سباق أميركي ـ روسي على شروط الحل السوري بعد «داعش»

تيلرسون يجدد طرح مصير الأسد... ودي ميستورا يحدد نهاية نوفمبر موعداً لمفاوضات جنيف

تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
TT

سباق أميركي ـ روسي على شروط الحل السوري بعد «داعش»

تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)
تيلرسون لدى لقائه دي ميستورا في جنيف أمس (أ.ب)

مع تقهقر «داعش» شرق سوريا، عاد الحديث عن التسوية السياسية ومعاييرها. الجديد، دخول واشنطن على خط الاتصالات بعد غياب لفترة طويلة عبر دعم مرجعية مفاوضات جنيف و تقديم «نصيحة» للمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بعدم الرهان على «الحل الروسي» ومؤتمر حميميم، في وقت تدفع موسكو لإنجاز تسوية وفق معاييرها وسقفها الذي لا يتطابع مع دمشق وطهران وغير مقبول إلى الآن من واشنطن. واشنطن تسلحت بأوراق تفاوضية بينها سيطرة حلفائها في «قوات سوريا الديمقراطية» على مناطق شرق نهر الفرات وخصوصاً مصادر النفط والغاز والمياه والزراعة في «سوريا المفيدة اقتصاديا»، فيما قبضت موسكو على ورقة تقدم قوات النظام غرب نهر الفرات وإبرام اتفاقات «خفض التصعيد» مع تركيا وإيران ودول إقليمية عربية، إضافة إلى «مصالحات» في «سوريا المفيدة عسكريا».
ماذا تطرح روسيا؟
قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس إن قوات النظام وحلفاءها «حررت 90 في المائة من الأرض من الإرهابيين في سوريا» بفضل دعم القوات الروسية، لافتا إلى أن اتفاقات «خفض التصعيد» في جنوب غربي البلاد وغوطة دمشق وريف حمص وإدلب تساهم في إعداد الأرضية لتسوية سياسية.
وبحسب المعلومات، فإن الخطة الروسية هي البناء على اجتماعات آستانة في 30 و31 الشهر الجاري لاستكمال تنفيذ اتفاقات «خفض التصعيد» خصوصاً في إدلب ونشر الجيش التركي مع إعطاء أولوية لملف المعتقلين وتفكيك الألغام تمهيداً لعقد مؤتمر موسع للمعارضة في القاعدة الروسية في حميميم، حيث ستتم دعوة ما بين 700 ممثل من مؤسسات النظام في الجيش والأمن والسياسة والبرلمان، و700 من ممثلي «المصالحات» التي أقرت مع القاعدة الروسية والمجالس المحلية المنبثقة من اتفاقات «خفض التصعيد» وممثلي الإدارات الذاتية الكردية، إضافة إلى شخصيات سياسية معارضة في الخارج مقربة من التفكير الروسي ولعبت دوراً في إبرام اتفاقات «خفض التصعيد».
كان مقرراً عقد المؤتمر في نهاية الشهر، لكن لأسباب لوجيستية وموعد اجتماعات آستانة، تقرر تأجيله إلى ما بين 7 و10 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وبحسب مسؤول كردي تسلم رسالة الدعوة، فإن المؤتمر يرمي إلى بحث خمس نقاط، هي: «الوضع السوري العام، خفض التوتر بين الأطراف السورية، نقاش حول الدستور السوري، تشكيل لجان تفاوضية لمشاريع المستقبل، التمهيد لمؤتمر شامل».
وتطلبت الرغبة الروسية في عقد «مؤتمر حميميم» واستعجال البحث عن تسوية بناء على أجندة بوتين الذي يخوض انتخابات في مارس (آذار) المقبل، محادثات بين دمشق وطهران. إذ زار نائب وزير الخارجية فيصل المقداد طهران والتقى علي أكبر ولايتي مسؤول العلاقات الدولية في مكتب «مرشد الثورة» علي خامنئي، وسط «انزعاج» من مباركة روسيا وإيران الوجود العسكري التركي في إدلب وشمال سوريا بعيداً عن رغبة دمشق وقرارها. وكان لافتاً، «لقاء العمل» الذي جمع الرئيس بشار الأسد والكسندر لافرنييف مبعوث الرئيس الروسي في دمشق أمس. الاجتماع عقد على مائدة عمل مستطيلة بحضور مسؤولين عسكريين وأمنيين من الجانبين بينهم رئيس مجلس الأمن الوطني اللواء علي مملوك. وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، فإن الأسد قال: «ما يحقّقه الجيش وحلفاؤه (...) يهيّئ الأرضية شيئا فشيئاً للمزيد من العمل السياسي، خاصة أن الحكومة السورية كانت وما زالت تتعامل بإيجابية تجاه أي مبادرة سياسية من شأنها حقن الدماء السورية واستعادة الأمن والأمان بما يضمن وحدة وسيادة سوريا». وزاد: «مصممون على الاستمرار بالحرب على الإرهاب من جهة، ودعم المسار السياسي من جهة أخرى عبر رفع وتيرة المصالحات الوطنية والحوار بين الجميع عبر مؤتمر حوار وطني في سوريا، وصولاً إلى تعديل الدستور وإجراء الانتخابات البرلمانية». ولوحظ عدم التطرق إلى الانتخابات الرئاسية التي يتضمنها برنامج القرار 2254.

ماذا تريد واشنطن؟
اللافت في الأيام الأخيرة، عودة كبار المسؤولين الأميركيين للحديث عن مصير الأسد والحل السوري بعد غياب من الإدارة الأميركية لفترة طويلة. وبحسب معلومات، فإن مراجعة للموقف من الأزمة السورية جرت في الإدارة الأميركية. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال إتش آر ماكماستر في مقابلة بثتها قناة «الحرة» إلى «الشرق الأوسط» إنه «عندما تنظر إلى ما هو ضروري لجمع المجتمعات المحلية سوية وإنهاء دورة العنف، من الصعب جدا تصور كيف يمكن للأسد أن يكون جزءا من هذا، خاصة أن يديه ملطختان بالدماء، وكان له دور في تدمير بلاده والتسبب في المعاناة الإنسانية. واستخدم بعض أشنع الأسلحة على وجه الأرض لارتكاب عمليات قتل جماعية ضد شعبه. من الضروري وجود قيادة مناسبة دوليا، وفي سوريا، يمكن لهم تحقيق التوافق والمصالحة الضرورية».
وقال مسؤول غربي إن الإدارة الأميركية طلبت لقاء مع دي ميستورا في إشارة إلى اهتمامها بالحل السياسي. وأعلن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بعد لقائه دي ميستورا في جنيف أمس: «تريد الولايات المتحدة سوريا كاملة وموحدة لا دور لبشار الأسد في حكمها». وأضاف: «عهد أسرة الأسد يقترب من نهايته. القضية الوحيدة هي كيفية تحقيق ذلك». وأضاف تيلرسون أن السبب الوحيد في نجاح قوات الأسد في تحويل دفة الحرب المستمرة منذ أكثر من ست سنوات هو «الدعم الجوي الذي تلقته من روسيا».
وأشار المسؤول الغربي إلى مشاورات في واشنطن ومع حلفائها إزاء كيفية تحويل المواقف السياسية إلى استراتيجية، وأنه كان بين الأمور هو اعتبار «قوات سوريا الديمقراطية» التي تسيطر على مساحة واسعة من سوريا غنية بالنفط والغاز والمياه وحررت الرقة من «داعش» ورقة تفاوضية أساسية، إضافة إلى اعتبار المساهمة في إعادة إعمار سوريا ورقة تفاوضية أخرى. وقال مسؤول أميركي: «كلفة إعادة الإعمار تبلغ نحو 200 مليار دولار أميركي، ولن ندفع نحن أو حلفاؤنا دولارا واحدا ما لم تكن هناك تسوية سياسية ذات صدقية». وطرح أيضاً خيار إعمار المناطق التي تحررها «قوات سوريا الديمقراطية» بدعم من التحالف لتكون بديلاً من إعمار مناطق النظام إذا لم تحصل تسوية سورية شاملة.

ماذا يريد دي ميستورا؟
يبحر المبعوث الدولي بين موقفي موسكو وواشنطن والسباق بين حلفائهما على تسوية ما بعد هزيمة «داعش». ويأمل في ألا تكون خطوات روسيا لعقد «مؤتمر حميميم» واجتماعات آستانة بديلاً من مفاوضات جنيف وتنفيذ القرار 2254. وهناك رهان على نجاح مؤتمر المعارضة الموسع في الرياض الذي حدد 10 الشهر المقبل موعداً مبدئياً له لولادة شريك يفاوض الوفد الحكومي. وعقد في واشنطن في اليومين الماضيين مؤتمر للسوريين في أميركا لبحث آلية تنظيمهم والإفادة منهم سياسيا في الضغط على الموقف الأميركي.
وسعى دي ميستورا أمس إلى الحصول على دعم مجلس الأمن الدولي لمسيرته السياسية في الأسابيع المقبلة. ووضع 28 الشهر المقبل موعداً لاستئناف مفاوضات السلام بين وفدي الحكومة السورية والمعارضة، أي بعد مؤتمر «الرياض-2» واجتماعات آستانة و«مؤتمر حميميم». وقال مصدر: «هناك مساع لدى روسيا من أنه كي تحصل على دعم الأمم المتحدة لا بد من توفير شروط نجاح مؤتمر المعارضة وألا يكون مثل اجتماعات العصف الفكري في موسكو-1 وموسكو-2» بداية العام 2015.
وقال المبعوث الدولي أمس: «يجب أن يدخل الأطراف في مفاوضات فعلية» عبر التركيز على خطوات في اتجاه صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات في سوريا تحت إشراف المنظمة الدولية، في وقت أشار مسؤول غربي إلى أن دمشق «فقدت ذريعة أساسية، وهي محاربة الإرهاب» لأن «داعش» يتلاشى وهناك تفاهم روسي - تركي على التعامل مع «جبهة النصرة» شمال سوريا. وأضاف: «أيضاً، رهان دمشق على انتخابات محلية وبرلمانية ليس كافياً، إذ أن القرار 2254 يتضمن أيضاً انتخابات رئاسية» بموجب بنود القرار والجدول الذي وضعه دي ميستورا في الجولات التفاوضية الأخرى لبحث «السلال الأربع»: الحكم، الدستور، الانتخابات، محاربة الإرهاب.



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.