بعثات المتابعة الدولية: الانتخابات المصرية أجريت بما يتماشى مع المعايير العالمية

رصدت بعض السلبيات الفنية التي لم تؤثر في نزاهة الاستحقاق

روبرت غوبلز وماريو ديفيد عضوا بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات المصرية خلال مؤتمر صحافي في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
روبرت غوبلز وماريو ديفيد عضوا بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات المصرية خلال مؤتمر صحافي في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
TT

بعثات المتابعة الدولية: الانتخابات المصرية أجريت بما يتماشى مع المعايير العالمية

روبرت غوبلز وماريو ديفيد عضوا بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات المصرية خلال مؤتمر صحافي في القاهرة أمس (إ.ب.أ)
روبرت غوبلز وماريو ديفيد عضوا بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات المصرية خلال مؤتمر صحافي في القاهرة أمس (إ.ب.أ)

خلصت تقارير أصدرتها أمس بعثات دولية تابعت عملية الانتخابات الرئاسية في مصر، إلى أن العملية الانتخابية أجريت في إطار القانون، وبما يتماشى مع المعايير العالمية، مؤكدة أنه رغم وجود بعض السلبيات التي شابت الانتخابات، فإنها لم تؤثر في نزاهتها.
وشاركت خمس منظمات دولية وعدد من البعثات العالمية، بالإضافة إلى 79 منظمة وجمعية محلية، في متابعة الانتخابات الرئاسية المصرية، أبرزها الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي. وانتهت أول من أمس عملية الاقتراع في الانتخابات الرئاسية في مصر، عقب تصويت استمر ثلاثة أيام. وأظهرت النتائج الأولية (غير الرسمية) فوزا كاسحا لوزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي، بحصوله على أكثر من 96 في المائة من الأصوات، مقابل ثلاثة في المائة فقط لمنافسه الوحيد السياسي البارز حمدين صباحي.
وتعد الانتخابات الرئاسية الخطوة الثانية في خريطة المستقبل الانتقالية التي أعلنها الجيش ووضعها بمشاركة رموز القوى الوطنية، عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي في الثالث من يوليو (تموز) الماضي، وتشمل أيضا تعديلات دستورية، أقرت في استفتاء شعبي في يناير (كانون الثاني) الماضي، وانتخابات برلمانية تجرى في وقت لاحق من العام الحالي، لم يحدّد بعد.
وخلال مؤتمر صحافي عقد أمس بالقاهرة، لعرض التقرير المبدئي بشأن متابعة الانتخابات الرئاسية، أكد ماريو ديفيد، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لمتابعة الانتخابات، أن الانتخابات المصرية جرت في بيئة متلائمة مع القانون؛ إلا أنه كانت هناك تجاوزات لبعض الالتزامات الدستورية. وقال ديفيد إن أيام الانتخابات مرت بشكل عادي هادئ في كل المحافظات بشكل عام، مشيرا إلى أن البعثة لاحظت أن إقبال الناخبين كان نحو 47 في المائة من إجمالي من لهم حق التصويت، وأن عملية التنظيم كانت ملائمة في اللجان رغم وجود بعض المشاكل الإجرائية. وقال ديفيد «لاحظ متابعونا بعض المخالفات الخفيفة، خلال إجمالي ما يقرب من 136 عملية متابعة من مركز للاقتراع. وكان التقييم أثناء فتح مراكز الاقتراع يتراوح بين جيد وجيد جدا، والممارسة العامة كانت بين جيد وجيد جدا، وفهم المصوتين لعملية الانتخاب تراوح ما بين جيد وجيد جدا».
وأوضح رئيس البعثة أن «الإجراءات جرت في الغالب بسلام وهدوء، كما أن عمليات الاقتراع والفرز وجدولة النتائج حتى الآن (وقت المؤتمر) أديرت عموما بشكل جيد»، مضيفا أن لجنة الانتخابات أدارت الانتخابات بمهنية والتزمت بالقانون ككل، لكن «قرار تمديد التصويت ليوم ثالث تسبب في عدم يقين لا داعٍ له في العملية الانتخابية»، بحسب تعبيره. وكانت لجنة الانتخابات قررت تمديد التصويت ليوم ثالث «لإتاحة الفرصة للمواطنين وعلى الأخص الوافدين للتصويت ولارتفاع درجة الحرارة»، بحسب ما أعلنت. وقالت إن القانون يمنحها هذا الحق، ورفضت اعتراضين على قرارها قدمهما المرشحان. وتابع ديفيد قائلا «في حين وضع الدستور الجديد مجموعة متنوعة من الحقوق الأساسية، فإن احترام تلك الحقوق لم يكن على نفس القدر المطلوب لتلك المبادئ الدستورية. فحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع وحرية التعبير موضع قلق»، مضيفا أنه «على الرغم من أن الإطار القانوني يسري كقاعدة كافية لإقامة هذه الانتخابات، فإنه لم يكن على نفس القدر من الامتثال في ما يتعلق بالمعايير العالمية والإقليمية المعمول بها في الانتخابات الديمقراطية في بعض النواحي». وأشار إلى أنه لم تجر حماية الحق في التصويت والحق في الترشح لكل المواطنين بالكامل (في إشارة إلى التحالف المناصر لجماعة الإخوان التي تعدها الدولة المصرية منظمة إرهابية)، وإلى أن قانون الانتخابات الرئاسية لا يسمح بالاستئناف على قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية.
وقال ديفيد إن البعثة ستنشر التقرير النهائي بعد انتهاء العملية الانتخابية بالتوصيات المحتمة من أجل إجراء تحسينات ممكنة في انتخابات مستقبلية، وسيقدم للسلطات ولأصحاب المصلحة الآخرين. وحول ما إذا كانت نسبة التصويت تعد قليلة أم كبيرة، قال «ليست لدي الأرقام النهائية، وأحيانا ما تكون المشاركة في انتخابات في دول أوروبية أقل من ذلك». وحول المقاطعين قال إن «هذا أمر يحدث في دول أخرى عديدة».
من جانبها، وصفت بعثة متابعة جامعة الدول العربية الانتخابات بأنها الأكبر من نوعها في المنطقة، حيث شهدت مشاركة كبيرة من جانب كتلة ضخمة من الشعب المصري. وأكدت هيفاء أبو غزالة، رئيسة البعثة، في مؤتمر صحافي عقدته أمس بمقر الجامعة، أن عملية الانتخابات سارت بشكل متميز، وأن «الملاحظات التي سجلتها البعثة على مدى الأيام الثلاثة الماضية لا ترقى أبدا إلى أن تكون مؤثرة على نزاهة الانتخابات»، مضيفة أن هذه الملاحظات السلبية ذات طابع فني ويمكن معالجتها وتداركها مستقبلا.
وأعربت أبو غزالة عن تقديرها للجهود الكبيرة التي بذلتها كل الجهات المصرية التي شاركت في تنظيم العملية الانتخابية، مشيدة بشكل خاص بالجهود التي بذلتها قوات الشرطة والجيش لتأمين الانتخابات والإشراف القضائي. وأكدت أن البعثة سترفع تقريرها النهائي عن هذه المهمة إلى الأمين العام للجامعة، متضمنا ملاحظاتها التفصيلية حول المهمة والتوصيات الخاصة بتدارك السلبيات ومعالجتها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، موضحة أنه سوف يجري إرسال نسخة من التقرير إلى اللجنة العليا للانتخابات ووزارة الخارجية المصرية.
واستعرضت أبو غزالة ما وصفتها بـ«الملاحظات الإيجابية» على العملية الانتخابية، موضحة أنها تتمثل في التأمين الجيد للاقتراع من قبل أفراد الشرطة والجيش، ومشاركة النساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، ومشاركة العديد من المنظمات الإقليمية والدولية ومنظمات المجتمع المدني في متابعة العملية الانتخابية. وأضافت رئيسة البعثة أنه بالنسبة للملاحظات السلبية فهي تتمثل في التأخير في فتح بعض اللجان الفرعية، وغياب تعليق كشوف الناخبين خارج بعض اللجان، وغياب استخدام الحبر الفسفوري في بعض اللجان رغم توافره، ووجود بطاقات اقتراع غير مختومة في بعض اللجان، ووجود كابينة الاقتراع موضوعة بشكل لا يضمن سرية الاقتراع في بعض اللجان، وأنه لم يجر غلق الصناديق بشكل محكم في بعض اللجان، وغياب مندوبي أحد المرشحين داخل العديد من اللجان، وضعف مشاركة الشباب في العملية الانتخابية، واستمرار الدعاية الانتخابية داخل وخارج عدد من اللجان بما يخالف فترة الصمت الانتخابي.
وفي السياق ذاته، أكد محمد الأمين ولد جيج، رئيس بعثة الاتحاد الأفريقي لمتابعة الانتخابات، أن الانتخابات «جرت بطريقة سلسة وآمنة وفي جو من الاستقرار والسلم الأهلي، وبما يتمشى مع المعايير الدولية، حيث استطاع المواطن المصري الإدلاء برأيه بكل حرية وشفافية.. ولم نلحظ أي خروقات تخل بالعملية الانتخابية».
وأشاد ولد جيج، خلال مؤتمر صحافي عقده أمس عقب لقائه بالمهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء، بالجو الذي ساد الانتخابات، مهنئا الشعب والحكومة المصرية على هذا الاستحقاق والاستقرار وإنجاز الانتخابات بطريقة سلمية لترسيخ ووضع لبنات إرساء نظام ديمقراطي يتطلع إليه المصريون. وأضاف «نحن نثمن إرادة المصريين، ونتمنى التوفيق والنجاح للمشوار الذي يسير فيه الشعب المصري على طريق الديمقراطية»، مشيرا إلى أنه سيجرى إصدار بيان باسم الاتحاد الأفريقي في الثالث من الشهر المقبل بمقر الاتحاد بأديس أبابا حول مهمة بعثة المراقبة الأفريقية. وقال ولد جيج إن مهمة البعثة لمراقبة الانتخابات كانت بدعوة من الحكومة المصرية وبتفويض من الاتحاد الأفريقي لمتابعة الاستحقاق الرئاسي المهم حسب نصوص الاتحاد الأفريقي، وتمشيها مع القواعد والنصوص المعمول بها، وانسجاما مع المعايير والمواصفات من أجل تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، موضحا أن البعثة قامت بهذه المهمة وتلقت كل التسهيلات والتيسيرات.
وتابع «نحن هنا كبعثة من 40 عضوا جرى توزيعها على 16 محافظة، وحتى هذه الساعة تأتي البيانات إلينا من أفراد البعثة. وفور تحليل البيانات والتقارير سنقوم بإعطاء إعلان أولي حول ملاحظات اللجنة». ورفض رئيس البعثة الأفريقية التعليق على توقيت عودة مصر إلى مقعدها بالاتحاد الأفريقي. وكان مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي قد قرر في يوليو (تموز) الماضي تعليق مشاركة مصر في جميع أنشطة الاتحاد لحين استعادة النظام الدستوري.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.