الحلم الأميركي يتحول إلى كابوس في فيلم جورج كلوني الجديد

الرواية والمسرح شاركا السينما في نقده

مات دامون وجوليان مور في «سبربيكون» - ليوناردو ديكابريو في «ذئب وول ستريت»،
مات دامون وجوليان مور في «سبربيكون» - ليوناردو ديكابريو في «ذئب وول ستريت»،
TT

الحلم الأميركي يتحول إلى كابوس في فيلم جورج كلوني الجديد

مات دامون وجوليان مور في «سبربيكون» - ليوناردو ديكابريو في «ذئب وول ستريت»،
مات دامون وجوليان مور في «سبربيكون» - ليوناردو ديكابريو في «ذئب وول ستريت»،

يختار الممثل والمخرج جورج كلوني أن يفتتح فيلمه الجديد «سَبربيكون» Suberbicon بتعريفنا على بلدة جميلة وادعة (بذلك الاسم) تتمتع بألوان زاهية ومنازل مرتبة على جانبي شوارع نظيفة وتحت شمس ساطعة. بلدة متاحة لذوي الدخل المتوسط (الذي هو أعلى من الدخل المتوسط لمجتمعات أخرى) سارع الناس لشراء المنازل وإقامة المتاجر بسبب رخص كلفتها والوعد الذي تحمله برخاء واستقرار بعيداً عن زحمة المدن الكثيفة ومشاكلها.
العام هو 1959، السنة التي التقطت فيها صور تذكارية في حفل عشاء حضره الزعيمان دوايت أيزنهاور ونيكيتا خروتشيف (وزوجتاهما). وهي السنة التي تم ضم ألاسكا وهاواي كولايات أميركية.
السينما احتفت بفيلمي «النفخة الـ400» لفرنسوا تروفو و«هيروشيما حبي» لألان رينيه. وهي أيضاً السنة التي تقدّمت فيها السينما اليابانية ذاتها بخطوات واثقة تمثلت بأربعة أفلام، اثنان منهما ليوسوجيرو أوزو وهما «صباح الخير» و«عشب طافٍ» واثنان آخران لمواطنه كون إيتشيكاوا هما «حريق في السهل» و«شغف غريب».
لا يتعاطى «سَبربيكون» بالطبع مع ما كان يحدث خارج أميركا، بل لا يتعاطى مع ما كان يحدث في أميركا ذاتها. إنه عن وضع مغلق على نفسه يريد أن يعيش الحياة بسعادة ويعتقد أنه يفعل ذلك جيداً. لا قلق. الكثير من الكياسة والابتسامات. الرجل يعمل. الزوجة تخدم في البيت. الأولاد يلعبون ويذهبون إلى المدرسة. صورة نظيفة تماماً.

مفادات

... وهي أيضاً صورة بيضاء تماماً. هذا إلى أن يخدشها وصول عائلة أفرو - أميركية جاءت لتقطن في بيت واحد يقع في البلدة ذاتها وسط جيران سعداء إلى ذلك الحين. هناك زلزال وقع حين اكتشف الجيران أن البيت القريب في الشارع ذاته يؤول الآن لزوجين وابنهما والثلاثة ذوو بشرة سوداء. شعروا بأنّ هناك خللا كبيرا في الحياة وقع. أن الصورة الباهية التي رسموها لتلك البلدة ثقبت والصفحة البيضاء حطت عليها لطخة سوداء. بالتالي لا يمكن تحقيق الحلم الأميركي الموعود بوجود عنصر غير متفق عليه يعيش جنباً إلى جنب الغالبية.
في نهاية الفيلم تذكر سيدة لمراسل تلفزيوني جاء يحقق في جرائم قتل ارتكبها رجل أبيض بحق أسرته البيضاء أن مثل هذه الجريمة لم تكن لتقع لولا وجود عائلة سوداء. بذلك يقفل المخرج كلوني الفيلم على صياغة صورة على حلم أميركي تحوّل إلى كابوس أو ربما لم يكن سوى حلم غير محقق أساساً.
لكن العلاقة بين الجريمة التي ارتكبها غاردنر لودج أولاً بقتله زوجته ثم بقتله موظف التأمين ولاحقاً شقيقة زوجته قبل أن يهم بقتل ابنه، وبين العائلة السوداء التي انتقلت لتبني حياتها كما يحق لها أن تفعل ليست موجودة. فلا أدنى علاقة بين هوس غاردنر (بن أفلك) والعائلة السوداء التي أحاط بها البيض لترويعها وحملها على مغادرة البلدة. ما قالته تلك الشخصية الثانوية في نهاية الفيلم لا يعدو سوى انعكاس للغل الذي شعرت به، كسواها، جراء الشعور بأن عليها قبول مشاركة عنصر آخر للحلم الأميركي الذي اعتقدت أنها تعيشه.
من بين مفادات أخرى، يبرز موضوع الحلم الأميركي الكبير فوقها جميعاً. الفيلم كله عنه ومن جانبين: الزوج الأبيض الذي حلم بالمزيد من المال يرثه عن زوجته التي استأجر من يقتلها لحسابه، والعائلة السوداء التي حطت في البلدة ذاتها. هذا الجانب الثاني هو أكثر من قضية عنصرية أخرى من تلك التي تأتي عليها الأفلام كثيراً هذه الأيام. هو عن رغبة الالتحاق بالحلم الكبير الذي، يومئ الفيلم، ليس موجوداً وربما ليس ممكناً في الواقع.

الرقص حلماً

بهذا يشارك الفيلم عدداً كبيراً من الأفلام التي تناولت موضوع الحلم الأميركي. مات دامون كان في واحد منها عنوانه «أرض موعودة» (غس ڤان سانت، 2012)، حيث يصل الموظف للقيام بدوره مستكشفاً إمكانية استثمار المصادر الطبيعية للبلدة الصغيرة لاستغلالها كموارد نفطية. في الوقت الذي يعتقد أن يبني مستقبلاً صناعياً، يكتشف أنّه يقضي على حياة ازدهرت ببساطتها وتآلف معها على هذا النحو سكانها.
‫هذا لا يبدو موضوعاً وثيق الاتصال بالحلم الأميركي وتداعياته إلى أن ندرك أنّ الفيلم إنّما يقصد القول إنّ الشركات الكبرى تطحن في سعيها لتحقيق حلمها الخاص كل الأحلام الصغيرة التي لا يوجد من يحميها. وهذا ما نراه ماثلاً في «وول ستريت» (أوليڤر ستون، 1987) و«ذئب وول ستريت» (مارتن سكورسيزي، 2013) و«شبكة اجتماعية» (ديفيد فينشر، 2010). ‬
في الحقيقة نجد «سَبربيكون» لكلوني شبيه بفيلم سبقه بنحو 20 سنة اسمه «بلزنتڤيل» لغاري روس (لاحقاً «لعبة الجوع») حيث يخترق مراهقون جدار الزمن منتقلين إلى الخمسينات. لا يود هؤلاء البقاء في الأمس المتخلف لكن وجودهم هو مثل وجود العائلة الأفرو - أميركية في فيلم جورج كلوني من حيث أنه يهدم الاعتقاد السائد من أن بلدة بلزنتڤيل مبنية على دعائم قوية تفرز إنجازات الحلم الكبير.
وقبل كل ذلك قام أورسن وَلز بتقديم «المواطن كين» سنة 1941، لكن هذا الفيلم الرائع يقدم حياة رجل بالغ الثراء يحقق حلمه الأثير بالثراء والسلطة. لكن وكما في الكثير من الأفلام الشبيهة التي تدور حول هذا الصنف من الرجال (بينها النسخ السينمائية المختلفة لرواية «غاتسبي العظيم») يكتشف كين هشاشة ما بناه.
لا يتوقف الحال عند أفلام تعايش رجالاً حققوا الحلم ثم تراجعوا عنه كما حال ليوناردو ديكابريو في «ذئب وول ستريت»، بل هناك تلك الأفلام التي تعاملت مع الطبقة التحتية التي عاشت وانتهت حالمة من دون أن تحقق شيئا. في هذا الصدد يأتي فيلم سيدني بولاك «يطلقون النار على الجياد، ألا يفعلون؟» (1969) نموذجاً فريداً إلى اليوم: مباراة في الرقص على حلبة واسعة يؤمها كل الحالمين بجائزتها ستمنح للثنائي الذي سيواصل الرقص لساعات وساعات من دون توقف إلى حين توقف باقي الراقصين والراقصات. جين فوندا ومايكل سارازين يحتاجان تلك الثروة. لا يعرفان بعضهما البعض مسبقاً، لكن الحلم بالرغد يجمع ما في تلك الحلبة المحاطة بالمتفرجين.
الموضوع في واقعه شاسع، لأن الولايات المتحدة بُنيت على أساس قدرة الفرد (أو عدم قدرته) بناء مستقبله بمفرده. يعود الوضع إلى سنوات الغرب الأميركي عندما سمحت الحكومة للمواطنين التسابق صوب أراضي ما وراء نهر المسيسيبي لبناء مستقبلهم. كل من يصل إلى حيز من الأرض قبل سواه، ستمنح له. السباق يبدأ بطلقة نار لتنطلق المركبات والخيول في غزو فعلي لذلك الحلم المترائي. البعض يسبق سواه والبعض يكتفي بأول قطعة أرض وصل إليها بينما يمضي البعض الآخر لما هو أفضل. والبعض الثالث يتهاوى على الطريق ويخفق في استحواذ شبر واحد من تلك الأرض.
وهو موضوع شاسع أيضاً لأن الكثير من المؤلفات والمسرحيات والأفلام بنيت عليه («موت بائع متجول» وما قبله وبعده) لكن وسيلتا دخوله كانت غالباً عبر ممرين: أولئك الذين يحاولون دخوله وأولئك الذين دخلوه. وفي الغالب وجدت هوليوود أن الحديث عن الحلم ككابوس هو أكثر صدقاً من الحديث عنه كواقع.
سنجد أن بعض كبار المخرجين الأميركيين، مثل جون فورد، روبرت موليغن، ستانلي كوبريك، روبرت ألتمن، تشارلي تشابلن، ألان ج. باكولا وهال أشبي، تداولوا الحلم وكشفوه فإذا به حلم العالم أجمع بثراء يولد ثراء ولو أنه قد لا يولد هناء.


مقالات ذات صلة

أحمد حلمي يُراهن على «أضعف خلقه» لاستعادة تألقه

يوميات الشرق أحمد حلمي انتهى من تصوير فيلم «أضعف خلقه» (حسابه على فيسبوك)

أحمد حلمي يُراهن على «أضعف خلقه» لاستعادة تألقه

انتهى الفنان أحمد حلمي من تصوير أحدث أفلامه «أضعف خلقُه» الذي يُعيده للسينما بعد غياب 4 سنوات.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم الجزائري «زد» والممثل المصري رامي مالك والفيلم الفلسطيني «لا أرض أخرى» فائزون عرب في «الأوسكار» (ويكيبيديا - أ.ف.ب) p-circle 02:00

ترشيحات كثيرة وجوائز معدودة... إنجازات عربية في تاريخ «الأوسكار»

عشية حفل «الأوسكار»، عودة بالزمن إلى أبرز الإنجازات العربية في تاريخ جوائز السينما العالمية. وهل يحقق «صوت هند رجب» إنجازاً رابعاً؟

كريستين حبيب (بيروت)
سينما «خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صنّاع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

المخرج الفرنسي آلين غوميز: فكرة «داو» بدأت من جنازة والدي

قال المخرج الفرنسي - السنغالي آلين غوميز إن فكرة فيلم «داو» الذي عُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» تولدت خلال جنازة والده.

أحمد عدلي (برلين)

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.


شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
TT

شاشة الناقد: شخصيات مُحاصرة على وَقْع الحديد الحامي... والقطار لا ينتظر

«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)
«خروج آمن»... حين يفوت قطار الحياة (ماد سوليوشن)

«خروج آمن»

★★★★

• إخراج: محمد حمّاد

• النوع: دراما اجتماعية | مصر

معالجة إنسانية لشخصيات تبحث عن خلاص

يحاصر المخرج محمد حمّاد شخصياته بأوضاع اجتماعية جادّة. ولأنها جادّة فهي أيضاً صعبة. في فيلمه الأول «أخضر يابس» نجد بطلته امرأة يفوتها قطار الحياة بسرعة، ذلك الذي تستخدمه في المواصلات بطيئاً لكنه مستديم. مشكلتها أنها باتت وحيدة، حتى وإن كانت تعيش مع شقيقتها التي تتوق للزواج ولا تشعر بآلام شقيقتها الكبرى. يتجلّى عن ذلك الوضع سرد قاتم وإنساني للحالة التي يستعرضها الفيلم.

هذا يتكرّر في «خروج آمن» (ثاني فيلم روائي طويل للمخرج حمّاد منذ «أخضر يابس» قبل 10 سنوات). بطله سمعان محاط بظروف قاهرة: شاب لا مستقبل منظوراً ومتوقَّعاً له. يعمل رجل أمن في عمارة يستغلّه بعض مَن فيها لتأمين حاجاته اليومية. هناك إرهابي شاب يكنّ له العداء رغم أنّ سمعان يتستَّر عليه حين يدهم الأمن المكان بحثاً عنه. ثم هناك حقيقة أنه مسيحي يشعر بالدونية وسط محيطه، ويحمل في باله وجع خسارة أبيه (عندما قتل ليبيون والده لأنه قبطي).

المقابل النسائي هنا يأتي على شكل شابة معتلّة صحياً لكنها معدومة القدرة، لا على المعالجة الصحية فحسب، بل على تلك النفسية، في مجتمع لا أحد يرى أحداً آخر فيه. سمعان وفاطمة، كلٌّ من دين مختلف، لكن المخرج لن يذهب وراء قصة حبّ بل قصة تفاهم.

يستخدم حمّاد حنكته بوصفه مخرجاً ومؤلّفاً ليضع كلّ هذه الشخصيات وسواها في أماكن صحيحة. لا بطولات ولا إنجازات ولا حتى انتصارات. الخروج الآمن الوحيد بالنسبة إلى سمعان هو ارتكاب جريمة يرتاح فيها من الشعور بالخوف والخشية ممن قتله، وبالتالي، من وضعه المتعثّر. إنه خروج آمن (أو هكذا يقرّر) من عالم مقيَّد إلى آخر أفضل.

«خروج آمن» مصوَّر بدراية تربط بين الوضع الماثل والتأطير المناسب لكل مشهد. لا تنازل عن جعل الصورة ملازمة للحالة التي يعكسها المشهد. فيعكس حمّاد النظرة الإنسانية التي يشعر بها حيال شخصياته التي تشترك في المعاناة الماثلة مع توليف صحيح لا يفلت من بين يديه.

STRANGER

★★ 1-2

• إخراج: مادس هاديغارد

• النوع: تاريخ | الدنمارك

فيلم طموح عن الحياة قبل 4000 سنة

وفق كتاب للمؤرّخ كريس كريستنس «صعود عصر المجتمع البرونزي» الصادر عام 2023، فإن ملابس الشعوب الإسكندنافية سنة 2000 قبل الميلاد كانت عبارة عن رداء يشمل القامة من الكتفين لما بعد الركبتين. ما نراه في الفيلم العائدة أحداثه إلى 4000 سنة قبل الميلاد، فإن الملابس كانت شبيهة، باستثناء أنها كانت قصيرة للنساء وطويلة للرجال.

«غريبة»... الهجرة التي لم تنقطع يوماً (موتور برودكشن)

هل يمكن أن تكون ملابس شخصيات الفيلم على هذا النحو قبل 6000 سنة من اليوم؟ ماذا عن الذقون المحلوقة جيداً؟ ثم ماذا عن القول إنّ بعض الإسكندنافيين اكتشفوا بذور القمح والزراعة في ذلك الحين؟

لا أرغب الخوض في هذا الشأن إلا من باب التمنّي لو أنّ المخرج قدَّم المرحلة الزمنية نحو 2000 سنة إلى الأمام، لأنّ هناك تفاصيل كثيرة تحتاج إلى التدقيق. يستدعي «غريبة» الإعجاب في بعض نواحيه. من بينها حياكته قصة جديدة على هيئة موضوع يدور حول قبيلتين تنتمي بطلة الفيلم آثي (أنجيلا بوندالوفيتش) إلى إحداهما، التي وصلت إلى بقعة جديدة من الغابات الإسكندنافية (لا تبدو لي صالحة للزرع ولكن...) للاستقرار فيها. لكن القبيلة الأخرى هاجمتها وقتلت معظم أفرادها. الناجيان الوحيدان هما آثي وشقيقها ثاران (بنجامين شريفزاده) اللذان يقعان في قبضة القبيلة ويتحمّلان سوء معاملتها. لا تستمر الأحداث بمثل هذا التصاعد، بل تتحوّل إلى متابعة لا تغادر مكانها. يخفق الفيلم في إثارة اهتمام أوسع أو في إثراء حكايته لتصبح ضرورية. هو من ساعتين، ولو كان أقل ومنح مشاهديه الرغبة في التواصل مع مشكلته، لحقَّق نجاحاً أعلى. لكن ثمة ما يمكن إضافته إلى إيجابياته القليلة، وهو أنه منذ البداية يومئ بربط ما يدور حول الهجرة من موقع لآخر مع الهجرة التي لم تنقطع يوماً وتنتشر في زمننا الحاضر حول العالم بأسره.

WAR MACHINE

آلة حرب

★★ 1-2

• إخراج: باتريك هيوز

• النوع: أكشن/ خيال علمي | الولايات المتحدة

لا يفل الحديد إلا الحديد

ليس في الحبكة هنا ما هو جديد بالفعل. سبق للأرض أن دافعت عن نفسها ضدّ غزاة من الفضاء (بأشكالهم المتعدّدة) منذ الأربعينات. كذلك يذكّر الفيلم بالجزء الأول من سلسلة «المفترس» (إخراج جون مكتيرنان، 1987) باستثناء أنّ الشخصيات الموزَّعة في ذلك الفيلم تحت قيادة أرنولد شوارتزنيغر كانت أكثر صلابة.

«آلة حرب»... الحديد بالحديد (نتفليكس)

في جميع الأحوال، يعتمد الفيلم الجديد على نخبة من الجيش الأميركي يعهد إليها التحقُّق مما يحدث، وذلك بعد مدّة طويلة من التدريبات لاختيار الأكثر صلابة وقوة بين المجندين. الرقم 81 (آلان ريتشسون) يبزّ جميع الآخرين، وينطلق لمجابهة هذا الغزو الغريب. معظم أفراد فرقته يُباد، والوحش الآلي يبدو أقوى بكثير ولا سبيل لدحره. لكن لا يفني الحديد سوى الحديد، كما نرى عند نهاياته.

يوظّف المخرج وفريقه مناطق التصوير (نيوزيلندا وأستراليا) جيداً، ويفيد ذلك في مزج الأماكن الطبيعية في لُحمة المخاطر التي لا تتوقَّف (نهر جارف، جبال وعرة، وديان سحيقة...). مجموع ما تولّده الحبكة بعد نحو نصف ساعة من بداية الفيلم، وأماكن تصويرها، بالإضافة إلى مواجهة آلة الروبوت المسلّحة التي لا يمكن قهرها، نافع بوصفه تسلية وترفيهاً.

الممثل الأول ريتشسون لا يحلّ تماماً مكان شوارتزنيغر وجاذبيته، لكنه قابل للتصديق في مشاهد الخطر. المخرج الذي سبق وحقق «المرتزقة 3» يفهم مهنته ويؤمن تنفيذ مشاهد رائعة وتواصلاً في سرد جيد. كلّ ذلك لن يرفع الفيلم إلى أكثر من المستوى المعهود لأفلام تلتزم بالحركة وتتخلَّى عن عمق شخصياتها ومدلولاتها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.