة واحدة من دعائم الاقتصاد الكاتالوني، إذ تشكل 12 في المائة من الناتج القومي للإقليم، وتراجعت إيرادات هذا النشاط بقيمة 1.2 مليار يورو بعد انخفاض الحجوزات الفندقية بنسبة تصل إلى 30 في المائة عقب الاستفتاء وأعمال الشغب العنيفة في الشوارع.
كما أن انفصال كاتالونيا يعني تلقائياً خروجها من الاتحاد الأوروبي، حتى ولو رغبت في البقاء، لأنه من الصعب أن تعترف بلدان كثيرة أوروبية بها. ولكن بإمكانها مواصلة استعمال عملة اليورو كما هو الحال مع الجبل الأسود وكوسوفو، وإن كانت لن تتمكن من الحصول على قروض من المصرف المركزي الأوروبي، وسيفقد المزارعون الكاتالونيون إعانات الاتحاد الأوروبي، كما ستتأثر تجارتها، إذ إن إسبانيا هي أهم سوق لمبيعاتهم.
وعليه، يخشى محللون اقتصاديون أوروبيون تكرار المشهد الذي حدث في سبعينات القرن الماضي عندما أصرت مقاطعة كيبيك في كندا على الاستقلال التام عن الحكومة المركزية، آنذاك غادر عدد كبير من الشركات مونتريال إلى تورونتو من دون عودة.
لومبارداي وفينتو
تشهد إيطاليا تحركات في الشمال، حيث تسعى أقاليم إلى المزيد من الاستقلالية والنفوذ والاحتفاظ بنسبة أكبر من الضرائب. وهذه الأقاليم هي فينتو وعدد سكانه قرابة الـ5 ملايين، وفيه أشهر مدن العالم مثل فينسيا وفيرونا، وإقليم لومبارداي، وعدد سكانه 10 ملايين، ويضم ميلانو المركز الاقتصادي الأقوى في البلاد. وتتهم حكومتا الإقليمين، روما، بأنها تأخذ أموالهما، ويطالبان بإدارة شؤونهما بمعزل عنها.
كما يقول سياسيون في المنطقتين أن جنوب إيطاليا الفقير يعيش على حسابهم. لكن ومع أن مناطق الشمال غنية لأنها مركز الصناعة والتجارة والمال، فإن الجنوب منطقة زراعية مهمة جداً، وأهم مصدر لكل أنواع المواد الغذائية والزراعية الموجهة إلى الشمال، لذا يرد الجنوبيون «منكم الصناعة ومنا الطعام»، وهذا بحد ذاته تكامل اقتصادي.
وتلعب ميلانو دوراً مهماً في عالم المال والأعمال، فهي محور التجارة والبنوك ومركز البورصة الإيطالية، والمدينة المهيمنة في قطاع الصناعات التحويلية، بالأخص في مدينة بريشيا الكبيرة، ما جعل معدل البطالة فيها هو الأدنى في كل مدن إيطاليا ولا يتعدى الـ4 في المائة. ويشكل ناتج لومبارداي المحلي نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا، ويزيد حجم الضرائب والرسوم التي تقتطعها روما عن الـ70 مليار يورو، أي أكثر مما تنفقه على المنطقة. وبدلاً من تحويل كل هذا المبلغ إلى العاصمة روما يرغب سياسيو المنطقة في تحويل النصف، ويهددون بالانفصال إذا لم تلب روما مطالبهم.
ولا تقل منطقة فينيتو شأناً، فهي واحدة من أكثر المناطق الاقتصادية في إيطاليا التي شهدت منذ الحرب العالمية الثانية تغييراً هيكلياً، فتحولت من منطقة ريفية إلى منطقة صناعية. وتسمح الطرقات السريعة التي تربطها بمدن كميلانو والبندقية، لتكون العامود الفقري لحركة الصناعة والاقتصاد. وتتميز المنطقة إلى جانب شهرتها السياحية بالصناعات الكيميائية وأحواض بناء السفن. وفي مدينة نويل توجد الشركة المصنعة للدراجات النارية والمحركات سكوتر أبريليا. ولصناعة الأزياء حضور قوي في المنطقة كلها، فهناك دور الأزياء «بينيتون» و«جيوكس» و«ديزل» وغيرها. كل هذا الوجود الإنتاجي يجعل نسبة البطالة لا تتجاوز اليوم الـ5 في المائة.
إلا أن المنطقتين بحاجة ماسة إلى العاصمة روما ومناطق الجنوب اقتصادياً ومالياً وثقافياً.
الباسك
ويريد إقليم الباسك أيضاً الاستقلال عن إسبانيا وفرنسا، فهو إقليم ضخم يمتد عبر جبال البيرينييه الغربية على الحدود ما بين البلدين. عدد سكانه 2.2 مليون نسمة، وعاصمته فيتوريا غاستيز، وتصل مساحته إلى نحو 20 ألف كم مربع. يعد إقليم الباسك مركز الصناعة الثقيلة، وأصبح اليوم كذلك مركز التكنولوجيا والمال، وهو لا يختلف عن الإسبان ثقافياً فحسب بل وأيضاً اقتصادياً، بعد أن أخذت حكومة الإقليم أمر تنميته بيدها على مدى أكثر من عقد من الزمن. ففي عام 2016 وصل دخل الفرد سنوياً إلى نحو 32 ألف يورو، وهو أكثر بثُلث من المتوسط الإسباني و40 في المائة فوق متوسط جميع دول الاتحاد الأوروبي، ووصل ناتج الإقليم القومي الإجمالي العام الماضي لنحو 16.6 مليار يورو. ومنذ أكثر من قرن تمثل بلاد الباسك واحدة من أهم التجمعاتِ الصناعية في إسبانيا، وتحتل واحدة من أكبر البؤر المالية في المحور الأطلسي الأوروبي.
وكان إنتاجه سنة 2007 يعادل ما نسبته 10.7في المائة من إجمالي الناتج الداخلي الصناعي في إسبانيا، وهي نسبة كبيرة لمنطقة لا تشكل سوى 4.7 في المائة من سكان إسبانيا. ومن أهم مدنها بالباو الصناعية وسان سباستيان.
ويتم في كل سنة إنشاء ما يقارب من الـ5.000 شركة تجارية فيها، معظمها تقليدي، وهي بعكس كاتالونيا التي وقعت تحت وطأة الديون.
أسكوتلندا
عدد سكان هذا الإقليم يقارب الـ5.4 مليون نسمة، وعاصمته أدنبرغ، وهو واحد من العناصر المكونة للمملكة المتحدة. دستورياً، هو دولة تتمتع بحكم ذاتي، إلا أن البرلمان البريطاني يحتفظ بالقدرة على إدخال الإصلاح إليه، والتغيير، أو إلغاء الحكم، لذا يمكن القول: إن البرلمان هناك ليس ذا سيادة مطلقة، وعليه يطالب بالاستقلال التام.
يبلغ حجم الناتج القومي الإجمالي في أسكوتلندا 127 مليار جنيه إسترليني سنوياً، ويعمل في قطاع الصناعة خُمس القوى العاملة التي تشكل 20 في المائة من الناتج الإجمالي. أهم منتجات أسكوتلندا الصناعية المواد الكيميائية والمعدات الإلكترونية والآلات الصناعية والمنتجات النفطية والصلب والأقمشة والمشروبات الروحية. وتتركز معظم هذه الصناعات في المنخفضات الوسطى، وأهم مراكزه الصناعية غلاسكو التي تشتهر بالصناعات المعدنية.
وقد شهدت الصناعات النفطية، بما فيها صناعة البتروكيميائيات، نمواً سريعاً في أسكوتلندا إثر اكتشاف النفط الذي يحقق عائدات ضريبية تصل إلى 7 مليارات جنيه سنوياً، وزاد دعم الاقتصاد اكتشاف الغاز الطبيعي في قاع الجزء الشمالي من بحر الشمال في الستينات من القرن العشرين. وتمثل أبردين مركز الأعمال الخاص بإنتاج النفط، في حين تمثل أدنبرة مركز الطباعة والنشر، كما أنها تشتهر بصناعة الويسكي، ويصل حجم صادراتها منه إلى 4.2 مليار جنيه.
وتبلغ إيرادات أسكوتلندا من ما يسمى بالصناعة الإبداعية، التي تتكون من الأدب والأفلام والأزياء والبرمجيات وألعاب الكومبيوتر لوحدها ما يقارب من الـ4.8 مليار جنيه، ويعمل في هذه الصناعات نحو 64.000 شخص. ومع ذلك، فإن عائدات الضرائب لا تفيد أسكوتلندا لوحدها، ولكن المملكة المتحدة ككل، وهي حقيقة غذت النقاش السياسي حول استقلال الإقليم.
