جوناثان لابين: مهمتنا جعل العالم أكثر تقارباً... والذكاء الصناعي هو المستقبل

مدير «فيسبوك» الإقليمي يكشف لـ«الشرق الأوسط» عن مشاريع جديدة خاصة بالمنطقة

جوناثان لابين
جوناثان لابين
TT

جوناثان لابين: مهمتنا جعل العالم أكثر تقارباً... والذكاء الصناعي هو المستقبل

جوناثان لابين
جوناثان لابين

عند النظر إلى علامة «فيسبوك» التجارية، يتبادر إلى الذهن تساؤل عن قدرة برنامج التواصل الاجتماعي الأشهر على ربط البشر حول العالم بتفاصيلهم، وكيف بنى علاقات جديدة بين أطراف الكرة الأرضية. الأمر الذي تعتبره إدارة الشركة «كنزا». يؤكد جوناثان لابين مدير شبكة «فيسبوك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وباكستان، أن التنفيذ الجيد لا يكفي، بل يجب أن يتخطى النطاق الاعتيادي. ويكشف في حواره مع «الشرق الأوسط» عن استراتيجية «فيسبوك» خلال الفترة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط، وكيفية تأثير محتوى الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي. وفيما يلي نص الحوار:
> ما استراتيجية «فيسبوك» في المنطقة للفترة المقبلة؟
- أعتقد أنه بمجرد أن تعمل في «فيسبوك» أول شيء يتعين عليك أن تفهمه أننا شركة تدفعها مهمة أو رسالة تريد إيصالها للمجتمع. لذلك؛ كل ما نقوم به يشكل سلسلة طويلة الأمد. هدف وفلسفة مهمتنا جعل العالم أكثر انفتاحاً واتصالاً لمنح الأشخاص القدرة على التواصل ومشاركة المعلومات، ولقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في ذلك، وبخاصة لربط الأصدقاء والعائلات عبر منصتنا.
مهمتنا الجديدة خلق ترابط بين أفراد المجتمع وجعل العالم أكثر اتصالا. ورغم أن «فيسبوك» يلعب دوراً رئيسيا في خطتنا إلا أن اسـتراتيجيتنا تمضي قدماً؛ لذا الأمر لم يعد «فيسبوك» فحسب، وباتت تتمركز أكثر وأكثر على منتجات الشركة التكنولوجية، وبالتالي، إذا كنت أخطط لليوم والأعوام القليلة التالية فإن الأمر لا يتعلق بـ«فيسبوك» فحسب، بل بـ«إنستغرام»، وبخاصة في هذا الجزء من العالم، منطقة الخليج العربي، تستحوذ على الاهتمام الأكبر للمستخدمين إلى جانب الـ«ماسنجر» والـ«واتساب» بالطبع.
البحث أيضاً مستمر عن أفضل استراتيجية مناسبة للهاتف الذكي. وإن فكرنا في مدى أبعد السنوات الخمس أو العشر المقبلة، فإن ما نحتاج إليه هو أن نجعل العالم أكثر تقاربا، وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز ووسائل الاتصال ككل، وأنا أرى أن كل هذه الأنواع والعناصر من العوامل المساعدة لاستراتيجيتنا، حيث تعتبر أعمدة رئيسية ترسخت وتم التأسيس لها في مهمتنا منذ اللحظة الأولى.
> ما العوامل التي تساعدكم لتحقيق هذه الاستراتيجيات؟
- أعتقد أن عامل النجاح الرئيسي بالنسبة لنا في «فيسبوك»، هو دائماً التنفيذ على مدار اليوم. يستند كل شيء إلى التنفيذ، فحينما تسأل أيا من قادتنا أو رؤساء شركاتنا على الصعيد العالمي، سواء كان كبيراً أم صغيراً، أم أي من مؤسساتنا حول أكبر التهديدات التي تواجهنا؟ فإنهم يجيبون بأن أكبر التهديدات، هي عدم إنجاز الأهداف.
من الواضح أن هناك عوامل أخرى تؤدي دوراً، وأرى كذلك أن هذه العوامل في الشرق الأوسط، وفي السعودية تحديدا تساعدنا كثيراً. يحتل الهاتف الذكي اهتمامنا الأول، وهذا يلعب دورا مساعدا لنا في رسم خططنا، وأعتقد أن اسـتراتيجيتنا تلعب دورا فاعلا في هذه المنطقة لكثرة انتشاره.
وإذا كنت تتذكر عندما كان مستخدمو الهواتف الجوالة في الأعوام الخمسة والعشرة الماضية يتواصلون بالرسائل النصية، وإذا عدنا للأعوام القليلة الماضية، كانت هناك الصور، أما اليوم فإن الفيديو هو محور تفكير المستخدمين في العالم؛ لذلك أعتقد أننا نتعامل على نحو جيد مع المستجدات، وبالتالي فكل شيء يتمركز حول مقاطع الفيديو جزءا أساسيا من استراتيجيتنا، والتي ستحدد نجاحنا في الشرق الأوسط. ونرى في منصتنا اليوم أن الفيديو سيلعب دورا بارزا، وحيويا وسوف يكون مفتاح النجاح في المستقبل.
> منصة «فيسبوك» منتشرة في دول المنطقة، لكن هناك تباينا في كثافة المستخدمين، فمثلا «فيسبوك» في السعودية أقل شعبية من منصات التواصل الاجتماعي الأخرى. ما خططكم لزيادة المستخدمين وتوسيع شعبيته في السعودية تحديدا، وفي باقي دول منطقتنا العربية؟
- بوجه عام نحن سعداء للغاية من مستوى أداء منصتنا الأشهر «فيسبوك» في هذه المنطقة من العالم. دعني أسرد لك قصة بدايتنا هنا، حينما أتذكر افتتاح مكتبنا قبل خمس سنوات وقد كنت أول من يعمل به هنا في دبي، وأتذكر بشكل جيد للغاية اليوم. ومع انطلاقنا انضم نحو 45 مليون مستخدم في كافة أنحاء الشرق الأوسط دون أفريقيا. اليوم وبعد مضي نحو خمسة أعوام، يضيف «فيسبوك» نحو 164 مليون شخص على منصتنا في المنطقة كل شهر و100 مليون يتفاعلون على المنصة كل يوم. لذلك؛ فإن «فيسبوك» ككل ينمو بشـــكل هائل ومتسارع في المنطقة، وكذلك في السعودية. ونحن كذلك سعداء للغاية بالتطور في المملكة، اليوم هناك نحو 16 إلى 17 مليون مستخدم على «فيسبوك» في السعودية، ونحو عشرة ملايين شخص يتفاعلون كل يوم؛ لذلك هناك الكثير من الأشخاص السعداء بالتطور.
وأرى كما قد تلاحظون أن بعض الخطط التي ذكرتها لكم ستلعب دورا مهما وتساعدنا في المنطقة، وهي استراتيجية أولوية تغطية الهواتف الذكية، وتركيز تفكيرنا على الفيديو وكذلك الوســائل التي نعمل ونرتب فيها للتوافق مع نسق ونوعية نظام الاتصالات السعودي، وبالإضافة إلى التعاون مع شركاء سعوديين، وعلى سبيل المثال، للعمل والتعاون مع بعض مبدعي وكتاب المحتوى في السعودية. كما استطعنا التعاون مع صحافيين سعوديين ذوي شعبية كبيرة وقريبين من نبض المستخدمين لمنصتنا، ونحاول جذب مبدعي المحتوى لاستخدام منصتنا عن طريق توفير الإمكانات الكاملة لهم على منصتنا. ولدينا شركاء مهمون يلعبون دورا فاعلا للغاية في تطوير أداء وشعبية «فيسبوك» مثل مؤسستكم وأنتم شخصيا، وشركات إدارة الأعمال سواء الأعمال الصغيرة جدا أو الكبيرة جدا ومؤسسة أخرى مهمة كبداية للتعاون معنا والتي تســـتخدم «فيسبوك» ليقدم نطاقاً لبيعها، وتعتبر كلها شركات مهمة جدا لنا لارتباط أعمالنا وخططنا للتطوير بها. لذلك؛ فإننا نرغب كذلك في التأكد أننا نعمل عن كثب على تطوير أدائنا وربطه بنظام الاتصالات في السعودية، وأحد الأمثلة على ذلك منذ وقت ليس ببعيد أطلقنا ما يسـمى «تحدي البوتقة»، ويعني بوتقة الرسائل على ماسنجر «فيسبوك»، وهي تساعد المستخدمين بشكل أساسي في أعمالهم التجارية على التواصل عبر ماسنجر «فيسبوك»، وأحد المتأهلين النهائيين لتحديات هذه البوتقة أتت من السعودية، وهي الرسالة التي أسميناها «نحن نصنع الطعام» أو «نحن نطبخ»؛ لذلك نفكر دائماً بالفعل حول تطوير وسائل التعاون والربط مع الأنظمة المستخدمة في المملكة، ونريد كسب ثقة المستخدمين وجذبهم عن طريق جعلهم يتأكدون أننا نتطور من أنفسنا ونتعاون مع شركاء في السعودية في مجالات متنوعة، سواء مؤسـسات إخبارية أو تجارية أو شركات الاتصالات وغيرها من المبادرات مع مطورين وكتاب مشهورين لتطوير المحتوى؛ فكل هذه الاستراتيجيات تساعدنا في كسب حضور حقيقي وفعلي لنا في البلاد ولدى المستخدمين.
> هذا عن استقطاب المستخدمين والمؤسسات، لكن ماذا عن الحكومة؟
- نعم، بالطبع لدينا طموح كبير للعمل مع الحكومة السعودية، ونعد بالقيام بما في وسعنا لدعم «رؤية 2030»، فأنا من أشد المعجبين بهذه الرؤية الاستراتيجية، ومتحمس لها جدا، وأعتقد بل وأرغب في أن يتمكن «فيسبوك» في لعب دور لتحقيقها. فعندما تطلع على «رؤية المملكة السعودية 2030» تكتشف أن بها الكثير من العناصر المشـــتركة في استراتيجية «فيسبوك»، ولدينا شغف كبير للمساهمة في ترجمتها على أرض الواقع. فأنا مولع للغاية بالتفكير في النظم في القطاع الخاص والنظم في الأعمال التجارية الصغيرة، التي هي جزء أساسي من «رؤية 2030»، وأعتقد أننا نساعد في لعب دور؛ لأن الشركات الصغيرة يمكنها حقاً أن تبلغ منصتنا لتصل إلى الأشخاص المستهدفين الذين يرغبون في الوصول إليهم لبيع منتجاتهم. والخدمات التي نقدمها للشـركات الصغيرة هي ذاتها ما نقدمه للأعمال التجارية كبيرة. وأرى أن مخطط تمكين المشاريع الصغيرة ودعمها في «رؤية 2030» متسق مع ما نقوم به ويلعب دورا محوريا في كلتا الاستراتيجيتين «رؤية المملكة» ورسالة «فيسبوك». فضلا عن أن تمكين المرأة من القيام بالأعمال التجارية هو جزء من الرؤية التي سنعمل على القيام بها، وكذلك نحن نخطط لإطلاق شيء ما موجه للمرأة في السعودية، وما أطلقنا عليه (هي تعني رائدة أعمال)، وكذلك نأمل أن نساعد في تثقيف النساء حول كيفية وطريقة استخدام أفضل لمنصة «فيسبوك»، وهذان مجرد مثالين، وهناك الكثير، إذا فكرت في السياحة التي ليست جزءا أساسيا من الرؤية، أرى أنه يمكن أن نلعب دوراً رئيسياً في هذا المجال أيضا، فالكثير من الأشخاص في «فيسبوك» في السعودية متصلون بشــــركات دولية، ويوجد سبعون مليون شخص خارج السعودية متصلون بشـركات في السعودية، وهنا تبرز فكرة دمج السياحة مع ممارسة الأعمال التجارية من بقية العالم إلى السعودية، ومن السعودية إلى بقية العالم. بمعنى استغلال السياحة لدعم التبادل التجاري وما لذلك من أهمية كبيرة في دعم «رؤية المملكة الاستشرافية 2030»، ويمكنني الاسترسال في ذكر الكثير من الأهداف والمهام التي يستطيع «فيسبوك» المساهمة بفاعلية لتحقيق وتنفيذ «رؤية واستراتيجية السعودية الطموحة 2030»، التي اعتبرها مذهلة ومتوافقة مع أهداف مؤسستنا.
> أعلنتم إطلاق منصة جديدة تدعى «وواتش»، فهل تم تدشينها رسميا في المنطقة؟
- نعم أطلقنا منصة ووتش «الولايات المتحدة» في الأيام الأولى، أنت تعرف أنه لدى التفكير حول الفيديو، أعتقد أننا ذكرنا في وقت سابق أننا نرى هذا التحول من الرســـائل النصية إلى الفيديو والصور، ونحن نراهم على «فيسبوك» بالفعل، وهناك بالفعل استهلاك للفيديو، وهذا يحدث على «فيسبوك» اليوم في تغذية الأخبار ومتابعة ما وراء الخبر. والسعودية مثالا لدول الشرق الأوسط في الواقع تعلم أنها دولة ومنطقة استهلاك الفيديو بها بين الأعلى في العالم بالفعل اليوم. لكننا نبتكر دائماً الخطوة التالية التي سنتخذها، ونحن نأخذ بعين الاعتبار كل التجارب المتواجدة ومن خلال تراكم الخبرات نعمل على الابتكار والتحديث لأدواتنا جنباً إلى جنب مع المجتمع.
أعتقد أن هذا هو السبب في إطلاقنا لـ«ووتش»؛ لأن الفكرة هي كيف يمكنك تصحيح المحتوى بعد نشره على المنصة، حيث إن الإعداد المبدئي للمجتمع يختبر ما يمكن للأشخاص أن يتحدثوا عنه حول العروض جنباً إلى جنب، وكما ذكرنا فلقد أطلقنا منصة «الولايات المتحدة» أولا» في البداية، ونأمل أن نتمكن طرحها لبقية العالم من هنا قريبا.
> ما المعايير التي تتبعونها لتقييم المحتوى، وكيف تحددون إذا ما كان هذا المحتوى ضارا، أو موجها للإرهاب، أو محرضا للكراهية؟
- أود أن أكون واضحاً للغاية حول هذه النقطة المهمة. نحن نقول إنه لا مكان لمحتوى الإرهاب على «فيسبوك»، ولا نسمح به على منصتنا إطلاقا. في الواقع لن نجعل «فيسبوك» بيئة حاضنة للإرهابيين أبدا، أود أن أكون واضحا للغاية في ذلك، نحن نستخدم كشـركة أدوات مختلفة، نحن نستخدم التكنولوجيا وأشـخاصا عاديين للتأكد من أن أي محتوى من هذا النوع يتم إزالته من المنصة خاصتنا، ونستثمر بشكل مستمر، ولقد تحسنت طريقة الكشف عن المحتوى الذي ذكرته، ونحن نستثمر في تكنولوجيا جديدة، تلعب دوراً مهماً بالنسبة لنا أيضا للتأكد من أننا في الوضع الصحيح، ثم نستثمر كذلك في الأشخاص؛ لذلك أعتقد منذ وقت ليس ببعيد أننا أعلنا أننا سنوظف ثلاثة آلاف شخص إضافي للتأكد من أنه ليس هناك محتوى خاطئ على المنصة خاصتنا.


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».