نازحو غوطة دمشق يطعمون أطفالهم أوراق الجرائد... ودعوات لتدخل دولي

نفاد مخزون حليب الأطفال يهدد حياتهم

رجل مصاب بين أفراد عائلته في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
رجل مصاب بين أفراد عائلته في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
TT

نازحو غوطة دمشق يطعمون أطفالهم أوراق الجرائد... ودعوات لتدخل دولي

رجل مصاب بين أفراد عائلته في غوطة دمشق (أ.ف.ب)
رجل مصاب بين أفراد عائلته في غوطة دمشق (أ.ف.ب)

«لم يجد سكان مخيمات النازحين في الغوطة الشرقية لدمشق غير أوراق الصحف، لإطعام أولادهم مع وجبة الطعام. فالخبز تحول إلى وجبة نادرة، وإذا وجدت، يحتكرها التجار الذين رفعوا سعر الكيلو الواحد من 300 ليرة إلى 1300 ليرة سورية، وهو ما لا طاقة للفقراء من سكان المخيمات به... فاستبدلوا به أوراق الجرائد!».
هذه خلاصة الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية لدمشق، حيث يحاصر النظام السوري وحلفاؤه 350 ألف شخص، ولم يدخل المساعدات الإنسانية إليهم منذ شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. نفد مخزون حليب الأطفال من المستودعات، كما يقول عبد الملك عبود، أحد منسقي حملة «الأسد يحاصر الغوطة»، لـ«الشرق الأوسط»، وهو ما فاقم معاناتهم إلى حدود وفاة طفلين أواخر الأسبوع الماضي نتيجة سوء التغذية، بينما يعاني مئات آخرون من نقص التغذية، مما يهدد حياتهم.
ووثَّق تقرير نشرته «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أمس، مقتل ما لا يقل عن 397 مدنياً، بينهم 206 أطفال، و67 سيدة، بسبب الجوع ونقص الدواء؛ تحديداً منذ بداية الحصار على الغوطة الشرقية في أكتوبر (تشرين الأول) 2012 حتى 22 أكتوبر 2017. كما نوَّه بأنَّ معظم الوفيات حصلت بين الفئات الهشَّة، كالأطفال الرضع، وكبار السن، والمرضى، والجرحى.
والأطفال، ليسوا إلا جزءاً من ضحايا سكان الغوطة المهددين بالموت. والعائلات الأخرى، التي تعد ميسورة إلى حد ما؛ أي القادرة على شراء الخبز، لا سبيل لها سوى توفير وجبة واحدة من الطعام لأطفالها. يقول عبد الملك إن أغلب العائلات باتت تحضر وجبة واحدة فقط؛ قوامها الذرة المسلوقة أو الخضراوات المسلوقة. أما الخبز؛ «فلا يشتريه إلا الأغنياء بسبب ارتفاع سعره». ويقارب سعر كيلو الخبز الواحد، الدخل اليومي لعائل الأسرة البالغ 1500 ليرة سورية، علما بأن ندرة فرص العمل، جعلت واحدا فقط من أسرة مؤلفة من 5 أشخاص، قادراً على إيجاد فرصة عمل (الدولار الأميركي يساوي 500 ليرة).
وفي محاولة للتحايل على أطفالها الجائعين، تغلي منال قدراً مملوءاً بالمياه على النار، موهمة إياهم بأنها تعد طعاماً لا تقوى على توفيره، على غرار عائلات كثيرة تعجز عن تأمين قوتها في الغوطة الشرقية المحاصرة قرب دمشق. وتقول منال، التي تقيم مع زوجها وأطفالها الأربعة في منزل متواضع بمدينة حمورية في الغوطة الشرقية، لوكالة الصحافة الفرنسية، بتأثر شديد: «أملأ قدراً كبيراً بالمياه لأوهم أبنائي أنني أطهو الطعام لهم إلى أن يناموا بعدما ينهكهم الانتظار».
ويعاني أكثر من 1100 طفل في الغوطة الشرقية، أحد آخر معاقل الفصائل المعارضة، من سوء تغذية حاد، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، جراء حصار محكم تفرضه قوات النظام منذ عام 2013. ورغم سريان اتفاق لخفض التوتر في المنطقة وتوقف الأعمال القتالية، فإن ذلك لم ينسحب تحسناً على إدخال المساعدات الإنسانية. ولا يمكن لقوافل المساعدات الدخول إلى الغوطة الشرقية إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من النظام السوري. ودخلت آخر قافلة مساعدات غذائية وطبية ومستلزمات أخرى إلى 3 مدن فقط في الغوطة الشرقية، في سبتمبر (أيلول) الماضي.
وساهم التوصل إلى اتفاق خفض التوتر في آستانة في مايو (أيار) الماضي، الذي بدأ سريانه في منطقة الغوطة الشرقية عملياً في يوليو (تموز) الماضي، في توقف المعارك والغارات العنيفة التي كانت تستهدفها متسببة بدمار كبير في الأبنية والبنى التحتية، وموقعة خسائر بشرية كبرى.
لكن توقف القتال لم يُترجم على صعيد تكثيف وتيرة إدخال المساعدات، وأعلنت روسيا بعد سريان الاتفاق توزيع أكثر من 10 آلاف طنّ من المساعدات الغذائيّة في الغوطة الشرقية. وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن «عملية التوزيع تمت لمرتين على أحد الحواجز، ثم توقفت إثر ذلك».
وقالت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا إنجي صدقي لوكالة الصحافة الفرنسية أمس: «الحاجات الإنسانية في الغوطة الشرقية ضخمة، ويتوجب بذل مزيد من الجهود». وشددت على أن «الوضع يزداد سوءاً»، مضيفة: «نعلم من خلال تجارب سابقة أنه يمكن للأوضاع أن تتدهور سريعاً وتصل إلى مراحل مأساوية حين يعتمد السكان على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية».
ويعدّ غياب حليب الأطفال من أبرز المشكلات التي تعاني منها الغوطة اليوم. يقول عبد الملك لـ«الشرق الأوسط» إن المخزون من حليب الأطفال «استنفد تماماً»، مؤكداً أنه «خلال شهرين، ازداد عدد الذين يعانون من سوء التغذية والمعرضة حياتهم للخطر».
هذا الوضع ينسحب على المئات من المرضى المهددة حياتهم بالخطر. ويشير عبد الملك إلى أنه «يقبع حاليا أكثر من 600 مريض بحاجة لأدوية سرطان، و360 مريضاً يحتاجون لإخلاء فوري لأن حالاتهم المرضية تحتاج لعلاج سريعاً»، مؤكداً أن هناك «تقصيراً من ناحية المنظمات الإنسانية».
ويقول ناشطون سوريون إن النظام كان يقطع المواد التجارية عن سكان الغوطة، منذ إحكام حصاره عليها في أكتوبر 2013، للضغط على الناس للقبول بالمصالحات، لكنه «لم يدخل المواد الإغاثية إلا بعد ضغوط دولية، وعبر التجار التابعين للنظام». وعدا ذلك، لم يعانِ السكان من آثار الحصار، كما هي الحال في مدن وبلدات أخرى بريف دمشق في وقت سابق، بسبب وجود مساحات زراعية واسعة في الغوطة الشرقية، كانت تزرع بالحبوب والخضراوات والمزروعات الموسمية. أما الآن؛ «فإن سيطرة النظام على مساحات واسعة بالمرج في شرق الغوطة، وعلى البساتين في جنوبها، حرم السكان من فرصة الحصول على ما يبقيهم أحياء».

تنديد سياسي بالحصار

ونددت المعارضة السورية بسياسة الحصار التي يتبعها النظام السوري في الغوطة الشرقية؛ إذ أعلنت «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة أن استغلال النظام الصمت الدولي «المريب» في ارتكابه «جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين العزل وفرض الحصار والتجويع»، هو «إرهاب تمارسه منظومة الإجرام دون حرج أو خجل، في غياب المحاسبة»، لافتة إلى أن الأمم المتحدة، أو أياً من هيئاتها أو أعضاء مجلس أمنها، «لم تحرك ساكناً».
وأكدت «الهيئة» أن «الجرائم التي يرتكبها نظام الأسد ومرتزقته ولا يتردد في ارتكابها متحديا كل القرارات الدولية، لا يمكن الصمت عليها»، مطالبة الأمم المتحدة وأمينها العام والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الراعية لمفاوضات جنيف، بتحمل مسؤولياتها، والعمل على «فرض التطبيق الفوري للبندين 12 و13 من القرار الدولي (2254)، ورفع المعاناة عن المحاصرين، وتأمين الحماية لهم، وتأمين وصول ما يحتاجون إليه من الغذاء والدواء... والضغط على النظام لوقف خروقاته لاتفاقية خفض التوتر، ووقف التصعيد العسكري... ودخول بعثة أممية للتقصي ومتابعة أوضاع المحاصرين في الغوطة... وفتح الممرات الإنسانية لحركة المدنيين والمنظمات المدنية والمواد الإغاثية... ومحاسبة من يقف وراء هذه الجرائم».
من جهته، قال «المرصد» أمس: «لم يكن مايو (أيار) شهراً عادياً بالنسبة لغوطة دمشق الشرقية؛ بل كان توقيتاً لبدء الجوع، توقيتاًً لبدء عودة الأمراض وتفشيها في الغوطة الشرقية، توقيتاً لإعلان مزيد من الموتى، وهذه المرة ليس بالقذائف والغارات والصواريخ والطلقات النارية، بل عبر تغييب رغيف الخبز وعلبة الدواء ومصل اللقاح وحقنة العلاج، والفاعل الروسي كان الرئيسي والقائد لهذه العملية، عبر دعم مباشر لقوات النظام للسيطرة على أحياء دمشق الشرقية وإنهاء تواجد المقاتلين فيها في منتصف مايو الفائت، وإنهاء مسلسل الأنفاق والتهريب عبرها بين شرق دمشق وغوطتها المتصلة معها». وأضاف أن قوات النظام «منعت منذ الـ24 من يوليو دخول أي مواد غذائية أو إنسانية أو طبية إلى الغوطة الشرقية».



حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
TT

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)
قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

في أعقاب فشل محاولة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل في تسيير مظاهرة غير مرخصة في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت اليمنية، ومقتل مدنيَّين اثنين وإصابة آخرين، فتحت السلطات المحلية تحقيقاً فورياً في الأحداث، وتعهدت بملاحقة المتسببين والتصدي لأي محاولة لزعزعة الأمن، واتهمت مندسين بإطلاق النار على قوات الأمن.

وخلال ترؤسه اجتماعاً للجنة الأمنية، تلقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، من القيادات الأمنية والعسكرية إحاطة شاملة حول الأوضاع، والإجراءات التي جرى اتخاذها للتعامل مع المستجدات، ووجّه بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الأحداث «المؤسفة» التي شهدتها عاصمة المحافظة، مؤكداً ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه أو تسببه فيها.

وعبّرت اللجنة الأمنية في المحافظة عن أسفها الشديد لإصرار ما وصفتها بـ«أدوات المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل» على تنظيم مظاهرة غير مرخصة، في مخالفة صريحة للقوانين، وما ترتب على ذلك من تداعيات مؤسفة ألحقت الضرر بالأمن والاستقرار والسكينة العامة.

نواب ووجهاء حضرموت يجددون دعمهم للسلطة المحلية في تثبيت الأمن (إعلام حكومي)

وأكدت اللجنة أن حماية المدنيين تمثل أولوية قصوى، رافضةً أي استهداف لهم أو للعسكريين، وتعهدت بضبط العناصر التخريبية وملاحقة كل من يسعى لزعزعة الأمن والاستقرار أو الإخلال بالسكينة العامة.

وحسب مصادر حكومية، ناقشت اللجنة الأمنية مستجدات الأوضاع، وجهود تثبيت الاستقرار وتعزيز الأمن، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن العام وصون أرواح المواطنين وممتلكاتهم.

تكاتف محلي وأمني

وحسب المصادر الرسمية، أعقب ذلك لقاء جمع الخنبشي بأعضاء مجلسي النواب والشورى، إلى جانب أعضاء هيئة التوافق الحضرمي، خُصص لمناقشة التطورات العامة التي تشهدها المحافظة على مختلف الأصعدة.

ووفقاً للمصادر، استعرض عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني أمام الحاضرين آخر التطورات الأمنية في المكلا وسائر مديريات حضرموت، وأكد جاهزية السلطة المحلية للتعامل مع أي مستجدات، وقال إنها لن تتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين أو تمس المصالح العامة. وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود لترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، بوصفهما الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى الخدمات.

وأبلغ الخنبشي نواب ووجهاء حضرموت باستمرار التنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، والسعودية، لدعم جهود السلطة المحلية في مجالات الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الجوانب الأمنية والعسكرية، إضافةً إلى متابعة استحقاقات المحافظة من النفط الخام والوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ونصيبها من الإيرادات بما يخدم التنمية المحلية.

وعند مناقشة الأحداث الأخيرة ومحاولات زعزعة الأمن، استمع المحافظ إلى مداخلات الحاضرين التي عبّرت في مجملها عن دعمها لجهود السلطة المحلية، مؤكدين أهمية تكاتف الجميع للحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما شددوا على ضرورة تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، وتطوير أداء قوات النخبة الحضرمية، وتشديد الرقابة على مداخل المحافظة، ومنع تسلل العناصر التخريبية، إلى جانب تطبيق النظام والقانون والحفاظ على هيبة الدولة، ومعالجة التحديات الخدمية والاجتماعية وتحسين الأوضاع المعيشية.

التصدي للفوضى

ونقلت المصادر الرسمية عن وجهاء حضرموت تأكيدهم أن أمن المحافظة واستقرارها يمثلان «خطاً أحمر» لا يمكن التهاون فيه، داعين أبناء حضرموت إلى الالتفاف حول قيادتهم المحلية ومساندة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتصدي لأي محاولات لزعزعة الأمن أو نشر الفوضى. كما شددوا على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والتكاتف الوطني لمواجهة التحديات.

في سياق متصل، زار وكيل المحافظة حسن الجيلاني، برفقة مدير عام مديرية مدينة المكلا فياض باعامر، أسر ضحايا الأحداث وعدداً من المصابين من المدنيين والعسكريين، مؤكدين حرص قيادة السلطة المحلية على متابعة أوضاع الجرحى وتقديم الرعاية اللازمة لهم حتى تماثلهم للشفاء. وتعهدا بمواصلة متابعة التحقيقات لكشف ملابسات الأحداث، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتسببين.

وكيل محافظة حضرموت خلال زيارته جرحى أحداث المكلا (إعلام حكومي)

وفي بيان سابق، أكدت السلطة المحلية واللجنة الأمنية أن الأجهزة الأمنية نفَّذت انتشاراً محدوداً يندرج ضمن مهامها القانونية لحماية المدنيين وتأمين المرافق العامة، وأعلنت رصد عناصر مسلحة بلباس مدني أطلقت النار على القوات الأمنية في أثناء أداء مهامها، في «تصرف خطير» يعكس نيّات لجر المحافظة إلى العنف. وشددت على أن هذه الأعمال ستُواجه بحزم وفق القانون.

كما أعربت السلطة المحلية في حضرموت عن أسفها لعدم التزام بعض الجهات السياسية والأفراد بتوجيهات اللجنة الأمنية، ومضيّهم في تنظيم مظاهرات غير مرخصة، محمِّلةً الجهات المحرّضة كامل المسؤولية عن أي تداعيات تمس الأمن والاستقرار أو تعرِّض حياة المواطنين للخطر.

Your Premium trial has ended


غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

غضب يمني إزاء شطب الحوثيين آلاف الوكالات التجارية

مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحان حوثيان خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

أثار قرار الجماعة الحوثية بشطب 4225 وكالة تجارية عاملة في مناطق سيطرتها، بذريعة عدم تجديد التراخيص، موجة غضب واسعة في الأوساط الاقتصادية اليمنية، وسط تحذيرات من تداعيات خطرة قد تطال استقرار السوق المحلية وتفاقم الأوضاع المعيشية.

وبحسب مصادر تجارية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن القرار المفاجئ أحدث حالة من الارتباك لدى مئات الشركات والوكلاء، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يهدد استمرار أنشطتهم ويعرضهم لخسائر مالية فادحة، خصوصاً في ظل بيئة تنظيمية توصف بغير المستقرة.

ويرى مراقبون أن الخطوة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تستهدف إعادة تشكيل السوق في مناطق سيطرة الجماعة، بما يخدم مصالح فئات محددة على حساب بقية الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل المنافسة التجارية في تلك المناطق.

ويأتي هذا القرار امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي تنفذها ما تُسمى وزارة الصناعة والتجارة التابعة للحوثيين، والتي يصفها تجار بأنها تعسفية ومجحفة، إذ تستهدف ما تبقى من القطاع الخاص المحلي عبر فرض قيود معقدة ورسوم مرتفعة، إلى جانب تغييرات مستمرة في اللوائح والتعليمات.

الحوثيون يفرضون إتاوات متعددة على التجار ما دفع الكثير إلى الإفلاس أو الهجرة (أ.ف.ب)

وتؤكد مصادر أن شطب هذا العدد الكبير من الوكالات قد يفتح الباب أمام منح تلك التراخيص لاحقاً لجهات محسوبة على الجماعة، في خطوة يُعتقد أنها تسعى إلى إحكام السيطرة على مفاصل النشاط التجاري، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل الاستيراد والتوزيع.

ويحذر اقتصاديون من أن تقليص عدد الوكالات الفاعلة في السوق قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، ويزيد من احتمالات حدوث نقص في بعض السلع، فضلاً عن ارتفاع الأسعار نتيجة تراجع المنافسة. كما قد يدفع ذلك العديد من المستثمرين إلى تقليص أعمالهم أو مغادرة السوق بالكامل.

تبعات متنوعة

في هذا السياق، عبَّر عدد من ملاك الوكالات التجارية في صنعاء عن استيائهم من القرار، مؤكدين أنه جاء دون إنذار كافٍ، وأنهم واجهوا صعوبات كبيرة في استكمال إجراءات التجديد، نتيجة التعقيدات الإدارية وارتفاع الرسوم.

ويقول أحد التجار: «فوجئنا بإيقاف نشاطنا رغم محاولاتنا الالتزام بالإجراءات. التعليمات كانت تتغير باستمرار، ولم تكن هناك شفافية كافية بشأن المتطلبات، مما جعل من الصعب إتمام عملية التجديد في الوقت المحدد».

ولا تقتصر تداعيات القرار على الجانب التجاري فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية مقلقة، إذ يهدد توقف هذه الوكالات بفقدان آلاف الوظائف، في بلد يعاني أصلاً من معدلات بطالة مرتفعة وأزمة إنسانية متفاقمة.

الحوثيون متهمون بإنهاك التجار وتدمير القطاع الاقتصادي اليمني (أ.ف.ب)

ويشير مالك شركة توزيع مواد غذائية، إلى أن القرار قد يجبره على تسريح عدد كبير من الموظفين، قائلاً: «نحن لا نتحدث عن شركات فقط، بل عن أسر تعتمد بشكل كامل على هذه الأعمال كمصدر وحيد للدخل».

ويضيف أن بيئة العمل في مناطق سيطرة الحوثيين أصبحت طاردة للاستثمار، نتيجة تكرار فرض الإتاوات غير القانونية، إلى جانب القرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، مما يدفع كثيراً من رجال الأعمال إلى البحث عن بدائل خارج تلك المناطق.


اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.