بغداد في عصريها الذهبيين

كازويل يرصد في مجموعة كتب بالإنجليزية فترات حرجة من تاريخ المنطقة

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
TT

بغداد في عصريها الذهبيين

«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»
«أصوات الشوارع العربية» - غلاف «خمريات أبي نواس» - {العازفون المحترفون الثلاثة} - غلاف «ابن ميناشي»

لا نستعرض هنا كتابا واحدا إنما مجموعة من الكتب تشكل إضافة معرفية حقيقية في مجالي الأدب والأكاديميا. هذه الكتب صادرة باللغة الإنجليزية في الفترة من 2003 إلى 2016. ما يربط هذه المجموعة من الكتب هو بغداد بعصريها الذهبيين. نعم كان لبغداد عصران ذهبيان. الأول خلال فترة الدولة العباسية، وهو ما يتفق عليه الجميع بلا جدال، والثاني خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي قضاها مؤلف هذه المجموعة من الكتب، الدكتور فؤاد كازويل في بغداد قبل أن يغادرها إلى الأبد عام 1957 للدراسة ثم ليستقر بشكل نهائي في بريطانيا قاطعا كل صلة له ببغداد. لقد بدأ بدراسة الأدب العربي ثم الأدب الفرنسي، بعد ذلك بدأ الدكتوراه في جامعة أكسفورد لكنه لم يكملها، ليتحول إلى دراسة القانون. وعمل بالمحاماة والقضاء لأكثر من خمسين سنة. وبعد أن تقاعد عن العمل، عاد لإكمال الدكتوراه في الجامعة نفسها حول التاريخ الاجتماعي والثقافي للجواري والقيان (المحظيات) في العصر العباسي، ومنها عاد إلى بغداد على الورق، بعدة مؤلفات، كان أولها هو «جواري بغداد» والكتاب يستند أساسا على رسالته للدكتوراه. في هذا الكتاب الذي يشبه به الجواري والمحظيات بفتيات «الجيشا» في الثقافة اليابانية، يخص بالدراسة أربع جوار شاعرات هن عنان، عُريب، سكن، وفضل. ويتطرق إلى تفاصيل حياة الخلفاء في تلك الفترة وأهمية امتلاك القيان في تلك الفترة الذهبية، وحيّز الحرية المعطى لهن في التعليم والعزف والغناء والرقص. ويركز الكتاب بشكل كبير على إشعارهن بترجمة دقيقة وشروح وافية وبتصنيفه كشعر نسائي مقابل الشعر الذكوري السائد في عصور الخلافة الإسلامية.
الكتاب الثاني هو ترجمة خمريات أبو نواس إلى اللغة الإنجليزية. يبدأ الكتاب، بعد المقدمة، بقصيدة أبي نواس الشهيرة «دع عنك لومي»:
دع عنك لومي فإن اللـوم إغراء
وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها
لـو مسّـها حجـر مسّته سـرّاء
ويشير المترجم إلى قصة إبراهيم النظّام الذي بعد تحوله إلى مذهب المعتزلة صار يلوم على أبي نواس شربه للخمر ومغازلة الصبيان، فكانت هذه القصيدة هي رد أبي نواس على النظّام.
يخصص الدكتور كازويل مقدمة الخمريات للحديث عن الفترة العباسية في العراق، لكون العراق يختلف عن بقية البلاد العربية الأخرى لتنوع الإثنيات والطبقات الاجتماعية به واختلاف الأديان والمذاهب. الأمر الذي جعل العراق يختلف تماما عن بقية المناطق بعد الإسلام. ويسهب بعض الشيء بتحليل الخلفية الاجتماعية والسياسية التي هيأت الأجواء لأبي نواس وهذا النوع من الشعر وكذلك البصمات التي خلّفها أبو نواس على الثقافة السائدة آنذاك، خصوصا فترة الخليفة الأمين.
وضمن تلك الفترة الزمنية، يخصص كازويل كتاب «العازفون المحترفون الثلاثة» لأشهر موسيقيي العصر العباسي وهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق الموصلي، بينما الثالث هو إبراهيم بن المهدي، الذي كان ابن الخليفة المهدي وعمّاً لعدد من الخلفاء وكان هو أيضا خليفة لبغداد ولكن لفترة زمنية بسيطة، إذ كان يُعرف بالخليفة الأسود بسبب لونه. في هذا الكتاب أيضا يشرح المؤلف الظروف الثقافية والاجتماعية التي أبرزت هؤلاء العازفين ويسرد الكثير من القصص عن حياتهم وعلاقاتهم بالخلفاء والمحظيات والجواري. من تلك القصص مثلا قصة إسحاق الموصلي وحبه الشديد للمال، وولعه بإحدى جواري الخليفة وغيرها. ويتطرق الكتاب أيضا بتفاصيل وافية للآلات الموسيقية المستخدمة آنذاك وتنوع الألحان وجذورها والقصائد المغناة.
كتاب «أصوات الشوارع العربية» كما يشير العنوان يرصد تعدد اللهجات العربية - الشفهية غير المكتوبة، وتمايزها عن اللغة الفصحى المكتوبة الموحّدة في الدول العربية كافة. لكن الكتاب يركّز بشكل واضح على اللهجة العراقية «البغدادية تحديدا»، لكونها المدينة التي نشأ ودرس بها الكاتب، وذلك من خلال مفردات وأمثال شعبية مع قصة كل مثل وكيفية نطق الكلمات للقارئ غير العربي. ويعود الكاتب إلى التاريخ القصير الذي ظهرت به قصائد الملا عبود الكرخي العامية مطبوعة في جريدة «الديوان»، وذلك بعد الحرب العالمية الأولى، والتي من خلالها كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق.
يُقسم الكتاب إلى أجزاء، كل جزء يُعنى بالأمثال الخاصة بموضوع معين، كالحسد، النفاق، العمل، القلق، الإهانة، إلخ. فمن الأمثال الطريفة على النفاق مثلا: «امدح البدوي وخذ عباته»، أو مثل «بغل القاضي» وهو البغل الذي كان يرافق القاضي أينما ذهب، فكان الناس يتقربون للقاضي من خلال مدح بغله، ولما مات البغل ذهب الناس لعزاء القاضي به وصحبوه إلى المقبرة، لكن عندما مات القاضي لم يحضر جنازته أحد. مثل طريف آخر هو «دير بالك من أبو شفقة» أي «احذر من لابس القبعة» والشفقة هي القبعة باللهجة العراقية، وكما يقول المؤلف فهي مشتقة من كلمة chapeaa الفرنسية وينطقها يهود بغداد shapqa.
يذكر أيضا كلمة عراقية شهيرة هي «أبو ناجي» ويقصد به الإنجليز، وشاعت هذه التسمية بعد الحرب العالمية الأولى. فيقولون مثلا «أبو ناجي عم الوزير». كما يرصد الكتاب الكلمات العربية المشتقة من أصل إنجليزي مثل: كوب - كأس، بطل - قنينة، ورور - مسدس، رَبل - العربة المسحوبة بحصان.
يحوي الكتاب كلمات وأمثالا كثيرة وطريفة مع شرح لمعانيها وأصولها، لا أظن أن الكثير من العراقيين يعرفونها، وأخرى متشابهة في كل الدول العربية مثل: «الحر تكفيه الإشارة»: «الكلام لك واسمع يا جار»: «خوجه علي ملّا علي» وغيرها.
الكتاب الخامس «ابن مناشي» وهو مجموعة قصص قصيرة متنوعة يمكن تقسيمها زمنيا إلى ثلاث فترات، الأولى تتصل بالأيام الأخيرة لوجود العثمانيين في بغداد إلى سقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ثم ترصد صعود المد القومي في العراق الجديد، وتبرز هنا بعض جوانب التطرف ضد «الآخر» ومنهم - تحديدا - اليهود العراقيون. وقد يكون عنوان قصة «الفرهود» هو الأقرب لذاكرة العراقيين في هذه المرحلة، لكن الحقيقة أن قصة «ابن مناشي» هي الأكثر واقعية وتعبيرا عن ارتباك المد القومي حينها وتدنيه إلى درجة خلقت الفوضى ليس على الصعيد السياسي فقط إنما في الجوانب الاجتماعية والثقافية أيضا. وابن مناشي هذا هو طفل لعائلة بغدادية يهودية، لا يذكر المؤلف اسمه، دائما يصحبه والده معه إلى مقهى الحي حيث يلتقي بأصدقائه ويبدأ الحديث المعتاد عن السياسة ومتابعة أخبار الحرب العالمية الثانية حيث يشكل راديو المقهى خلفية لأحداث القصة. وفي أحد الأيام أثناء جلوسهم المعتاد في المقهى تُسمع هتافات من بعيد «يحيا نبوخذ نصر... يحيا هتلر». أهمية القصة وتميزها هنا ليس فقط بإلقاء الضوء على بدء «التطرف القومي والديني»، إنما من الناحية الأدبية حيث يُعطى الدور الأكبر أو دور البطولة - إذا جاز لنا التعبير - للطفل ابن مناشي ليحسم الموقف. والحقيقة، لم أقرأ من قبل سوى قصة قصيرة واحدة لآرثر ميلر «بعنوان لن أحتاجك بعد اليوم» فيها أيضا يكون الطفل هو صانع الحدث والمؤثر به إلى النهاية.
أما المجموعة الثانية من القصص فتقع خلال فترة الحرب الباردة والتحولات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يرصدها المؤلف بعين الغريب لكن المرتبط تماما بنوع الحدث. من هذه القصص قصة بعنوان «الرحلة»، تعكس تماما أجواء التجسس والترقب والحذر وكأن شيئا ما - لا نعرف ما هو - سيحدث في أي لحظة. تبدأ القصة بالراوي كأنه يعطي اتجاهات السير على الطريق السريعة لبطل القصة، الذي أيضا لا نعرف من هو - لكن أفكاره تتقطع بين ما يبدو ذكريات عائلية حميمة مع حفيدته وبين ما يدور على الطريق وحادث اصطدام السيارتين أمامه وتجمع الناس لمشاهدة بقايا الحادث والجثث التي تبدأ بالتفحم. ثم عودة أخرى إلى التداعيات الذهنية لتبين لنا أن أحد الشخصين من «صفد» والآخر «بقفطان وعمامة»، ويسترسل المونولوغ الداخلي إلى أن يصل إلى حوار بين اثنين بسطرين فقط والمتحدث شخص واحد ليقول له - أو لنا - إن «المدعو آدم هو بالحقيقة هادم وأبراهام هو إبرآم». بسلاسة وسرعة تترك هذه القصة والقصص الأخرى مشاعر مرتبكة لكن بكمية كبيرة من المعلومات عن أوروبا - أو بريطانيا تحديدا - خلال الحرب الباردة.
القسم الثالث يحوي مجموعة قصص بلا زمن. عن الجريمة والعقاب والعدالة. حتما ترتبط بطبيعة عمل المؤلف في مجال المحاماة والقضاء لأكثر من نصف قرن.
الكتاب الأخير «ستيفان ومسرحيات أخرى» هو مجموعة مسرحيات بموضوعات مختلفة تتخذ من بريطانيا مسرحا واقعيا مثيرا لكثير من الجدل على المستويين السياسي والاجتماعي. مسرحية «ستيفان» التي أعطيت عنوانا للكتاب، هي واقع قضية هزّت القضاء البريطاني والرأي العام في السبعينات من القرن الماضي حين اتهم مراهق مهاجر مختل عقليا باغتصاب وقتل فتاة إنجليزية صغيرة ويحكم عليه بالسجن. وبعد ستة عشر عاما، بتطور أساليب التحقيق واستخدام الحمض النووي، تظهر براءة ستيفان، لكن حينها يكون ستيفان قد مات في السجن. وهذا النص يعبر فيه كازويل عن ندمه وعن القصور في أدوات وأساليب التحقيق، إذ كان هو محامي الادعاء في القضية حينها.
لا أشك أن القارئ العربي أو الإنجليزي سيجد في أعمال الدكتور فؤاد كازويل إضافة ثرية في مجالات التاريخ الإسلامي، اللغة، القصة والمسرح، لكونها ترصد بدقة وحساسية عالية فترات حرجة جدا من تاريخ المنطقة. وجدير بالذكر أيضا أن للدكتور كازويل مساهمات في الموسوعة العالمية للإسلام الصادرة من هولندا.



رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
TT

رؤية جديدة لأعمال رامبرانت قادمة إلى متحف «متروبوليتان» ثم إلى متحف «اللوفر»

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)
لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

نادراً ما يحتاج رامبرانت إلى تعريف. ومع ذلك، هناك أعمال عدة لهذا الفنان الذي ينتمي إلى العصر الذهبي الهولندي لم تُعرض قط أمام الجمهور الأميركي؛ وهو وضع سيتغير في العام المقبل بفضل معرض جديد في متحف «متروبوليتان» للفنون، يُنظَّم بالتعاون مع متحف «اللوفر»، وفقاً لما أعلنه متحف «متروبوليتان».

من اللوحات في المرعض (متحف المتروبوليتان)

سيضم المعرض - الذي يحمل عنوان «رامبرانت والعصور القديمة» (Rembrandt and the Ancients) ويُفتتح في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 - ثلاثة أعمال على الأقل لرامبرانت لم تُعرض من قبل في الولايات المتحدة، وهي: «بثشبع تحمل رسالة الملك داود»، و«قسم الباتافيين»، و«امرأة تستحم في جدول». وسينضم إليها أكثر من 120 لوحة ومطبوعة ورسماً، قادمة من أكثر من 40 جهة معيرة. ومن المقرر أن ينتقل المعرض بعد ذلك إلى متحف «اللوفر» في مارس 2028.

بين التقاليد والابتكار

وتتولى تنظيم المعرض جوانا شيرز سيدنشتاين، أمينة قسم الرسومات والمطبوعات الأوروبية في متحف «متروبوليتان»، بالتعاون مع بليز دوكوس، أمين قسم اللوحات الهولندية والفلمنكية في متحف «اللوفر». وفي مقابلة أجريت معها، أوضحت سيدنشتاين أن المعرض يستكشف شغف رامبرانت بالعصور القديمة، متتبعاً ما وصفته بـ«العلاقة بين التقاليد والابتكار، وفكرة النظر إلى الماضي كعدسة لفهم الحاضر».

وأضافت أن إحدى لوحات رامبرانت المفضلة لديها هي لوحة «بثشبع»، التي تجسد المعضلة الأخلاقية للشخصية الرئيسية وهي تتأمل استدعاءً تلقته من الملك. ووصفتها سايدنشتاين بأنها «تحفة فنية، وتُعد من أكثر أعمال الفنان تأثيراً في تصوير المشاعر والأبعاد النفسية الداخلية». كما استعار متحف المتروبوليتان من المتحف الروماني الوطني نقشاً بارزاً قديماً. وقد برز متحف اللوفر سريعاً كشريك طبيعي؛ إذ سبق أن أقيمت معارض مشتركة بين المؤسستين، مثل معرض «فالنتان دو بولوني: ما بعد كارافاجيو» ومعرض «مصبوب في البرونز: النحت الفرنسي من عصر النهضة إلى الثورة».

لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي» (متحف المتروبوليتان)

ويضم متحف المتروبوليتان في مجموعته 20 لوحة تُنسب إلى رامبرانت شخصياً، بالإضافة إلى 11 رسماً ومئات النسخ من أعماله المحفورة. وفي إطار معرض «رامبرانت والعصور القديمة»، سيشارك متحف المتروبوليتان بأربع لوحات وثلاثة رسومات و11 عملاً مطبوعاً، بينما سيقدم متحف اللوفر لوحتين ورسمين للفنان. ومن بين الأعمال التي سيشارك بها متحف المتروبوليتان لوحة «أرسطو يتأمل تمثال هوميروس النصفي»، وهي لوحة لم تغادر المتحف منذ 56 عاماً. ورغم أن هذا المعرض يُعد الأكبر لأعمال رامبرانت في متحف المتروبوليتان منذ 20 عاماً، فإن الفن الهولندي ظل ركيزة أساسية في المتحف منذ تأسيسه عام 1870؛ تماماً كما ترتبط مدينة نيويورك — التي كانت في الأصل مستوطنة هولندية تُعرف باسم «أمستردام الجديدة» — بعلاقات عميقة مع هولندا. وهذا ما يجعل الحضور المستمر لهذا الفنان جزءاً من تاريخ ثقافي أوسع وأكثر امتداداً.

أعمال معاصرة

ستقدم أعمال فنانين معاصرين اثنين للجمهور الأميركي منظوراً جديداً في متحف المتروبوليتان للفنون (المت) العام المقبل، وذلك بالتزامن مع بدء العمل الفعلي في إنشاء «جناح تانغ» (Tang Wing) المخصص للفن الحديث والمعاصر. وقد أعلن المتحف يوم الخميس أن تكليف تصميم واجهته -وهو مشروع يدعو الفنانين لتحويل التجاويف الموجودة على طول الجادة الخامسة إلى مساحة عرض - قد أُسند إلى الفنان «دان فو»، وهو فنان من أصل فيتنامي يقيم ويعمل في برلين ومدينة مكسيكو. تعتمد أعمال «دان فو» على استخدام الأشياء للكشف عن التواريخ وهياكل القوة التي تحملها في طياتها. وفي عام 2018، أقام متحف «غوغنهايم» معرضاً شاملاً لأعماله بعنوان «دان فو: خذ أنفاسي» (Danh Vo: Take My Breath Away). يقول ديفيد بريسلين، أمين قسم الفن الحديث والمعاصر في متحف المتروبوليتان: «يُعدّ فو واحداً من أكثر المفكرين براعةً في تناول التاريخ وكيفية احتفاظ الأشياء بالتاريخ في داخلها، وهذا بالضبط ما يفعله متحف المتروبوليتان؛ فنحن نعيد وضع الأشياء والتواريخ في سياقات جديدة لجعلها ملموسة وحاضرة أمام جماهير جديدة».

تجلى هذا النهج في الممارسات النحتية للفنان «فو». ففي عمله «نحن الشعب» (We the People) عام 2014، أنشأ نسخة نحاسية من تمثال الحرية، مقسمة إلى 250 قطعة، ما يدعو المشاهدين إلى إعادة النظر في مُثُل الحرية. أما في عمله «القطعة رقم 20: كرسيان من غرفة اجتماعات مجلس وزراء إدارة كينيدي» (2013)، فقد نزع «فو» الغطاء الجلدي عن كرسيين أصليين كانا في غرفة اجتماعات مجلس وزراء جون إف كينيدي، كاشفاً عن المواد المكونة لهما في إطار نقدٍ لحرب فيتنام. ويشير بريسلين إلى أن متحف «المتروبوليتان» (The Met) - الذي يعرض حالياً أربعة أعمال نحتية للفنان المقيم في بكين «ليو وي» حتى 8 يونيو (حزيران) 2027 - يمنح الفنانين الذين يعملون على واجهته قدراً استثنائياً من الحرية الإبداعية؛ إذ يقول: «هناك نوع من الشجاعة في التخلي عن زمام الأمور وترك الخيار للفنان، قائلين له: الأمر متروك لك». وتُعد هذه الحرية جزءاً جوهرياً من إبداع «فو»؛ حيث صرح في إحدى المقابلات قائلاً: «كل ما يهمني هو أن أكون قادراً على فعل ما أريد». ولم يكشف «فو» بعد عن خططه لواجهة المتحف، التي من المقرر الكشف عنها في 16 سبتمبر (أيلول) 2027، حيث قال: «ليس لدي أي أفكار بعد؛ فالمساحة صعبة للغاية في التعامل معها». كما أعلن متحف «المتروبوليتان» أن الفنانة ساندرا موجينغا - التي وُلدت في غوما بالكونغو ونشأت في النرويج - ستكون هي صاحبة العمل الفني المخصص لـ«القاعة الكبرى» (Great Hall Commission) لعام 2027. وقد تنوعت أعمال «موجينغا» السابقة بين النحت، والنصوص، والأداء، والوسائط الرقمية، وغالباً ما تستكشف موضوعات سياسية. ومن المقرر عرض عملها الفني بدءاً من 4 نوفمبر 2027.

من خلال أعمال رامبرانت، وفو، وموجينغا، سيجمع موسم عام 2027 في متحف المتروبوليتان فنانين وأفكاراً من عصور وقارات متباعدة في حوارٍ متجدد، ما يدعو الجمهور إلى رؤية تواريخ مألوفة بطرق غير مألوفة. يقول بريسلين: «إذا بدأ جمهورنا يشعر بأنه يعرف ما سيحدث تالياً، فهذا يعني أنني - والمتحف أيضاً - لا نقوم بعملنا على الوجه المطلوب».

*خدمة «نيويورك تايمز»


المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
TT

المخرج التركي تشاتاك: السينما السياسية توقظ وعي العالم

عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة (الشركة المنتجة)

قال المخرج التركي إيلكر تشاتاك إن علاقته الفنية بالممثلة التركية أوزغو نامال بطلة فيلمه «رسائل صفراء» بدأت بذكرى تعود إلى سنوات مراهقته، حين شاهدها على خشبة المسرح في إسطنبول، برفقة والدته، وهو في الخامسة عشرة. واستعاد انبهاره بحضورها آنذاك، موضحاً أنها كانت ممثلة شابة، لكنها بدت له صاحبة الحضور الأكبر على الخشبة، حتى إنه ظل يتحدث مع والدته عن موهبتها بعد العرض، قبل أن يتابع صعودها لاحقاً إلى النجومية.

وأضاف تشاتاك، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن اسم نامال عاد إليه أثناء التحضير لفيلمه «رسائل صفراء»، بعدما اقترحتها مديرة اختيار الممثلين، لكنه اعتقد أنها ابتعدت عن التمثيل، مشيراً إلى أنها كانت تعيش في الريف، على مسافة بعيدة من إسطنبول، ومع ذلك جاءت للقائه ومناقشة المشروع، الذي تزامن مع رغبتها في العودة إلى العمل، ليجد نفسه أمام فرصة للتعاون مع ممثلة احتفظ بأثر أدائها طوال تلك السنوات.

ويتناول فيلم «رسائل صفراء»، المعروض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، حكاية «دريا» و«عزيز»، وهما زوجان يعملان بالفن في تركيا، تنقلب حياتهما عقب واقعة خلال افتتاح عرضهما المسرحي، ليصبحا مستهدفَين من الدولة. وبين التمسك بقناعاتهما وتدبير احتياجات الحياة، تتعرض علاقتهما الزوجية لضغوط متزايدة، في حين تجد ابنتهما المراهقة نفسها عالقة بين موقف الأب الرافض للتنازل ومحاولات الأم تأمين مستقبل الأسرة. وأوضح المخرج التركي أن «الخلفية المسرحية لنامال والممثل التركي تانسو بيتشر كانت عنصراً مهماً في اختيارهما»، وأوضح أن «بيتشر يدير مسرحاً صغيراً في إسطنبول، ويمتلك خبرة كبيرة على الخشبة».

يختار المخرج أفلاماً ذات طابع سياسي (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختبارات الأداء المشتركة أظهرت سريعاً التفاهم بينهما؛ إذ رأى في حضورهما معاً ما يحتاج إليه لتصديق العلاقة، وشعر بأن كلاً منهما يستطيع الاستجابة للآخر، بما يمنح المَشاهد الزوجية حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة في السيناريو.

وتابع أنه منح بطلَيه حرية واسعة في صياغة الحوار، وسمح لهما باستبدال الكلمات واستخدام تعبيراتهما الخاصة؛ لأن خبرتهما جعلته مطمئناً إلى قدرتهما على الاحتفاظ بمعنى المشهد. وشبّه التعاون معهما بالتعاقد مع لاعب مثل ليونيل ميسي، موضحاً أن «امتلاك موهبة بهذا المستوى يفرض على المخرج توفير الظروف التي تسمح لها بالعمل والحرص على أجواء يستطيع فيها الجميع الكلام والاقتراح، من دون خوف من مخالفة تصور سابق».

وأشار إلى أن هذه الثقة أثرت في طريقته هو أيضاً، وجعلته أكثر استعداداً للاستماع والانفتاح على ما يأتي به الممثلان أثناء العمل، موضحاً أنه لا يحتاج إلى تفكيك الطريقة التي يصل بها الممثل إلى إحساسه، أو مطالبته بشرح أدواته، ما دام يرى نتيجة مقنعة أمام الكاميرا.

وأكد المخرج التركي أن بطلَيه أمضيا حياتهما في التمثيل، واكتسبا معرفة بالمهنة تستحق أن يمنحهما على أساسها مساحة حقيقية لاتخاذ قرارات تخص الأداء، لافتاً إلى أن حرية الممثل تبدأ، بالنسبة إليه، من وضوح الكتابة؛ فحين يعرف ما تدافع عنه الشخصية وما تسعى إليه، يصبح قادراً على التعبير بكلماته من دون الإخلال بالمشهد.

وعن الاستعانة بالنجوم، قال إنه لا يشترط وجود أسماء شهيرة في أفلامه، وإن كان يدرك أن حضورها يمنح العمل فرصة أكبر للانتشار والوصول إلى الجمهور، لافتاً إلى أن الجمهور في المجتمعات الغربية قد يعرف أسماء بعينها، في حين تغيب عنه مواهب كبيرة في بلدان أخرى، رغم ما قدّمته من أعمال وما كرّسته للمهنة من سنوات.

وعن ظروف تصوير الفيلم الحائز جائزة «الدبّ الذهبي» في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، أوضح المخرج التركي أنه بدأ التصوير بعد انتهاء حملة المنافسة على «الأوسكار» بفيلمه السابق «غرفة المعلمين»، وكان يشعر بأنه استنفد طاقته، في وقت يستعد فيه لخوض أكبر إنتاج في مسيرته.

المخرج التركي إيلكر تشاتاك (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «وجود نحو ستين ممثلاً يؤدون أدواراً حوارية فرض مسؤوليات تنظيمية واسعة، وجعلني مطالباً بمتابعة عدد كبير من التفاصيل»، في حين يحتاج في الوقت نفسه إلى «التركيز على المشاهد والشخصيات وما يجري أمام الكاميرا».

ولفت إلى أن العمل بين فريق ألماني وممثلين أتراك أضاف صعوبة أخرى؛ إذ كان واحداً من عدد محدود يتحدث اللغتين، فتحمّل جانباً كبيراً من الترجمة ونقل التعليمات.

واستعاد تشاتاك مرحلة سبقت إنجاز «غرفة المعلمين»، بدأ خلالها التفكير في الأفلام التي يريد أن تتشكل منها مسيرته، وما يرغب في رؤيته حين يعود إليها بعد سنوات، مشيراً إلى أن بعض الاختيارات قد تبدو موفقة لمُشاهد ومستفزة لآخر، ولا يستطيع صانع الفيلم معرفة النتيجة مسبقاً، لكنه يفضّل اختيار تقديم أفلام ذات موقف سياسي؛ لأنه يرى حاجة إلى الوعي في العالم الذي يعيش فيه، مع احترامه حق كل فنان في تحديد طبيعة أعماله.

وأوضح أنه يبحث عن هذه المساحة أثناء العمل، ويقبل أن يختلف الناس حول ما يقدمه؛ لأن تجربة فكرة جديدة تستلزم الاستعداد لاحتمال رفضها، مشيراً إلى أن رغبته في المجازفة كانت جزءاً من الدافع وراء قراراته الفنية في «رسائل صفراء».


أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
TT

أنجلينا جولي تبيع قصرها... والعيش خارج أميركا يعود إلى الواجهة

ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)
ليست كل النساء يحظين بجينات أنجلينا جولي وفكها المتناسق (د.ب.أ)

باعت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي قصرها في لوس أنجليس مقابل 24.75 مليون دولار، في صفقة أعادت تسليط الضوء على خططها للعيش خارج الولايات المتحدة، وهي رغبة سبق أن عبّرت عنها، من دون أن تعلن حتى الآن موعداً محدداً للانتقال أو وجهتها النهائية.

ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، اشترت جولي العقار عام 2017 مقابل 24.5 مليون دولار، قبل أن تعرضه للبيع في ربيع عام 2026 بسعر 29.85 مليون دولار. وانتهت الصفقة بسعر يقل بأكثر من 5 ملايين دولار عن السعر المطلوب، لكنه يزيد بنحو 250 ألف دولار على قيمة الشراء الأصلية.

ويمتد العقار على مساحة 2.1 فدان، وكان في السابق ملكاً للمخرج السينمائي سيسيل بي. ديميل، أحد الأسماء البارزة في تاريخ هوليوود. ويتميز بمساحته الواسعة وموقعه في لوس أنجليس، المدينة التي شكّلت محطة أساسية في حياة جولي الشخصية والمهنية.

الممثلة أنجلينا جولي تظهر برفقة أطفالها في أثناء حضورها العرض الأول لفيلم «ماليفيسنت: سيدة الشر» في لندن عام 2019 (رويترز)

رغبة في العيش خارج الولايات المتحدة

ويأتي البيع وسط تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «رادار أونلاين»، عن رغبة جولي في الانتقال إلى الخارج، في ظل عدم رضاها عن المناخ السياسي الأميركي.

وكانت الممثلة قد تحدثت في وقت سابق عن تطلعها إلى العيش خارج الولايات المتحدة، لكنها أوضحت أن التزاماتها العائلية تفرض عليها البقاء في كاليفورنيا إلى حين بلوغ أصغر أبنائها سن الرشد.

وبلغ التوأمان نوكس وفيفيان الثامنة عشرة في يوليو (تموز) 2026؛ ما يزيل أحد القيود الزمنية التي سبق أن أشارت إليها جولي عند حديثها عن خططها. ومع ذلك، لم تعلن الممثلة تفاصيل نهائية بشأن موعد انتقالها أو البلد الذي قد تختاره للإقامة.

وبينما تمثل صفقة البيع تغييراً ملموساً في ممتلكاتها العقارية، لا تكفي وحدها للجزم بأنها تستعد لمغادرة الولايات المتحدة نهائياً. أما خطوتها المقبلة، فستتضح مع أي تصريحات أو قرارات تعلنها بنفسها في شأن مكان إقامتها.