ترمب يهاجم الاتفاق النووي وسط ضغوط لتخفيف موقفه من إيران

رئيسة الوزراء البريطانية ترفض «التكهن» بشأن احتمال انسحاب واشنطن منه

مفاعل بوشهر النووي جنوب إيران على بعد 1200 كيلومتر من العاصمة طهران  (رويترز)
مفاعل بوشهر النووي جنوب إيران على بعد 1200 كيلومتر من العاصمة طهران (رويترز)
TT

ترمب يهاجم الاتفاق النووي وسط ضغوط لتخفيف موقفه من إيران

مفاعل بوشهر النووي جنوب إيران على بعد 1200 كيلومتر من العاصمة طهران  (رويترز)
مفاعل بوشهر النووي جنوب إيران على بعد 1200 كيلومتر من العاصمة طهران (رويترز)

من المفترض أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم، استراتيجية جديدة للتعامل مع إيران، بتأكيده عدم امتثالها لشروط الاتفاق النووي الدولي، في حين يواجه ضغوطاً هائلة على المستويين الداخلي والخارجي، وواصل المسؤولون الإيرانيون، أمس، مشاورات مع أطراف دولية للحصول على ضمانات بشأن تماسك خطة العمل المشترك حول البرنامج النووي الإيراني إذا ما قرر ترمب إعلان الخروج.
وهاجم ترمب، مساء أول من أمس، مجدداً، الاتفاق المبرم بين الدول الست الكبرى وإيران حول برنامجها النووي، واصفاً إياه بأنه «اتفاق سيئ للغاية»، وقال لشبكة «فوكس نيوز»: «هذا أسوأ اتفاق على الإطلاق، لم نجنِ منه شيئاً»، مضيفاً: «لقد أبرمناه من منطلق ضعف، في حين أننا نتمتع بكثير من القوة». ولكن الرئيس الجمهوري لم يكشف في المقابلة عن قراره المتوقع بحلول نهاية الأسبوع حول مصير الاتفاق الذي أبرمته الدول الكبرى مع إيران في 2015، بشأن برنامجها النووي، لكنه ذكر: «سنرى قريباً جداً ما سيحصل»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال مسؤول كبير بالإدارة الأميركية إنه بعدما أوضح ترمب جلياً قبل نحو ثلاثة أشهر أنه لن يصدق على التزام إيران بالاتفاق، تحرك مستشاروه لتقديم خيارات له لبحثها. وأوضح المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه: «عرضوا خطة تؤمن الحماية للأمور التي يساورهم القلق بشأنها، لكنها لا تشمل تجديد التصديق على الاتفاق، وهو ما أوضح الرئيس أنه لن يفعله. بدأ تطبيق هذه الخطة»، وفق ما نقلت عنه وكالة «رويترز».
وذكر المسؤول أن ترمب يبلغ الزعماء الأجانب والمشرعين الأميركيين أن رفضه التصديق على اتفاق إيران لن ينسفه، مضيفاً: «إنه لا ينسحب منه. فرص انسحابه منه تتقلص إذا ما تعاونوا معه لتحسينه».
في لندن، قال المتحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس إن «بريطانيا لن تتكهن بشأن ما سيحدث إذا انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق دولي للحد من برنامج إيران النووي»، مضيفاً أن موقف حكومة بريطانيا واضح تماماً تجاه أهمية الاتفاق والالتزام المستمر به، وفق ما أوردته «رويترز». وقال مسؤولون في البيت الأبيض إنه من المتوقع أن يعلن ترمب عن سياسة شاملة أكثر نزوعاً إلى المواجهة تجاه إيران، وتهدف إلى كبح برامجها النووية والصاروخية الباليستية، ودعمها المالي والعسكري لجماعة «حزب الله» وجماعات متطرفة أخرى.
ويظل مطروحاً دائماً احتمال أن يغير موقفه في اللحظات الأخيرة ويشهد بالتزام طهران بالاتفاق الموقع في 2015 الذي وصفه بأنه «محرج»، و«أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق».
وأبلغ مسؤولون أميركيون كبار وحلفاء أوروبيون ومشرعون أميركيون بارزون ترمب أن رفضه التصديق على الاتفاق سيترك الولايات المتحدة معزولة، ويمنح طهران الأفضلية دبلوماسياً، ويجازف في نهاية المطاف بالقضاء على الاتفاق.
واعتبر ترمب أن الاتفاق النووي أكثر سخاء مع إيران، وأنه لن يمنعها من محاولة تطوير سلاح نووي. وانتقد فقرات تضمنها الاتفاق تنتهي بموجبها بعض القيود على برنامج إيران النووي مع مرور الوقت، كما يطالب بتشديد اللهجة بخصوص الصواريخ الباليستية وعمليات التفتيش، وتقول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران ملتزمة بالاتفاق.
وقالت وكالة «إيلنا» الإيرانية، أمس، إن وزير الخارجية محمد جواد ظريف أجرى مشاورات هاتفية في وقت مبكر أمس مع منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني، ووزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل، طالب فيها بالتزام كل الأطراف بالاتفاق النووي بين إيران ومجموعة «5+1».
وبحسب تقرير الخارجية الإيرانية، فإن المسؤولين الأوروبيين «أكدا التزام أوروبا بالاتفاق النووي وضرورة انتفاع إيران من المزايا الاقتصادية للاتفاق النووي».
وفي الأيام الأخيرة، استبعد مسؤولون أوروبيون بشكل قاطع إعادة التفاوض على الاتفاق، لكنهم قالوا إنهم يشاطرون ترمب مخاوفه إزاء تأثير إيران المثير للاضطرابات في الشرق الأوسط.
وقال عدد من الدبلوماسيين إن أوروبا ستكون مستعدة لبحث فرض عقوبات على تجارب الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإعداد استراتيجية لكبح النفوذ الإيراني في المنطقة. وأضاف المسؤولون أيضاً أن المجال قد يكون متاحاً لفتح مفاوضات جديدة بخصوص ما سيحدث عند بدء انتهاء أجل بعض البنود الأساسية في الاتفاق في عام 2025، رغم عدم وجود ما يدعو للاعتقاد بأن إيران ستكون مستعدة للدخول في مثل هذه المفاوضات. وقالت إيران إنها قد تنسحب من الاتفاق إذا خرجت منه الولايات المتحدة.
وعدم تصديق ترمب على الاتفاق لن يسحب الولايات المتحدة تلقائياً منه لكنه سيمهل الكونغرس الأميركي 60 يوماً لتقرير ما إذا كان سيعيد فرض عقوبات طهران التي علقت بموجب الاتفاق.
وقال مسؤول أميركي مطلع إن رفض التصديق على امتثال إيران للاتفاق قد يضع كل أطرافه في جانب، والولايات المتحدة على الجانب الآخر.
وأضاف المسؤول: «هذا يعني أنه رغم أن فرنسا والآخرين مهتمون أيضاً بكبح أنشطة إيران المثيرة للاضطرابات، فإن احتمال أن يتبعوا (الولايات المتحدة) قد يكون مستبعداً، فيما يهدد بنسف الاتفاق».
وتحدثت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع ترمب، هذا الأسبوع، ليعبرا عن مخاوفهما بشأن القرار المحتمل بعدم التصديق على اتفاق إيران.
وقال دبلوماسي فرنسي كبير: «إذا كان الشعور هو أن الولايات المتحدة لم تعد تدعم الاتفاق، فإن الواقع السياسي هو أن الاتفاق سيكون عرضة لمخاطر شديدة وسيكون تطبيقه صعباً للغاية».
وقال مسؤولان أميركيان آخران، طلبا أيضاً عدم الكشف عن اسميهما، إن لغة ترمب النارية على عدد من الجبهات تزعج أيضاً كثيرين من مساعديه، وكذلك بعض أقرب حلفاء الولايات المتحدة، الذين سأل البعض منهم المسؤولين الأميركيين في الخفاء عما إذا كان هدف ترمب الحقيقي هو مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.
وقال أحد المسؤولين إنه مثل اللهجة الحادة مع كوريا الشمالية بخصوص برنامجها النووي، فإن النقاش بخصوص إيران أزعج أيضاً كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ووزير الدفاع جيم ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون «الذين حاولوا نصح الرئيس بأن هناك مخاطر كبيرة في المسار الذي سيختار المضي فيه»، مضيفاً: «لكن في نهاية المطاف الكل يسلم بأنه هو صاحب القرار».
ويراقب حلفاء ترمب الذين يعارضون الاتفاق الرئيس عن كثب لمعرفة إمكانية أن يستجيب للضغوط.
وقال سيباستيان جوركا مساعد ترمب السابق للأمن القومي: «لن يجدد التصديق (على الاتفاق)... لستُ قلقاً. حدسه صائب قطعاً».
في هذه الأثناء، أفادت وكالة «تاس» الروسية للأنباء عن يوري أوشاكوف، وهو مسؤول بالكرملين، أمس، بأن «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتزم زيارة إيران بحلول نهاية العام الحالي». ونسبت إلى المسؤول قوله إن بوتين يعتزم المشاركة في اجتماع يضم نظيريه الإيراني والأذربيجاني خلال الزيارة.
فی سیاق متصل، أفادت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» بأن رئيس البرلمان علي لاريجاني، ونائبه الأول علي مطهري على رأس وفد برلماني رفيع توجه، أمس، في زيارة إلى روسيا تستغرق ستة أيام للمشاركة في اجتماع «اتحاد البرلمانات» التي تستضيفها سان بطرسبورغ.
وقبل مغادرته طهران، قال لاريجاني في تصريحات للصحافيين إن بلاده جاهزة للأوضاع المختلفة في الاتفاق النووي، مشدداً على أن «المسؤولين الإيرانيين ليسوا مضطربين، وأن لديهم حلولاً لأي أوضاع».



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».