«الكابتن ماجد»... مسرحية تدخل البهجة لأطفال نزحوا من الرقة

ضمن «مشروع أمل» في مخيم عين عيسى

مدرس يشرح قصة «الكابتن ماجد» لأطفال مخيم للنازحين في عين عيسى ({الشرق الأوسط})
مدرس يشرح قصة «الكابتن ماجد» لأطفال مخيم للنازحين في عين عيسى ({الشرق الأوسط})
TT

«الكابتن ماجد»... مسرحية تدخل البهجة لأطفال نزحوا من الرقة

مدرس يشرح قصة «الكابتن ماجد» لأطفال مخيم للنازحين في عين عيسى ({الشرق الأوسط})
مدرس يشرح قصة «الكابتن ماجد» لأطفال مخيم للنازحين في عين عيسى ({الشرق الأوسط})

في ساحة «مشروع أمل» في مخيم عين عيسى على بعد خمسين كيلومتراً شمال غربي مدينة الرقة، وقف طفل ناظراً إلى كرة قدم وُضعت في منتصف الملعب وإلى جانبه لاعب ثانٍ يرافقهما حارس المرمى بكل ثقة، في انتظار صافرة البداية وأعينهم البريئة تشتعل حماسة ليبدأوا مباراتهم الكروية في وجه لاعبي الفريق الخصم الذين وقفوا في الجهة المقابلة.
بعد مرور دقيقة ركض لاعب ثالث وصاح بأعلى صوته: «مرر الكرة لي يا ماجد». يجيبه وليد الذي كان واقفاً خلف ماجد: «اتجه نحو المرمى لأقذفها لك»، في حين بدأ لاعبو الفريق الخصم الركض باتجاه ماجد وفريقه.
في هذا المشهد، افتتح أطفال «مشروع أمل» عرضهم المسرحي الأول في مخيم عين عيسى، الذي حمل عنوان «الكابتن ماجد»، معلناً البدء في مرحلة جديدة لأنشطة المركز. «رسالة مسرحية الكابتن ماجد إدخال الفرحة والبهجة ورسم الابتسامة على وجوه أطفال الرقة، فكرة المسرحية تقوم على الحركات والأنشطة؛ لأن أطفال الرقة وبعد الحرب التي دمرت مدينتهم وبسبب احتلال تنظيم داعش، حرموا من الطفولة واللعب والنشاط وهم في الجيل»، بحسب آمنة أحمد الحسن، مديرة مشروع أمل للطفولة.
وقدمت اليابان بالتعاون مع منظمة اليونيسيف 100 كتاب من نسخ قصة «الكابتن ماجد»، حيث تم توزيعها في مخيم عين عيسى، وقد تبرعت بها «دار شويشا» والأخيرة إحدى أكبر دور النشر في اليابان.
ويستضيف مخيم عين عيسى عددا كبيرا من الأطفال وأسرهم النازحين من الرقة بسبب القتال الأخير قبل طرد مقاتلي تنظيم داعش منتصف الشهر الماضي، ومنذ أبريل (نيسان) 2017 أجبر أكثر من ربع مليون شخص على الفرار من ديارهم بسبب الاشتباكات العسكرية، نصفهم من الأطفال، وتضيف آمنة: «(مشروع أمل) مساحة صديقة للطفل يهدف إلى تفريغ طاقاتهم من خلال اللعب والأنشطة، نعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي للطفل، من خلال نشاطات ترفيهية وتقديم التوعية الصحية والمسرحيات لاكتساب مهارات الحركة وتنشيط الذاكرة».
يعمل «مشروع أمل» بدعم وتنسيق من منظمة «يونيسيف» على مساعدة الأطفال لمواجهة واقعهم بعد سنوات من العنف والتشريد، وفي الخيام المخصصة للمشروع، ينخرط الأطفال في أنشطة تعليمية وترفيهية منظمة ومراعية للسن كشكل من أشكال الدعم النفسي الاجتماعي، كما يتردد الأطفال على المراكز بدافع الغناء والرقص واللعب والرسم والقراءة.
وبحسب محمد حسين محمد، المشرف العام على «مشروع أمل» في مخيم عين عيسى، يتبع المركز لـ«جمعية البر والإحسان الخيرية»، بدعم وتمويل من منظمة «يونيسيف». وافتتح أول برنامج للمشروع داخل المخيم في الأول من شهر يوليو (تموز) الماضي. ويشرح محمد ماهية المشروع: «هو عبارة عن خمسة أقسام، قسم خاص بالخياطة والتطريز والنسيج، وقسم خاص بدعم وتمكين النساء، وقسم إدارة الحالة، وقسم خاص بالتوعية من الألغام والمخاطر، والقسم الخامس وهو الأكثر إقبالاً لأنه ترفيهي يشمل الأنشطة الحركية والرسم والموسيقى».
وبدأ «مشروع أمل» مرحلة جديدة من أنشطته تستمر ثلاثة أشهر حتى نهاية شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، يستهدف نحو 350 طفلا تتراوح أعمارهم بين 6 سنوات و18 سنة، يتردد الطفل إلى المشروع ثلاثة أيام كل أسبوع، ويحصل في كل يوم على ساعة ونصف الساعة من الترفيه. ويضيف محمد: «المركز غير تعليمي، نحن نعمل ضمن إطار الدعم النفسي والحركي للأطفال، كما نقوم بتوزيع القصص مجاناً على الأطفال، حيث يتم تدريبهم على الحركات والألعاب والغناء والموسيقى».
والهدف الرئيسي لمجموعة الأنشطة لمشروع أمل: «إخراج الأطفال من دائرة الحرب، وتهيئتهم للعودة إلى المدرسة، وللحياة الطبيعية بعد أن حُرموا منها طيلة ثلاثة سنوات من حكم تنظيم داعش المتطرف، لأن مرحلة بناء الطفل وتعليمه بدأت الآن»، والكلام لمشرف المشروع محمد الحسين.
في خيمة ثانية ضمن «مشروع أمل»، تجلس سعدية (35 سنة) المنحدرة من مدينة الرقة، إلى جانب نسوة أخريات قررن تعلم فنون الخياطة والنسيج، ونقلت إنها تريد التعلم والتدريب وقضاء وقتها في شيء مفيد، مضيفة: «في المخيم لا يوجد شيء أعمله أو أنجزه، قبل النزوح كنت أحلم أكون خياطة، أما اليوم فأسعى إلى أن أتدرب وأكتسب مهارة جديدة تعيل أسرتي».
وتقول المشرفة على قسم التطريز والنسيج، بسمة العليان: إن «40 سيدة وفتاة مشاركة في أنشطة القسم، كل منهن تقضي ساعتين وقتهن، تتعلق جميع الأعمال التي يقومن بها بالنسج والتطريز والخياطة والحياكة، بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي للنساء المشاركات داخل القسم».
في حين تقدم ثلاث اختصاصيات اجتماعية في القسم الدعم النفسي للنساء، وتزيد بسمة: «خاصة بعد ما تعرضن له من مشاهدة وحشية وأعمال إجرامية قام بها عناصر تنظيم داعش، إضافة إلى توعيتهنّ بظاهرة الزواج المبكر التي انتشرت بالمخيم مؤخراً».
في حين خصصت خيمة ثالثة لإعطاء دروس توعوية عن أخطار الألغام والابتعاد عن مخلفات الحرب، وتحولت الخيمة إلى معرض للرسوم والإشارات والأجسام التي تشبه الألغام، حيث يقف المدرس إسماعيل رشيد، المنحدر من مدينة الرقة، في وسط الخيمة ويمسك بيده صورة كبيرة كتب في أعلاها «حملة الوقاية من المخلفات المتفجرة»، يقف طفل ينظر إلى شاخصة رسمت عليها جمجمة ودهنت باللون الأحمر، ورجل يقود عربة يدوية لنقل بقايا صواريخ وقذائف، وتحذر صورة ثانية من العبث بالأجسام الغريبة، وضرورة تركها مكانها كي لا تنفجر.
تعتمد إدارة المشروع في توعية الأطفال من خلال الصور الملونة لإيصال الرسائل المراد تعليمها، وتم تعليق الكثير منها في الخيمة، ويعزو المدرس إسماعيل: «إن الأطفال وبهذا الجيل، لا يفهمون المصطلحات العلمية بالشكل التقليدي عبر الدروس والكتب التعليمية؛ لذلك نعتمد إلى الصورة لأنها تصل بشكل أسرع إلى ذهنية الطفل، وتبقى عالقة في ذاكرته»، منوهاً «أن الصور تشرح الغاية بشكل تفصيلي عن خطورة هذه المخلفات وضرورة الابتعاد عنها والحذر منها».
وقامت منظمة اليونيسيف بتوزيع الآلاف من نسخ مجلة «مشوار» الخاصة بالتوعية من مخاطر المخلفات المتفجرة، داخل المخيم عبر «مركز أمل»، وفي ريف الرقة للحذر والتوعية قبل عودة الأهالي إلى مدينتهم التي عمد عناصر التنظيم لزرع الآلاف من الألغام والمفخخات المتفجرة.
ويضيف المدرس إسماعيل: «كل صورة تشرح جانبا محددا، لمساعدة الطفل على حفظ أكثر النقاط التي من المحتمل أن يكون فيها ألغام، فالصورة تساعد الطفل كيف يتصرف في حال وجد لغماً، ويتبّع التعليمات الإرشادية للابتعاد عنها».
وفي الختام، يقول مشرف المشروع محمد الحسين: «إننا نعمل على إعادة الثقة وزرع روح الحياة في أنفس المشاركين بالمشروع عبر ما يقدمه من دعم وتوعية، في محاولة لتخليصهم من الخوف والرعب الذي تركه تنظيم داعش المتشدد، وإعادة روح الطفولة إلى الأولاد».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.