ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

انقسام الميليشيات يعزز موقف المشير حفتر

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة
TT

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

ليبيا... حوار وأحلام وحروب صغيرة

كشفت جولة سريعة في عدد من المدن الليبية، خلال الأسبوع الأخير، أن صوت الرصاص ولغة الرجال الممسكين بالسلاح ما زالا أقوى من نغمات الجدل الدائر حول طاولات الحوار بين عدد من الأفرقاء الليبيين في تونس. وتنحصر جولات الحوار التي ترعاها الأمم المتحدة، وبعثتها برئاسة الدكتور غسان سلامة، في طرفين اثنين يظهر عليهما الخوف من المستقبل، هما ممثلون عن مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في الشرق، وممثلون عن مجلس الدولة، وهو مجلس استشاري يعقد جلساته في طرابلس غرباً، ويسعى لأن يكون مجلساً ذا كلمة مسموعة.
وبعدما ألقى الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني الليبي، نظرة على الخريطة الليبية، وتحسس نوع الرياح التي تهب عليها، مسح جبينه براحة يده، وقال في يأس: «يا أخي... ألا ترى أننا ما زلنا نعاني من هبوب رياح حلف الناتو... رياح دول الغرب. هذه رياح لا تطيب لليبيا، ولا يمكن أن يلتف حولها الشعب، رياح لا تنضج أي ثمار، بل تفسدها».
حقاً، يعتقد قطاع واسع من الليبيين أن العالم ما زال يحاول أن يرسخ أقدام القادة الذين انتفضوا ضد حكم معمر القذافي، الذي قتل في مثل هذه الأيام من عام 2011. وأن هذا العالم، سواء كان الأمم المتحدة أو الدول الكبرى التي تقف وراءها، يصر على تجاهل الغالبية العظمى من الشعب الليبي. ويقول المستشار صلاح الدين عبد الكريم، المسؤول في المنظمة السياسية الليبية، وهو يتنقل من منتدى سياسي إلى آخر، إن ما يجري على الأرض في ليبيا لا علاقة له بمحاولات جمع فريقي مجلس النواب ومجلس الدولة، الليبيين، في تونس.
ومن جانبه، يسعى المبعوث الأممي، الدكتور غسان سلامة، إلى تحقيق نتائج يثبت بها أمام العالم أنه قادر على رأب الصدع بين الليبيين، وقادر على الإمساك بالملف الليبي الملتهب من دون أن تتأذى أصابعه. ويقول سلامة في ثقة إن مناقشات تونس تحرز بعض التقدم، ويضيف في بيان له، يوم الخميس، أنه لا تزال هناك قضايا تتطلب المزيد من المناقشات، وأن لجنة الصياغة، المنبثقة عن كل من مجلس النواب ومجلس الدولة، ستعاود اجتماعاتها مرة أخرى، اليوم (السبت)، لمعالجة هذه القضايا في مقر البعثة الأممية بتونس.

خطة سلامة
خطة سلامة للحل في ليبيا تتركز على تعديل «اتفاق الصخيرات»، الذي نتج عنه وجود جسمي «المجلس الرئاسي» و«مجلس الدولة»، وقيامهما بممارسة مهام الحكم في ليبيا منذ مطلع العام الماضي. وكذلك العمل على إنجاز دستور للبلاد، ثم التهيئة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة قبل نهاية العام المقبل، على أن يجري - بالتزامن مع كل هذا - محاولة لتوحيد مؤسسات الدولة، وعلى رأسها مؤسسة الجيش. غير أن المستشار صلاح الدين عبد الكريم يقول إن المنظمة السياسية الليبية ترى أنه يمكن الدخول في انتخابات رئاسية وبرلمانية مباشرة، وترك الكلمة لصناديق الاقتراع.
وراهناً، أهم معضلة أمام المتحاورين في تونس تتعلق بالمادة الثامنة من «اتفاق الصخيرات»، التي تخص منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والجهة التي يحق لها تعيين المواقع العسكرية والأمنية. ويدور الخلاف حول دور الجنرال خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، الذي تمكن من الإمساك بمساحات شاسعة من الأرض، وتحقيق انتصارات لافتة على خصومه خلال الشهور الأخيرة.
على كل حال، يستند مجلس النواب في مواقفه إلى القوة التي اكتسبها من انتخابه في 2014 من جموع الليبيين، في اقتراع نزيه شهد به العالم، كما يستند من مقر إقامته في طبرق بشرق ليبيا إلى انتصارات الجيش، بقيادة حفتر. ولدى مجلس النواب سلطة تنفيذية، هي الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. وفي المقابل، يستند مجلس الدولة إلى الاعتراف الدولي بـ«اتفاق الصخيرات» ومخرجاته، وعلى عدة مجاميع مسلحة تخضع أحياناً لسلطة رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، وسلطة رئيس مجلس الدولة عبد الرحمن السويحلي، وأحياناً أخرى إلى المجلس العسكري، القوي، في مدينة مصراتة.
وبالنظر إلى القوى الممسكة بالسلاح في ليبيا، فإنه يمكن قراءة مؤشرات الميزان بطريقة قد تساعد في فهم ما يمكن أن يحدث في المستقبل. ذلك أن الجيش الوطني، بقيادة حفتر، يبدو أكثر تماسكاً حتى الآن. ووفق الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني الليبي: «عدد الجيش، إذا ما ارتفع إلى ثمانين ألفاً أو تسعين ألف جندي، فإنه يمكن أن يحسم الأمور في عموم ليبيا». ويقول مسؤول عسكري: «تمكنا في وقت وجيز من ضم أكثر من ثلاثين ألفاً من الضباط وصف الضباط والجنود».
أما القوى المسلحة الأخرى، ومعظمها ذات طابع ميليشياوي، سواء في مصراتة أو في العاصمة طرابلس، فتبدو مفتتة متصارعة أكثر من أي وقت مضى. ولذا، يبدو أن مندوبي مجلس النواب يشعرون، وهم في تونس، بالتفوق على الأرض في الداخل الليبي، وهم يتحاورون مع مندوبي مجلس الدولة القادمين من مناطق هشة تشهد منافسة مسلحة تتفجر بين يوم وآخر، في طرابلس وما حولها.

وضع طرابلس الأمني
وفي حين كان مندوبو المجلسين يقيمون في الفنادق، ويتنسمون رياح البحر التونسي، قتلت ميليشيات محسوبة على السراج ومجلس الدولة مواطنين في منطقة الغرارات، في العاصمة، الثلاثاء الماضي. ومن المفارقات أن التعليمات التي صدرت للتصدي لمثيري الشغب في طرابلس، اصطدمت بحقيقة مُرَّة، وهي أن المجاميع المتهمة بإثارة هذا الشغب هي عبارة عن ميليشيا تدعى «كتيبة المنقار»، وهي تابعة أيضاً للمجلس الرئاسي، أو بالأحرى لوزارة الداخلية المنبثقة عن حكومة الوفاق، التي يرأسها السراج.
وبعد ساعات، امتدت الاشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية إلى مناطق الهاني والسوق والميناء وذات العماد وبرج طرابلس، وأصبح هناك خوف من أن تصيب إحدى القذائف سفينة من سفن البضائع الراسية على ساحل العاصمة.
لقد كانت المناقشات بين عدد من القيادات السياسية والأمنية في طرابلس حول ملابسات الاشتباكات وسقوط الضحايا، مناقشات مثيرة للحزن وللسخرية أيضاً. وصاح أحد رجال الأمن: «سيدي... هل نرفع الغطاء القانوني عن (كتيبة المنقار)؟»، فيجيب صوت من وراء المكتب الموجود في غرفة واسعة: «ارفعه.. ارفعه. الآن!».
ويحدث هذا بينما يجري تجاهل حقيقة، مفادها أن كثيراً من الكيانات التي تعمل في ليبيا، تعمل أساساً بشكل غير قانوني، أو غير دستوري. وعلى سبيل المثال، لم تحظ حكومة الوفاق التي يرأسها السراج بثقة البرلمان حتى الآن. ومع ذلك، فهي تباشر أعمالها، وتستعين بمن ترى من الميليشيات، أو ترفع الغطاء القانوني عنها، كما حدث أخيراً. أضف إلى ذلك أن مجلس الدولة حين أسس بناء على «اتفاق الصخيرات»، كان عليه ألا يباشر عمله إلا بعد تضمين هذا الاتفاق في الإعلان الدستوري المعمول به كدستور مؤقت في ليبيا. وهذا لم يحدث.
هنا، يقول عبد الكريم: «(اتفاق الصخيرات) في الأصل كان عبارة عن محاولة لإطالة أمد المماطلات الفارغة». وبالعودة إلى ألسنة اللهب التي كانت تخرج من فوهات البنادق في ليل طرابلس، فقد عقد المجلس الاجتماعي لمنطقة «سوق الجمعة»، ذات النفوذ القوي، اجتماعاً عاجلاً لوقف الاقتتال. لكن عناصر من قوة الردع، التابعة للسراج، تقدمت في داخل السوق، وألقت القبض على السيد بَدَّاد، أحد قيادات المجلس الاجتماعي، واحتجزته لعدة ساعات. وتشعر «قوة الردع» بالخوف بعد أن قُتل عدد من قادتها في اشتباكات الأيام الثلاثة الأخيرة.

والوضع في مصراتة
ولا يبدو الوضع أفضل حالاً في مدينة مصراتة، الواقعة على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس، التي ينتمي إليها رئيس مجلس الدولة، السويحلي. ووفقاً لمصدر في المخابرات العسكرية في المدينة، فإن مجاميع تنظيم داعش التي تسعى للانتقام من مصراتة، جرى رصدها وهي تتحرك بسيارات الدفع الرباعي في مناطق تاورغاء والكراريم ومحيط مدينة زليتن. وبالتالي، رفعت المدينة درجة الاستعداد القصوى، ونفذت حملات للمداهمات الأمنية، وغيّرت مقار احتجاز الدواعش والمتطرفين الآخرين الذين تمكنت من القبض عليهم خلال الأيام الماضية.
أما في الجزء الشرقي من ليبيا، فيبدو أن المشير حفتر أصبح لديه الوقت - بعد عدة انتصارات لجنوده على ميليشيات متطرفة في الشرق والجنوب - ليجلس مع رجاله العسكريين، ويضع خططاً للتعامل مع الأزمة، بعيداً عن حوار تونس. وبحسب مصدر عسكري، فإن الجيش يريد أن يتوجه إلى الغرب... «يريد أن ينهي حكم الميليشيات لطرابلس ومصراتة وغيرها... يريد أن يحسم الأمور».
ويضيف تعليقاً على الحوار الذي يرعاه سلامة: «نحن قلنا منذ البداية إننا لا نرفض الحوار، ولا أي جهود تهدف إلى إعادة الاستقرار إلى ليبيا. لكن أقول، ببساطة، إنه لا علاقة لنا بالسياسة. وإذا كان هناك من يريد وضع حد للفوضى، فعليه أن يقف مع الجيش».

حوار تونس... و«ناتو»
من جهته، يصف الدكتور القشاط الحوار الحالي في تونس بأنه «حلقة من حلقات المسرحية الدولية التي بدأت ضد ليبيا منذ 2011، وما زالت مستمرة إلى الآن»، ويضيف: «المشكلة الآن أن الموجودين، الذين يتم تجميعهم، هم جماعة فبراير (قادة الانتفاضة ضد القذافي، وهؤلاء يتشكل من معظمهم كل من مجلس النواب ومجلس الدولة) الذين أتى بهم حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) قبل ست سنوات، ووضعهم على رؤوس الليبيين».
ويضيف القشاط أن «جماعة فبراير... هم، بدورهم، مختلفون... وما يجري من محاولات هو مجرد سعي لجمعهم حتى يتمكنوا من الاستمرار في تصدّر المشهد الليبي، على غير الحقيقة... لقد فشلت كل الحكومات التي جاءت بعد القذافي. وهذا الفشل أصاب غالبية الشعب الليبي بالإحباط واليأس».
أما فيما يتعلق بموقف القبائل، والمجموعات المحسوبة على النظام السابق، فيقول إن هؤلاء وقفوا منذ البداية ضد التدخل الدولي في ليبيا، وضد ضربات حلف الناتو... الحلف أساساً هو من وقف بصواريخه وطائراته وسفنه ضد القبائل والمجموعات المحسوبة على النظام السابق. ولذلك، ليس من الوارد أن يتم دمج هؤلاء، أو الإنصات إليهم، في الترتيبات الحالية لإنهاء الأزمة الليبية.
ويضيف موضحاً أن «رياح المصالحة، في حقيقتها، هي رياح الناتو... وهي نفسها التي تهب على ليبيا منذ 2011. الحكومات الليبية المتنافسة، الموجودة الآن، جاء بها الناتو، والمأزق هو أن هذه الحكومات غير قادرة على إدارة البلاد، والشعب يرفضها».

المخرج المحتمل
وعن المَخرج، وما يمكن أن يتم اتخاذه لكي تنصلح الأمور في ليبيا، يقول الدكتور القشاط: «توجد تجارب دولية في التعامل مع الإرهاب، ومع حالات الانقسام... هناك تجربة الجزائر، وتجربة جنوب أفريقيا، وتجربة مصر... وأعتقد أن أقرب حل لنا هو تجربة مصر؛ أي أن يتوحد الجيش الليبي، وأن يسيطر على هذه الميليشيات ويسلب منها السلاح، ثم يجتمع الليبيون ليقرروا نظام الحكم الذي يريدونه، وكذلك نوع العَلَم والنشيد... يجروا انتخابات، وصناديق الاقتراع هي التي ستفرز رئيساً للدولة ورئيساً للوزراء».
ويرى القشاط أن أي محاولات للحل لن تنجح ما دام هناك إصرار على تجاهل الجيش: «إنهم يعرقلونه... جماعة أوروبا وأميركا يقفون ضد عودة الجيش ووحدته لليبيا... انظر إليهم وهم يقفون في الأمم المتحدة ويقولون إنه ممنوع على الجيش الليبي أن يحصل على أسلحة؛ إنهم يمنعونه من الاستفادة من أرصدتنا المالية في الخارج. أنت تعلم أن غالبية جنود الجيش لا يتقاضون رواتب، ومع ذلك الجنود والضباط لا يتوقفون عن محاربة الإرهاب، بأقل الإمكانيات وفي ظروف صعبة».
وعلى الصعيد نفسه، هناك مجاميع من المتطوعين الشبان الذين أخذوا في الانتشار، خصوصاً في الشرق الليبي، ضمن مساعي قوى سياسية داخلية لبناء الدولة، بعيداً عن «الحوارات التي لا طائل من ورائها»، كما يقول المستشار عبد الكريم، مسؤول العلاقات الخارجية في المنظمة السياسية، الذي يضيف: «نعمل الآن استعداداً للانتخابات»، موضحاً: «الانتخابات ستجري قبل أي شيء آخر، لأن هذا ما نريده. أما جهود الأمم المتحدة، فحين نعلق عليها، لا بد أن ننظر إلى ما قامت به في السابق... لا شيء غير ترسيخ الانقسامات. مع احترامنا لها؛ الشيء الوحيد المنجز حتى الآن هو إطالة أمد الأزمة».
وعما إذا كانت هذه الانتخابات ستجري بناء على الدستور الذي دعا المبعوث سلامة إلى إنجازه للاستفتاء عليه أولاً، أوضح عبد الكريم قائلاً: «لجنة صياغة الدستور أمضت ثلاث سنوات وهي تحاول الانتهاء من عملها، ولم تتمكن. نحن نرى اليوم أن الإعلان الدستوري، القائم بالفعل، هو الذي سينظم أمور الانتخابات. لدينا هيئة وطنية عامة للانتخابات من حقها أن تفتح الباب للترشح. وبعد انتخاب رئيس للجمهورية والبرلمان، سيكون باقي العمل كله سهلاً؛ سنفتح بهذا طريقاً للمستقبل».
جدير بالذكر أن «المنظمة السياسية الليبية» تشكّلت كتجمع شعبي متكامل، انبثق مع «حركة الكرامة العسكرية»، أي مع الجيش بقيادة حفتر. وحسب عبد الكريم: «رغم الضغوط التي تتعرض لها المنظمة، ورغم عمليات الاغتيالات التي طالت عدداً من قادتها، فإنها مستمرة في عملها. لنا فروع اليوم في كل أنحاء ليبيا. الشباب يعملون وسط القبائل والمدن وفي القرى والواحات».
وللعلم، قبل بضعة أشهر، قُتل رئيس «المنظمة»، محمد بوقعيقيص، في تفجير بسيارة مفخخة، وقُتل معه من رفاقه سالم إحبيل القبائلي والعقيد منصور القناشي. كذلك تعرضت أموال «المنظمة» للعرقلة التي تحول دون الصرف منها من جانب مصارف يسيطر عليها شخصيات محسوبة على الجماعات المتطرفة - كما يقول عبد الكريم - مشيراً إلى أن من يريد أن يحل الأزمة الليبية «عليه أن يساعد الليبيين الذين يعملون على الأرض، وليس الاكتفاء بمقابلات ومصافحات في الخارج مع شخصيات لا علاقة لها بالواقع في الداخل».

بين اليأس والتفاؤل
في هذه الأثناء، في بنغازي كبرى مدن الشرق، ومدن ليبية أخرى، تسعى مجاميع من الشبان المتحمسين لتغيير الأحوال بأقل الإمكانيات، من دون أن يكون هناك التفات يذكر، من جانبهم، للجهود الدولية لحل المشكلة الليبية. ويقول أحد هؤلاء الشبان، ويدعى مصباح، وهو معلم في مدرسة في ضاحية الليثي ببنغازي، ويبلغ من العمر 27 سنة: «ماذا فعلت لنا الأمم المتحدة؟ لا شيء! نحن من سنقوم بالتغيير بأنفسنا».
وانطلق مصباح مع مجموعة من المعلمين والأطباء الشبان، وبعض التجار الصغار، لمواصلة جمع التبرعات من المواطنين: خمسة دنانير.. عشرة دنانير.. وهكذا. أي مبلغ من أجل مواصلة فتح قنوات الحوار الداخلي مع أقرانهم في مدن سبها وطرابلس ومصراتة وغيرها.
وحين وصلت مجموعة مصباح إلى منطقة خطرة، قد يكون فيها خلايا نائمة رافضة لمثل هذه التحركات المدنية المستقلة، اتصل المعلم ببعض أقاربه، وجاءت سيارتان لتأمين الطريق أمام المجموعة.
ويقول أحد زملاء المستشار عبد الكريم في «المنظمة السياسية» معلقاً: «نحن لا نعوّل على الحوار الحالي في تونس، لأنه ما زال يدور في الدائرة المغلقة نفسها، كما كان الحال أيام المبعوثين السابقين من الأمم المتحدة، برناردينيو ليون ومارتن كوبلر. ما دامت لا توجد نيات للاستماع إلى كل الليبيين، فالجهود الدولية ستستمر في هذه الحلقة المفرغة».
لكن غسان سلامة وعد بأنه، في مرحلة لاحقة، سيصار إلى دعوة جميع الليبيين، في مؤتمر كبير يحضره نحو ثمانمائة شخصية، لوضع النقاط على الحروف، والمضي بليبيا إلى بر الأمان.
عموماً... وفي شوارع مدن ليبية عدة، يمكن أن تلتقي بعناصر تحمل السلاح، وتقاتل من أجل الوجود، كما يحدث بين وقت وآخر بين ميليشيات طرابلس. أما في بنغازي، التي تحررت من الجماعات المتطرفة، فأصبح هناك شبان يحلمون بغد أفضل، ويؤمنون بقدرة الجيش على أن يتوحد في مؤسسة عسكرية واحدة، وأن يفرض الجنرال حفتر الأمن في البلاد. وحين تسأل عما إذا كان الوضع الأمني المنفلت، خصوصاً في غرب البلاد، يسمح بإجراء انتخابات، تجد إجابات حالمة في ضواحي بنغازي؛ من تلك التي يطلقها السياسيون في الروايات القديمة، مثل القول إن «الشعب هو مصدر السلطات»، و«الشعب قادر على النهوض من جديد وتحديد مصيره». ويقول مصباح وهو يحرك ذارعيه كأنه يرسم على لوحة كبيرة على صفحة الهواء: «الشعب الليبي قادر على أن يفرض نفسه. الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات».



«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«الدفاع» السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا

انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)
انتظار عائلات المحتجزين في سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي سوريا خارج السجن في محاولة للحصول على أخبار عن ذويهم الأربعاء (أ.ف.ب)

باشرت قيادة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع اتخاذَ الإجراءات القانونية بحق المخالفين للقوانين والضوابط المسلكية خلال العمليات في شمال شرقي سوريا، مؤكدةً عدم التهاون مع أي تجاوز يمسّ الانضباط العسكري أو النظام العام.

وأوضحت القيادة، في بيان نقلته الوكالة الرسمية «سانا»، الخميس، أن الشرطة العسكرية رصدت عدداً من التجاوزات المخالفة للقوانين والضوابط المسلكية المعتمدة، ولا سيما تلك التي سُجلت خلال فترة العمليات العسكرية في شمال شرقي سوريا، وذلك على الرغم من التوجيهات والتعليمات الواضحة التي جرى تعميمها على جميع الوحدات والجهات المعنية.

وأكدت قيادة الأمن والشرطة العسكرية، في تصريح نشرته وزارة الدفاع عبر معرفاتها الرسمية، أنها باشرت اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، وفقاً للأنظمة النافذة، بما يضمن محاسبتهم، والحفاظ على الانضباط العسكري، ومنع تكرار أي تجاوزات من شأنها المساس بالنظام العام أو بسلامة سير العمل الميداني.

اجتماع وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة برئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان ورئيس هيئة العمليات العميد حمزة الحميدي لتطبيق وقف إطلاق النار على جميع محاور القتال الأحد الماضي (الدفاع السورية - فيسبوك)

وشددت قيادة الأمن والشرطة العسكرية على مركزية الانضباط المسلكي والعسكري في أدائها، وعدم تهاونها مع أي تجاوزات أو مخالفات، مشيدةً في الوقت نفسه بمستوى الانضباط العالي الذي تحلّت به الوحدات العسكرية، باستثناء بعض الحالات الفردية التي ستتخذ بحق مرتكبيها الإجراءات اللازمة.

من جهة أخرى، قال وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في تصريح نشرته وزارة الدفاع، إن الاعتقالات التعسفية تقوّض الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، داعياً إلى وقفها فوراً والإفراج غير المشروط عن جميع الأهالي الذين جرى اعتقالهم، محمّلاً «قسد» كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تترتب على استمرار هذه الانتهاكات.

وقال إن «قسد» نفّذت يوم الأربعاء حملات اعتقال تعسفية طالت عشرات المدنيين في محافظة الحسكة، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على دخول مهلة وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل تهديداً مباشراً للتهدئة الجارية.

تجمع مجموعة من المعتقلين في مخيم الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

في شأن آخر، أكدت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري، الخميس، أن «ميليشيات (حزب العمال الكردستاني/ PKK) تقوم ببث إشاعات كاذبة وخطيرة بين أهلنا الكرد السوريين بهدف تخويفهم من الجيش».

وأوضحت الهيئة في تصريح لـ«الإخبارية»، أن هذه الميليشيات تحاول إرهاب الناس عبر فيديوهات مجتزأة ومفبركة وأكاذيب لا تمت للواقع بصلة، مضيفة: «إننا نطمئن أهلنا الكرد بأننا نسعى إلى حمايتهم، وأنهم جزء أصيل من مكونات الشعب السوري، ونواصل العمل لإعادة الاستقرار إلى جميع المناطق».

وتابعت هيئة العمليات: «نقول لأهلنا الكرد إن كل جغرافية سوريا هي بلدكم، ويمكنكم في أي وقت الخروج من مناطق التوتر إلى أي منطقة ترغبون فيها».


«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
TT

«تدقيقات مصرية» للحد من أعداد الوافدين المخالفين

مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)
مئات السودانيين في محطة رمسيس بالقاهرة ضمن مبادرة العودة الطوعية للسودان (وزارة النقل المصرية)

أربعة أعوام قضاها السوري رائد عبد القادر في مصر، حيث عمل في مطعم بأحد مناطق العاصمة، واستقدم زوجته وابنه، فراراً من عدم استقرار الأوضاع في بلاده، قبل أن يتقرر ترحيله لانتهاء فترة إقامته بـ«الكارت الأصفر».

أمضى السوري الأربعيني عشرة أيام في أحد أقسام شرطة القاهرة بعد توقيفه بصحبة سبعة آخرين، ضمن واحدة من حملات مكثفة في الشوارع والكمائن على الطرقات وداخل المحال والمنشآت التجارية لتدقيق الإقامات. وخلال تنقله بين عدة جهات حتى ترحيله، صادف عشرات الموقوفين من جنسيات مختلفة حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».

ويوم الثلاثاء الماضي، وصل عبد القادر إلى سوريا، تاركاً زوجته وابنه بالقاهرة.

ويقول المحامي المتخصص في شؤون اللاجئين، أمير فاضل، الذي وكَّله أفراد عائلات عدة لمتابعة الإجراءات مع ذويهم الموقوفين في الحملات المستمرة منذ نهاية الشهر الماضي، إن حملات التدقيق تُسفر عن توقيف «المئات» يومياً؛ مُقدراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أعداد المُرحلين بـ«الآلاف» خلال الشهرين الماضيين.

خيار الترحيل

تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئون سوريون في مصر (مفوضية اللاجئين)

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى مارس (آذار) المقبل.

لكن هذه الإجراءات لم تنجح في تقليص أعداد الوافدين بصورة كبيرة. وقال مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تتتبع الوافدين المقيمين بصورة غير مشروعة من خلال عدة طرق، سواء من قاعدة البيانات المتوفرة لديها عنهم، حيث يُلزم القانون أصحاب العقارات بإعلام قسم الشرطة بجنسيات المقيمين بوحداتهم المؤجرة، أو من خلال حملات أمنية في مناطق تجمعاتهم.

وأضاف: «بعد توقيفهم يتم ترحيلهم وفق عدة إجراءات»، موضحاً: «المقيم بشكل غير مشروع تُخيره السلطات بين العودة أو المضي في الإجراءات القانونية، وأغلبهم يختار العودة»، مؤكداً أن قرارات الترحيل تكون «تقديرية»، لذا قد يتم ترحيل سوريين أكثر من السودانيين نظراً لاستقرار الأوضاع في سوريا مقارنة بالسودان.

العودة الطوعية

تُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

ولا تُعبر هذه الأرقام عن مجمل أعداد الوافدين، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن أكثر من 1.5 مليون سوداني دخلوا مصر عقب اندلاع الحرب في بلادهم في أبريل (نيسان) 2023. كما قدَّر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر، أحمد الوكيل، أعداد السوريين المقيمين بالبلاد بنحو 1.5 مليون سوري، وذلك خلال الملتقى المصري - السوري بدمشق.

ونفت السفارة السورية في القاهرة استهداف السوريين تحديداً من حملات تدقيق الإقامات، قائلة في بيان يوم 17 يناير (كانون الثاني) الحالي إن هذه الحملات «تهدف إلى تنظيم وضبط الأوضاع القانونية ومعالجة الحالات غير النظامية، دون استهداف أي جنسية أو فئة بعينها».

وقدَّر القنصل السوداني في أسوان، عبد القادر عبد الله، حالات المرحلين أسبوعياً من السودانيين «ممن ليس لديهم جوازات سفر» بأقل من 20 شخصاً، مشيراً إلى أنهم لا يملكون إحصائية كاملة بعدد المرحلين، نظراً لأن من لديهم جوازات سفر يتم ترحيلهم مباشرة دون حضورهم إلى القنصلية.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أعداد المرحلين قلَّت خصوصاً مع زيادة العودة الطوعية». وسبق أن قدرت القنصلية السودانية أعداد العائدين طوعاً بأكثر من 428 ألفاً حتى نهاية 2025.

مفوضية اللاجئين

يُحمّل سليم سبع الليل، أحد أبناء الجالية السورية في مصر، مفوضية اللاجئين مسؤولية ما يتعرض له الوافدون من حملات التدقيق؛ نظراً لقلة أعداد موظفيها، وعدم قدرتها على تجديد كل الكروت الصفراء.

لاجئات سودانيات في أسوان جنوب مصر (مفوضية اللاجئين)

و«الكارت الأصفر» هو وثيقة تسجيل مؤقتة تصدرها المفوضية للاجئين وطالبي اللجوء لحمايتهم من الترحيل القسري، وتمنحهم حق الاستفادة من خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم، والحصول عليه تُعد خطوة نحو الحصول على إقامة قانونية رسمية عبر الجهات المصرية المختصة، مما ينظم وضعهم القانوني.

وعلى مجموعة التواصل الاجتماعي «اللمَّة السورية في مصر»، طُرحت تساؤلات عن الموقف القانوني لمن لديه إقامة منتهية، وموعد من المفوضية بعد أشهر لتجديد الكارت الأصفر.

وقال المصدر الأمني: «بمجرد انتهاء مدة الإقامة المؤقتة التي يمنحها كارت المفوضية، يكون اللاجئ مقيماً بصفة غير شرعية، حتى لو حصل على موعد لتجديدها».

ورصدت «الشرق الأوسط» شكاوى من أصحاب إقامات عائلية يواجهون رفضاً في تجديد إقامات الزوجة أو الأبناء.

وأوضح المحامي فاضل: «بعض أنواع الإقامات التي كان مسموحاً بها من قبل، مثل الإقامة على الزواج، تم تعليقها حالياً».

ولم يتلق المجلس المصري لحقوق الإنسان أي شكاوى من وافدين على استهدافهم أو ترحيلهم قسراً، حسب عضو المجلس أيمن زهري الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي قرار ترحيل سيكون «إجراءً محدوداً يرتبط بأسباب أمنية، وليس حملات استهداف موسعة»، مؤكداً أن مصر ما زالت ملتزمة بدورها تجاه اللاجئين.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» للإغاثة للاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

وقال السوري سبع الليل: «من يُقبض عليه يخرج بعد 10 أيام، ومن يُرحَّلون يكون ذلك لأسباب أخرى، ليس فقط لأن إقامتهم منتهية». ويتفق معه سوري صاحب مطعم في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، قائلاً إن السلطات أوقفت الأسبوع الماضي أربعة من العاملين معه لانتهاء إقامتهم على الكارت الأصفر، ثم خرجوا بعد بضعة أيام.

أما السوداني إسماعيل سمير (اسم مستعار)، وهو مخرج أفلام قصيرة، فقال إن مصر احتضنت السودانيين لسنوات، لكنه بدأ يشعر بقلق من حملات التدقيق على الوافدين.

ولدى سمير إقامة سارية بحكم زواجه من مصرية، لكنه لا يخفي قلقه من موعد انتهائها الوشيك.


ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
TT

ترقب يمني لحكومة إصلاحات تنهي عهود الفساد والمحسوبية

ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)
ثقة مجتمعية متزايدة بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة المنتظر تشكيلها (سبأ)

يترقب اليمنيون تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني، وسط تطلعاتهم لوقف الاختلالات الاقتصادية، والخدمية، وإنهاء النزيف الأمني، والعسكري بعد سنوات طويلة من الحرب، والمعاناة التي أثقلت كاهل السكان، وتحقيق استقرار معيشي، وتحسين أوضاع الحياة، بوضع ملفات المعيشة اليومية، والإغاثة الأساسية في صدارة اهتمامها.

ويرتكز الأمل الشعبي على التطورات الأخيرة التي أظهر فيها مجلس القيادة الرئاسي حزماً في التعامل مع الملفين العسكري، والأمني، وأظهر جدية في تصحيح كافة الأوضاع، إذ ينتظر الجميع أن تعيد الحكومة الجديدة الخدمات الأساسية، وتخفف من التدهور الاقتصادي، والاجتماعي، وتعمل على تحسين الرواتب، والكهرباء، والغذاء، والصحة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد هيبتها.

وترتفع مطالب مكافحة الفساد في الشارع، مع توقّع أن تكون الحكومة أكثر شفافية، ومحاسبة، مقارنة بالفترات السابقة، ليلمس السكان تغييراً في أداء المؤسسات، وتراجعاً للقوى النافذة التي استنزفت الكثير من موارد الدولة، ومقدرات المجتمع.

الأمن والاستقرار في مقدمة التحديات التي تنتظر الحكومة اليمنية الجديدة (إ.ب.أ)

ويرى الكاتب والمحلل اليمني باسم منصور أن تشكيل الحكومة الجديدة ينبغي أن يضع في الاعتبار قدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، بغض النظر عن عدد الوزارات، أو تغيير الأسماء القديمة واستبدال أسماء جديدة بها.

وبحسب رأيه الذي أفاد به لـ«الشرق الأوسط»، فإن ما يجري تسريبه حول التنافس على بعض المناصب الحكومية، ورغبات بعض الأطراف والقوى السياسية بتعيين عناصرها على حساب التطلعات الشعبية بإحداث تغيير جذري، يهدد ثقة المجتمع بإجراءات مجلس القيادة الرئاسي، ومساعيه الجادة لاستعادة مؤسسات الدولة، وتمكينها من أداء مهامها، وواجباتها.

ويأمل منصور أن تكون الحكومة الوشيكة حكومة كفاءة، ولديها برامج تركز على وقف التدهور الاقتصادي، وصرف المرتبات، وتحسين الخدمات، وتعمل ضمن رؤية واضحة تستعيد مفهوم الدولة، بعيداً عن المحاصصة التي حدّت من قدرات الحكومات السابقة على التأثير، معبراً عن أمله في أن يكون للدعم السعودي اللامحدود أثر كبير في تحقيق الاستقرار.

لا لتدوير الفاسدين

وتتراوح التوقعات حول إمكانية أن يجري تشكيل حكومة تمثيلية متوازنة بين المحافظات، والمكونات السياسية، أو حكومة كفاءات تركّز على قدرة أعضائها على إحداث تنمية حقيقة أكثر من الاعتماد على الولاءات الحزبية، إلى جانب احتمالية أن يجري الإعلان عن حكومة طوارئ صغيرة من الخبرات، والكفاءات.

عدن ستكون في صدارة المناطق التي ينتظر تعزيز الأمن والخدمات فيها (سبأ)

ويؤكد الناشط السياسي بشير عزوز أن الحكومة المتوقع الكشف عنها خلال الساعات المقبلة ستستفيد من دعم نوعي من السعودية، مما سيكون له تأثير إيجابي على الملفات الاقتصادية، والخدمية، والتنموية، وستحظى بصلاحيات واسعة من مجلس القيادة لتمكينها من العمل بفاعلية من العاصمة المؤقتة عدن، إلى جانب أنها ستضم قيادات نسائية في إطار تعزيز المشاركة المجتمعية.

وبحسب ما أدلى به عزوز لـ«الشرق الأوسط»، فإن اليمنيين يترقبون الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة على أمل أن تكون من الكفاءات الوطنية، بعيداً عن تدوير الشخصيات ذات المواقف المتقلبة، أو الشخصيات التي عُرفت بفسادها، وانتهازيتها.

ويشير إلى أن هناك ثقة متزايدة برشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة شائع الزنداني، وقدرتهما على اختيار شخصيات فاعلة، وأن يجري تعويض القيادات الوطنية والنزيهة التي تعرضت للإقصاء في الفترات السابقة من خلال منحها فرصة في الحكومة، تقديراً لمواقفها الوطنية، ولقدرتها على بذل جهود حقيقية، ومخلصة من أجل المجتمع.

إخلاء المدن من المظاهر العسكرية يعزز من ثقة اليمنيين بالحكومة المرتقبة (إعلام حكومي)

ومن المتوقع أن يجري الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، حيث كلف رئيس مجلس القيادة الرئاسي لجنة خاصة بتقييم ملفات المرشحين وفق معايير محددة تشمل الانتماء الوطني للجمهورية، والكفاءة العلمية والمهنية، والتوزيع الإداري للمحافظات.

الاستقرار وتحسين الإغاثة

وتقع على عاتق الحكومة الجديدة إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة، ومحاولة استعادة الثقة مع المانحين الدوليين، والعمل على مسارات استعادة مؤسسات الدولة، إما من خلال السياسة باعتبار أنها طريق للسلام مع الانقلابيين الحوثيين بشكل جدي، أو بالحسم العسكري والأمني، وتضييق الخناق عليهم استغلالاً للمواقف الدولية الحازمة ضدهم.

من أولويات الحكومة المرتقبة تعزيز الأمن والاستقرار في عدن والمحافظات المحررة (إعلام حكومي)

من جهته يذهب جمال بلفقيه، وهو المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية) إلى أن الحكومة الجديدة ستواجه تحدي الإغاثة، والعمل مع المنظمات الدولية بشفافية مطلقة، خصوصاً أن المانحين والداعمين بدأوا يعزفون عن تقديم الدعم بسبب ما رافق الفترة الماضية من خلل، وقصور في هذا الجانب.

وحذر بلفقيه أثناء حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن اليمن بات في الدرجة الثالثة التي تعرف بمرحلة «إنقاذ الحياة»، وكان بالإمكان تخصيص ولو مبلغ بسيط منها لإعادة تأهيل المصانع التي دمرت، ودعم وتشجيع الزراعة، والثروة السمكية، وتوفير فرص عمل عديدة للمواطنين.

وتابع المسؤول الإغاثي الحكومي: «نتمنى من أي خطة استجابة قادمة أن تنتقل إلى مرحلة الاستدامة، وأن تقوم الحكومة، من خلال لجنة الإغاثة، والجهات المختصة، بالإشراف المباشر، والرقابة، والمتابعة المستمرة، ورفع التقارير الدورية لأعمال المنظمات، وأوجه الدعم في القطاعات المختلفة، وتقوم بتلبية الاحتياجات ذات الأولوية القصوى في عموم المحافظات».

من المنتظر أن تعمل الحكومة اليمنية الجديدة بجدية على تحسين الاستقرار المعيشي (إ.ب.أ)

ويشدد محمود عبد الدائم، وهو اسم مستعار لباحث في مجال السياسة والإعلام يقيم في العاصمة المختطفة صنعاء، على أن الحكومة الجديدة لن تستطيع النجاح بمعزل عن دعم دولي، وإقليمي، خصوصاً من السعودية، ودول الخليج، لإعادة إعمار اليمن، واستعادة الوظيفة الاقتصادية للدولة.

ويشير عبد الدائم خلال إفادته لـ«الشرق الأوسط» إلى أن استمرار التوترات العسكرية مع الجماعة الحوثية، رغم الهدنة المعلنة برعاية أممية منذ قرابة 4 أعوام، تهدّد أي استقرار سريع، في حين يقتضي الوضع أن يكون تركيزها في المرحلة الأولى على استعادة الأمن، واستقرار الاقتصاد، وتطبيع العلاقات مع الشركاء الدوليين لدعم الإغاثة، والتنمية.

وتواجه الحكومة الجديدة عدداً من التحديات المتمثلة باستقرار العملة، وانتظام رواتب الموظفين العموميين، وتحسين خدمات الكهرباء، والنقل، والصحة، والتعليم في المحافظات المحررة.