كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

وسط العد التنازلي لحسم تداعيات الاستفتاء الكاتالوني

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا
TT

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

كارليس بوتشيمون... الرجل الذي هزّ عرش مملكة إسبانيا

ساعات وتنتهي المهلة المحددة التي منحتها الحكومة الإسبانية في مدريد إلى الرئيس الكاتالوني كارليس بوتشيمون، للإعلان صراحة عن نوايا الإقليم، سواءً بالانفصال التام أو البقاء داخل البيت الإسباني. وللعلم، فإن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي كان حازماً مع بوتشيمون عندما أمهله حتى الساعة العاشرة من صباح بعد غد الاثنين، ليكشف عن نواياه الحقيقية حول استقلال إقليم كاتالونيا، ولكن حتى هذه اللحظة تسود حالة من الضبابية في المواقف السياسية من الأطراف الإسبانية كافة مع اقتراب انتهاء المهلة.
مع انتهاء المهلة المحددة لحسم تداعيات الاستفتاء على استقلال كاتالونيا، بشمال شرقي إسبانيا، سيحق لرئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي العمل على «إعادة الشرعية إلى الإقليم» - على حد وصفه - عبر تطبيق المادة 155 من الدستور الإسباني، فبموجبها سيُعاد إقليم كاتالونيا إلى «بيت الطاعة» الإسباني مجدداً عبر إلغاء وضعية «الحكم الذاتي» autonomy التي كان يتمتع بها، والمباشرة في الإعداد لانتخابات تشريعية إقليمية جديدة.
الجدير بالذكر أن كارليس بوتشيمون، رئيس كاتالونيا الانفصالي، مضى في مسيرته السياسية على أساس تحقيق حلم طفولته، وهي رؤية منطقته تنفصل عن إسبانيا، وتغدو دولة مستقلة. وكان إعلان بوتشيمون (54 سنة) في الخطاب الذي ألقاه أمام نواب البرلمان الكاتالوني عن الانفصال قد أثار حالة من الترقب القلق بعد حصوله على تفويض من الشعب لإعلان الاستقلال، بيد أنه في ضوء ردات الفعل الإسبانية والأوروبية السلبية اقترح تعليق العملية إفساحاً في المجال للحوار.
يمثّل بوتشيمون، وهو صحافي سابق ذو شعر كثيف بني اللون، اليوم، وجه الحركة الاستقلالية الكاتالونية أمام العالم. وكان الرجل الذي قاد حزبه للحصول على تأييد 47.7 في المائة من الأصوات في الانتخابات المحلية عام 2015، قد جعل الأوساط الاقتصادية تتحدث عن «مفعول بوتشيمون» عندما تتحدث عن رحيل شركات من المنطقة، بينما يطالب مدافعون عن وحدة إسبانيا بزجّه في السجن.
في المقابل، قال بوتشيمون إنه سيواجه احتمال توقيفه دون خوف، وذلك في سيرة نشرت في العام 2016. كما كتب عنه صديقه الصحافي كارليس بورتا أن بوتشيمون «رجل صادق ومرن وانفصالي منذ البداية. كما أنه عنيد، وهي صفة يمكن اعتبارها تضيف جوانب إيجابية وسلبية في الوقت نفسه لشخصيته».
فضلاً عن ذلك، يقول خصوم بوتشيمون عنه أنه «لا يتمتع بخلفية ثقافية، لكنه منذ 16 سنة استقلالي حتى العظم» ولديه «قناعات راديكالية». وتجدر الإشارة هنا إلى أن حياة بوتشيمون انقلبت في أحد أيام يناير (كانون الثاني) 2016 عندما دُعي إلى ترؤس تحالف غير منسجم من الانفصاليين المصممين على تحقيق الاستقلال للإقليم البالغ عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة. إذ إنه بعدما ترأس بلدية مدينة جيرونا، البالغ تعدادها السكاني 98 ألف شخص منذ 2001، عين رئيساً للإقليم خلفاً للسياسي المحافظ البارز آرتور ماس، الذي أثار تبنيه الخط الانفصالي حديثاً، وتأييده سياسات التقشف التي ينتهجها، استياء اليسار الانفصالي المتطرف. ومن ثم ورث كارليس بوتشيمون عن ماس مهمة صعبة لا يحسد عليها، وبات «العدو الأول» للحكومة الإسبانية برئاسة المحافظ ماريانو راخوي الذي لم يجر معه أي حوار. وبالمناسبة، لعل النقطة المشتركة الوحيدة، ربما، بين الرجلين «الخصمين» راخوي وبوتشيمون، هي أنهما تعرّضا إبان فترة شبابهما لحوادث سير خطيرة، آثارها لا تزال بادية تحت لحية راخوي، بينما تظهر على شفة وجبهة بوتشيمون.

بطاقة هوية
ولد كارليس بوتشيمون عام 1962 لأسرة تعيش في بلدة حدودية مع فرنسا في جبال البيرينيه (البرانس) على بعد مائة كلم تقريباً من برشلونة. وهو ابن وحفيد صانعي حلوى متواضعين، وترتيبه الثاني بين ثمانية أولاد، ولم يكن عمره يتجاوز تسع سنوات عندما أرسل إلى مدرسة داخلية حيث «تعلم الكفاح» حسب تعبيره. وهو حالياً متزوج من سيدة رومانية وأب لفتاتين صغيرتين.
عندما توفي الديكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو كان بوتشيمون لا يزال في الثالثة عشر من عمره. ولقد عاشت في ذاكرة هذا الشاب المتعلق باللغة الكاتالونية والشغوف بالتاريخ ذكريات القمع التي فرضت على إقليمه بعد الحرب الأهلية بين 1936 و1939.
وبدأ الشاب الطموح مسيرته الصحافية والسياسية بالعمل مصححاً في صحيفة «بونت أفوي» القومية عام 1982، وانتهى به الأمر إلى تولي رئاسة تحريرها، وكان في هذه الحقبة يمارس نشاطه السياسي إلى جانب عمله الصحافي. ويذكر أنه كان في العام 1980 قد انضم إلى حزب التوافق الديمقراطي الكاتالوني، وهو حزب قومي محافظ يترأسه جوردي بوجول، الذي تفاوض مع مدريد من أجل الحصول على حكم ذاتي أوسع للإقليم.
في تلك الأيام كان الانفصاليون الكاتالونيون لا يتمتعون بشعبية كبيرة، إلا أن بوتشيمون انصرف في صيف 1991 لدراسة حالة جمهورية سلوفينيا التي أعلنت استقلالها بعد استفتاء محظور عن جمهورية يوغوسلافيا، وتلي ذلك نزاع مسلح قصير.
وفي السنوات التالية دعا بوتشيمون إلى توسيع القاعدة الاجتماعية للحركة الاستقلالية، واعتماد مبدأ النضال اللا عنفي على غرار نضال المهاتما غاندي في الهند. وحقاً، كتب بورتا عنه في سيرته أنه كان «يرفض الاستعجال ويريد السير بالأمور كما يجب».

جوانب من شخصيته
لا يواجه بوتشيمون صعوبة في التعامل مع التقنيات الحديثة، كما أنه يجيد اللغات الإنجليزية والفرنسية والرومانية، إضافة إلى اللغتين الإسبانية والكاتالونية، ولقد أسس وكالة صحافة كاتالونية وصحيفة ناطقة بالإنجليزية حول الإقليم، كما ترأس جمعية المناطق للمطالبة بالاستقلال. يضاف إلى ذلك، أن عالم السياسية أنطون لوسادا يشير إلى أن الزعيم الكاتالوني يتمتع أيضاً بـ«حس مسرحي كبير ويعرف كيف يوظف وسائل الإعلام لغاياته».

التزم بوعوده
جدير بالذكر أنه منذ خمس سنوات، طالبت مظاهرات حاشدة في إقليم كاتالونيا، الحكم المركزي الاتحادي الإسباني في مدريد، بإجراء استفتاء لتقرير مصير الإقليم. وحقاً التزم بوتشيمون بوعده ونظم في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي استفتاء شعبياً - حظره القضاء الإسباني - شهد أعمال عنف مع الشرطة. وكانت النتيجة المعلنة هي تأييد 90.18 في المائة ممن أدلوا بأصواتهم إعلان كاتالونيا «جمهورية»، علماً بأن نسبة الاقتراع لم تزد عن 43 في المائة... وبناء عليه، ندد قسم من السكان بما اعتبره «احتيالاً ديمقراطياً» يهدف إلى إضفاء صفة شرعية على إعلان الاستقلال، ويتجاهل تجاهل النصف الآخر من السكان غير المؤيدين للاستقلال.
هذا الأمر وصفه عالم السياسة الإسباني خوان بوتيلا «هناك هروب إلى الأمام... ثم إن بوتشيمون يعتقد أن القدر يحتم عليه قيادة الكاتالونيين إلى مستقبل أفضل. لكن من الصعب التكهن بما سيقرره المقربون منه، كما أنه ليس منضبطاً جداً إزاء حزبه، حيث يسود شعور بالقلق». مع هذا يرى بوتيلا أن بوتشيمون «ليس ذلك الرجل المتعصب كما تصوره مدريد».
في المقابل، مع تبلور صورة الزعيم الكاتالوني الذي يهدد الدولة الإسبانية بالتصدع قالت سورايا ساينز دي سانتا ماريا، نائبة رئيس الوزراء الإسباني، معلقة على توقيعه على إعلان استقلال الإقليم عن مدريد مع وقف التنفيذ، «بوتشيمون لا يعرف أين هو، ولا إلى أين يسير، ولا أين يريد أن يذهب». وذكرت أن الحكومة الإسبانية ستعقد اجتماعات طارئة لاتخاذ قرار رداً على ما أقدم عليه الانفصاليون الكاتالونيون، ثم شددت على أن استفتاء 1 أكتوبر «غير شرعي، ويشوبه تزوير ولا يتمتع بأي ضمانات» للديمقراطية. من ناحية أخرى، رفضت ساينز دي ماريا دعوات بوتشيمون لإجراء وساطة مع مدريد، قائلة: «ليس بإمكان بوتشيمون أو أي شخص كان الادعاء بفرض وساطة من دون الرجوع إلى الشرعية والديمقراطية... إن الحوار بين الديمقراطيين يكون باحترام القانون».
تشدد مواقف مدريد عبّر عنها أساساً إعلان راخوي رئيس الحكومة الإسبانية أنه لا يستبعد تعليق العمل بـ«الحكم الذاتي» في كاتالونيا ما لم تتراجع قيادة الإقليم عن إعلان الاستقلال. وفي رد منه على سؤال لصحيفة «إلباييس» حول تطبيق المادة 155 من الدستور، التي تتيح تعليق العمل بالحكم الذاتي في كاتالونيا، قال راخوي «أنا لا أستبعد شيئاً، لكن يجب فعل الأشياء في وقتها»، في إشارة إلى التلويح بالقوة لإعادة الشرعية إلى الإقليم. كذلك استعرضت مدريد قوتها العسكرية إبان الاحتفال باليوم الوطني، في إشارة واضحة إلى أن سلطات مدريد لا تنوي التفريط بوحدة الأراضي الإسبانية.
وعلى صعيد آخر، شهدت مدن إسبانيا مظاهرات عدة دعت إلى وحدة البلاد. إذ نزل عشرات آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في أنحاء إسبانيا خلال الأيام الماضية، داعين إلى وحدة البلاد، ومطالبين بتحرك لحل الأزمة السياسية، ورافضين سعي الانفصاليين في كاتالونيا استقلال إقليمهم الغني عن الدولة الإسبانية. ولقد تجمع متظاهرون يرتدون الزي الأبيض أمام مباني البلديات في أنحاء إسبانيا للمطالبة بعقد حوار لإنهاء الأزمة. وهتفت جموع من المتظاهرين الشباب الذين ساروا نحو ساحة كولون متوجهين إلى رئيس الحكومة راخوي بالقول: «إنه يجب الدفاع عن الوطن»، ولوحوا بأعلام إسبانيا وأخرى تحمل شعار «العقاب الأسود» الذي يعود إلى حقبة الديكتاتور فرانكو. وصرح الكولونيل خاكوان بيناس، الذي كان يشارك في إحدى المظاهرات أن «الوضع وصل إلى نقطة تحول، وعلينا المشاركة بفاعلية في الدفاع عن قيم إسبانيا كأمة».

مرونة... وضبابية
في أي حال، يرصد مراقبون بوادر مساع محتملة يبذلها جانبا الأزمة لنزع فتيل أسوأ أزمة تعصف بإسبانيا منذ جيل، بعدما قدمت سلطات مدريد أول اعتذار الجمعة للكاتالونيين الذين تعرضوا لإصابات جراء محاولة الشرطة منع الاستفتاء. إلا أن الضبابية ما زالت مهيمنة على المواقف، وقد يتفاقم الوضع إذا لم يتراجع قادة كاتالونيا عن خططهم الاستقلالية بعد انتهاء المهلة يوم الاثنين المقبل.
وفي هذا السياق، أكد كارليس بوتشيمون أنه لم يجر أي اتصال بالحكومة الإسبانية لحل الأزمة. وتابع في حديث لمحطة «تي في3» الكاتالونية «ملايين الأشخاص صوّتوا ويريدون اتخاذ قرار، وبالتالي علينا التعامل مع هذا الأمر». ومقابل ذلك تعهد راخوي بمنع أي تحرك نحو الاستقلال، رافضاً كل دعوات التوسط في النزاع الذي أثار قلقاً في كل أنحاء إسبانيا، بما في ذلك في صفوف لاعبي كرة القدم من ناديي برشلونة وريال مدريد، إذ قال رئيس الحكومة أن «إسبانيا ستظل إسبانيا وهي ستبقى كذلك فترة طويلة». وشدد لاحقاً على أنه في حال تم إعلان استقلال كاتالونيا، فـ«هذا الإعلان لن يؤدي إلى شيء».

الشق الاقتصادي
في هذه الأثناء، على الصعيد الاقتصادي، واصلت الشركات والحكومة الإسبانية ضغوطها الاقتصادية على سلطات كاتالونيا، وأعلنت شركات كبرى عدة نيتها نقل مقارها الرئيسية إلى أماكن أخرى من إسبانيا. وكما سبقت الإشارة، في حال أصرت قيادة كاتالونيا - التي تشكل خُمس الثقل الاقتصادي للبلاد - على إعلان استقلالها، ستستطيع مدريد الرد عبر تعليق «الحكم الذاتي» للإقليم، وفرض سلطتها عليها بشكل مباشر. وبالفعل، واصلت حكومة مدريد ممارسة الضغوط على الإقليم اقتصادياً لثنيها عن خططها الانفصالية الاستقلالية، إذ مرّرت الحكومة مرسوماً يجعل من السهل على الشركات نقل مقارها من إقليم إلى آخر.
يبقى أن نشير إلى أن الاستطلاعات في الآونة الأخيرة تبين أن الكاتالونيين منقسمون حيال الاستقلال، وهذا مع أن قادة الإقليم ادعوا أن العنف الذي حصل أثناء الاستفتاء زاد التعاطف الشعبي معهم ومع الاستقلال. كذلك نشير إلى مطالبات كاتالونيا، التي لديها لغتها وتقاليدها الخاصة، إلى قرون، لكن هذه المطالبات ازدادت خلال السنوات الأخيرة على خلفية الأزمة الاقتصادية وارتفاع شعبية بوتشيمون.



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.