توصيات أوروبية جديدة لتعزيز حماية المدن من الإرهاب

الاتحاد الأوروبي خصص 140 مليون دولار لدعم المشاريع الأمنية

المفوض الأوروبي للأمن جوليان كينغ (يسار) خلال مسيرة لتكريم ضحايا الإرهاب في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
المفوض الأوروبي للأمن جوليان كينغ (يسار) خلال مسيرة لتكريم ضحايا الإرهاب في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
TT

توصيات أوروبية جديدة لتعزيز حماية المدن من الإرهاب

المفوض الأوروبي للأمن جوليان كينغ (يسار) خلال مسيرة لتكريم ضحايا الإرهاب في بروكسل أمس (أ.ف.ب)
المفوض الأوروبي للأمن جوليان كينغ (يسار) خلال مسيرة لتكريم ضحايا الإرهاب في بروكسل أمس (أ.ف.ب)

اعتمدت المفوضية الأوروبية ببروكسل، أمس، تقريرها الحادي عشر حول الاتحاد الأمني وتضمن مجموعة من التدابير لتحسين حماية المواطنين ومدن الاتحاد الأوروبي من التهديدات الإرهابية.
وأعلنت المفوضية في هذا الإطار تخصيص نحو 120 مليون يورو (نحو 141 مليون دولار) لمساعدة الدول الأوروبية على حماية الأماكن العامة في مدنها، التي باتت عرضة أكثر فأكثر لهجمات الإرهابيين. ونصت خطة العمل التي قدمت في بروكسل على تخصيص 18.5 مليون يورو بداية من 2017 لـ«مشاريع عبر الدول تحسن حماية الفضاءات العامة»، ومائة مليون يورو في 2018 لمساعدة «المدن التي تستثمر في حلول أمنية».
وقال المفوض الأوروبي المكلف بملف الأمن، جوليان كينغ: لا يمكن القول إنه لا توجد أي مخاطر، لكن يمكن أن نفعل المزيد من أجل جعل مهمة الإرهابيين صعبة، والعمل على وقف الهجمات، وهي كلها أمور تضمنها التقرير الجديد للمفوضية»، الذي جرى اعتماده أمس.
وشدد كينغ على أن «الأمن كان ولا يزال في مقدمة أولويات عمل الجهاز التنفيذي للاتحاد منذ بداية عمل المفوضية الحالية في 2014، وحتى الآن. وهو الأمر الذي أكد عليه رئيس المفوضية جان كلود يونكر في خطاب حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي قبل أيام».
وأضاف كينغ، أن التقرير راعى الدروس المستفادة من الهجمات الأخيرة، التي وقعت في مدن أوروبية عدة خلال الأشهر الماضية بسبب أخطاء أو تقصير؛ ولهذا تضمنت التدابير الجديدة إجراءات لزيادة القدرات الأمنية، وتحسين العمل المشترك على المستويين الداخلي والدولي.
ولمح المسؤول الأوروبي إلى أنه رغم اتخاذ تدابير أوروبية عدة لمكافحة الإرهاب في السنوات الأخيرة، فإن هجمات نجحت في استهداف أماكن عامة بعمليات دهس، مثلما حدث في برلين ولندن واستوكهولم وبرشلونة، أو بطرق أخرى شهدتها مدن أوروبية مختلفة وشملت الطعن والذبح وإطلاق النار. واتضح للجميع، أن الإرهاب يستهدف الأماكن العامة، مثل الميادين والنوادي وصالات الاحتفالات وغيرها.
وبالنسبة لـ«تعقيد مهمة» الإرهابيين، قال المسول الأوروبي: إن «عددا من الهجمات الأخيرة استخدمت فيها متفجرات مصنوعة يدويا في المنزل؛ ولهذا حرصنا في التدابير الجديدة على تصعيب فرص الحصول على المواد التي تستخدم في تصنيع المتفجرات».
وتشمل الإجراءات التي اقترحتها المفوضية في مجال مكافحة الإرهاب، أمس، أيضا على أحداث «قطب للمعارف» حول أمن «المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، وذلك ضمن الشرطة الأوروبية (يوروبول)». وقال كينغ، إنه في الوقت الذي لا توجد فيه حتى الآن أي معلومات تشير إلى قرب حدوث أي هجمات باستخدام أسلحة من هذا النوع: «إلا أنه يجب أن نكون على استعداد لكل الاحتمالات، ومواجهة أي مخاطر وتضييق الخناق على وصول الإرهابيين إلى مثل هذه الأسلحة».
وقال كينغ في المؤتمر الصحافي: إن تحسين التعاون مع الدول الجارة والشريكة أمر ضروري لمكافحة الإرهاب؛ ولهذا سيكون هناك عمل على إنجاز اتفاقيات قوية لتعزيز التعاون مع دول عدة، منها المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، وإسرائيل، وتركيا، وتونس، ولبنان والأردن.
واختتم المسؤول الأوروبي بالقول: إن «الأخبار الجيدة الواردة من سوريا والعراق حول هزائم (داعش) الإرهابي، لا يجب أن تجعلنا نسعد بها ونظن أن الإرهاب انتهى أبدا»، واستطرد: «(داعش) والإرهاب سيبحثون عن أشكال جديدة وطرق أخرى؛ ولهذا لا بد أن نستعد لكل الاحتمالات وكل المخاطر».
وانضم المفوض إثر ذلك إلى مسيرة تكريما لضحايا الإرهاب ضمت نحو 150 شخصا أمام المقار الأوروبية، حمل كل منهم وردة بيضاء في اليد. وتشكل الجمع أساسا من ممثلي أجهزة الإنقاذ الأوروبية المجتمعين منذ الاثنين في بروكسل، ببادرة من منظمة «أوروبين أميرجنسي نومبر اسوسييشن» غير الحكومية، لبحث تحسين الإعلام الموجه للجمهور في حال حدوث اعتداء أو كارثة طبيعية.
من جانبه، قال فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية: إن «الإجراءات الجديدة ستساعد الدول الأعضاء وتحرم الإرهابيين من الوسائل التي كانت متوافرة لهم لتنفيذ أعمالهم الإجرامية، كما ستساهم تلك الإجراءات في حماية الأماكن العامة، وبالتالي ستنعكس على طريقتنا في الحياة».
بدوره، قال مفوض الشؤون الداخلية ديمتري أفراموبولوس: إن «الإرهاب لا حدود له، ولن تتم محاربته بفاعلية إلا بالعمل المشترك. سواء داخل الاتحاد الأوروبي، أو مع الشركاء على المستوى العالمي». «
وفي منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، بدأ عمل أول لجنة مكلفة بملف مكافحة الإرهاب في البرلمان الأوروبي، وتضم 30 عضوا. وكان البرلمان الأوروبي قد أقرّ إنشاء هذه اللجنة خلال جلسة علنية في 6 يوليو (تموز) الماضي، وحدد لها مدة عمل لعام واحد قابل للتجديد؛ وذلك نزولا عند رغبة من البرلمانيين الأوروبيين بالاضطلاع بدور أكبر في العمل المؤسساتي الأوروبي الرامي لمحاربة الإرهاب.
وتعمل اللجنة على «تقييم التهديد الإرهابي على التراب الأوروبي، والإبلاغ عن مواطن الخلل في الإجراءات المطبقة من قبل الدول الأعضاء، كما ستضطلع بمهمة اقتراح الحلول للمشاكل التي يتم اكتشافها»، حسب البيان البرلماني. وستقوم اللجنة بتقييم الإجراءات المتبعة من أجل إدارة الحدود الخارجية للاتحاد، وتحديد مواطن الخلل في عمليات تبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية بين الدول الأعضاء.
كما سيعاين الأعضاء مدى توافق قواعد البيانات المختلفة الموجودة في دول الاتحاد الأوروبي، ويدققون في مدى فاعليتها في عمليات تبادل المعلومات. ومن المقرر أن تقوم اللجنة كذلك بدراسة آثار التشريعات الأوروبية المعمول بها لمحاربة الإرهاب على الحريات الأساسية للمواطنين. كما ستعمل على معاينة البرامج كافة المتبعة في دول الاتحاد من أجل معالجة ظاهرة التطرف، وكذلك الإجراءات المتعلقة بمحاربة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، والمنظمات التي تتبنى نظريات متطرفة.
وسيقوم أعضاء اللجنة بزيارات ميدانية للتأكد من فاعلية الإجراءات الأمنية المتخذة في الدول الأعضاء من أجل حماية الأماكن الاستراتيجية والبنى التحتية المهمة، مثل المطارات ومحطات القطارات.



أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).