أون سان سو تشي كانت بصيص أمل لبعض الروهينغا

اللاجئ عبد السلام يعتقد أنها «عقدت صفقة مع الشيطان»

TT

أون سان سو تشي كانت بصيص أمل لبعض الروهينغا

أبناء شعبه من الروهينغا غير معترف بهم بصفتهم مواطنين والدليل على ذلك مطبوع على جلده. فقد ضربه عساكر جيش ميانمار (بورما سابقا) على قدميه بلا رحمة وتعقبوه إلى أن فر من بلاده في التسعينات من القرن الماضي. عذبوه في معسكر للاجئين ببنغلاديش عقابا على تزعم حركة رفض جماعية لسياسة بنغلاديش، التي حاولت من خلالها إجبار اللاجئين من أبناء الأقلية المسلمة العودة إلى ميانمار. عبد السلام تخيل نفسه غاندي أو مانديلا أو مارتن لوثر كينغ، ورغم أن هؤلاء جميعا شكلوا مصدر إلهام له، فقد كان هناك شخص آخر يراه عبد السلام كقارب النجاة الذي سيحمله إلى شاطئ الأمان. لم يكن ذلك الشخص سوى أون سان سو تشي، التي طالما اعتبرها أيقونة شعب ميانمار الجديدة التي جاءت لتخلصه من الاستبداد. كان حلم عبد السلام أن تواجه زعيمتهم الجديدة الجيش وأن تعيد الروهينغا إلى وطنهم بصفتهم مواطنين كغيرهم متساويين في ميانمار. تحقق الجزء الأول من الحلم وعادوا بالفعل، لكن للعيش في أكواخ متهالكة بمعسكر للاجئين في بنغلاديش، حيث يتوقع عبد السلام أن يقضى الأيام الباقية من عمره، ليخيب ظنه في سان سو تشي التي «عقدت صفقة مع الشيطان»، بحسب تعبيره.
أصبحت سو تشي في عام 2016 الرئيسة الفعلية لميانمار، لكن منذ ذلك الحين لم تفعل شيئا لوضع حد للعنف المتزايد الذي يواجهه أبناء الأقلية المسلمة من الروهينغا الذين يقطنون تاريخيا ولاية راخين في ميانمار وتم طردهم منها بعد التنكيل بهم وحرق قراهم في حملة «تطهير عرقي» كما وصفتها كثير من المنظمات الأممية. وعلى مدار الشهرين الماضيين، وصل عنف الميليشيات البوذية ضد الروهينغا إلى ذروته، وسعى أكثر من نصف مليون منهم إلى اللجوء إلى بنغلاديش المجاورة. ولا يزال الآلاف يحاولون الفرار كل يوم، ويحمل كل منهم معه قصصا عن الإعدامات بعد محاكمات شكلية قصيرة، وعن عمليات الاغتصاب التي تقوم بها العصابات البوذية والجيش، وعن قتل الأطفال. ففي بنغلاديش، انضم هؤلاء النازحون إلى مئات الآلاف مثل عبد السلام ممن فروا من المذابح المنظمة في التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة.
في الحقيقة، دفع الوضع الجديد كثيرين إلى التساؤل: هل أخطأنا بالمبالغة في الأمل؟ كانت المرة الأولى التي سمع فيها عبد السلام، 62 عاما الآن، عن سو تشي عام 1988 عندما كان عمدة قريته. انتشرت الأخبار في ذلك الحين عن مظاهرات الطلاب ضد المجلس العسكري وأن ابنة الأب الروحي لميانمار الذي طالما عشقته الجماهير تتزعم حزبا سياسيا جديدا تأسس تحت اسم «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية». تصدت سو تشي للجيش، الذي اغتال والدها عام 1947 واستولى على الحكم عام 1962، ودعت إلى انتخابات وطنية. ولأنه كان يراها كـ«ضوء ساطع»، فقد قرع عبد السلام الطبول ليجمع الفلاحين من حوله ويطالبهم بمساندة «الرابطة الوطنية»، وهو ما حدث في يوم الانتخابات حيث منح غالبية شعب الروهينغا وميانمار أصواتهم لسو تشي وفاز حزبها بالانتخابات محققا انتصارا ساحقا.
بيد أن ما حدث لاحقا كان كارثيا، فقد قضت سو تشي 15 عاما من السنوات الإحدى والعشرين اللاحقة قيد الإقامة الجبرية ولم تستطع رؤية زوجها الذي توفي في بريطانيا بالسرطان خشية عدم تمكنها من العودة إلى بلادها. وعمد الجيش إلى بث الخوف وسط الطوائف التي احتضنت الثورة، وكان من بينها الروهينغا.
أصبح اسم سو تشي مرادفا للنضال في سبيل حقوق الإنسان وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1991، وارتفعت شعبتيها كقديسة رغم إنها نادرا ما تحدثت عن الممارسات السيئة للجيش تجاه الأقليات. لكن لو أننا رجعنا إلى الماضي، سنجد أن سو تشي لم تبدي تعاطفا يوما مع الروهينغا، وبحسب فرانسيس وويد، مؤلف كتاب «عدو ميانمار في الداخل»، لم يحدث أن خاطبت سو تشي طائفة الروهينغا في الكلمات التي ألقتها عام 1988 وهو ما كان سببا في شعور عبد السلام بالحنق الشديد. أضاف وويد أنه «لم يجد في تاريخها ما يقول إنها دعت إلى معاملة هذه الطائفة بصفتهم مواطنين»، ورغم ذلك تمسك عبد السلام ببطاقة عضويته بحزب «الرابطة الوطنية» كل تلك السنوات.
أضاف عبد السلام أن «الجنود كانوا يأتون إلى المسجد وقت الصلاة ولم نكن نستطيع الهروب وكانوا يخطفوننا ويأمروننا بحمل أمتعتهم وكأننا حمير. كانوا يأمروننا بطهي لحم الخنزير لهم، وكانوا يسكبون الخمر على قبور آبائنا. كثيرا ما أتوا قرانا لاختيار أي فتاة تعجبهم ويذهبون بها إلى بيتها ويطلبون من أهلها الخروج ثم يغتصبونها في بيتها. كانوا يفعلون كل ما تتصوره أمام أعيننا».
وقف عبد السلام ليعيد تمثيل مشهد الهجوم الذي تعرضت له قريته وبصق عن غير قصد أثناء صياحه. أخذ عبد السلام يلوح بيديه وكأنه يمسك منجلا وتقدم للأمام ملوحا به قبل أن يهوي على الكرسي منهارا ليقول بصعوبة بالغة: «هكذا قتلوا طفلا أمامي»، ثم وضع وجهه بين راحتيه وأخذ في البكاء قائلا: «كنا كالحيوانات بالنسبة لهم».
تعتبر طائفة الروهينغا أكثر الفئات تهميشا في مجتمع ميانمار، حيث يمثل البوذيون نسبة 90 في المائة من عدد السكان، ولذلك لا يرون تلك الأقلية مواطنين. ورغم أن بعض أبناء الروهينغا يزعمون بأن تاريخهم في البلاد يمتد لقرون كثيرة، يقول كثير من البوذيين إنهم يعودون لحقبة ما بعد الاستعمار وإن البريطانيين هم من أحضروهم من البنغال في القرن التاسع عشر للعمل في الحقول وإنهم تزايدوا في القرن العشرين فقط. ساهمت ملامحهم المميزة في جعلهم منبوذين، ووضعتهم هيئتهم الدينية الواضحة موضع الشك دائما، واستغل الجيش حوادث عنف قام بها أبناء الروهينغا دفاعا عن النفس (مهاجمة بعض مراكز الشرطة بالعصي والسكاكين في 52 أغسطس «آب») لاعتبار جميع أبناء الروهينغا إرهابيين.
لم تشارك سو تشي في شيطنة الروهينغا التي شاعت في أنحاء ميانمار، بل اعترضت على استخدام كلمة «الروهينغا»، حيث يفضل المتحدث باسم مكتبها استخدام لفظ «البنغالي»، للدلالة على أنهم مهاجرون غير شرعيين رغم أنهم ولدوا على أرض ميانمار. وفي كلمة لها الأسبوع الماضي تحدثت فيه عن الأزمة الراهنة، وصفت سو تشي أبناء الروهينغا بكلمة «هؤلاء الذين عبروا الحدود إلى بنغلاديش».
في الحقيقة، لم تصدر أوامر التصدي للروهينغا عن سو تشي، بل عن الجنرال مين أونغ هالينغ الذي يعد أكبر قائد عسكري في البلاد. لكن لم تعترف رئيسة البلاد بالفظائع التي ترتكب في حقهم رغم أنها وثقت بكل تفاصيلها من قبل الصحافيين ومن قبل جمعيات حقوق الإنسان.
لكن رئيسة البلاد نفت هي والجيش مزاعم إبادة أو حتى طرد أقلية الروهينغا خارج البلاد، وزعمت بأن عمليات «التصفية العرقية» التي جرت في قرى الروهينغا تهدف إلى إخماد ثورة الإسلاميين هناك. واستمرت الأمم المتحدة في وصف ما يجرى باعتباره «تطهيرا عرقيا» وأن هدف الجيش ليس طرد الروهينغا بل منع عودتهم إلى البلاد مجددا عن طريق حرق المئات من قراهم.
ويعكس موقف سو تشي المتخاذل مما يجري استمرار خضوعها للجيش الذي يهيمن بدوره على الحكومة رغم الامتيازات التي قدمها والمفترض أن تعزز الديمقراطية.
الجدير بالذكر أن نحو ربع مقاعد البرلمان مخصصة للجيش شأن وزارات الداخلية والخارجية والدفاع، ناهيك عن غالبية المقاعد بمجلس الدفاع الوطني، ومجلس الأمن الوطني الذي يملك صلاحية حل الحكومة. ويعنى ذلك أن الجيش بمقدوره القفز في المشهد واستبدال سو تشي حال شعر بأنها تتدخل في صلاحياته وخططه، وفي حال ساندت رئيسة البلاد طائفة الروهينغا فسوف تتراجع شعبيتها بين الأكثرية البوذية، مما يجعل عزلها عن منصبها أمرا سهلا.
ولذلك فإن حصول مواطني الروهينغا على حق المواطنة أمر غير قابل للنقاش في ظل المناخ السياسي الحالي، وبحسب وويد، فإن «الفرص تتضاءل أكثر وأكثر». تلاشى هذا الحلم أيضا بالنسبة لمحمد صديق الذي طالما افتخر والده محمد حسين بكونه حامل راية حزب «الرابطة الوطنية»، وما زال يذكر أن بطاقة عضوية والده في الحزب أنقذتهم من الترحيل القسري في التسعينات.
وكشف صديق عن أن «الأمم المتحدة أخبرت البنغاليين أن أي شخص ذي صلة بالرابطة الوطنية معرض للقتل أكثر من غيره حال عودته إلى بلاده»، مضيفا أن والده قال لأحد القضاة ذات مرة إنه «عندما تأتي الديمقراطية إلى ميانمار فسوف نعود إليها فورا وحينها سيحصر علم الرابطة الوطنية الأحمر الذي أخذه معه ليدعنا نراه».
توفي حسين عام 2014 بعد أن عاش سنوات طويلة فقد خلالها الأمل في الرابطة الوطنية، لكن لحسن حظه لم يشهد المذابح التي حلت بشعب الروهينغا في الشهرين الأخيرين، والآن بلغ ابنه 33 عاما وأصبح على يقين من أن شعب الروهينغا سيعيش من دون دولة تحتضنهم إلى الأبد.

* خدمة «واشنطن بوست»



في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.