عبد الحق الزروالي لـ «الشرق الأوسط»: المسرح كان ضحية «الربيع العربي»

المسرحي المغربي يشكو طغيان وسائل التواصل الحديثة وهيمنة كرة القدم

عبد الحق الزروالي
عبد الحق الزروالي
TT

عبد الحق الزروالي لـ «الشرق الأوسط»: المسرح كان ضحية «الربيع العربي»

عبد الحق الزروالي
عبد الحق الزروالي

يعتبر عبد الحق الزروالي، اليوم، أحد أبرز المسرحيين المغاربة الذين استطاعوا فرض حضورهم حتى خارج البلد، بعد أن اقترنت تجربته بـ«المسرح الفردي»، عبر عشرات الأعمال المتميزة، من قبيل «جنائزية الأعراس» و«رحلة العطش» و«عكاز الطريق» و«سرحان المنسي» و«زكروم الأدب» و«افتحوا النوافذ» و«كدت أراه» و«كرسي الاعتراف».
في هذا الحوار مع «الشرق الأوسط»، يستعيد الزروالي بداياته الفنية، مستعرضاً اختياراته المسرحية، متحدثاً عن انخراطه في تجربة «المسرح الفردي»، منتهياً إلى أن المسرح العربي كان أول ضحية للهزات التي عرفها العالم العربي في السنوات الأخيرة (الربيع العربي)، مشيراً إلى أن طغيان وسائل التواصل الحديثة وهيمنة كرة القدم قلصا من هامش متابعة المسرح الذي «كان قدره، عندنا، منذ بداياته، أن يمارس كرد فعل وليس كفعل». وفيما يلي نص الحوار:

* متى بدأت مسيرة عبد الحق الزروالي المسرحية؟
- بدأت في 1961، بفاس، مسقط رأسي. كنت وقتها طفلاً صغيراً قادته الصدفة إلى أداء دور مسرحي، بعد أن اختارني صديق للعائلة، كان يعشق المسرح، ويشتغل به، لأداء دور رئيسي في عمل مسرحي، بعنوان «في سبيل الوطن».
يمكن القول إن هذا الدور جعلني أكتسب عشقاً مفرطاً للمسرح، إلى الحد الذي تداخلت فيه الأشياء في داخلي، حتى أنني لا أعرف هل أنا أحيا في التمثيل أم أمثل في الحياة. تداخلت عندي الأشياء، وقتها، فصرت أقرأ الكتب في خزانات المدينة، مع حرص على مشاهدة العروض المسرحية وتتبع الأخبار الفنية، والبحث في تاريخ الممارسة المسرحية، مغربياً وعربياً وعالمياً؛ الشيء الذي ضخم لدي الشعور بالمسرح. اشتغلت، في البداية، في «فرقة التوحيد الفني»، قبل أن تتشتت في 1965، فأسست، إلى جانب عدد من المسرحيين، «فرقة البراعم»، التي اشتغلنا فيها تحت رعاية الأديبة خناثة بنونة. بعد ذلك، عملت ضمن «فرقة المسرح الشعبي»، التي حققنا بها نجاحاً وطنياً، بعد فوزنا في 1968 بجائزة مسابقة، كان يرأس لجنة تحكيمها المسرحي الكبير الطيب الصديقي.
* من المعروف أنكم تحتفظون للمسرحي الراحل الطيب الصديقي بتقدير لافت؟
- هو أستاذي وقدوتي. شاهدت له، منذ 1967، أعمالاً كثيرة. كنت أقول إنه إذا كان علي أن أمتهن المسرح فإن علي إما أن أشتغل في مستوى مسرحه، باعتباره مسرحاً بمستوى عال، عربياً وعالمياً، أو أن أمارس شيئاً آخر. لذلك، حرصت على أن أكون كنحلة في بستان، تأخذ من كل نبتة ما تراه مناسباً، لكي تكتمل عندها في المساء تلك القطرة من العسل، التي تسعى إلى المساهمة بها في مملكة النحل.
* عرفتم، أكثر، من خلال تجربة «المسرح الفردي».. كيف جاءت هذه التجربة، التي تميزتم بها، مغربياً وعربياً؟
- بعد تشتت «فرقة البراعم»، في 1967، صار لدي شعور بأنني أتعذب مع كل الفرق التي أجد نفسي أشتغل تحت لوائها، كممثل، أنا الذي كنت أمثل نصوصاً لم أكتبها، وأخضع لمخرجين بالشكل الذي أجد فيه صعوبة في التناغم مع باقي الممثلين. أذكر، في هذا الصدد، أن قلبي تعلق، في فترة المراهقة، بصبية فاسية، وقد كانت فاتنة، من عائلة ميسورة، على نقيضي. وصادف أنني قرأت رواية «مجدولين» لمصطفى لطفي المنفلوطي، فأحسست كما لو أنها كتبت من أجلي، فتماهيت مع مضمونها، إلى درجة أنني أعدت قراءتها مراراً، حتى حفظتها؛ فصرت أقدم مقاطع منها في مناسبات معينة، من دون أن أكون على دراية مسبقة بشيء اسمه «المسرح الفردي».
* بعد ذلك، ستتكرس تجربتكم مع «المسرح الفردي»، مغربياً وعربياً؟
- أذكر الدورة الأولى لأيام قرطاج المسرحية بتونس، في عام 1983، حيث شاركت بمسرحية «جنائزية الأعراس»، إلى جانب عدد من المسرحيين العرب، عبر أعمال أثارت دهشة وانتباها وجعلت منا «رؤوس فتنة». قبل ذلك، في المغرب، ساهمت في تجربة «مسرح الهواة»، من 1968 إلى 1975، وكانت تلك أزهى فترة في تاريخ المسرح المغربي، عرفت تجارب رائدة بالمقياس العالمي. للأسف، كانت هناك سياسة رأت أن «مسرح الهواة» يشكل نوعاً من الخطورة، وأنه أداة توعية وفضح لكثير من التشوهات ذات البعد الاجتماعي والسياسي، وللظلم والقمع. كان «مسرح الهواة» قيمة إبداعية، أعطى ممثلين ومؤلفين ومخرجين كباراً. بعد الحضور والهالة التي صارت لـ«مسرح الهواة»، صدر قرار بضرورة وقف زحف هذه التجربة. لقد كنت حاضراً في هذه المحطة الجميلة من المسرح المغربي، إما كممثل، أو كمساهم ببعض النصوص، من قبيل «صالح ومصلوح».
أشير في هذا السياق، إلى أنني اشتغلت بالصحافة، حيث حاولت أن أزاوج بين عملي في جريدة «العلم» والممارسة المسرحية. عملت بنفس الروح في كلا المجالين. المسرح يبقى أبو الفنون، وهو شيء تأكد في تجربتي؛ فمسرحية «افتحوا النوافذ»، هي نصوص نشرها عبد الرفيع الجواهري في الصحافة قبل أن أحولها إلى الخشبة، وكانت من أجمل أعمالي. أيضاً، ديواني «نشوة البوح» وجد طريقه إلى الخشبة، وكذلك كان الحال مع روايتي «الريق الناشف». أرى أننا كلما اشتغلنا على الأجناس الأدبية الأخرى، برؤية إخراجية وبتصور سينوغرافي، وبتناغم بين المكونات الذاتية للمبدع، كان النجاح حليفنا. هذا التعدد في تجربتي، كان عنصر إخصاب وإثراء لمفهومي لمعنى الكتابة والتواصل مع الجمهور، ولدور الكلمة في سياق مكونات العرض الأخرى. فالمسرح ليس رواية تقرأ، أو شعراً يلقى. إنه الصناعات كلها، تقريباً، حيث نكون مع النجارة والحدادة والخياطة والصباغة. وهو الأجناس الأدبية كلها، كما أنه العلوم كلها، من علم النفس إلى علم الاجتماع، علاوة على أن هناك حاجة إلى الوعي بدور الدين والفلسفة في الحياة، من جهة أن كتابة حوار لشخصية في نص مسرحي تحتاج إلى إدراك عميق وقدرة على أن نكلم كل شخصية بلغتها وقاموسها وتركيبتها النفسية؛ وهنا تكمن خطورة العمل المسرحي. في 1976، تساءلت: هل آن الأوان لكي أترك الصحافة لاحتراف المسرح؟ حدث انشطار وصراع في داخلي، فقلت لماذا لا أكتب مسرحية فردية، أشتغل عليها وحدي، فيما أمارس الصحافة كمهنة للعيش والحضور اليومي بين الناس، ومن حين لآخر، أحمل أمتعتي للعمل المسرحي. وكان أن كتبت «الوجه والمرآة»، التي قدمتها في مهرجان شارك عدد من المسرحيين المغاربة، لتنطلق الانتقادات، التي اعتبر أصحابها أن ظاهرة «المسرح الفردي» تدمر العمل الجمعوي وأنها مدعومة من أجل قتل «مسرح الهواة». كان ردنا أن ما نقوم به هو مكون من مكونات المشهد العام للمسرح، وأنه محاولة للإفلات من قبضة الأزمة، وليس تعويضاً أو تكريساً لها.
* اليوم، بعد هذا المسار الفني الحافل، كيف يستعيد عبد الحق الزروالي شريط السنوات الماضية، من حياته وتجربته؟
- تواصلت تجربتي، إلى اليوم، بنحو ثلاثين عملاً مسرحياً، كتابة وإخراجاً وأداء وحضوراً، محلياً وعربياً. أنا لا أتباهي، الآن. لكنني أحاول أن أرسم إشارة تبين أن الانتماء للمسرح هو مسألة الكل للكل، بحيث لا يبقى لك لا الوقت ولا التفكير في شيء آخر. كان علي أن أتميز عن الآخرين بحاجة واحدة، وهي قدرتي على الصبر والتحمل، لذلك كنت أقود سيارتي الصغيرة، حاملاً ديكوراتي، متجولاً داخل المغرب أو في البلدان العربية. هذا الهوس والجنون والحماس القوي والعشق المفرط للمسرح هو الذي يترك هذا الزروالي البسيط يعطي كل هذا المنجز المسرحي، بثلاثين عملاً فردياً ونحو 15 عملاً جماعياً. أحس بأنني كنت جديراً بالانتماء للمسرح. صحيح أن المسرح لم يمنحني كل شيء، لكن، يكفي أنه أعطاني حباً وحضوراً. لا ندماً. لقد شاركت في أكبر المهرجانات المغربية والعربية والعالمية، كما تجولت في البوادي والأسواق الشعبية المغربية، حيث قايضت المسرح بالبيض والعسل والدجاج والقمح؛ وقدمت عروضاً في السجون، حيث كان يشترط علينا ألا تكون بيننا ممثلات حرصاً على مشاعر المحبوسين؛ وفي المستشفيات، كان يطلب منا ألا تكون عروضنا ضاحكة، حفاظاً على صحة المرضى.
* تحدثتم عن تجربة «مسرح الهواة»، بشكل أعادنا إلى ستينات وسبعينات القرن الماضي، حين انتشر مفهوم الالتزام. كيف يمكن تناول هذا المفهوم، بين الأمس واليوم؟ وكيف واكبتم، شخصياً، هذا التحول؟
- لقد تربى المسرح المغربي في مرحلة ما بعد الاستقلال. قبل ذلك، حاولت المضامين أن تجعل المسرح أداة لمناهضة الاستعمار، وبالتالي وسيلة لخدمة قضايا الوطن والشعوب. كانت البداية مسيسة. استقلت الأقطار العربية، تباعاً، وحين وجد المسرح نفسه أمام أنظمة فاسدة، واصل العناد ضد مظاهر الفساد والهيمنة والقمع والطغيان، فتقوي البعد السياسي في التجارب المسرحية إلى حد أن الجانب الإبداعي في المسرح أصبح ضعيفاً، بحيث يكفي أن تغضب وأن تشتم لكي يصفق لك الناس. وهم يصفقون على جرأتك لا على قيمتك الأدبية والفنية. وقع خلط. وقد كنت أقول إن الرهان على البعد السياسي أو الشعارات يجعلك محصوراً في بعد متحول ومتجدد، وأن علينا أن نراهن على الإبداع مع تضمينه لمحات وتلميحات سياسية وانتقادات تخدم الإبداع، لا العكس؛ وأن علينا ألا نسقط في الالتزام بشكل مباشر. الأنظمة ساهمت، هي، أيضاً، في ذلك من منطلق تبني مجموعة من الأعمال ذات الطابع التهريجي الفج السخيف، فدعمتها بوسائل إعلامها الرسمي لكي تجعل منها النموذج الأمثل. ولذلك، ظل هناك صراع بين تجارب مرتمية في أحضان الأنظمة ومسرح يؤمن بقيمة المسرح في التغيير والنضال. وفي الحالتين معاً كان الضرر يلحق بالمسرح.
وإضافة إلى الأحزاب التي كانت في الحكم، على صعيد العالم العربي، لا ينبغي أن ننسى أن أحزاب وتيارات المعارضة، كان لها، هي أيضاً، دور سلبي، حيث إنها استخدمت المسرح ولم تخدمه حين أتيحت لها فرصة ممارسة تحمل مسؤولية القرار السياسي.
فيما يخصني، تحولت، في المرحلة الأخيرة، بعد مسرحية «كدت أراه»، في 2003، التي اشتغلت فيها على كتاب «المواقف» للنفري، والتي كان لها مفعول الحدث والدهشة على الصعيد العربي، إلى زروالي آخر. يمكن القول إنني بقيت وفياً للالتزام، لكنني سعيت إلى أن أكون صانع فرجة وفرح، قبل كل شيء.
* ماذا عن حالة المسرح المغربي، بشكل خاص، والعربي، بشكل عام، في الوقت الراهن؟ وأية آفاق يمكن استشرافها؟
- لقد تضرر المسرح العربي من الهزات التي عرفها العالم العربي، في السنوات العشر الأخيرة، حيث تقلصت مساحة المهرجانات، بشكل أفرز تراجعات على مستوى الحضور المسرحي. أضف إلى ذلك طغيان وسائط التواصل الحديثة، التي صارت تتلف ما تبقى من اهتمام، فأصبح المتلقي، الذي هو أساس المسرح، يبتعد أكثر فأكثر؛ فضلاً عن هيمنة كرة القدم، حيث إننا ما إن ننتهي من كأس العالم، حتى ننتقل لمتابعة كأس أوروبا أو أفريقيا، أو غيرها من المسابقات الوطنية أو الدولية، بحيث تجد كل المقاهي ممتلئة عن آخرها بالمتفرجين، معظم ساعات اليوم، بل إن هناك من يقتل وقته في متابعة مباراة معادة قد يكون مر عليها عام أو أكثر، وذلك على نقيض ما يحدث في الغرب، حيث نلاحظ كيف أن المسارح، في فرنسا، مثلاً، تشتغل في نفس توقيت مباريات المنتخب الفرنسي لكرة القدم. صحيح أن هناك مبادرات عربية، من قبيل ما تقوم به الشارقة، وبعض الأسماء التي ما زالت تناضل، لكن الواقع يقول إن المسرح، مغربياً وعربياً، يعرف تراجعاً، بفعل دوامة من الانشغالات والمشكلات والتأثيرات السلبية، من كل جانب. لقد كان قدر المسرح، عندنا، منذ بداياته، أن يمارس كرد فعل وليس كفعل. في زمن الاستعمار مورس ضد الاستعمار. بعد ذلك مارسناه ضد القمع. نريد، فقط، أن نصل، يوماً، إلى ممارسة المسرح كفعل وليس كرد فعل. عندما نمارس المسرح كفعل، بقواعده وهدوئه ورزانته، من دون أن نكون أدوات لتبليغ رسائل، آنذاك سنحس بنشوة المسرح.



المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.


هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
TT

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)
هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

بينما يرى البعض في الصحراء مجرّد رمال شاسعة، يُنقّب أستاذ علم الحفريات الفقارية ومؤسِّس مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، الدكتور هشام سلام، وفريقه في «سلام لاب»، عن صفحات مطوية من تاريخ الأرض، يعود بعضها إلى أكثر من 300 مليون سنة.

ولم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر، وتحويل البلاد من «ميدان للبعثات الأجنبية» إلى موطن للباحثين المصريين؛ لذلك أسَّس مركز دراسة الحفريات الفقارية، الأول من نوعه في الشرق الأوسط، المعني بدراسة التراث الطبيعي والكائنات التي عاشت قبل ظهور الإنسان.

هشام سلام وأعضاء من فريقه في معمل مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

وأثبت سلام أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تُحققه وحدك، وإنما بما تتركه في عقول الآخرين، ومن قلب جامعة المنصورة، انطلقت تجربة «سلام لاب» لتكسر القواعد التقليدية للبحث العلمي، مُغلَّفة بروح الإصرار بأن العودة من الخارج ليست نهاية المطاف، بل بداية لبناء مدرسة علمية مصرية خالصة في علم الحفريات الفقارية، قادرة على منافسة المؤسّسات الكبرى عالمياً.

وعلى مدار السنوات الماضية، أنجز فريق «سلام لاب» سلسلة من الاكتشافات البارزة في الحفريات الفقارية بمصر، أبرزها اكتشاف نوع جديد من الحيتان البرمائية التي عاشت قبل نحو 43 مليون سنة، وبقايا ثدييات عمرها 30 مليون سنة، وديناصور «منصوراسورس»، أول ديناصور من العصر الطباشيري في أفريقيا عاش قبل 75 مليون سنة، بالإضافة إلى حفريات أسماك قديمة تعود إلى 56 مليون سنة. كما توَّج الفريق جهوده باكتشاف «مصريبثيكس»، الذي يعيد رسم خريطة تطور القردة العليا، ويضع مصر على خريطة تطوّر الرئيسيات عالمياً.

هشام سلام واثنان من أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يقول سلام إنّ اكتشاف «مصريبثيكس» يُعد محورياً، لأنه يمثل أقرب الأسلاف المشتركة للقردة العليا الحالية، مثل الشمبانزي وإنسان الغاب، ويقترح أنّ أصول هذه القردة قد تعود إلى شمال أفريقيا والمنطقة العربية، ممّا يعيد تشكيل فهم تطوّر الرئيسيات عالمياً.

ويضيف أنّ أهمية الاكتشاف لم تقتصر على القيمة العلمية فقط، بل تضاعفت بنشره في مجلة «ساينس»، إحدى أكثر المجلات العلمية تنافسية، إذ لا تتجاوز نسبة قبول البحوث فيها 6 في المائة. كما يحمل الاسم «مصريبثيكس» دلالة وطنية واضحة، إذ استُلهم من اسم مصر ليعكس الارتباط العميق لهذا الاكتشاف بهويتنا الوطنية.

بالنسبة إليه، يمثّل هذا الإنجاز فخراً على المستويين الشخصي والوطني، فهو تتويج لحلم بدأ منذ سنوات ببناء مدرسة علمية مصرية في مجال الحفريات الفقارية، قادرة على المنافسة عالمياً.

ويؤكد أنّ أي نجاح فردي يظلّ محدوداً، بينما المدرسة العلمية الحقيقية تستمر وتكبر عبر الأجيال، ومنذ وقت مبكر، وضع هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل جديد من الباحثين يحمل الشغف والمسؤولية نفسيهما، وينقل الخبرة، ويخلق بيئة تدعم تطورهم العلمي، لأنّ الاستدامة الحقيقية لأي إنجاز علمي تعتمد على استمرارية الأجيال وتكاملها.

رسم تخيّلي لـ«مصريبثيكس» (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ فكرة «سلام لاب» نشأت من إيمانه العميق بأنّ العمل الجماعي هو أساس أي إنجاز حقيقي، وما يميّز الفريق هو وضوح هدفه: العمل من أجل العلم، ومن أجل بعضهم البعض، ولرفع اسم مصر في المحافل العلمية الدولية، وهذه الروح المشتركة تجعل كلّ عضو يشعر بأنه جزء من رسالة أكبر، وليست وظيفة أو مشروعاً بحثياً.

ويشير سلام إلى أنه استطاع من خلال عمل الفريق إعادة تشكيل حضور مصر في علم الحفريات، بعدما كان هذا المجال يعتمد لمدّة طويلة على بعثات أجنبية، واليوم أصبح للباحثين المصريين دور قيادي، ويبرز اسم مصر بقوة في البحوث والمنشورات العلمية العالمية، ويُعترف بهذا الدور في المؤتمرات والمحافل الدولية.

من احتفالية جامعة المنصورة بإنجاز فريق هشام سلام بعد نشر بحثه الأخير في «ساينس» (سلام لاب)

ويصف سلام «سلام لاب» بأنه عائلة قبل أن يكون مختبراً؛ فالفريق ليس مجرّد مكان للعمل، بل مساحة تجمع أشخاصاً يحملون الحلم والشغف نفسه بالعلم. ومع الوقت والعمل الحقلي، والتحدّيات، والنقاشات العلمية، تتكوَّن روابط أقوى بكثير من الزمالة، ويصبح كلّ فرد سنداً للآخر، ويشعر الجميع بأنهم جزء من حلم أكبر.

وعن قدرته في إدارة فريق علمي متعدّد الأجيال، يشير إلى أن السرّ يكمن في إرساء فكرة واضحة لكلّ عضو. فلكلّ شخص دور مهم، وكل إسهام، مهما بدا بسيطاً، يمكن أن تصنع فرقاً. فكلّ جيل يتحمّل مسؤولية تمهيد الطريق للجيل التالي وتخفيف الصعوبات عنه، وعندما يدرك الفريق أنهم شركاء في النجاح، يصبح نجاح أيّ فرد نجاحاً للجميع، ويظل الفريق قوياً ومستداماً.

جزء من الفك السفلي لـ«مصريبثيكس» مع الضرس الثالث الأيمن لحظة الاكتشاف (سلام لاب)

ويرى سلام أنّ الباحث المصري يمتلك الذكاء والاجتهاد والطموح للوصول إلى العالمية، وما يحتاج إليه غالباً هو البيئة الداعمة من إمكانات أفضل، ومعامل متخصّصة، ودعم مؤسّسي مستمر. ويشير إلى أنّ جامعة المنصورة أحرزت خطوات مُشجِّعة في هذا الاتجاه، من خلال دعم المشروعات البحثية وتوسيع هذا الدعم بما يبعث على التفاؤل.

الدكتور هشام سلام وأحد أعضاء فريقه خلال معسكر ميداني في صحراء مصر (سلام لاب)

ويؤكد للشباب الباحثين أنّ الإحباط لا ينبغي أن يطفئ الشغف؛ فطريق الإنجاز ليس سهلاً، وكلّ تجربة ناجحة تمرّ بلحظات من التعب أو التعثُّر أو فقدان الأمل، لكنها ليست فشلاً، بل جزء من الطريق الصحيح نحو تحقيق الحلم، وتجربة «سلام لاب» تثبت أنّ الإصرار والصبر والإيمان قادرة على تحويل المستحيل إلى واقع، بشرط الاستمرار في التعلُّم وعدم الخوف من المحاولة من جديد.

ويختتم سلام حديثه بالتأكيد على أنّ حلمه العلمي مستمر ويتّسع مع كلّ إنجاز جديد، وكلّ خطوة نحو الأمام، مؤمناً بأنّ طموحات «سلام لاب» لا سقف لها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended