ماركس ونيتشه وما يجمعهما

تأثيرهما لا يزال ممتداً إلى زمننا المعاصر

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس
TT

ماركس ونيتشه وما يجمعهما

نيتشه - ماركس
نيتشه - ماركس

في كتاب «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، يقترح مؤلفه المفكر الأميركي فوكوياما مصطلحين مشتقين من اللغة الإغريقية: الميغالوثيميا والأيسوثيميا.
الميغالوثيميا هو النزوع نحو تحقيق التفوق على الآخرين، أو بصيغة أخرى النزوع لتحقيق المجد الشخصي. أما الأيسوثيميا، فهو النزوع لتحقيق المساواة مع الآخرين.
ومن الممكن أن تكون الميغالوثيميا ذات تأثير سلبي في المجتمعات التي لم تقيَّد بعد إرادة الفرد السياسية في الاستبداد وفرض إرادته على الآخرين، بحيث يحولهم بشكل أو بآخر إلى عبيد يتحكم بمصائرهم ومصائر أبنائهم، وبالتالي إشباع هذا النزوع بالتفوق على الآخرين عبر انتزاع السلطة، سواء عبر انقلاب عسكري، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم الثالث، حيث الدولة فيها ما زالت في طور النشوء. وحال استلامه للحكم تحت شعار تحقيق الأيسوثيميا (النزوع لتحقيق المساواة بين المواطنين)، يبدأ بالتخلص من رفاق دربه الذين ينازعونه على حصة من المجد الشخصي، أو يشاطرونه في الميغالوثيميا.
لقد استطاعت المجتمعات التي اتبعت الخط الفكري السياسي الذي خطه المفكران الإنجليزيان توماس هوبز وجون لوك في القرن السابع عشر، عبر كتابيهما: «اللوياثان» و«مقالتان في الحكم»، أن تجسد مبادئهما في الحكم المدني، حيث وجود الحاكم لخدمة الرعية أولاً وآخراً، وحيث القيود المفروضة عليه، من تداول للحكم عبر الانتخابات إلى استقلالية القضاء إلى وجود مجلس تشريعي منتخب قادر على محاسبته، نزعت عن الحاكم قدرته على اللدغ، أو قدرته على تحقيق المجد الشخصي على المستوى الوطني، دون الحصول على موافقة المؤسسات المقيدة له. وقد جاءت الثورتان الفرنسية والأميركية لترسخا كثيراً من أفكار هوبز ولوك، ومن أعقبهما من مفكري عصر التنوير الفرنسيين. وتمثل ذلك في الدستور الأميركي، الذي ضمن تحقق المبدأين الأساسيين للثورة الفرنسية: الحرية والمساواة. والحريّة التي ضمنها الدستور تشمل حرية التعبير والاعتقاد، وحرية التملك، ومساواة الجميع أمام القانون والقضاء.
وانطلق هوبز من فكرة أن اللويثان، الذي هو كائن أسطوري مهول جاء ذكره في العهد القديم، يمثل الدولة القوية القادرة على نقل الإنسان ومجتمعه من المرحلة الطبيعية، حيث الإنسان مسؤول عن حماية نفسه وعائلته وملكيته بنفسه، إلى مجتمع مدني يتخلى فيها الإنسان عن هذا الدور للدولة. ومقابل هذا التخلي الذي يشمل التخلي عن الميغالوثيميا في مجال فرض إرادته على غيره، والقيام بدور القاضي والمنفذ للحكم ضد من يسعى إلى إيذائه أو التقليل من شأنه.
وينطلق هوبز ولوك في تبرير النظام الذي رسما ملامحه من مسلمة ترى أن القوة الأساسية التي تحرك الإنسان هو سعيه للحفاظ على حياته، وأن حياة الفرد مقدسة، لذلك فإن تخليه عن الميل للتميز وإشباع الميغالوثيميا المزروعة فيه لصالح النزوع للأيسوثيميا (النزوع إلى المساواة بالآخرين) يأتي مقابل ضمان حياته وحريته ومساواته بالآخرين، وبالتأكيد يكون ذلك من خلال القبول بسلطة الدولة المطلقة عليه، أو كما يسميها هوبز اللوياثان.
والتخلي عن المرحلة الطبيعية، والقبول بالمرحلة المدنية، هو التحول الأساسي الذي عاشه العالم الأنجليساكسوني أولاً، وتمثل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، ثم أعقبتها أستراليا ونيوزيلندا. كذلك جاءت الثورة الفرنسية لتنهي الأنظمة الأرستقراطية التي كانت سائدة في أوروبا، عبر إقطاعيات يحكمها أمراء ودوقات وكونتات، حيث الحرية والمساواة محصورة بالنخبة.
لقد عاش ماركس شبابه في منتصف الأربعينات من القرن التاسع عشر وهو يرى عضوية البرلمان البريطاني محصورة بأصحاب الأرض، والطبقة العاملة الأوروبية محرومة من كثير من الحقوق الأولية. ومن هنا، جاءت أطروحته «ديكتاتورية البروليتاريا»، بديلاً عن «ديكتاتورية البورجوازية»، إضافة إلى عدم الاكتفاء بمنح المواطنين فرصاً متكافئة للاغتناء، بل إن المساواة لن تتحقق إلا بنزع ملكية وسائل الإنتاج من يد أصحابها، ومنحها إلى العمال. فباقتراحه مصطلح فائض القيمة الذي «يسرقه» الرأسماليون من العمال، أصبح الأخيرون طفيليين يعيشون على السرقة، وبالتالي تم نزع الإطار الأخلاقي عنهم، ووفر الأرضيّة الأخلاقية للثورة المقبلة.
بالطبع، شهد ماركس في سنوات حياته الأخيرة تطوراً آخر في المجتمع لم يأخذ اهتماماً كبيراً في كتابه «رأس المال»، وأعني نمو الطبقة المتوسطة الذي بدأ بعد انتهاء الحروب النابليونية، وتوقيع اتفاقية باريس عام 1814، فتنامي ثروات كثير من البلدان الأوروبية، مع التطور الصناعي وتطور التكنولوجيا والتوسع الإمبريالي لبعضها، ساعد على توسع هذه الطبقة بشكل كبير، وبروز كثير من المهن والحرف خارج الإطار الكلاسيكي، المتمثل بالطبقتين الأساسيتين: الرأسمالية والبروليتاريا.
وإذا كانت أفكار ماركس تصب في تحقيق الأيسوثيميا بأقصى أشكالها، من خلال انتزاع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج من الرأسماليين، وتسليمها للطبقة العاملة (دون تحديد الآلية لتحقيق ذلك)، فإن نيتشه الذي برز في عصر آخر هو الآخر كان ضد النظام الرأسمالي الذي رسخ النمط الديمقراطي الليبرالي، والذي تحققت فيه الأيسوثيميا خلال العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، على حساب اندثار الميغالوثيميا: الميل للتماثل والتساوي مع الآخرين، والاستمتاع بما حققه الرفاه الاقتصادي، والقبول بالقواعد السياسية والقانونية والإدارية التي فرضتها الدولة على مواطنيها. هذا المجتمع من وجهة نظره مجتمع يسود فيه العبيد. وكم تعكس أفكاره في كثير من كتبه ذلك الإعجاب بالمجتمع الروماني، حيث الحرية كانت كما يقول هيغل محصورة على الأقلية، تلك الأقلية المستعدة لأن تضحي بحياتها من أجل المجد الشخصي. وما تحقق في عصره هو تحقق آيديولوجيا العبيد المتجسدة بالمسيحية. ومن هنا، جاء هجومه العنيف على المسيحية. كذلك حملت كتاباته تنبؤاً باستيقاظ الميغالوثيميا مستقبلاً، لتفتح الباب أمام حروب كبيرة تضمن تحقق المجد لمن يخوضها.
كان كثير من الشباب الألماني متحمس لخوض الحرب، بعد اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرديناند عام 1914، على الرغم من أن ألمانيا لم تكن طرفاً في النزاع بين إمبراطورية النمسا - المجر وصربيا، لكنهم كانوا تحت تأثير تلك الأفكار التي طرحها نيتشه في كتبه بلغة نبوئية ساحرة. فمن وجهة نظره، ليس من الضروري أن يكون هناك هدف محدد في سعينا لتحقيق قوة الإرادة الساكنة فينا، التي يطلق عليها فوكوياما الميغالوثيميا.
ومع ذلك، فإن مبدأي الميغالوثيميا والأيسوثيميا ظلا فعالين بشكل إيجابي في كثير من جوانب الحياة الفنية والثقافية والعلمية وغيرها.
فوراء هذا النزوع لتحقيق التفوق على الآخرين في هذه المجال أو ذاك، كرس كثير من المبدعين القسط الأكبر من حياتهم، وبشكل دؤوب، لتحقيق ذلك على أرض الواقع. ومن هنا، تمكنت مدام كوري من أن تحصل على جائزة نوبل مرتين، وأن يؤدي تعاملها مع المواد المشعة إلى إصابتها بالسرطان. وبروحية مماثلة، حققت زها حديد إنجازاً متميزاً في فن العمارة، بكسر القواعد السائدة في هذا الحقل، وكذلك ما حققه بيل غيت وستيف جوبز من إنجازات غيرت من طرائق التواصل الاجتماعي تغييراً ثورياً منقطع النظير، وما حققه آلاف المبدعين الذين صاغوا ملامح عصرنا اليوم.
كذلك هو الحال مع الأيسوثيميا (النزوع للمساواة)، إذا نراها قد تحققت لصالح كثير من الأقليات عبر النضال السلمي، كما نراه في حركة الحقوق المدنية للسود في أميركا؛ ووصول أول رئيس أسود للولايات المتحدة كان دليلاً ملموساً على قطع شوط مهم في تحقيق أهدافها.
ولم يكن ممكناً تحقق كل هذه النجاحات إلا في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية.



ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.