راخوي يراهن على حل أزمة كاتالونيا «قانونياً»

استبعاد عودة بوتشيمون إلى إسبانيا للمثول أمام القضاء

يواكيم فورن وزير الداخلية المقال  لدى وصوله إلى مطار برشلونة من بلجيكيا (أ.ف.ب)
يواكيم فورن وزير الداخلية المقال لدى وصوله إلى مطار برشلونة من بلجيكيا (أ.ف.ب)
TT

راخوي يراهن على حل أزمة كاتالونيا «قانونياً»

يواكيم فورن وزير الداخلية المقال  لدى وصوله إلى مطار برشلونة من بلجيكيا (أ.ف.ب)
يواكيم فورن وزير الداخلية المقال لدى وصوله إلى مطار برشلونة من بلجيكيا (أ.ف.ب)

بخلاف كل سنة، لم تكن الكستناء وكعكة «بانييتس» الشهيرة وأطباق البطاطس الحلوة محور اهتمام «الكتلان» في إجازة «عيد جميع القديسين» أمس، إذ اخترقت النقاشات السياسية بيوت العائلات المجتمعة في كل أنحاء الإقليم الانفصالي، وحتى رحلاتهم من وإلى المقابر للترحم على أقاربهم كما تقضي التقاليد.
وتقول ماريّا منديز، من وراء منضدة أحد المقاهي في شارع «أراغو» البرشلوني، إنها لم تنضم إلى عائلتها في طراغونة للاحتفال بالمناسبة هذا العام: «لكن شغلهم الشاغل هو متابعة مستجدات أزمة الإقليم مع مدريد». وفيما يبدو أن أسوأ أزمة في إسبانيا منذ محاولة الانقلاب العسكرية في عام 1981 قد هدأت، بات سكان الإقليم يدركون أن تداعياتها ستستمر لسنوات.
ونجح رئيس الوزراء الإسباني، ماريانو راخوي، في إجهاض المشروع الانفصالي لإقليم كاتالونيا واحتواء مئات آلاف المتظاهرين الغاضبين، لكنه يواجه اليوم تحديا حقيقيا لإطفاء الشعلة الاستقلالية في الإقليم الغني وإقناع الكاتالونيين بنية مدريد احترام مؤسساتهم المحلية وحكمهم الذاتي. وتحوّل راخوي في نظر الكثيرين بمدريد إلى «القائد المنقذ» كما وصفته «بلومبيرغ»، بعد أن أثقلت فضائح الفساد التي طالت مسؤولين بحزبه كاهله. في المقابل وفي الوقت الذي أشاد الإسبان الداعمون للوحدة والشركاء الأوروبيون بإدارة راخوي الذكية للأزمة، تراجعت شعبيته بين المواطنين الكاتالونيين، الداعمين منهم الاستقلال والرافضين، الذين يجمعون على ضرورة تعزيز سلطات الإقليم. واعتبر الانفصاليون لجوء مدريد إلى «العنف» ومصادرة صناديق الاقتراع ومنع ناخبين من التصويت في الاستفتاء المعلن من جانب واحد حول استقلال كاتالونيا، دليلا على «قمع» السلطات الإسبانية لطموح كاتالونيا.
وقاد راخوي منذ 1 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي سلسلة من الإجراءات القانونية لتعطيل المشروع الانفصالي، شملت حل برلمان كاتالونيا وإقالة حكومة الإقليم وإخضاعه إلى الحكم المباشر للحكومة المركزية وإعلان انتخابات في 21 ديسمبر (كانون الأول). وجاء آخر إجراء ضد رئيس كاتالونيا المقال، كارليس بوتشيمون، و13 من أعضاء حكومته في شكل تهم مرتقبة بالتمرد وخرق الدستور الإسباني وسوء استخدام الأموال العامة.

أحكام ثقيلة
استدعت «المحكمة الوطنية» الإسبانية، مساء الثلاثاء، بوتشيمون وثلاثة عشر من «وزرائه» المقالين للمثول اليوم وغدا أمامها، وسط أنباء حول احتمال صدور حكم بالسجن يصل إلى 15 عاما إذا أدينوا بـ«التحريض على الانفصال» و30 عاما إن أدينوا بتهمة «التمرد».
وقالت قاضية المحكمة الوطنية من مدريد: إن القضاء لم يصدر أحكاما بعد، لكنها شددت: «سيتوجب على بوتشيمون والأعضاء 13 من حكومته والذكورين في صحيفة اتهام النيابة العامة الإسبانية، دفع 2.6 مليون يورو». ويشير هذا المبلغ إلى الأموال التي سحبها بوتشيمون وحكومته من الخزينة العامة لتمويل الاستفتاء الذي تعده مدريد «غير قانوني». وحذّرت القاضية كارمين لاميلا، وفق صحيفة «إل باييس»، من أن الدولة ستستولي على ممتلكات وأصول المتهمين إذا لم يعيدوا المبلغ خلال 3 أيام. كما أوضحت القاضية، أن «الحكومة الكاتالونية، التي تجاهلت أوامر مدريد والقرارات القضائية، واصلت اتخاذ التدابير الضرورية لإنشاء دولة كاتالونية مستقلة تأخذ شكل جمهورية»، ما اعتبره البعض إشارة واضحة إلى توجه المحكمة لاعتبار الاستفتاء «خطة مدروسة للتمرد وخرق الدستور الإسباني».
ويترقب الكاتالونيون ما إذا كان بوتشيمون سيعود من بروكسل لحضور جلسات المحاكمة اليوم، بعد أن عاد ثلاثة من وزرائه على الأقل مساء أمس، مباشرة بعد أن صدر أمر الاستدعاء من المحكمة. إلا أن محاميه البلجيكي، بول باكيرت استبعد أن يعود موكّله إلى إسبانيا قريبا للمثول أمام المحكمة، وقال إنه سيستأنف أي محاولة من السلطات البلجيكية لتسليمه لنظيرتها الإسبانية. وفي حال أصدرت السلطات الإسبانية أمر اعتقال بحق بوتشيمون، فإنه لن يستطيع الترشح لخوض الانتخابات المقبلة.
وكان بوتشيمون قد قال أول من أمس خلال مؤتمر صحافي عقده في بروكسل وحظي بمتابعة واسعة، إنه لا ينوي طلب اللجوء السياسي في بلجيكا، إلا أنه لن يغادرها حتى يحصل على ضمانات بمحاكمة نزيهة من مدريد. وأضاف أنه توجّه إلى بروكسل لـ«أسباب أمنية»، وليكشف للعالم عن «وجوه الخلل الديمقراطي (التي تعاني منه) الدولة الإسبانية». كما أكد بوتشيمون أنه لن يتهرب من القضاء، لكنه اتهم النيابة بأنها تغذي «الرغبة في الانتقام» منه.
وكان الرئيس الكاتالوني الذي أقالته مدريد في 27 أكتوبر، توجّه بعد ساعات على إعلانه «الجمهورية» الكاتالونية من جانب واحد إلى بلجيكا الاثنين، في حين كانت قد بدأت الحكومة المركزية وضع المؤسسات الكاتالونية تحت وصايتها. وقال بوتشيمون إن «حكومته» ستتقاسم من الآن فصاعدا تسيير الأعمال، ووافق على «إبطاء إجراءات الاستقلال أجل تجنب العنف». ورد مصدر في الحكومة الإسبانية أمس على هذه التصريحات بالقول إن «العملية الانفصالية، لم تتباطأ، بل توقفت»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وأفاد الإعلام الإسباني بأن طائرة أقلت اثنين من أعضاء الحكومة الكاتالونية المقالين - على الأقل - وصلت إلى برشلونة مساء أمس، وأن عددا من المعارضين للاستقلال استقبلوهما بأعلام إسبانية وهتافات منددة بـ«خيانتهما» و«التهرب من القضاء». وكان ليواكيم فورن، وزير الداخلية السابق ودولورس باسا، وزيرة العمل، من بين الوزراء العائدين، كما ذكرت تقارير أن لويس بويغ المسؤول عن الشؤون الثقافية رافقهم كذلك.
وقد يواجه بوتشيمون وحكومته الحبس الاحتياطي، على غرار رئيسين لحركتين شاركتا في العملية الاستقلالية ووضعا في السجن في منتصف أكتوبر بتهمة «الانفصال». وستنظر المحكمة الوطنية غدا (الجمعة) في الاستئناف الذي قدمه هذان الناشطان. يذكر أن رئيسة البرلمان الكاتالوني، كارمي فوركادل، التي أقيلت من منصبها كذلك، استدعيت هذا الأسبوع إلى المحكمة العليا المختصة بالنواب. وقالت في تغريدة كتبتها أول من أمس «لا الملاحقات ولا التهديدات ستعرقل عمل المؤسسات الكاتالونية»، داعية إلى تحرك «سلمي وديمقراطي».

تراجع الانفصاليين
بعد أيام قليلة على تصويت 77 نائبا من أصل 135 لصالح إعلان «جمهورية كاتالونيا» وخرقهم الدستور الإسباني واستعدادهم لمواجهة مدريد، تراجع الانفصاليون عن موقفهم وقبلوا بالمشاركة في الانتخابات الإقليمية المبكرة التي أعلنتها مدريد. وأعلن الحزبان المشاركان في ائتلاف الحكومة المقالة، والذي يشمل الحزب الديمقراطي الكاتالوني الأوروبي الذي يتزعمه أرتور ماس، الرئيس السابق لإقليم كاتالونيا وينتمي إليه بوتشيمون، و«يسار كاتالونيا الجمهوري» برئاسة أوريول يونكيراس، مشاركتهما في الانتخابات المقبلة. وينبغي على الأحزاب المشاركة الإعلان عن أي ائتلاف محتمل بحلول الأحد المقبل، وتقديم لوائح مرشحيها بحلول 20 نوفمبر (تشرين الثاني).
ولم يعلن الانفصاليون، حتى وقت كتابة هذه السطور، عن أي ائتلاف رسمي لخوض الانتخابات، بل برزت انقساماتهم حول فشل حكومة بوتشيمون في إدارة الأزمة. ورشّح الوزير السابق في حكومة بوتشيمون المكلف شؤون الأعمال التجارية، سانتي فيلا، نفسه لتمثيل الحزب الديمقراطي الأوروبي الكاتالوني في الانتخابات المبكرة، مقدّما نفسه «صوتا معتدلا». وانتقد فيلا الذي استقال من حكومة بوتشيمون بعدما قرر الأخير عدم الدعوة إلى انتخابات مبكرة، زملاءه السابقين ووصفهم بـ«السذاجة»، وأكد أن كاتالونيا لم تكن جاهزة بعد للعمل كجمهورية مستقلة. كما أقرّ عبر إذاعة «راك1»: «افتقدنا إلى الذكاء السياسي الضروري»، إلا أنه نفى أن يكون أعضاء حكومته ضللوا أنصار الاستقلال.
من جهتها، قالت النائبة عن حزب اليساري الصغير المتشدد والمتحالف مع بوتشيمون، ميراي بويا، أول من أمس «نرى أننا لم نكن مستعدين (للاستقلال)، ورأينا مدى محدودية الآليات المؤسساتية».
وفي حين يعاني الانفصاليون من تصدّع في صفوفهم، لم تنجح الأحزاب الداعمة للوحدة بدورها في تشكيل ائتلاف للانتخابات المقبلة حتى اليوم.

ماذا بعد انتخابات ديسمبر؟

> أفاد استطلاع للرأي قام به مكتب الإحصائيات الكاتالوني، التابع للحكومة المحلية، والذي نشرت نتائجه «إل باييس»، بأنه إذا نظمت الانتخابات اليوم وشارك فيها الائتلاف نفسه الذي شكّل الحكومة الماضية، فإنه سيحصل على 60 إلى 63 مقعدا في البرلمان المحلي، متبوعا بحزب «المواطن» الإسباني الرافض للاستقلال بـ25 إلى 26 نائبا، ثم الحزب الاشتراكي الكاتالوني بـ17 إلى 19 مقعدا، متبوعا بحزب «كاتالونيا: نعم نستطيع» بـ12 إلى 14 مقعدا، وفي المرتبتين الأخيرتين الحزب الشعبي الداعم لسياسة مدريد بـ10 إلى نائبا و«ترشيح الوحدة الشعبية» بـ8 مقاعد.
وإن نجح الائتلاف في الحصول على دعم الأحزاب اليسارية، فإنه قد يحصل على أغلبية بسيطة في البرلمان.
إلا أن تطور الأحداث خلال الشهر المقبل قد يحول دون ذلك، وبخاصة إن لم يمثل بوتشيمون أمام القضاء.
ولا يتوقع المراقبون أن تسعى الحكومة المقبلة إلى تنظيم استفتاء أحادي في الفترة المقبلة، بعد الفشل الذي واجهته الحكومة المقالة وضعف المؤسسات المحلية أمام القرار المركزي، فضلا عن اختفاء الحركات الشعبية الداعمة للاستقلال منذ تسلم مدريد الوصاية على الإقليم.



إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.