تجربة روائية

لماذا تعلقت بأدب الرواية؟

سعود السنعوسي
سعود السنعوسي
TT

تجربة روائية

سعود السنعوسي
سعود السنعوسي

قيل الكثير عن الرواية، كجنس أدبي، ولا أزعم أنني أنوي الإتيان بما هو جديد في هذه السطور بقدر ما أنوي الإشارة إلى أسباب تعلقي بهذا الصنف الأدبي دون غيره. لماذا تعلقت بأدب الرواية، ولماذا حين أمسكت بالقلم أول مرة كان حلمي أن أكون روائيا؟
رغم صنوف الإبداع والأجناس الأدبية لم يسحرني بينها شيء بقدر الرواية. وحدها قادرة على أن تضم كل صنوف الإبداع في طياتها. وحدها قادرة على احتواء قصة، وشعر، ومسرح، وسينما، بل أجزم، وعن تجربة، بأنها تتجاوز احتواء صنوف الإبداع الكتابية لتضم فنونا تشكيلية، تلك التي كدت أراها رؤية العين في بعض الأعمال الأدبية العظيمة. الرواية، كما أؤمن، حياة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة إن أراد لها مؤلفها أن تكون. وإذا ما وجدتني أسألني ما الذي تقدمه لي الرواية، تأتيني الإجابة من خلالها: «كل ما تستطيع أن تقدمه لك الحياة». الرواية ليست بديلا عنها في الواقع، ولكنها تجاريها وتحاكيها وتتفوق على الحياة عظمة وغنى وقيمة في أحيان كثيرة. في الرواية أسافر من دون أن أبرح مكاني. أسهل أنواع السفر وأقله تكلفة. سفر ممكن عبر المكان، وآخر مستحيل، لا توفره لي مطارات العالم، عبر الزمان. الرواية خبرات وتجارب لم تتح لي فرصة معايشتها فأجدني أعيشها ورقيا. مسحور أنا بهذا الصنف الإبداعي لأنه وحده القادر على احتواء الكثير، مثل الحياة تماما.. فكر، علم، فلسفة، سياسة، أديان، تاريخ، أساطير، فنون و.. حياة.

رجل في الذاكرة

في الحديث عن تجربة كتاب، ألجأ مرة أخرى، للرواية، حيث تلمع من بعيد رواية بعينها. يأتي اسمها في قرارة نفسي ليذكرني إلى وجوده هناك. في مكان سحيق من الذاكرة: «جان فالجان»، حيث يأتي الاسم في ومضة سبقت اسم رواية سطرت سيرته وسيرة زمن ماض، وقبل أن أتوقف عند اسم مؤلفها العظيم.
جان فالجان.. رجل تعرفت إليه، ورقيا، في أواخر سني مراهقتي، نهض من الأوراق ليدخل حياتي، يلغي كثيرا من إرث أحمله قبل لقائه ليؤسس لكثير بعده.
كنت كغيري من أبناء جيلي. نحمل إرثا من الأساطير، وقصص الجدات، ومسرحيات أطفال حضرناها صغارا، ومسلسلات كرتونية شكلت، بصورة أو بأخرى، وعينا. إشكالية الخير والشر في النفس البشرية. انتصار الخير دائما وأبدا. اللون الواحد، غير المحايد، من بين لونين اثنين وحسب، أما أبيض أو.. أسود. شيء من هذا كله لم أجده في رواية «البؤساء»، من بين أول الروايات التي قرأتها.
ما الذي فعله بي هذا الـ«فالجان» حين قرأت الرواية لمؤلفها فيكتور هوغو أول مرة؟ وأي سؤال ألقاه بين يدي قبل أن يسلم الروح في آخر الرواية ليتركني وحيدا فوق أنقاض ما يربو على الـ1500 صفحة قرأتها على مدى أسابيع؟ ولماذا لم يسمعني حين صحت به، عندما أدركت الصفحة الأخيرة، في خيبة: «تعال! قبل أن تذهب قل لي.. من أنت؟». من يكون هذا اللص الصالح الشرير، الأب الطيب السجين الهارب من العدالة، الخائن الوفي، الفقير المعدم العمدة الغني، المنقذ الضحية التائب؟ أسئلة فتنت بها. اقتربت من بعض إجاباتها وبعضها الآخر لا يزال يلح داخل رأسي أستمتع في البحث عنه آملا في ألا أجده أبدا.. أسئلة ليس لها تفسير سوى أن جان فالجان بكل تجلياته وتناقضاته ليس سوى صورة لذلك الكائن المعقد.. الإنسان.
المرء بطبيعته، كما أعرف، ينزع للحكم على الأشياء: هذا خطأ وذاك صواب.. جميل أو قبيح.. ليوصد الأبواب على أسئلة معلقة. وفي رواية «البؤساء» ما كدت أحكم على شخص حتى يتغير حكمي في موقع آخر يبعد مسافة بضع صفحات. فالجان سارق رغيف الخبز.. لص، شئت أم أبيت، ولكنه سرق الرغيف لإطعام أخته التي توشك أن تموت! فما حكمي عليه؟ انتهى حكمي عليه بسجنه في الرواية، وتناسيت ذنبه، ولكنه حاول الهرب قبل إتمام فترة عقوبته! امتدت فترة العقوبة.. هرب.. ورغم ابتعاده وتخلصه من ماضيه بتغيير اسمه وحياته وإطعامه للفقراء وتبنيه «كوزيت» اليتيمة، بقيت في حيرة من أمري حيال ذلك الرجل، لست أدري كيف أنظر إليه، كلما تعاطفت معه أرتكب إثما ذكرني بماضيه رغم كل الحسنات العظيمة. أجدني كارها «جافيير» الشرطي لملاحقته فالجان الهارب من العدالة، والذي أقلقتني مطارداته طيلة صفحات الرواية خوفا على «فالجان»، ثم أعود للحيرة إزاء موقفي العدائي تجاه شرطي لا يقوم بأكثر من تأدية دوره بتطبيق القانون. شرطي انتحر في آخر الرواية غرقا تكفيرا عن ذنب أشك في كونه ذنب. ذنب مطاردة لص طيب هارب من العدالة. أجدني مراوحا بين حيرة وأخرى، بين تعاطف وإدانة، أمام امرأة أنهكها الجوع، طردت من عملها، باعت شعرها وأسنانها لإطعام صغيرتها وما كفاها، فاستسلمت للراغبين في شراء جسدها. أقف عند أصحاب النزل الجشعين. أدينهم، وإذ بهم نتاج زمن فاسد تمخض عن أناس فاسدين. وشخصيات أخرى نثرها «هوغو» في روايته هزت قناعاتي صغيرا، ما عرفت كيف أنظر إليها، لم أنتبه إلى أن مؤلفها قال كلمته الأولى والأخيرة على غلاف روايته قبل أن أبدأ في قراءتها.. «البؤساء».
رواية «البؤساء»، رغم مروري بشكل موجز على الأثر الذي تركته في نفسي قبل سنوات، تمثل الكثير بالنسبة لي بين أهم الكتب التي قرأتها صغيرا. رواية أعادت ترتيب الأشياء من حولي. رواية علمتني أن ألجم لساني قبل أن أنطق بحكمي المطلق على الناس.. «البؤساء»، رواية تعلمت من خلالها أن الإنسان لا يوصف بكلمة واحدة.
إن الأثر الذي أوقعته الرواية في نفسي، قراءة، امتد ليطال حلمي في الكتابة. منذ كنت صغيرا، أحلم أن أقول ما يدور في رأسي رواية. ولأن لا رواية، بالنسبة لي، مثل البؤساء ولا روائي مثل فيكتور هوغو ولا شخصية روائية مثل جان فالجان، فقد كنت أحلم بكتابة رواية عظيمة مثلها، وأن أكون روائيا مثل هوغو، وأن أبتدع شخصية مثل فالجان. لا يهم أن أحقق حلمي هذا، فالجميل في الأمر هو أنني كنت أحلم.. ولا أزال.

في ضيافة فيكتور هوغو

يحدث كثيرا أن تتشكل علاقة، على نحو ما، بين المبدع والمتلقي، تتجاوز حدود الاكتفاء بمتابعة النتاج الإبداعي إلى الاهتمام بالمبدع ذاته. نعجب بأحد المبدعين، فليكن أديبا على سبيل المثال، نبدأ بالقراءة له، ثم نتحول إلى القراءة عنه، ثم نبحث عن كل ما يتعلق به، بيئته ومقتنياته وعلاقاته وحياته بشكل عام. ومن أهم ما يفكر فيه المتلقي أو متذوق الإبداع، كما أتصور، هو المكان الذي يعمل فيه المبدع على صياغة إبداعه. ولعل ذلك أحد الأسباب التي تدعو بعض الدول، التي تحترم مبدعيها، وتاريخها قبل ذلك، بأن تحيل بيوتهم أو الأماكن التي ارتادوها إلى مزارات ثقافية مفتوحة للزوار من متذوقي الإبداع، حيث تتسنى للزائر المهتم فرصة التعرف إلى مبدعيه عن قرب وبشكل مغاير. ولعل منزل فيكتور هوغو، مبتدع شخصية جان فالجان، أو Maison de Victor Hugo كما هو معروف في باريس، هو المزار الثقافي الذي كنت أحلم بزيارته لأتوج تجربتي مع رواية البؤساء وجان فالجان.
هو مبنى مكون من طابقين، مكث في طابقه الثاني «شاعر فرنسا العظيم» نحو ستة عشر عاما بين 1832 و1848. كتب فيه بعضا من أهم وأعظم أعماله في المسرح والرواية والشعر. أتذكر تجربتي في زيارة ذلك المكان بدهشة خليط بين حلم وواقع. المبنى القديم، رغم تحديثه، بطرازه الكلاسيكي. الصوت الصادر عن خشب السلالم وكأنه يئن تحت قدمي. رائحة الأثاث القديم. الألوان الداكنة التي يكتسي بها كل شيء تقريبا، الستائر والأرائك وورق الجدران. في الطابق الأول من المبنى معرض صغير يضم مجموعة من اللوحات التي رسمها هوغو وبعضا من أدواته في الرسم. أما الطابق الثاني فيضم شقته كما كانت، بغرفة الجلوس وأثاثها، وغرفة الطعام بأوانيها القديمة، وغرفة النوم بسرير هوغو العتيق وخزانته ومقتنياته.
لم يكن منزل فيكتور هوغو سكنا له ولعائلته وحسب، رغم أن هذا ما توحي به بعض اللوحات الزيتية العائلية المعلقة على الجدران، والتي تصوره بين أفراد أسرته في صور جماعية. إنما هو بيت تلك الشخصيات التي ابتدعها في أعماله أيضا. في بيت هوغو تكاد لا تفرق بين أصحاب البيت وتلك الشخصيات، فالجدران التي اتسعت للبورتريهات الشخصية لأبناء هوغو، اتسعت أيضا للوحات تصور كوازيمودو أحدب نوترداب، والقواعد التي تحمل أنصاف تماثيل هوغو تحمل أيضا تماثيل أخرى، كاملة، لـكوزيت بطلة البؤساء، تصورها تارة تكنس الأرض، أو تحمل دلوها استعدادا للذهاب إلى البئر ليلا. وعند السلالم تجد جداريات لـجان فالجان كما تخيله الفنانون.
في بيت هوغو، نسيت تماما من هو المبدع ومن هو المبتدع، واستحالت جميع الشخصيات حية، هوغو وأفراد أسرته رغم رحيلهم قبل سنوات طويلة، والناس في اللوحات التي رسمها بريشته، وجان فالجان وكوزيت وبقية شخوصه الروائية التي نهضت من ركام الأوراق لتحجز لها مكانا في هذا البيت الذي انطلقت منه إلى كل مكان.
في جو أشبه بالسحر، في بيت «البؤساء»، عادت لي فكرتي التي أحفظها.. الرواية حياة.. لا أريد إلا أن أكون روائيا..
أن أكتب مثل فيكتور هوغو..
أن أكتب عملا مثل البؤساء..
أن أبتدع شخصية مثل جان فالجان..
مع أمنية جديدة: أن تسكن هذه الشخصية معي.. في بيتي!

(*) ورقة ألقاها الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الحائز جائزة بوكر العربية للرواية هذا العام، في الظهران، شرق السعودية، ضمن فعالية «إثراء المعرفة» التي ينظمها مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي، التابع لشركة أرامكو السعودية.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.