ملامح الفن والثقافة العربية في المثلث الذهبي

صقلية كانت قِبلة للمثقفين العرب بكل أديانهم وطوائفهم

ملامح الفن والثقافة العربية في المثلث الذهبي
TT

ملامح الفن والثقافة العربية في المثلث الذهبي

ملامح الفن والثقافة العربية في المثلث الذهبي

على الرغم من أهمية كتاب «العرب وصقليّة: ملامح الفن والثقافة» الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة للفنان والناقد التشكيلي موسى الخميسي فإنه يعاني من بعض الإشكالات المنهجية في التأليف مثل التوطئة، والهدف من البحث، والنتائج المستخلصة من الدراسة. ويبدو أن الخميسي قد اكتفى بالمقدمة الشيّقة التي كتبها الفنان منير العبيدي من دون أن يردفها بمقدمة المؤلف التي تكشف للقارئ عن ثلاثة معطيات أساسية لا غنى عنها وهي: الهدف من كتابة هذا البحث، والطرق التي اتبّعها في مقارباته البحثية، والنتائج المُستخلصة التي توصّل إليها المؤلف في نهاية بحثه الذي عزّزه بعشرات المصادر والمراجع والإحالات المهمة التي أغنت متن البحث على الصعيدين الثقافي والفني على وجه التحديد.
كما تجدر الإشارة إلى أن توطئة الكاتب قد جاءت في نهاية الفصل الأول من البحث متداخلةً مع مادته التي تتحدّث على تاريخ صقلية، خلافاً للتقليد المتبّع في أن يتصدر هذا المُوجز المكثّف فصول الكتاب برمتها لأنه يعطي فكرة عامة عن كل فصل على انفراد، كما يزوِّد القارئ برؤية الباحث لثيماته الرئيسية والفرعية التي يعالجها على مدار الفصول الستة التي تتقصى وجود العرب في صقليّة منذ عام 827 حتى عام 1091م، وتتلمّس بعمق أشدّ ملامح الفن والثقافة على مدى 264 سنة كمرحلة أولى، وما تلاها من قرون لاحقة لم تغب فيها شواهد ومؤثرات الثقافة العربية والإسلامية وفنونها المتعددة التي ظل بعضها شاخصاً حتى الوقت الراهن.
أطلق العرب على جزيرة صقليّة اسم «المثلث الذهبي» واتخذوا من مدينة باليرمو عاصمة لهم بدلاً من سرقوسه. زار الجزيرة الرحّالة والجغرافي المشرقي ابن حوقل، ووصف أسواقها، وحاراتها، ومساجدها التي جاوزت الثلثمائة مسجد. إنّ ما يهمنا في هذا الفصل هو «العنصر الصقلي» كما نراه اليوم «هو عبارة عن مزيج من شعوب الشرق بين يونانيين وكنعانيين وعرب وبربر ولا تينيين وجرمانيين حيث يبلغ عدد سكّان الجزيرة أكثر من ستة ملايين نسمة يتكلمون نوعاً من اللغة الطليانية المحرّفة التي تحمل أكثر من 1500 كلمة عربية» (ص25). ومثلما تمازجت الأعراق والشعوب ببعضها بعضاً تلاقحت الحضارات القديمة الإغريقية والرومانية والبيزنطية التي استوعبها العرب لينجزوا في خاتمة المطاف «فناً مهجناً» ظل قائماً حتى القرن الثامن عشر. لم يقتصر تأثير الفن العربي والإسلامي على صقليّة وبعض المدن الإيطالية مثل فلورنسا والبندقية وإنما امتدّ إلى فرنسا وإنجلترا، لكن حُكْم العرب لم يدم إذ انتزع النورمان السيادة منهم وعاملوهم معاملة حسنة لم تستمر طويلاً إثر النزوح اللومباردي من الشمال الإيطالي حيث ارتكبت بحقهم المجازر، الأمر الذي أجبر بعضهم على الهجرة لكن البعض الآخر ظل متشبثاً بهذه الجزيرة. تُرى، ماذا حلّ بهؤلاء المسلمين؟ هل ضيعوا فجأة ملامح شخصيتهم العربية والإسلامية وذابوا في المجتمع الجديد؟ أم دافعوا عن وجودهم في بلدٍ باتت تُحاصرهم فيه مختلف أشكال العنف والنبذ والكراهية؟
يتتبع الباحث في الفصل الثاني الفنون التشكيلية العربية في صقلية التي تعرضت للمسخ والتدمير على أيدي الرهبان الكبار الذين جاءوا مع روجر الأول ولم يبقَ منها إلاّ النزر القليل على جدران بعض الكاتدرائيات، وبقايا القصور، والقلاع، والمتاحف المحلية. وبما أنّ الخميسي هو فنان وناقد تشكيلي قبل كل شيء فليس غريباً أن يقارن بين ما يرسمه الفنان الصقلي بالفنان البغدادي في العراق أو الفاطمي في مصر، فقد ابتعد الفنان البغدادي عن التطابق مع الطبيعة مهملاً مراعاة النسب التشريحية، الأمر الذي أفضى إلى لوحة مسطّحة لا عمق لها بعكس الفنان الصقلي الذي كان يراعي النسب المتوازنة ما عدا القدمين حيث يرسمهما صغيرتين قياساً ببقية أعضاء الجسد. الالتقاطة النقدية الأخرى التي يقدّمها الخميسي في هذا الصدد هي أن الفنان الصقلي، المتأثر بالمدرسة البيزنطية، مُولع بتجسيد الانفعالات النفسية عاكساً حالات الفرح أو الحزن، والغضب أو الاسترخاء على وجوه الشخصيات المرسومة، خلافاً للفنان البغدادي أو الفاطمي اللذين يرسمان وجوهاً جامدة تكاد تخلو من الانفعالات والمشاعر الداخلية.
يرجّح الخميسي أن تكون الأعمال الفنية الفسيفسائية في قصر باليرمو من إنجاز فنانين عراقيين، معتمداً في ذلك على خلفيات اللون الواحد الذي كان سائداً في مدينة الموصل آنذاك. امتدّ تأثير الفن العربي والإسلامي حتى إلى رداء الملك الذي زيّنته عبارات مكتوبة بالخط الكوفي الصقلي مقل «أبقاه الله» و«جعل الله أيامكَ ولياليكَ مباهجَ متصلة» (ص95).
ينوّه الخميسي في هذا الفصل وفي مواضع أخرى من الكتاب بأن التأثير العربي في الجزيرة ليس إسلامياً فقط وإنما هناك فنانون ومعماريون وشعراء من ديانات أخر مثل المسيحية واليهودية والصابئة المندائية لديهم مساهمات جديّة لا تقل أهمية عن أقرانهم المسلمين وينبغي ألا يُغمط حقهم في الأبحاث والدراسات الأدبية والفنية والتاريخية.
يتناول الخميسي في الفصلين الثالث والرابع شعراء صقلية العرب الذين دبّجوا أشعارهم بحبر المدرسة العباسية، واستلهموا روحها حتى صارت الجزيرة قِبلة للمثقفين العرب بكل أديانهم وطوائفهم، فقد هاجر عدد غير قليل من علماء اللغة والفقه إلى صقلية أمثال النحوي والشاعر القرطبي موسى ابن أصبغ، والعالم اللغوي سعيد بن فتحون، والحسن بن رشيق القيرواني وغيرهم الكثير.
ثمة أفكار جديرة بالمناقشة في هذا الفصل من بينها شيوع الأراجيز أو القصائد الروائية التي تتمحور على المعارك، وغزو المدن، والفتوحات الإسلامية. كما يرصد أوجه التشابه بين قصائد عمر بن الفارض وأشعار بترارك، رغم أن نزعة الأول صوفية بينما كانت مضامين بترارك دنيوية بحتة. كان الشعراء العرب في صقلية حداثيين متتبعين خطى المجدد أبي نواس ومستلهمين روح العصر حتى أن المستشرق الإيطالي غابرييلي قال عنهم: «إن شعراء صقلية العرب نَحوا منحى الشعراء العباسيين وترسموا خطاهم» (ص146). ذلك لأن أشعارهم رجّحت المخيّلة على العقل، والطبع على الصنعة.
أورد الخميسي في الفصل الرابع نماذج شعرية لعشرين شاعراً أبرزهم ابن حمديس الصقلي الملقب بشاعر الغربة والحنين، إضافة إلى شعراء آخرين لما تزل قصائدهم حيّة في ذاكرة محبّي الشعر العربي ومريديه.
يتمحور الفصل الخامس على سمات الفن العربي في صقلية الذي يتجلى في العمارة والزخارف والمخطوطات، لكن الباحث يركِّز على العمارة بوصفها أبرز المعالم الإبداعية دون أن يقلل ذلك من أهمية الفنون الأخرى مثل الرسوم الجدارية، والمنمنمات، والخزف، والسيراميك، والمخطوطات، وما إلى ذلك. وقد نبّه الباحث إلى تأثر بعض فناني عصر النهضة أمثال جيوتو وميساجو بكثير من المظاهر المعمارية والزخرفية للفن العربي التي أدخلوها في سياق أعمالهم الفنية. كما توقف الباحث أمام بعض القصور التي بنيت آنذاك مثل قصر القبّة، والمنصورية، والفوّارة.
يقتصر الفصل السادس والأخيرة على دراسة مفصلة لثلاثة معالم عربية وهي «إمارة باري»، ومدينة «لوتشيرة الإيطالية»، و«معبد مونرياله». ويبدو أنّ ما حلّ بالمورسيكيين في الأندلس قد وقع لأشقائهم في صقلية فثمة أوجه شبه كثيرة بين المدينتين اللتين كانتا بمثابة بوابتين تفضيان إلى القارة الأوروبية لكن ما حصل في صقلية أن فردريك الثاني قام باجتثاث 60 ألف عربي ووطّنهم بعيداً عن أراضيهم وأن البابا إنوسانت الثالث قد أمر بتنصيرهم قسرياً، الأمر الذي أفضى إلى ذوبانهم في المجتمع الصقلي.



هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

هاني شاكر لاستكمال علاجه في فرنسا بعد تجاوزه «المرحلة الصعبة»

الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)
الفنان هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

أعلنت نقابة «الموسيقيين» المصرية في بيان صحافي، الخميس، تحسن الحالة الصحية للفنان هاني شاكر خلال الأيام الماضية بعد تلقيه رعاية طبية دقيقة على يد أطباء مختصين، فيما يستعد لاستكمال علاجه في فرنسا.

وقالت النقابة إن «شاكر سيتوجه خلال الساعات المقبلة إلى فرنسا لاستكمال بعض الفحوصات الطبية، والاطمئنان بشكل كامل على حالته الصحية، وذلك وفقاً لتوصيات الفريق الطبي المعالج».

وخلال الساعات القليلة الماضية انتشرت شائعات تفيد بوفاة هاني شاكر، وجاء اسمه ضمن قائمة الأكثر بحثاً على موقع «غوغل»، الخميس في مصر، بعدما كتب عدد من المشاهير في الوسط الفني بمصر خبر الوفاة على حساباتهم بالسوشيال ميديا، ومعاودة حذفه ونفيه فيما بعد.

ونفى حساب يحمل اسم «أعضاء نقابه المهن الموسيقية المصرية»، على موقع «فيسبوك»، خبر وفاة هاني شاكر، وكتب: «لا صحة على الإطلاق لما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة الفنان هاني شاكر، وأنه ما زال على قيد الحياة ويتلقى العلاج حالياً»، مضيفاً: «نرجو من الجميع تحري الدقة قبل نشر أو تداول أي أخبار غير مؤكدة، وعدم الانسياق وراء الشائعات».

وبدوره، أكد الشاعر الغنائي والناقد الموسيقى المصري فوزي إبراهيم أن «هاني شاكر بخير وحالته الصحية في تحسن مستمر»، موضحاً أن «مسألة سفره للاستشفاء والنقاهة وليس للعلاج»، حسب تأكيد الفنانة نادية مصطفى.

تحسن حالة هاني شاكر (حسابه على موقع فيسبوك)

واستنكر فوزي إبراهيم، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «الأخبار المغلوطة والشائعات السيئة التي انتشرت عنه»، معرباً عن أسفه لما يتم تداوله، وعدم احترام رغبة أسرته في عدم الكلام وسط انشغالهم بحالته.

وتساءل فوزي إبراهيم: «هل من الطبيعي أن تصدر الأسرة بيانات صحافية تخصه وسط انشغالهم بحالته الصحية؟، لذلك لا بد أن يحترم الناس رغبتهم، وعدم الانسياق وراء ما يتردد، طالما لم يتم نشر أي بيانات رسمية من قبلهم».

مصدر مقرب من الفنان هاني شاكر أوضح أن «حالته في تحسن مستمر، بعد تعرضه لإجهاد شديد نتيجة إجراء عملية وقف نزيف القولون»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «سفره لفرنسا سيكون خلال يومين».

وفي السياق، ردت الفنانة نادية مصطفى عبر حسابها على موقع «فيسبوك»، على ما يتم تداوله من شائعات تفيد بأن سفر هاني شاكر للخارج كان بسبب فشل الأطباء في علاجه داخل مصر، مؤكدة أنها «تواصلت مع زوجته السيدة نهلة، التي نفت هذه الأخبار».

وحسب منشور نادية مصطفى، فقد وصفت زوجة هاني شاكر، «ما قام به الأطباء المصريون بأنه (معجزة طبية)؛ نظراً لخطورة الحالة، كما وجهت الشكر لوزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، ولكل الأطباء القائمين على علاجه، وللعاملين بالمستشفى على ما بذلوه من جهد ورعاية فائقة».

وأوضحت زوجة هاني شاكر أن «قرار السفر للخارج جاء لاستكمال مرحلة الاستشفاء والعلاج والنقاهة، بعد تحسن حالته الصحية».

شاكر يستعد للسفر إلى فرنسا لاستكمال رحلة العلاج (حسابه على موقع فيسبوك)

وكان هاني شاكر قد أجرى قبل أيام جراحة لاستئصال جزء من القولون بعد إصابته بنزيف حاد، وقام بزيارته بالمستشفى وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبد الغفار، كما طمأنت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، في بيان رسمي قبل أيام، الجمهور على صحته، مؤكدة أنه «قيمة فنية كبيرة تمثل جزءاً من تاريخ الغناء المصري الأصيل، وأن حضوره وإبداعه أثريا المشهد الفني المصري وألهما أجيالاً من الفنانين والموسيقيين».

بدأ هاني شاكر، والملقب بـ«أمير الغناء العربي»، مسيرته الفنية مطلع سبعينات القرن الماضي، وقدم بعض التجارب التمثيلية السينمائية في بداية مشواره من بينها فيلما «عايشين للحب»، و«هذا أحبه وهذا أريده»، كما أصدر هاني شاكر خلال مشواره الذي تعدى الـ50 عاماً أغنيات وألبومات غنائية عدة، وشارك في حفلات غنائية بالداخل والخارج، كما شغل منصب «نقيب الموسيقيين»، في مصر.


فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
TT

فوق دويّ الحرب يرتفع صوت المسحراتي موقظاً الصائمين في لبنان

المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)
المسحراتي في أسواق صيدا القديمة (محمد الغزاوي)

لم تستطع الحرب المشتعلة على أرض لبنان وجواره إسكات المسحراتي في مناطق لبنانية عدّة. فهو لا يزال يتنقل بين الأحياء موقظاً الصائمين لتناول وجبة السحور قبل أذان الفجر، ويحافظ بذلك على موروث ثقافي يضفي البهجة، إذ يجوب الشوارع منادياً سكانها بأسمائهم. كما ينشد المسحراتي أهازيج دينية؛ «يا أهل الله قوموا تسحروا»، أو «يا عباد الله تسحروا، فإن في السحور بركة». أما عبارته المشهورة «يا نايم وحِّد الدايم» فينتظر سماعها الكبار كما الصغار. ينهضون من أسرّتهم عائلات وأفراداً للتجمّع حول مائدة السحور وتأدية صلاة الفجر.

عادة ما يواكب المسحراتي فريق من الشبان يدلّونه على الطريق ويردّدون معه الأناشيد الدينية.

وكما في مدينتَي طرابلس وبيروت، فإن صيدا وجوارها تتمسّك بهذه الرمزية للشهر الكريم. صحيح أنّ قلة لا يزالون يمارسون هذه المهنة، وإنما بعضهم يحافظ على تأديتها منذ عشرات السنوات. بعضهم ورثها أباً عن جدّ، وبعضهم الآخر رأى فيها أسلوب عبادة من نوع آخر. فمن خلالها يخدم القوم ويحضّهم على ممارسة تقاليد ثقافية ودينية كي لا تؤول إلى زوال.

يرافقه فريق من العازفين والمنشدين في جولاته (محمد الغزاوي)

ويشير المسحراتي محمد الغزاوي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ رمضان هذه السنة حمل تحدّيات كثيرة. ويوضح: «بدأتُ في ممارسة عملي كما في كلّ موسم بهدوء وسكينة. ولكن اندلاع الحرب بدَّل في وجهاتنا زملائي وأنا. لم تعد جولاتنا تقتصر على زيارة أحياء معيّنة، بل توسَّعت لتشمل مراكز إيواء في صيدا وجوارها».

ويخبر بأنّ هذه المراكز تطلبه بالاسم لكونه من أقدم المسحراتية في المنطقة، إذ يحبّ الجميع صوته ويُعجَبون بأسلوبه في إنشاد الأهازيج.

ويتابع: «ثمة نحو 10 مراكز إيواء نعمل على تلبية طلبات النازحين إليها، نزورهم ونبلسم جراحهم كي لا يشعروا بالغربة. وفي مناطق أخرى اضطررنا إلى إضافة أحياء جديدة نتجوّل فيها نظراً إلى اتساع رقعة السكان في أرجاء المدينة».

يمارس محمد مهنته على الأصول، يرافقه بعض العازفين على الطبل والرق لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الصائمين. وفي ظلّ ارتفاع سعر الوقود، آثر القيام بجولاته سيراً: «أضطر أحياناً للمشي كيلومترات. في الماضي القريب كنتُ أقود سيارتي وأركنها في أقرب مكان من الحيّ الذي أنوي زيارته. كبرت أعداد البيوت والسكان وما عدتُ قادراً على زيارة 5 أحياء مشياً مرّة واحدة. حالياً عدتُ إلى التجوّل بين هذه الأحياء سيراً، وأستخدم زواريب وطرقاً نسمّيها (قادومية) لاختصار المسافات بينها. كما أنّ سنّي لم تعد تسمح بقطع مسافات طويلة. لذلك أستخدم اليوم دراجتي النارية للقيام بجولاتي الطويلة».

يسير في الشوارع والأزقة منادياً «يا نايم وحّد الدايم» (محمد الغزاوي)

ويؤكد أنه لا يزال ينادي سكان الأحياء التي يزورها بأسمائهم: «أتوقف عند كلّ عمارة ومنزل منادياً السكان، فأنا أعرفهم جميعاً. وفي حال مصادفتي بيوتاً يسكنها أناس جدد آخذ على عاتقي التعرُّف إليهم لأضيفهم إلى لائحتي. والجميل أنّ السكان يستيقظون ويلوّحون لي من شرفات منازلهم تفاعلاً معي».

وعن سبب ممارسته هذه المهنة، يجيب: «في أحد الأيام، سمعتُ أحد المسحراتية يطرق على التنك لإيقاظ المؤمنين. استفزني الموضوع لأن التنك لا يليق بقيمة الشهر الكريم. تقدّمت إلى دار الأوقاف في صيدا وطلبت ترخيصاً يسمح لي بممارسة المهنة. وعندما سألوني مستفسرين عن الأسباب التي تدفعني للقيام بهذه المهمّة شرحت لهم وجهة نظري، مؤكداً أنني أرغب في ممارستها على الأصول وبما يرضي رب العالمين».


المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
TT

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)
صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» ضمن المسابقة الرسمية لم تأتِ من لحظة إلهام واحدة، أو من مشروع مخطط له مسبقاً، بل تشكلت تدريجياً عبر سنوات من التفكير والتجارب الشخصية، فالبداية الحقيقية كانت بعد مشاركته في جنازة والده في غينيا بيساو، وهي تجربة وصفها بأنها كانت مؤثرة وعميقة إلى درجة أنه شعر بأن فيها مادة إنسانية تستحق أن تتحول إلى فيلم، حتى لو لم يكن يعرف آنذاك الشكل الذي يمكن أن يأخذه هذا المشروع.

وأضاف غوميز لـ«الشرق الأوسط» أن تلك الفكرة ظلت لفترة طويلة مجرد إحساس أو رغبة مبهمة في تحويل تجربة شخصية إلى عمل سينمائي، قبل أن تتضح معالمها لاحقاً، فبعد فترة من الزمن حضر حفل زفاف داخل محيطه العائلي، وهناك بدأ يرى العلاقة الخفية بين طقوس الفرح وطقوس الفقدان؛ لأن الجمع بين هذين الحدثين منحه الإطار الدرامي الذي كان يبحث عنه، لكونهما يمثلان لحظتين حاسمتين في حياة أي عائلة.

جنازة في غينيا بيساو

وأشار إلى أن الفيلم يتنقل بين زفاف يقام في فرنسا ومراسم جنازة تقام في قرية بغينيا بيساو، وهذا الانتقال بين مكانين مختلفين يعكس حركة دائرية للحياة؛ لأن الفكرة بالنسبة له كانت أن يرى المشاهد كيف تتجاور النهاية والبداية في اللحظة نفسها، وكيف يمكن للموت أن يفتح باباً للتفكير في المستقبل بقدر ما يستدعي الماضي بكل ما يحمله من ذكريات.

المخرج السنغالي - الفرنسي آلين غوميز (الشركة المنتجة)

وأوضح أن العمل يتناول أيضاً تجربة أبناء المهاجرين الذين نشأوا بعيداً عن أوطان آبائهم، فكثيراً من هؤلاء يصلون إلى مرحلة من العمر يصبحون فيها مسؤولين عن نقل تاريخ العائلة إلى الجيل التالي، رغم أنهم في الواقع لا يعرفون الكثير عن ذلك التاريخ، وهذا الانقطاع في المعرفة يخلق شعوراً غامضاً بالنقص؛ لأن هناك دائماً قصصاً ناقصة أو مفقودة داخل الذاكرة العائلية.

ولفت غوميز إلى أن «كثيراً من تلك القصص بقي غير مروي؛ لأن الأحداث المرتبطة بها كانت مؤلمة أو صادمة، خصوصاً تلك التي تعود إلى فترات الاستعمار أو الحروب أو الهجرة القسرية، فبعض الآباء يختارون الصمت بدافع حماية أبنائهم من الألم، لكن هذا الصمت قد يترك فراغاً في فهم الأجيال الجديدة لهويتها، وهو ما حاول الفيلم الاقتراب منه بطريقة إنسانية هادئة».

ويؤكد المخرج أن فكرة «الانتقال» أو «التوريث» كانت حاضرة بقوة أثناء العمل على الفيلم، لكنه لم يكن يقصد بها فقط نقل التقاليد أو العادات، بل نقل التجارب والذاكرة أيضاً، موضحاً أن العائلات غالباً ما تعيد اكتشاف نفسها في اللحظات التي تجتمع فيها، مثل حفلات الزفاف أو الجنازات، حيث يظهر بوضوح كيف يرتبط الماضي بالحاضر، وكيف تتشكل القرارات التي ستؤثر في المستقبل.

وأوضح أن تلك المناسبات العائلية تكشف أيضاً مرور الزمن بطريقة لا يمكن تجاهلها؛ لأن الأطفال الذين كانوا صغاراً يصبحون شباباً، في حين يختفي الكبار الذين كانوا يمثلون ذاكرة العائلة، مؤكداً أن رحيل هؤلاء يعني في كثير من الأحيان ضياع جزء من القصص التي لم تُحكَ بعد، وهو ما يجعل الجيل التالي مسؤولاً عن محاولة استعادة ما يمكن استعادته من تلك الذاكرة.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

ووفق غوميز، فإن الفيلم يحمل أيضاً تحية إلى جيل كامل من المهاجرين الذين اضطروا إلى بدء حياتهم من الصفر في بلدان جديدة، فهؤلاء الأشخاص لم يكن لديهم نموذج واضح يحتذون به، بل كانوا مضطرين إلى ابتكار طرقهم الخاصة للعيش والتعبير عن أنفسهم داخل مجتمعات مختلفة، وهو ما جعل تجربتهم مليئة بالصعوبات، لكنها أيضاً مليئة بالإبداع.

الحياة في المهجر

وأضاف أن هذا الجيل تمكن رغم كل التحديات من بناء حياة جديدة لأبنائه، وهو ما يستحق التقدير والاعتراف، فهناك شعور عميق بالفخر تجاه هؤلاء الأشخاص الذين استطاعوا تحويل تجربة الهجرة الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل أفضل، وهو ما حاول الفيلم أن يعكسه من خلال قصص شخصياته.

وأشار غوميز إلى أن أحد أهدافه الأساسية كان تقديم صورة مختلفة عن المجتمعات الأفريقية وأبناء الشتات الأفريقي؛ لأن السينما كثيراً ما قدمت هذه المجتمعات من منظور خارجي، وهو ما أدى إلى ظهور صور نمطية لا تعكس الواقع الحقيقي لحياة الناس؛ لذا أراد من خلال الفيلم أن يمنح الشخصيات فرصة لتقديم نفسها كما تريد أن تُرى.

الفيلم نال إشادات نقدية مع عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأوضح أن هذا الهدف كان حاضراً منذ المراحل الأولى للعمل؛ لأن الفيلم بالنسبة له ليس مجرد قصة تُروى، بل مساحة يمكن للناس من خلالها التعبير عن أنفسهم، معتبراً أن «داو» صُمم ليكون تجربة جماعية؛ إذ يشارك الأشخاص الذين يظهرون فيه في صياغة جزء من المعنى الذي يقدمه الفيلم.

وتحدث غوميز عن عملية اختيار الممثلين، مؤكداً أنها كانت جزءاً أساسياً من بناء الفيلم نفسه، فاللقاءات الأولى مع المشاركين لم تكن اختبارات أداء تقليدية، بل كانت محادثات طويلة ومحاولات للتعرف على الأشخاص بشكل حقيقي؛ لأن الهدف كان بناء علاقة إنسانية بينهم قبل بدء التصوير.