كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

قراءة في واقعها على ضوء ما خلّفه الاستفتاء الكردي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي
TT

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كركوك... تاريخ طويل من القلق العراقي

كانت مدينة كركوك، المركزَ الرئيسَ للثروة النفطية في العراق والعقدةَ الديمغرافيةَ الحساسةَ في شماله، في قلب الأحداث في أعقاب إجراء الاستفتاء الكردي فيها على الرغم من أنها جزء مما يسمى بـ«المناطق المتنازع عليها»، وهو المصطلح المعتمد للمناطق المختلطة عرقياً ولغوياً ودينياً في العراق منذ بعض الوقت. واليوم تفتح «الشرق الأوسط» ملف كركوك... تاريخاً وواقعاً.
لفت النفط قبل اكتشافه واستخراجه نظر اليونانيين الغازين، وهم يمرّون بكركوك في طريقهم إلى بابل. كان يفور من باطن الأرض، وعُرف آنذاك بـ«القير البابلي». ثم اشتهر بئر بابا كُركُر Baba Gurgur (الكاف الفارسية)، فكركوك إذاً بنفطها، مع أنه تضاءل كثيراً، فالبئر المذكورة جفت مؤخراً وأُعلنت وفاتها، على حد التعزية المعنوية التي كتبها فيها وزير نفط العراق الأسبق عصام الجلبي.
ولكن عندما تمتزج رائحة النفط برائحة الدم، حيث التهيؤ للحرب، بين «الحشد الشعبي» والجيش العراقي من جهة والقوات الكردية (البيشمركة) من جهة أخرى، ستُعاد الآلام والموجعات على كركوك وإقليم كردستان والعراق بأكمله. ذلك لأن كركوك «فُلك مشحون» بالأقوام والأديان والمذاهب، وتاريخ طويل من الإخاء والعداء أيضاً. إنها مضارب العرب والكُرد والتركمان والسريانيين والكاكائيين والإيزيديين والشّبك والصّوفيين بمختلف تكاياهم، وبين حين وآخر تكون موضع قدم للصابئة المندائيين، ونُحل ومذاهب لم يظهر منها إلى العلن غير أسمائها.

كركوك... جغرافياً
تقع كركوك، كحد فاصل بين المنطقة الجبلية والسهلية، من أرض العراق، تحدها شمالاً محافظة أربيل وشرقاً محافظة السليمانية، وغرباً الجزء الشمالي من محافظة صلاح الدين (كانت حتى 1976 جزءاً من محافظة بغداد)، وجنوباً محافظة ديالى، وهي تبعد عن أربيل بمسافة 92 كلم وعن السليمانية 109 كلم وعن عاصمة بغداد 255 كلم.
كركوك مدينة من مدن العراق القديمة، اختلف المؤرخون في أصل اسمها، بين أن تكون منحوتة من «كركر» أي شعلة النار، فأخبار نفطها كانت معروفة من قبل التاريخ، كما تقدم، أو من «كرخ سلوخ» الآرامية أو حسب التسمية الكَنَسية الشرقية لها.
كركوك القديمة كان أساسها قلعة حصينة (قلعة كركوك الشهيرة) تقوم على مستوطن أثري قديم، ورد اسمها في ألواح استخرجت منها، ويدعى «أرابخا». ويبلغ ارتفاع القلعة نحو 129 قدماً تقريباً وتعلو عن سطح البحر بحدود 160 قدماً، وتكون هذا التل من تراكم طبقات السكن المتعاقبة منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وللقلعة أربعة أبواب: طوب قابو «أي باب المدفع» ودمير قابو «الباب الحديدي»، وباب يدي قيزلر «أي باب سبع بنات أو أبكار» وباب حلوة جيلر بازاري «أي باب سوق الحلوجية».
تبلغ مساحة كركوك 28 ألفاً و679 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها مليوناً وخمسمائة ألف نسمة (عن الموقع الرسمي لمحافظة كركوك). وحسب إحصاء عام 1997، وهو آخر إحصاء سُكاني: يؤلف العرب من سكانها (72 في المائة) بعدد 554. 596 والأكراد يُشكلون 21 في المائة بعدد 155.861 والتركمان يُشكلون 7 في المائة بعدد 50.599 نسمة. لكن ذلك الإحصاء لم يؤخذ به، لأنه رفع نسبة العرب على حساب نسب الأكراد والتركمان، وأول مَن رفضه كانت الأحزاب الكردية.
يرد اسمها الآرامي «كرخ سلوخ»، بينما يقرُّ مصطفى جواد (ت 1969) اسم: «كرخينا» (مجلة سومر، المجلد 8)، التي لم تذكر لدى البلدانيين والمؤرخين المسلمين إلا في القرن السابع الهجري. وذكرها الحموي (ت 626هـ): «كرخيني، قلعة...... بين دقوقا وأربل». وذكرها ابن الأثير (632هـ): «بلد الكرخيني، وبلد دقوقا» (الكامل في التاريخ). وذكرها اليونيني (726هـ): «قلعة يقال لها الكرخيني من أعمال أربل بينها وبين بغداد» (ذيل مرآة الزمان). أما كركوك فأول مَنْ وردها علي اليزدي (ت 830هـ) في «ظفر نامه». لكن، أليس بين كرخ سلوخ وكرخيني من وشيجة لفظية؟! ومعنى كرخ بالآرامية: «يحيط أو يستدير» (القاموس المندائي)، بهذا يكون أصلها لا عربية، ولا تركمانية، ولا كردية.

من تاريخها السياسي
إذا تحدثنا وفق التاريخ المكتوب فكركوك تقع ضمن منطقة ورد اسمها بميديا ثم كوردستان، ومن الناحية الجغرافية شأنها شأن جنوب العراق أو وسطها ضمن هذه البلاد وإدارتها، من دون إغفال إمارات عشائرية هنا وهناك. ولعلَّ أحدث تنظيمات البلاد الإدارية تنظيم والي العراق مدحت باشا (1869)، أي في الأيام الأولى من ولايته، وبموجبه أصبح العراق عشرة سناجق أو ألوية (النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد): بغداد، شهرزور (مركزه كركوك)، السليمانية، الموصل، الدليم (الأنبار)، كربلاء، الديوانية، البَصْرة، العمارة (ميسان)، المنتفك (ذي قار). هذا، وقبل مائة سنة من ذلك التنظيم كتب أسقف بغداد الكاثوليكي تقريراً إلى البابا في روما العام 1742 جاء فيه عن بغداد، التي في أحايين ترد بدلاً من اسم العراق: «تشمل منطقة مادي شرقاً، وهي المعروفة بكردستان» (مجلة بين النهرين).
برزت قضية كركوك بشكل جلي وأخذت طابع العداء، كمشكلة بين التركمان والأكراد، على وجه الخصوص، بعد «أحداث تموز» يوليو (تموز) 1959، خلال الذكرى الأولى لـ«ثورة 14 تموز» التي نقلت أو أرخ لها بعدة روايات. ولقد طرحها الباحث الأميركي الفلسطيني الأصل حنا بطاطو، من خلال وثائق الشرطة العراقية، وظهر أن تلك المشكلة الكبرى كانت مسؤولية طبيعة ذلك الزمان وانفلات القسوة. وأشار باللوم إلى الأكراد المتزمتين «ذوي الميول المختلفة» على حد عبارته، وما حدث ليست مسؤولية الأكراد كشيوعيين وإنما مسؤوليتهم بفعل الواعز القومي. بينما يحملها الكتّاب التركمان للحزب الشيوعي العراقي والأكراد معاً. لكن عزيز محمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي - وهو كردي - وكان مسؤول المنطقة الشمالية آنذاك يقول: إن ما حدث ليس بين أحزاب، إنما بين المتظاهرين والذين استفزوا المظاهرة، وإنه لم يكن في ذلك اليوم يحمل سلاحه (ضمن مقابلة له مع مجلة «الوسط» الصادرة في لندن). أما الرأي الآخر فيرى أن استفزاز المظاهرة في الذكرى الأولى للثورة من قبل مجموعة من التركمان كانت سبباً في انفجار الحدث.
عموماً، ما زالت أحداث كركوك واحدة من الخلافات أو بواعث الخلافات بين الأكراد والتركمان، إذ يحملها الكتاب والباحثون الأكراد للتركمان وتعاملهم مع القوميين العرب جملة وتفصيلاً. وبعدها ظلت كركوك واحدة من أسباب فشل المباحثات بين الحكومة العراقية والقيادة الكردية في السبعينات، فالأكراد إذ يعترفون باختلاطها القومي، فإنهم ينظرون إليها كجزء من جغرافية إقليم كردستان، بل قال بعض قادتهم عنها «إنها قدس الأقداس بالنسبة للأكراد».
كَركوك، لو نظرت في خرائط العراق لوجدت موقعها منه موقع القلب، أعلى الحجاب الحاجز، في الوسط مع ميل إلى جهة اليسار، وحسب خريطة 1957، يعطيك هذا الموقع كم هي قريبة من العراق كافة! وبعد اعتبار تكريت (محافظة صلاح الدين اليوم) محافظة حدّتها غرباً، واستقطعت أقضية ونواحٍ منها لصالح الأخيرة، ولو كان الأمر لم يجر بهاجس قومي للُحقت الحويجة بالموصل مثلاً، وحتى استبدال كركوك بـ«التأميم» (1969) جاء للدافع نفسه، أي لتجاوز تاريخها القومي.

«منطقة متنازع عليها»
وبعدما وضعت المادة (140) من الدستور العراقي (2005)، أصبحت كركوك ضمن «المناطق المتنازع عليها»، وأكبر أزمة حصلت بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان (عاصمته أربيل) بسبب اجتماع مجلس الوزراء الاتحادي فيها (2012). أو لنقل زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى كركوك، واستقباله مِن قبل محافظها طبيب الجملة العصبية نجم الدين كريم الكُردي الكركوكلي، في ظروف متأزمة بين المركز والإقليم، ولولا تلك الظروف، وما حصل إلى حد قد يصل إلى كسر العظم مثلما يُقال، لمرت الزِّيارة عادية. فيومها اعتبرت الأحزاب الكُردية، وهي تمثل الإقليم، اختيار كركوك مكاناً لهذا الاجتماع استفزازاً وتجاوزاً على الدُّستور، على أساس أن قضية كركوك، وهي مِن الأراضي المتنازع عليها بشدة، وليست محلولة بعد وفق المادة 140 مِن الدستور، وأنها منطقة كُردستانية بمعنى تابعة لإقليم كرُدستان، وليس مِن حق المركز التصرف بها.
ردَّ المركز، ممثلاً بالحكومة التنفيذية، بأن كركوك «منطقة عراقية تمثل الأخوة العراقية بين الطوائف التي تعيش فيها منذ القِّدم»، وأن عقد مجلس الوزراء جاء ضمن اجتماعاته في بقية المحافظات العراقية، التابعة للمركز، فقد عُقد في البصرة وسيعقد بمحافظات أخرى، وأن حل قضية كركوك لا يتم بالتهديد وفرض الأمر الواقع إنما يتم عبر القنوات الحوارية، وهي قضية يحتاج حلها إلى زمن طويل وتفاهم مريح.
بطبيعة الحال، عندما يجري حوار لا ينجح إذا كان المتحاورون قد حددوا مسبقاً ما يريد كل منهم بتشدد لا لين فيه، بينما من عادة الحوار لحل مشكلة لا بد من التفكير بتنازلات، لأن من دونها الحرب ستلتهم الأخضر واليابس، وستفقد الأحزاب مصداقيتها في معارضة النظام السابق، فهو الآخر كان قد أنهى الحوار على كركوك (1974) بإعلان الحرب، وقد حصل ما حصل في وقتها من مآسٍ للشعب الكردي بالذات، ناهيك عن قتلى الجيش العراقي.
ظلت كركوك لسنوات طويلة مستثنية من انتخابات مجالس المحافظات العراقية والكردستانية، نظراً لوضعها الخاص. وهي واقعة في نزاع بين الأقوام، وبالتأكيد السياسة وراء ذلك، أما الناس فعاشوا وما زالوا يعيشون متجاورين. تبع هذا الموقف تسابق التركمان والأكراد، في تأكيد كل منهم أحقيته التاريخية أو أسبقيته بالمنطقة، فالكتاب والباحثون الكُرد يؤكدون كردية كركوك وحداثة الوجود التركماني فيها الذي يعيدونه إلى السلطان العثماني مراد الرابع، أي القرن السابع عشر الميلادي تقريباً. في المقابل يؤكد باحثون تركمان قدم وجودهم منذ العصور الإسلامية الأولى فيها، كمقاتلين في ثغور الدولة الإسلامية بمواجهة الروم آنذاك، ويشيرون لقيام دول تركمانية فيها مثل دولتي «الخروف الأسود» و«الخروف الأبيض» ما هي إلا امتداداً للوجود السلجوقي التركي الذي كان في القرن الخامس الهجري أو الحادي عشر الميلادي.

رجعة تاريخية
ما يتعلق بوجود تركماني بالعراق، لا بكركوك فقط، أكدت المصادر التاريخية الإسلامية أنهم استدعوا كمقاتلين من البلاد الإيرانية من قبل الولاة الأمويين. ثم تكاثر عددهم ونفوذهم في زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله، القرن التاسع الميلادي، حتى قيل إن الخليفة المذكور نقل عاصمته من بغداد إلى سامراء بفعل كثرة الترك في جيشه وضيق الناس بهم. ومعلوم أن التاريخ الإسلامي يخبر عن هيمنة تركية في الحكومات العباسية، وذلك منذ زمن المتوكل وحتى سيطرة البويهيين على بغداد، ثم عادوا بقوة بعد السيطرة السلجوقية التركية.
نفهم مما تقدم أنه ليس من شك في قِدم التركمان بالعراق، لكن الخلاف على قِدمهم بكركوك نفسها، فالمنطقة التي توالت عليها دول عديدة أصبحت بعد اكتشاف النفط مقصداً للعاملين فيها من كل القوميات، ويشير بطاطو إلى تكاثر الكُرد والعرب والآشوريين فيها بسبب النفط.
قلنا إن الأحزاب الكُردية، والرأي العام الكُردي، ترى في كركوك قدساً لإقليم كردستان، ويسعى إلى تأكيد ذلك من الناحية التاريخية والجغرافية، وتؤكد على وجود أكثرية كردية في محيط كركوك، مع الاعتراف بوجود تركماني في مركز المدينة. أما الأحزاب الإسلامية، فالسنُّية منها ممثلة بالحزب الإسلامي العراقي يميل إلى أن الكُرد يعملون في سبيل «تكريد» كركوك، وبالتالي يؤدي ذلك إلى غبن حق القوميات الأخرى فيها، وخصوصاً القومية التركمانية، ويعلن الحزب المذكور أن كركوك لم تكن عاصمة لكردستان العراق، وليست هي جزءاً من الإقليم.
أما الأحزاب الشيعية الدينية التي تندرج معها الأحزاب الشيعية التركمانية، فأحد الأحزاب الأخيرة ما زال امتداداً لحزب الدعوة الإسلامية في الساحة التركمانية، والظاهر أن هذه الأحزاب لا تعلن تدخلها في شأن كركوك ذلك للحفاظ على العلاقة الجيدة مع الحزبين الكُرديين، الحزب الديمقراطي الكُردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي لم ينتخب زعيما له بعد رحيل زعيمه جلال طالباني. وعندما تتحدث هذه الأحزاب عن كركوك تتحدث بطريقة الموازنة والعمومية، كالقول إنها منطقة الإخاء العراقي القومي، دون الدخول بالتفاصيل.
لكن هذا كان قبل احتلال «داعش» الموصل (2014) ومحاولاته احتلال كركوك، ثم سيطرة البيشمركة على آبار النفط ومنافذ المدينة. هنا انتهى التوافق الشيعي - الكردي ودخل «الحشد الشعبي» طرفاً في المواجهة، على أنه يصطف مع الجيش العراقي (الاتحادي) ضد البيشمركة. وحصلت مناوشات، والكل يتهيأ للحرب. واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالمناكفات، واستغلت مجالس عاشوراء في التحريض ضد الكرد، وكذلك الطرف الآخر يرد بالمثل.
خلا ما تقدم، كان أكثر الإثارات في مسألة كركوك بعد (2003)، ما عُرف بـ«سياسة التعريب»، بوجود الأسر العربية، التي أتى بها نظام صدام حسين مقابل نقله للأسر التركمانية والكُردية إلى المناطق الجنوبية أو الوسطى من العراق. وهنا يظهر الاتفاق بين بعض الأحزاب التركمانية وعموم الأحزاب الكُردية حول تأجيل الانتخابات في كركوك، حتى تحلّ قضية المهجرين. وأشار مسعود بارزاني في وقت سابق إلى ضرورة «محو آثار التعريب»، وبسبب «الظلم الذي لحق بالكُرد والتركمان أيضاً»، دعا إلى «مراجعة الوثائق العثمانية وكيف وضعت وثائق كركوك ضمن كردستان العراق». وأردف «إننا لن نسمح لتركيا بالتدخل في وضع كركوك».
وهنا يأتي تدخل تركيا كعامل آخر في تأزيم الموقف بكركوك، فتركيا تطرح نفسها حامية للتركمان العراق، وتعتبر كركوك منطقة تركمانية، فيما تستشعر الأحزاب الكُردية الخطر من تصريحات القادة الأتراك ترى الأحزاب التركمانية (السنة تحديداً) تدخل تركيا، كدولة جوار، مسألة طبيعية. وهي قوة ضاغطة ضد الطموح الكُردي بكركوك، مثلما حدث في تلعفر. فخلال المواجهات بين المسلحين بالمدينة والقوات الأميركية أكثرت تركيا من التصريحات بشأن حماية التركمان، وتصاعد الموقف التركي بعد الاستفتاء. وإذا كان بارزاني يتحدث عن كركوك بحدود «كردستان العراق»، فاليوم انتهت هذه التسمية. فالاستفتاء، في ذهنه، لا بد أن يفضي إلى قيام دولة كردية، وربما تصبح كركوك عاصمتها، أو عاصمتها الثانية.

المواقف الحزبية
تتباين الأحزاب العراقية الأساسية، غير الكُردية والتركمانية، في الرأي أو الموقف تجاه كركوك. مثلاً لم يظهر للحزب الشيوعي العراقي ما يلفت النظر تجاه المنطقة، وذلك لحساسيتها في هذا الوقت بالذات. وهو تولي رئاسة لجنة البت في حل القضايا المترتبة على التغيير الطوبوغرافي في المناطق المتنازع عليه، وفق المادة (140)، ولم يحل شيء منها. أما إزاء الاستفتاء الأخير فبعدما أيده قبل حصوله، عاد ليتحدث عن تأجيله وحل المشاكل العالقة بالحوار، بهدف الإبقاء على الوحدة العراقية بشكل يُرضي الجميع. وكما يبدو فإن هذا الرأي له صلة بموقف الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وكان قد دخل في الاستفتاء كي لا يفقد شعبيته بين الكُرد، لأن شعار الدولة الكردية ما زال مغرياً، لكنه بعد تفاقم الأزمة أعلن حزب الاتحاد موقفه بوضوح أنه ليس مع الحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل)، في تعقيد الوضع في كركوك، مراعياً عدم الانجرار إلى إعلان الحرب. وهذا ما جاء أيضاً على لسان بافيل نجل الرئيس السابق جلال الطالباني عبر كلمة موجهة باللغة الإنجليزية. فالأزمة بدأت حادة بإقالة البرلمان العراقي لمحافظ كركوك، ورفض مجلس محافظتها الاعتراف بهذا القرار، إذ أصدر في أواخر الشهر الماضي، رفضاً لقرار مجلس النواب. ثم صدرت قرارات من رئاسة الوزراء في بغداد منها السيطرة على المداخل الحدودية لإقليم كردستان، على أنها مواقع اتحادية. ومن قبل أوقفت حكومة بغداد منح النسبة المئوية من الميزانية العراقية لكردستان، وهي تبلغ 17 في المائة، مما سبب بخفض الرواتب في الإقليم، وتصاعد الموقف الكردي، وبان بشكل جلي باتجاه الاستفتاء بعد إقالة وزير المالي هوشيار زيباري، وكأن هذه الإقالة استهدفت الكُرد. وفي المقابل ينحو الحزب الشيوعي الكُردستاني منحى الحزب الديمقراطي الكردستاني، ودعا الأحزاب الشيوعية العربية وغيرها إلى تأييد ما يترتب على الاستفتاء الكردي من أجل دولة كردية.
أما الأحزاب الإسلامية فتنقسم إلى قسمين: السنُّية منها تقف مع تركمان كركوك ضد هيمنة كردية، حسب تصريحات الحزب الإسلامي العراقي (الإخوان المسلمين) وهو الحزب الرئيسي السنُّي ذو الطابع الديني. أما الأحزاب الشيعية الدينية، فتحاول الحفاظ على رابط أو علاقة ما مع الأحزاب الكُردية، إلا أن هذا لم يستمر وانتهى الوفاق أخيراً، علماً بأن معظم التركمان الشيعية هم في مناطق خارج كركوك، مثل تلعفر وكفري وهي مناطق قطعت من كركوك لتتبع محافظة ديالى. لكن الشد يزداد بين المركز والإقليم على أنها مربط خيل كل منهما، وتبقى كركوك عصية على الحل، مع أن الأيسر، حسب رأي عضو المكتب للحزب الديمقراطي الكردستاني السابق فلك الدين كاكائي، في مقابلة لصحيفة «المدى» البغدادية، أن يكون حل قضية كركوك العصية بإقليم قائم بذاته.
أخيراً، إن الأمر قد حُسم، في ضحى الاثنين (16 - 10 - 2017) لصالح الجيش الاتحادي مع عدم اعتراض من قِبل الاتحاد الكردستاني، وانسحبت البيشمركة بلا قتال. وبهذا تكون خطوة الاستفتاء، التي أصر عليها «الديمقراطي الكردستاني» غير محسوبة، وكأنه أراد فرض أمر واقع، بعدم التراجع عن كركوك بعد المشاركة بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية ضد داعش.
كان التصور الخطأ أن قيام الدولة الكردية صار قاب قوسين أو أدنى، وأنها فرصة منحها الزمن، وهذا في السياسة الراهنة وظروف المنطقة كان بعيداً عن المنطق. لقد أضافت هذه التجربة أن المحافظة على ما حصل عليه أكراد العراق، قياساً بدول المنطقة الأخرى، لا يجب أن يُضحى به بهذه السهولة، وأن ما يحصل عليه الإقليم من نسبة إيرادات النفط، من العراق ككل، أكبر بكثير مما تبقى من النفط في آبار كركوك، بعد إعلان موت، مثلما تقدم، أقدم بئر بابا كُركُر.



حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تبدأ إعادة ترتيب مشهد القيادة الأمنية

حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)
حكومة الزنداني تسعى لإعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية تحت مظلتَي الدفاع والداخلية (سبأ)

بدأت الحكومة اليمنية، بقيادة رئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني، تنفيذ حزمة قرارات لإعادة ترتيب البنية القيادية للأجهزة الأمنية، في خطوة تُعدّ من أبرز محطات تنظيم مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، بالتوازي مع تأكيد أميركي على استمرار دعم جهود مجلس القيادة الرئاسي، لتعزيز الاستقرار ومكافحة الإرهاب وتأمين الممرات البحرية الدولية.

وفي هذا السياق، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قرارَيْن جمهوريين تضمنا تعيين العميد عبد السلام قائد عبد القوي الجمالي قائداً لقوات الأمن الخاصة مع ترقيته إلى رتبة لواء، وتعيين العميد عبد السلام عبد الرب أحمد العمري رئيساً لمصلحة الدفاع المدني مع ترقيته إلى الرتبة ذاتها.

وتأتي هذه القرارات ضمن مسار يمني لإعادة بناء الهيكل القيادي للمؤسسات الأمنية، بما يواكب متطلبات المرحلة الراهنة، ويعزّز قدرة الدولة على فرض الأمن والاستقرار في المناطق المحررة، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية المتعددة التي تواجهها البلاد.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

بالتوازي مع القرارات الرئاسية، أصدر وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان سلسلة قرارات قيادية داخل الأجهزة الأمنية في عدن، شملت إعادة توزيع عدد من القيادات الأمنية، في إطار خطة تستهدف رفع مستوى الكفاءة التشغيلية وتعزيز التنسيق بين الوحدات المختلفة.

وشملت القرارات إعفاء العميد جلال الربيعي من منصبه قائداً لقوات الأمن الوطني، وتكليفه قائداً لقوات الأمن الخاصة في عدن، إلى جانب تعيين العميد محمد عبده الصبيحي نائباً لمدير عام شرطة العاصمة المؤقتة ومساعداً لشؤون الأمن.

كما تضمنت التعيينات تعيين العميد جلال فضل القطيبي مساعداً لمدير عام شرطة عدن لشؤون الموارد المالية والبشرية، والعميد محمد خالد حيدرة التركي مساعداً لمدير عام الشرطة للعمليات، بالإضافة إلى تعيين العميد حسن محسن العكري مديراً لإدارة البحث الجنائي، والعقيد فؤاد محمد علي نائباً له، والعميد مياس حيدرة الجعدني مديراً لإدارة مكافحة المخدرات.

ووفق وزارة الداخلية اليمنية، تهدف هذه الإجراءات إلى إعادة تنظيم العمل الميداني، ورفع الجاهزية الأمنية، وتحسين سرعة الاستجابة للتهديدات، إلى جانب تعزيز الانضباط المؤسسي داخل الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتحسين الأداء الأمني والخدمي في العاصمة المؤقتة عدن.

شراكة يمنية - أميركية

تزامنت التحركات الحكومية مع لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي سفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاجن، حيث بحث الجانبان مستجدات الأوضاع المحلية، والدعم الأميركي والدولي المطلوب لتعزيز قدرات الدولة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية، بالإضافة إلى حماية المنشآت الحيوية وتأمين خطوط الملاحة الدولية التي تمثّل أولوية إقليمية ودولية في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي مستقبلاً في الرياض السفير الأميركي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، جدد العليمي تقديره للشراكة اليمنية - الأميركية، مثمناً دور واشنطن في دعم تنفيذ قرارات حظر تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الميليشيات الحوثية، والعمل على تجفيف مصادر تمويلها والحد من أنشطتها المزعزعة للاستقرار.

وأكد العليمي أهمية استثمار المرحلة الراهنة لتعزيز الردع المشترك ضد التهديدات الإقليمية، مشدداً على ضرورة الإنفاذ الصارم للعقوبات الدولية وملاحقة شبكات التمويل والتهريب والتسليح، بما يدعم جهود الحكومة في بسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي اليمنية.

كما شدد على أن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثّل قضية عالمية تتطلّب تنسيقاً دولياً واسعاً، مؤكداً أن معالجة التهديدات يجب أن تستهدف جذورها الأساسية وليس الاكتفاء باحتواء آثارها.

وأشار العليمي إلى أن الحكومة تمضي في جهود تطبيع الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتنفيذ خطط دمج القوات وتوحيد القرارَين الأمني والعسكري، بدعم من المملكة العربية السعودية التي لعبت دوراً محورياً في دعم مسار الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
TT

«المركزي اليمني» يقاوم ضغوط البنوك وشركات الصرافة

إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)
إجراءات رقابية مشددة على شركات الصرافة في عدن (إعلام حكومي)

شهدت الساحة الاقتصادية والإنسانية في اليمن تطورات متزامنة عكست تبايناً واضحاً بين مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، ففي حين واصل البنك المركزي في عدن تنفيذ سياسات نقدية احترازية أسهمت في تحقيق استقرار نسبي في سعر صرف العملة المحلية، استمرت الجماعة الانقلابية في حرمان ملايين السكان من المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والإنسانية في مناطق سيطرتها.

وأكد البنك المركزي اليمني تمسكه بخيارات الاستقرار النقدي، رافضاً ضغوطاً مارستها بعض البنوك وشركات الصرافة لتحريك سعر العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، في خطوة قال إنها تهدف إلى حماية المكاسب التي تحققت خلال الفترة الماضية بعد تحسن سعر الريال اليمني وانخفاض مستويات المضاربة في سوق الصرف.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي أحمد غالب بمسؤولي البنوك الإسلامية والتجارية وبنوك التمويل الأصغر، جرى استعراض التطورات الجارية في أسواق العملات الأجنبية، خصوصاً في ظل شح المعروض من العملة الوطنية مقابل ارتفاع الطلب عليها، وهو ما اعتبره البنك مؤشراً على تنامي الثقة بالسياسات النقدية المتبعة.

محافظ البنك المركزي اليمني خلال اجتماع مع مسؤولي البنوك في عدن (إعلام حكومي)

وأوضح المحافظ أن التحسُّن الذي شهدته العملة المحلية لم يكن نتيجة إجراءات مؤقتة، بل جاء انعكاساً لسياسات احترازية واقعية تراعي توازن السوق وتستهدف الحد من التقلبات الحادة التي أثَّرت سابقاً على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى استقرار الأسعار.

وناقش الاجتماع - بحسب المصادر الرسمية - الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي لمعالجة اختلالات سوق الصرف، والدور الذي يفترض أن تؤديه البنوك التجارية وشركات التمويل في إنجاح هذه السياسات، عبر الالتزام بالتعليمات المنظمة للعمل المصرفي وتعزيز الشفافية في عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية.

وأكَّد البنك المركزي استمراره في اتباع سياسات منسجمة مع آليات السوق الحرة، مع الحرص في الوقت ذاته على الوفاء بالتزاماته تجاه المواطنين والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين، مشدداً على أن الهدف الأساسي يتمثل في الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومستوى الأسعار، باعتبار ذلك أحد أهم عوامل حماية الاقتصاد الوطني من الانهيار.

ونفى المحافظ الشائعات التي انتشرت في الأوساط الاقتصادية بشأن نية البنك خفض سعر الدولار بصورة مصطنعة، مؤكداً أن أي قرار نقدي لن يُتخذ إلا وفق معايير اقتصادية واضحة تحقق المصلحة العامة ولا تتعارض مع أهداف السياسة النقدية.

وتوصل المشاركون في الاجتماع، الذي عُقد بعد تراجع سعر الدولار من نحو 2500 ريال يمني إلى قرابة 1550 ريالاً، إلى ضرورة استمرار التنسيق بين البنك المركزي والمؤسسات المصرفية لضمان حماية النظام المالي ومنع عودة المضاربات التي ساهمت سابقاً في تدهور قيمة العملة.

تشديد الرقابة

ضمن جهود ضبط السوق، فرض البنك المركزي إجراءات أكثر صرامة على عمليات الاستيراد وتمويل الواردات وتداول العملات الأجنبية، في إطار خطة تهدف إلى تنظيم الطلب على النقد الأجنبي ومنع الاستخدامات غير المشروعة التي تستنزف الاحتياطي النقدي.

وشدد البنك خلال اجتماعاته مع جمعية الصرافين وكبرى شركات الصرافة على ضرورة الالتزام الكامل بالتعليمات المنظمة للعمل المالي، وتعزيز الانضباط داخل السوق المصرفية، والتصدي لأي ممارسات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار النقدي أو خلق سوق موازية غير خاضعة للرقابة.

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات ساعدت في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، كما حدَّت من عمليات المضاربة التي كانت أحد أبرز أسباب الانهيار المتسارع للعملة خلال السنوات الماضية.

جانب من اجتماع اللجنة اليمنية لتمويل الواردات (إعلام حكومي)

وفي السياق ذاته، ناقشت اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، برئاسة محافظ البنك المركزي، تقارير تتعلق بمستوى تنفيذ آلية تنظيم الاستيراد في المنافذ البرية والبحرية، إلى جانب مراجعة الإجراءات المرتبطة بتمويل السلع ذات الطبيعة الخاصة.

وأقرت اللجنة عدداً من التوصيات بعد إجراء تعديلات عليها، كما أحالت قضايا أخرى إلى الفريق الاستشاري لدراستها بصورة معمقة بهدف ضمان سلاسة الإجراءات التجارية والحفاظ على انسياب سلاسل الإمداد دون تعطيل.

وأكَّدت اللجنة استمرار المتابعة الدورية لتنفيذ الآلية بما يحقق التوازن بين الرقابة على الموارد العامة وتسهيل حركة التجارة، مع ضمان توفير السلع الأساسية للمواطنين بصورة منتظمة.

أزمة إنسانية

في مقابل هذه التطورات الاقتصادية في مناطق الحكومة، تتواصل الأزمة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث يستمر تعليق أنشطة برنامج الأغذية العالمي نتيجة اقتحام مكاتب الأمم المتحدة واعتقال عشرات الموظفين العاملين في المنظمات الدولية.

وأوضح البرنامج أن جميع أنشطته في تلك المناطق لا تزال معلقة بسبب استمرار احتجاز 38 من موظفيه، إضافة إلى 35 موظفاً آخرين من وكالات أممية مختلفة، وهو ما أدى إلى توقف توزيع المساعدات الغذائية التي كانت تصل إلى ملايين المحتاجين.

الحوثيون يواصلون حرمان الملايين من المساعدات في مناطق سيطرتهم (إعلام محلي)

وفي الوقت الذي بدأ فيه البرنامج توزيع مساعدات غذائية طارئة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، شملت ست مناطق في محافظتي الحديدة وتعز مع خطط للتوسع التدريجي، بقي ملايين السكان في مناطق الحوثيين دون دعم غذائي منتظم.

وبحسب التحديث الشهري للوضع الغذائي، اضطرت المنظمة إلى تقليص عدد المستفيدين بنسبة 50 في المائة نتيجة خفض التمويل الدولي، بحيث ستصل المساعدات إلى نحو 1.7 مليون شخص فقط من أصل 3.4 مليون كانوا يعتمدون عليها سابقاً.

وتركز المساعدات حالياً على الفئات الأكثر هشاشة في 53 مديرية تعاني مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

وأشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن برامجه التغذوية تعمل بمستويات منخفضة بسبب نقص التمويل واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني، رغم تمكنه خلال الشهر الماضي من تقديم مساعدات تغذوية لنحو 272 ألف طفل وامرأة حامل ومرضعة فقط.

الوكالات الأممية الإغاثية أوقفت أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثيين جراء القيود (أ.ف.ب)

وشملت التدخلات علاج حالات سوء التغذية الحاد المتوسط لنحو 55 ألف مستفيد، إلى جانب برامج وقائية استفاد منها 136 ألف شخص، وهي أرقام يرى مختصون أنها أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً.

كما دعم البرنامج أكثر من 15 ألف شخص عبر برنامج تعزيز القدرة على الصمود وسبل المعيشة من خلال تحويلات نقدية مباشرة، إضافة إلى تقديم وجبات غذائية مدرسية لأكثر من 610 آلاف طفل في أكثر من ألف مدرسة، بينها مدارس استفادت من مشروع المطابخ الصحية.


مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... مشاورات تجابه الإنذارات والتفاهمات «أقرب»

نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
نازحون يتجمعون لتناول وجبة إفطار رمضان وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

عادت إنذارات التلويح بنزع سلاح «حماس» بالقوة، عبر اليمين الإسرائيلي، بعدما تكررت في الآونة الأخيرة على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسط تسريبات بأن ثمة «تفاهمات» تلوح في أفق هذا الملف المعقد.

وقال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» في غزة، غازي حمد، في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، إن الملف لا يزال «صعباً وبه حساسيات عديدة»، متحفظاً على توضيح الجديد بشأنه، فيما عدَّ متحدث بالحركة في تصريحات متلفزة تهديدات النزع بالقوة «استهتاراً بجهود الوسطاء».

وعن المساعي الحالية، قال مصدر فلسطيني تحدث لـ«الشرق الأوسط»: «هناك خلاف في هذا الملف، وهناك أيضاً مفاوضات تسير، وما لم تستطع إسرائيل فعله خلال عامين من الحرب لن تستطيع فعله حالياً، والتفاهمات هي الأقرب عبر جهود الوسطاء، لكن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك نقاشات تدور حالياً في هذا الملف تقودها مصر وتركيا وقطر ولجنة التكنوقراط، معرباً عن اعتقاده أن التفاهمات هي الأكبر على الطاولة في ظل رغبة ترمب في إنجاح مبادرته.

وجهود الوسطاء الحالية بشأن ملف نزع سلاح «حماس» تميل بحسب تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى الوصول لتفاهمات لإنجاز الاتفاق، مشيرين إلى أن الإنذارات تأتي في إطار ضغوط وحرب نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية هذا العام.

جرافة تحاول إزالة الماء من شارع غمرته مياه الأمطار في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

إنذار جديد

وفي مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية، مساء الاثنين، قال وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش: «نتوقع أن يوجَّه لـ(حماس) إنذار نهائي خلال الأيام المقبلة لنزع سلاحها وتجريد غزة من عتادها بالكامل، وإذا لم تمتثل سيحصل الجيش الإسرائيلي على شرعية دولية وعلى دعم أميركي لتنفيذ العملية بنفسه، وسيدخل غزة ويحتلها حتماً إذا لم يتم تفكيك (حماس)».

وفي أعقاب ذلك، قال المتحدث باسم «حماس» حازم قاسم، في تصريحات متلفزة، إن تهديدات سموتريتش باستئناف الحرب حال عدم نزع السلاح «استهتار بجهود الوسطاء وكل الأطراف، وتأكيد على أن الحكومة الإسرائيلية لا تعير وزناً لأي مسار سياسي أو اجتماعات دولية سعت لتكريس التهدئة»، داعياً الوسطاء والأطراف الدولية إلى تحمل مسؤولياتهم في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع العودة إلى المواجهة.

وقبيل اجتماع مجلس السلام الذي عُقد في 19 فبراير (شباط)، تحدثت إسرائيل عن إمهال «حماس» 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» وقتها نقلاً عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس.

وبالتزامن مع اجتماع مجلس السلام، شدد نتنياهو على ضرورة نزع سلاح «حماس» قبل أي إعادة إعمار، فيما قال ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» إنه ينبغي على الحركة أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري.

«حرب نفسية»

يرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء سمير فرج، أن إسرائيل تحاول بهذا الخطاب «أن تثير حرباً نفسية قبل الانتخابات الإسرائيلية، وهي مدركة أن المناقشات الحالية ستتجه لتفاهمات وليس لعودة الحرب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني حسام الدجني، أن «إسرائيل ترفع سقف المطالب إلى أعلى درجة، خصوصاً مع قرب الانتخابات الإسرائيلية لضمان تشكيل نتنياهو حكومته، وتلجأ لتضخيم ملف نزع السلاح»، مستبعداً عودة إسرائيل للحرب لأنها في رأيه «عودة لعزلها مجدداً».

ورغم الإنذارات بالنزع كان الحديث عن التفاهمات حاضراً. ففي فبراير الجاري، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

وتحدثت تقارير عبرية، الثلاثاء، عن نقاشات بشأن سلاح «حماس»، وكشفت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» عن نقاشات دائرة حول إعادة تنظيم ملف السلاح، بما في ذلك نقل بعض الأسلحة الثقيلة إلى أماكن تخضع لرقابة جهات وسيطة، وتسليم خرائط أنفاق.

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف إسرائيل المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا مجلس السلام إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

وفي حين يتوقع فرج أن تكون مقترحات التعامل مع السلاح حاضرة في المناقشات الحالية، خصوصاً بين تنظيم السلاح أو تجميده، يقر الدجني بأن هناك «حالة غموض واضحة» في هذا الموضوع مرتبطة بتعدد الرؤى على طاولة المفاوضات.

واتفق فرج والدجني على أن هناك «تضخيماً» لقضية سلاح «حماس»، مشيرين إلى أن معظم سلاح الحركة حالياً «سلاح خفيف».