مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

يحتمي بها مسؤولون وسياسيون... وتمتلك سجوناً وتسن «قوانين»

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟
TT

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

مَن ينزع سطوة ميليشيات ليبيا؟

استيقظت مدينة ترهونة الليبية، ذات صباح، على جريمة قتل جماعي في «حي القانون»، سالت فيها دماء ثمانية أشخاص من عائلة واحدة، رمياً بالرصاص، بجانب هدم وإضرام النيران في منزلها، على أيدي عناصر من ميليشيا «الكاني» التي يقودها أحمد الساعدي، مقرر المؤتمر الوطني السابق، القيادي البارز بتنظيم «الجماعة الليبية المقاتلة». و«الكاني» أو «الكانيات» كما يطلق عليها سكان البلدات المجاورة للمدينة الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، هي واحدة من عشرات الميليشيات المسلحة التي أسس بعضها بهدف إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011، لكنها عقب التخلص منه تتمدد على طول البلاد وعرضها، تحت شعار «الثورة والثوار» بهدف «ضبط الأمن والمحافظة على المنشآت العامة»، وسرعان ما استشرى نفوذها في البلاد في غيبة الجيش والشرطة، وبفضل مساعدة حكومات متعاقبة أغدقت عليها بالرواتب الشهرية، فأصبحت ملاذاً آمناً للطامعين، والعاطلين، والخارجين عن القانون.
على مدار ست سنوات، ترسّخ وجود الميليشيات الليبية، من «سرايا الدفاع عن بنغازي» شرقاً إلى «فجر ليبيا» غرباً، بحسب الانتماءات الجهوية أو الأيديولوجية، حتى أصبح منها الذراع العسكرية لمدن بعينها، أو لجماعات إسلامية بذاتها. وبعضها بات يستخدم في حراسة المسؤولين، وكبار السياسيين، وصولاً إلى نوع أخير يمتهن الخطف والسرقة والحرابة، وفي أحسن الأحوال يتاجر في البشر.
باتت ليبيا غارقة في بحر من الميليشيات ذات الطابع الاقتصادي والأيديولوجي، عوضاً عن الملمح الذي يكتسب خصوصية فريدة والمتعلق بـ«ميليشيات القبائل»؛ وهي جيوش صغيرة متماسكة تختص بحماية القبائل والذود عنها- أو الدفاع عن مصالحها ومهاجمة أعدائها.
المشهد الليبي ضاعت فيه حقوق ودماء كثيرة بين كتيبة «ثوار طرابلس» الموالية للمجلس الرئاسي، و«الجماعة الليبية المقاتلة» الداعمة لحكومة «الإنقاذ الوطني». وبالفعل، باتت هذه الجماعات والزمر المسلحة كابوساً ثقيلاً يجثم على صدور المواطنين، وهو ما دفع هؤلاء في القرة بوللي (شرق العاصمة) للتهديد بالعصيان المدني لحين إخراج التشكيلات المسلحة من مدينتهم.

بحثاً عن حلول
«الشرق الأوسط» حققت في الأزمة، وسألت مسؤولين في المؤسستين العسكرية والأمنية، ومشايخ قبائل، ونشطاء، وإعلاميين، عن الجهة التي تستطيع نزع سلاح الميليشيات، وتفكيك بنيتها؟ ومدى إمكانية دمج أعضائها وكوادرها في الحياة العامة؟
في يوم 29 سبتمبر (أيلول) 2012 انطلقت مبادرة لجمع السلاح من المواطنين و«الثوار» وتسليمه للجيش الوطني الليبي في ساحة الحرية في مدينة بنغازي وميدان الشهداء بالعاصمة طرابلس، تحت إشراف رئاسة الأركان العامة بالجيش، ووزارتي الداخلية والأوقاف والشؤون الإسلامية، ومؤسسات المجتمع المدني. غير أن توترات المشهد السياسي وتعقيداته، ألقت بظلالها على الميليشيات، فكما يسعى كل فريق سياسي إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات حسماً من رصيد الطرف الآخر، يفعل «الميليشياوية». وبالتالي، نجدهم يعملون على حماية «فريقهم السياسي» نهاراً، ويحاربون بعضهم البعض بالمدرعات والمدفعية الثقيلة ليلاً «لكسب أرضٍ جديدة»، وهو ما فعلته كتيبتا «ثوار طرابلس»، التي يقودها هيثم التاجوري، و«النواصي» المواليتان لوزارة الداخلية في حكومة «الوفاق الوطني»، عندما اندلعت بينهما حرب في زاوية الدهماني بالعاصمة، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لاسترداد مقارٍ استولوا عليها من بعضهما.
الميليشيات الموالية للمجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق الوطني» برئاسة فائز السراج لا تقتصر على «ثوار طرابلس» و«النواصي» فقط، بل هناك أيضاً ميليشيا «الأمن المركزي» في حي «أبو سليم» بقيادة عبد الغني الككلي الملقب بـ«غنيوة»، و«قوة الردع الخاصة» - وهي الأكثر تسليحاً وعدداً في العاصمة - ويترأسها الشيخ عبد الرؤوف كارة. وهذه الأخيرة تمارس سلطاتها على المنطقة المجاورة لمطار معيتيقة الدولي، وهي المنطقة التي شهدت اشتباكات واسعة في منتصف أكتوبر الفائت بين «قوة الردع الخاصة» وميليشيا مسلحة من منطقة الغرارات، تعطلت على إثرها حركة الملاحة الجوية، فضلاً عن سقوط عديد القتلى والجرحى.
أيضاً تُعدّ ميليشيا «لواء زاوية المحجوب» التابعة للمجلس العسكري في مدينة مصراتة (شمال غرب ليبيا، شرق طرابلس) من أهم داعمي «المجلس الرئاسي» فهي مكلفة بحراسة مبنى رئاسة الوزراء بوسط طرابلس، وتتكوّن من 1200 مسلح وينطق باسمها حمزة بوسنينة. وتُضاف إليها ميليشيات أحمد الدباشي، الشهير بـ«العمو» في مدينة صبراتة (إلى الغرب من طرابلس) المتهم بالاتجار في البشر، قبل أن يباشر بالاعتماد عليه كمناهض للاتجار، والاعتراف بأنه سبق له ممارسة عمليات تهريب البشر لكنه اعتزلها وأصبح يقف ضدها في المدينة. غير أن الناطق باسم غرفة مكافحة «داعش» في صبراتة صالح قريسيعة، اتهم الدباشي خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» بأنه «من أكبر مهرّبي البشر على مستوى ليبيا». وادعى أنه «ضالع في تهريب الوقود، والسيطرة على المصارف في صبراتة وتحويل العملة إلى الخارج».

اتهامات... اتهامات
من جهة ثانية، دائماً ما يوجّه المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، العميد أحمد المسماري، اتهامات للسراج وبعض أعضاء مجلسه، بأنهم «يدعمون الميليشيات» في طرابلس، لكن مسؤولاً عسكرياً كبيراً بحكومة «الوفاق الوطني» قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المجموعات المسلحة في العاصمة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة، بسبب منحها المال، والإفلات من القانون». وتابع «أن المجلس الرئاسي يتعامل مع الكيانات المسلحة وفقاً للمادة (33) من اتفاق الصخيرات، بدمج المسلحين الراغبين في صفوف المؤسستين العسكرية والأمنية»، وهو ما اتفق عليه السراج وحفتر خلال لقائهما في فرنسا الخامس والعشرين من يوليو (تموز) الماضي.
وفي موازاة الميليشيات التي تقف خلف «المجلس الرئاسي»، تأتي نظيراتها الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» (المنتهية ولايته) وللمفتي الصادق الغرياني، ما يجعل العاصمة تقف على حافة الخطر كل ليلة مع تجدد الاشتباكات من وقت لآخر في معارك يسقط فيها قتلى وجرحى. وعلى الرغم من تفكيك عملية «فجر ليبيا»، وانسلاخ بعض ميليشيا «جبهة المؤتمر»، فإن البعض الآخر منها يتربص بحكومة «الوفاق الوطني» ومنشآته في العاصمة، ومنها «لواء الصمود» بقيادة صلاح بادي و«القوة المتحركة» بقيادة عادل شيتا، وكتيبة صلاح البركي أحد قادة التشكيلات المسلحة، وينتظر هؤلاء «لحظة اقتحام طرابلس».

«الجماعة»... و«الحرس الوطني»
وتظل «الجماعة الليبية المقاتلة» هي الأكثر ارتباطاً بالتطرف في البلاد منذ أعاد عبد الحكيم بالحاج تأسيسها وترتيب صفوفها في عام 1990 وتدريب أعضائها بـالجبل الأخضر (شمال شرقي البلاد)، بعد مشاركاته المسلحة في أفغانستان ضمن تنظيم القاعدة، في حين يسيطر القيادي بالجماعة ذاتها خالد الشريف على قوات تسمى «حرس السجون»، ومع أنه لا يحمل أي رتبة عسكرية إلا أنه كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع خلال فترة حكومتي عبد الرحيم الكيب، وعلى زيدان، عامي 2012 حتى 2014.
وفي فبراير (شباط) الماضي، أعلن العميد محمود الزقل، بمقر كتيبة الصواريخ بمنطقة صلاح الدين بطرابلس، عن تأسيس «الحرس الوطني الليبي»، مؤكداً أنه سيتعاون مع وزارة الداخلية وكل المؤسسات الأمنية لتحقيق أهدافها. وللعلم، ميليشيا «الحرس الوطني» موالية لـ«حكومة الإنقاذ»، ودار الإفتاء المناوئة للمجلس الرئاسي، وأكثر عناصره من مدن مصراتة وزليتن وترهونة وغريان وطرابلس.

وضع شرق ليبيا
وبعيداً عن العاصمة، وفي شرق البلاد، قال ناصر سوالم، المتحدث باسم كتيبة الاقتحام في الشرطة العسكرية ببنغازي، «لا يوجد لدينا أحد فوق القانون»، وذكر خلال حديث مع «الشرق الأوسط» أن وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة التي يترأسها عبد الله الثني «أطلقت مبادرات توعوية عديدة لجمع السلاح من المواطنين، في المنطقة الشرقية، بالتعاون مع القيادة العامة للجيش والمجتمع المدني». وأضاف سوالم «منطقتنا خالية تماماً من الميليشيات المسلحة»، واستطرد رداً على سؤال عن «مجلس ثوار بنغازي» بالقول «هؤلاء عبارة عن مجموعة من الإرهابيين، استطاع الجيش أن يتغلب عليهم، ويطهر بنغازي منهم... كل الكتائب المسلحة أصبحت تنضوي في المؤسسة العسكرية تحت رئاسة المشير خليفة حفتر».
ولكن، على الرغم من مرور قرابة سنتين على توقيع «اتفاق الصخيرات»، المُوقع في المغرب ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، ما زالت الميليشيات المختلفة تستنزف ثروات ليبيا، فضلاً عن هز أمنها بأعمال الخطف والسرقة. بل، بات بعضها «دولة داخل اللا دولة» بحسب بعض الليبيين، الأمر الذي لخّصه الدكتور عبد الرحيم البركي، عضو مجلس مشايخ وأعيان قبائل ترهونة (شمال غربي البلاد)، لـ«الشرق الأوسط» بقوله: إن «جميع المكوّنات المدنية والمسلحة تدّعي أنها الشرعية الوحيدة في البلاد، وغيرها على باطل».
وأردف البركي «لقد أضحت ليبيا مرتعاً لكل أعمال الفساد والإجرام بسبب غياب الدولة بمعناها الحقيقي. ولهذه المشكلة أسباب عدة، بعضها داخلي، والبعض الآخر خارجي، خصوصاً أن معظم التشكيلات المسلحة إفراز طبيعي لحالة الفوضى منذ عام 2011». وأرجع البركي بين أسباب انتشارها إلى «القرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني، إبان ولايته، وللأسف استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن توجه هذه القرارات لخدمة مشروعها».
ثم تحدث البركي عما يجب مراعاته في التعامل مع هذه التشكيلات، فقال: «يجب إدراك أنها باتت أمراً واقعياً يحتاج منا إلى التعامل بتؤدة معها، وهذا يعني مزيداً من تعقيد المشهد»، مستدركاً «الجيش الليبي يستطيع نزع سلاح الميليشيات، بعدما ظهر قوياً في المنطقة الشرقية وبعض مناطق الغرب الليبي».
واختتم البركي تشخيصه للوضع بالقول: إن الحل في ليبيا «ينبغي أن يكون عسكرياً بامتياز... فالحوار غير مجدٍ، لأنه غير متكافئ ولا تمارسه كل الأطراف، بل هو مجرد محاصصة سياسية فوضوية... دور القبائل لا يزال ضعيفاً، خصوصاً أن بعض الميليشيات جهوية مناطقية قبائلية».

دور القبائل
من جهته، اقترب جمال أبو فرنة، شيخ قبيلة الفواخر بمدينة سلوق (شرق ليبيا)، من رؤية البركي، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن «المكوّن الأساسي للميليشيات من أبناء القبائل، باستثناء بعض الدخلاء الذين أتوا إلى ليبيا عقب سقوط نظام القذافي، مستغلين حالة الانفلات الأمني بهدف الاسترزاق من أعمال الحرابة، والسطو المسلح». وأردف «بعض المجرمين، الذين يمارسون أعمالاً محرّمة قانوناً، وهؤلاء يجب التصدّي لهم بقوة».
ورأى أبو فرنة، أن بعض القبائل تتصدّى للميليشيات وتسحب أسلحتها. و«من هذه الميليشيات جماعات تستجيب وتندمج في الحياة العامة مرة ثانية»، قبل أن يتابع: «لكن بالنسبة للدخلاء، فهؤلاء تتولاهم الدولة والجيش، وتخضعهم للقانون»، مطالباً «بدور فعال من جامعة الدول العربية، والأمم المتحدة للتصدي للميليشيات».
ومضى شيخ قبيلة الفواخر موضحاً «لشيخ القبيلة مكانة كبيرة، ويمكنه بالحوار استمالة المسلحين، وإقناعهم بترك السلاح، والانخراط مجدداً في الحراك المجتمعي بعيداً عن العنف». إلا أنه يشترط أن يكون المفاوض «وطنياً محباً لبلاده، ولا يتفاوض من أجل المناصب... هذه مسألة قائمة على الثقة، وفي ليبيا أُناس يتقنون فن التحاور».
وبعيداّ عن الرؤيتين السابقتين، قال إسماعيل بازنكة، أحد نشطاء قبيلة التبو في جنوب ليبيا إن «لا أحد يستطيع نزع سلاح الميليشيات طالما لم تهيأ الأرضية المناسبة ولم توفر البيئة الملائمة». وتابع بازنكة في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحاً «هناك ميليشيات تتبع قبائل، وأخرى تنتمي لفصائل سياسية، وثالثة لجماعات دينية، وهذا ناهيك عن ميليشيات تجارة السلاح والمخدرات والهجرة غير الشرعية، وكل هذا بالإضافة إلى المتربصين بحقول النفط، وبالتالي، فما يتوافق مع هذه يختلف عن تلك».
ومضى بازنكة، وهو رئيس «منظمة أمل الجنوب للسلام والتنمية المستدامة» في شرحه ليقول: إن «ميليشيات القبائل لن تسلم سلاحها طالما لم تتوافر ضمانات حقيقية بألا تتعرض لاعتداءات، من ضمنها نزع سلاح خصومها، ونزع شرعية ميليشيات أخرى قد تعتدي عليها». وضرب بازنكة مثلاً على ذلك، عارضاً «نحن لدينا تجارب سابقة مع (المؤتمر الوطني)، فجميع القبائل التي تعرضت للاعتداء عليها في السابق من تشكيلات مسلحة تتبع حكومة الإنقاذ، تتسلح اليوم وتزيد من ترساناتها تحسباً لأي طارئ»، وبناءً عليه فهو يقترح أن «تشكل لجنة أممية بعضوية دول الجوار لدراسة آلية نزع السلاح ووضع خطة مع مراعاة تركيبة كل ميليشيا». واستطرد «ثمة قبائل تخشى العودة إلى المربع الأول من الاضطهاد والتهميش... ولا يمكن لقبائل التبو أن تقنع ميليشياتها بتسليم سلاحها طالما لم تتوافر ضمانات دستورية حقيقية تسهل دمجها في الحياة العامة من خلال عدالة انتقالية، وجبر ضررهم، وبعدها، يمكن أن تتم المصالحة الوطنية».
أما فيما يتصل بالميليشيات الدينية، أو الراديكالية، من بينها، فيرى بازنكة مجابهتها بـ«الفكر، والعمل على توفير فرص عمل للشباب المنخرطين فيها، وتأسيس مؤسسات تنموية تستوعبهم»، ويرى بازنكة أن «معظم مسلحي الجماعات الإرهابية وجدوا إقصاءً وقلة عناية من الدولة فوجدوا في الميليشيات حواضن ملائمة...». وأخيراً، تحدث بازنكة عما سماها «الميليشيات الاقتصادية» وهي التي تتخصص في سرقة المواد البترولية، وتهريب العملة، فقال: «المكافآت والامتيازات المالية التي يحصلون عليها تجعل علاقتهم قوية بآمر الميليشيا... والحل المطلوب لتفكيك هذه الميليشيات يكمن في تجفيف منابع ثرواتها، والتضييق عليها اقتصادياً، وفرض عقوبات على أمرائها».

لا ينقصنا مبادرات
رداً على اقتراح بازنكة بتشكيل «لجنة أممية بعضوية دول الجوار» رد الصحافي الليبي الحسين بن كريم بالقول إن «ليبيا لا ينقصها مبادرات»، مذكّراً في لقاء مع «الشرق الأوسط» بـ«تعدد المبادرات في السابق، عندما قدم عديد من منظمات المجتمع المدني، والأحزاب، والشخصيات، مقترحات تضمنت تصوراً متكاملاً لنزع السلاح وحل الميليشيات». وتابع: «أغلبها اعتمد على فكرة شراء الدولة للسلاح من المواطنين، ودفع قيمة مالية يتفق عليها لمدة 6 أشهر أو سنة، بعدها يصدر قانون بتجريم حمل السلاح أو الاحتفاظ به، وتم إنشاء هيئة شؤون المحاربين للعناية بجميع المسلحين السابقين ومجموعاتهم المسلحة، ومن دون أي تمييز من خلال إعادة دمجهم في المؤسسات الأمنية والعسكرية».
وأردف بن كريم، الذي ينتمي إلى مدينة درنة (شمال شرقي ليبيا) «لكن للأسف دار صراع على الهيئة، وسيطرت عليها شخصيات محسوبة على الإسلام السياسي، ففشلت في مهمتها رغم الجهود التي بذلها بعض القائمين عليها، ما ساهم في ترسيخ الميليشيات التي باتت تمتلك سجوناً، وتطبق قوانين خاصة بها». وتابع: «هنا يجب التأكيد على أنه لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية لجمع السلاح وحل الميليشيات في ليبيا، خصوصاً في فترة ولاية (المؤتمر الوطني العام). ومرجع ذلك أن جماعات وأحزاب الإسلام السياسي كانت قد حسمت أمرها في حال خسرت الانتخابات عبر صندوق الاقتراع، بحيث يكون البقاء في السلطة عبر صندوق الذخيرة، وهو ما يحدث الآن على أرض الواقع، مما يجعل نزع السلاح وجمعه من المواطنين عملية معقدة وبالغ الصعوبة».
بن كريم قال أيضاً إن «ما يزيد من صعوبة نزع السلاح وحل الميليشيات هو تحقيق مصالح اقتصادية كبيرة تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لأمراء تلك الميليشيات من عمليات الابتزاز والخطف، والسيطرة على بعض المنشآت الحيوية مثل المنافذ البرية والمطارات والموانئ، فضلاً عن عمليات تهريب العملة الصعبة، والوقود والسلع المدعومة». وينطلق بن كريم من رؤية أوسع، فيقول إن «الاستعانة بالضغط الاجتماعي عبر الأسرة، والعائلة، والقبيلة لتفريغ الميليشيات من المقاتلين، مرهون بالضمانات التي تقدمها الدولة للمواطنين، بالإضافة لإعداد قوات شرطة منضبطة، وجيش موحد يخضع للضبط والربط وفق التسلسل القيادي، ويحترم الدستور والقانون، بالإضافة إلى مؤسسة قضائية نزيهة تعيد الحقوق إلى أصحابها ونجاح المصالحة الوطنية في حل النزاعات التي خلفها الصراع المسلح».
من جانبه، رأى القيادي في «حركة شباب مصراتة» سليمان البيوضي، أن المجموعات المسلحة في ليبيا الآن عبارة عن «بقايا تشكيلات، تمتهن السلب والحرابة، أو فروع لجماعات إرهابية مصنفة بقرارات مجلس الأمن». ورأى أن «(كتائب الثوار) المُنظمة، التي تدخلت في الحرب الأهلية بالبلاد، غالبيتها من المدنيين المنخرطين بالثورة، وفُرض عليهم حمل السلاح، وحتى الحروب التي دخلوها تم شرعنتها ودمج أغلب عناصرها في الأجهزة الموازية التي استحدثت بعد الثورة».
واستطرد البيوضي «غالبية هؤلاء الشباب أصبحوا غير مقتنعين الآن بالمعارك العبثية... التعامل معها يجب أن يكون براغماتياً، من خلال البدائل التنموية، والاستفادة من طاقاتهم في البناء والتنمية، وإعادة تأهيلهم في الحياة المدنية. بإمكان المؤسسة العسكرية نزع سلاح المجموعات المسلحة، شريطة بسط نفوذها على كامل التراب الليبي، وإجراء عمل متوازن مع حكومة وحدة وطنية للخروج من هذه الدوامة».



حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.