الأمن الألماني يحذّر من «جيل جديد» من مجندي «داعش»

النيابة العامة طالبت بالسجن 3 سنوات لمتهم بالتحضير لعملية إرهابية

حملة مداهمات ضد جماعة أبو ولاء المتشددة في ألمانيا («الشرق الأوسط»)
حملة مداهمات ضد جماعة أبو ولاء المتشددة في ألمانيا («الشرق الأوسط»)
TT

الأمن الألماني يحذّر من «جيل جديد» من مجندي «داعش»

حملة مداهمات ضد جماعة أبو ولاء المتشددة في ألمانيا («الشرق الأوسط»)
حملة مداهمات ضد جماعة أبو ولاء المتشددة في ألمانيا («الشرق الأوسط»)

ذكر هانز - جورج ماسن، رئيس دائرة حماية الدستور الألمانية (مديرية الأمن العامة)، أن على ألمانيا الاستعداد لخطر انتشار التطرف بين القاصرين. وحذر ماسن من خطر جيل جديد من مجندي «داعش» بالقول: «نرى الخطر المتمثل في عودة الأطفال الذين عايشوا الإرهابيين، وتشبعوا بتعاليمهم في مناطق الحرب»، إلى ألمانيا. وأضاف أن ذلك يسمح بنشأة جيل جديد من الإرهابيين في ألمانيا. وتشير تقارير دائرة حماية الدستور إلى أكثر من 950 شخصاً من ألمانيا انضموا لداعش في سوريا والعراق، تشكل النساء نحو 20 في المائة منهم، ويشكل القاصرون 5 في المائة من القصر.
وربط رئيس دائرة الأمن مخاطر عودة القاصرين بالهزائم التي لحقت بالتنظيمات الإرهابية التي تقاتل في سوريا والعراق. وقال إنه في الوقت الذي يخسر فيه تنظيم داعش الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا من المتوقع أن تعود الكثير من النساء مع أطفالهن.
وفي العام الماضي نفذ صبي ألماني عراقي يبلغ من العمر 12 عاماً محاولة فاشلة لتفجير عبوتين ناسفتين في بلدة لودفيغسهافن في ولاية راين لاندبفالز. كما فجر قاصران معبداً للسيخ في مدينة ايسن في أبريل (نيسان) 2016. إلا أن الانفجار لم يسفر عن خسائر بشرية. وطعنت قاصر، من أصول مغربية، شرطياً في عنقه في مدينة هانوفر في العام المنصرم، ونفذ أخوها القاصر أيضاً تفجيراً فاشلاً في مركز للتسوق في نفس المدينة.
وسبق لمتحدثة باسم دائرة الهجرة واللجوء في نورمبيرغ أن ذكرت أن مركز إرشاد العائلات ضد تطرف الأبناء تلقى سنة 2016 نحو 1000 مكالمة من عائلات مسلمة تطلب النصح خشية تطرف أبنائها القاصرين. ويزيد هذا الرقم بمقدار 100 مكالمة عن العام الذي سبقه، إلا أنه تضاعف مقارنة بعدد المتصلين بالمركز في سنة 2012 التي شهدت تأسيسه.
وكان البرلمان الألماني وافق على زيادة الإنفاق على أجهزة الأمن والاستخبارات بالبلاد، وذلك لمواجهات التهديدات الجديدة التي تواجه البلاد. كما مررت لجنة الموازنة التابعة للبرلمان الألماني عدة تشريعات تنص على تجنيد 3250 عنصراً جديداً إلى قوات الشرطة الاتحادية في السنوات المقبلة.
وتخطط السلطات الأمنية لتوظيف المزيد من المتخصصين في وحدة جديد للشرطة تعنى بفك الاتصالات المشفرة. وكانت صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ» قد ذكرت أن دائرة حماية الدستور ستتسلم قمراً اصطناعياً خاصاً بها. وكانت الدائرة تعتمد في نشاطها على صور الأقمار الاصطناعية التي يلتقطها الجيش الألماني أو أجهزة الاستخبارات الحليفة.
إلى ذلك، وبعد التقرير الحاسم للمحقق الخاص حول تقصير الشرطة في قضية الإرهابي التونسي أنيس العامري، قررت ولاية الراين الشمالي استئناف عمل لجنة التحقيق البرلمانية حول الموضوع.
أكد ذلك يورغ غيرلنغ رئيس اللجنة البرلمانية من الحزب الديمقراطي المسيحي، وقال إنه سيستمع في اللجنة إلى أقوال الشهود في دائرة حماية الدستور. وأردف أن التحقيق سيشمل الأخبار التي تناقلتها الصحافة عن مخبر الشرطة المتخفي بين الإسلاميين الذي شجع المتطرفين على تنفيذ العمليات الإرهابية في ألمانيا.
وقاد العامري يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) شاحنة في سوق لأعياد الميلاد في العاصمة برلين، وأدت عملية الدهس الإرهابية إلى مقتل 12 شخصاً وجرح العشرات. وأضاف غيرلنغ أن الشاهد الأول، الذي من المقرر أن يمثل أمام اللجنة يوم أمس، سيكون موظفاً في وزارة الداخلية. وأكد أن اللجنة ليست على عجلة من أمرها، وأنها تريد الوصول إلى الحقيقة، وخصوصاً تقصير دائرة حماية الدستور في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا. ويواجه مخبر للشرطة الألمانية اتهامات بالتحريض على ارتكاب أعمال إرهابية كما يعتقد أنه على صلة بمنفذ اعتداء سوق عيد الميلاد في برلين، حسبما أفادت تقارير إعلامية الخميس.
وذكر تقرير للقناة الأولى في التلفزيون الألماني «إيه آر دي» أن المشتبه به شجع متطرفين على تنفيذ اعتداءات في ألمانيا بدلاً من السفر للجهاد في سوريا. وفي حال تأكيد هذا التقرير، فإنه سيشكل ضربة قوية لقوات الأمن التي تواجه انتقادات بالفعل لارتكابها أخطاء خطيرة.
ولم تعلق الشرطة المحلية في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا على هذه التقارير. ويعتقد أن للمخبر، الذي عرفته الشرطة بالاسم الحركي «مراد» و«في بي - 01»، صلات قوية بالتونسي أنيس العامري. وعمل المخبر السري أساساً ضمن حلقة العراقي «أبو ولاء» المعروفة باسم «حلقة المسلمين الناطقين بالألمانية». وحظرت وزارة الداخلية نشاط الحلقة، كما تجري محاكمة «أبو ولاء» بتهمة العضوية في تنظيم إرهابي، وتهمة تجنيد المتطوعين للقتال إلى جانب «داعش».
وأوضح عدة محامين أن هذا المخبر الأمني شجع موكليهم المتهمين في قضايا متصلة بالإرهاب، على تنفيذ اعتداءات. ويقول المحامي علي إيدن إن المخبر الأمني أخبر أحد موكليه «هيا بنا نقتل هؤلاء الكفار. نحتاج لرجال صالحين للقيام بهذا في ألمانيا».
وذكر عضو سابق في حلقة «أبو ولاء» لراديو برلين وبراندنبورغ (آر بي بي) أن «مراد» كان أكثر أعضاء المجموعة تطرفاً، وأن غالبية أعضاء المجموعة كانت ترغب في الالتحاق بالقتال في سوريا والعراق، لكنه كان الوحيد الذي يحرض على تنفيذ العمليات الإرهابية في ألمانيا. وكان «مراد» يقول للآخرين «هيا، أنت بلا جواز، اعمل شيئا هنا... نفذ عملية».
ونقلت صحيفة «كولنر شتادت انتزايغر»، عن مصادر في الدوائر الأمنية، أن عميل الشرطة السري التقى أكثر من مرة بالتونسي أنيس العمري. وأضافت أن الاثنين، وهما يشاهدان تقريراً مصوراً عن تفجيرات بروكسل، تحدثا عن عمليات مماثلة في ألمانيا.
وعلى صعيد الإرهاب أيضاً، طالبت النيابة العامة في دورتموند بعقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات لمتشدد مصنف في خانة «الخطرين» متهم بالتحضير لعملية تفجير إرهابية. ويعتبر الشاب إيفان ك.(21 سنة) من المحسوبين على جماعة «أبو ولاء» ويخضع منذ سنوات إلى رقابة رجال الأمن.
وعثر رجال الشرطة في شقة المشتبه به على مواد تصلح لصناعة قنبلة انشطارية، إضافة إلى قوس وسهام عالية السرعة يعتقد أنه أراد استخدامها في عمليات اغتيال. وتم اعتقال الشاب، الكازاخي الأصل، في مدينة ليبشتادت في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا. وكان يزور نفس المسجد الذي يزوره أنيس العامري في مدينة هيلدسهايم ويخطب فيه الداعية «أبو ولاء». اعتقلت دائرة حماية الدستور الألمانية (مديرية الأمن العامة) المتشدد إيفان ن. يوم 11 فبراير (شباط) 2017 بعد شرائه قوساً رياضياً متطوراً يطلق سهاماً فائقة السرعة والقوة. وجرى الاعتقال بعد أن راقب عملاء دائرة حماية الدستور إيفان ك. يزور مخزناً لبيع الأسلحة في مدينة «ليبشتادت» وخروجه من المخزن محملاً بعلبة مستطيلة كبيرة، وعند سؤال رجال الأمن صاحب المخزن عن الطرد قال إنه قوس سعره 250 يورو يطلق سهاماً سرعتها 148 متراً في الثانية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended