نائب رئيس البنك الدولي: 3 أبعاد تحدد مستقبل القطاع المالي العالمي

محمود محيي الدين قال لـ «الشرق الأوسط» إن الدول العربية لديها فرصة هائلة للاستثمار في ثورة الذكاء التكنولوجي الجديدة

محمود محيي الدين
محمود محيي الدين
TT

نائب رئيس البنك الدولي: 3 أبعاد تحدد مستقبل القطاع المالي العالمي

محمود محيي الدين
محمود محيي الدين

تأتي اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في وقت تشهد فيه معدلات النمو العالمية اتجاها تصاعديا بعد ما يقرب من عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، مقابل تراجع في معدلات النمو في المنطقة العربية بسبب انخفاضات أسعار النفط واستمرار الصراعات والمشكلات الجيوسياسية.
ويستعرض الدكتور محمود محيي الدين، النائب الأول لمدير البنك الدولي لشؤون التنمية المستدامة، في حواره مع «الشرق الأوسط» القضايا الأساسية التي يطرحها البنك الدولي في هذه الاجتماعات، والاتجاهات الجديدة للبنك في تمويل وتحفيز القطاع الخاص للدخول في مشروعات تقوم بها تقليديا الحكومات، والتوجهات في ربط التمويل بأهداف التنمية المستدامة.
ويرى الدكتور محيي الدين فرصة هائلة لدول الشرق الأوسط في خوض غمار الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة إذا أحسنت الإنفاق الاستثماري الجيد في الأخذ بهذه التكنولوجيا؛ ليس مستخدما ومستهلكا، وإنما الاستحواذ على الفكر وراءها. وإلى نص الحوار...

> أوضح تقرير آفاق النمو الاقتصادي العالمي معدلات نمو متفائلة، لكن الخبراء حذروا من التفاؤل من هذا الاتجاه التصاعدي لمعدلات النمو العالمية... فما الأسباب وراء الحذر في التفاؤل؟ وما أسباب تراجع معدلات النمو بالمنطقة العربية مقارنة بالمعدلات العالمية؟ وما القضايا الأساسية التي يهتم بها البنك الدولي خلال هذه الاجتماعات السنوية؟
- اليوم الجمعة تبدأ الاجتماعات الرسمية لصندوق النقد والبنك الدوليين، وبرنامج الاجتماعات متضخم بالندوات والجلسات... هناك ثلاثة أشياء مميزة في هذه الاجتماعات، الأول هو ما يتعلق باتجاهات معدلات النمو الاقتصادي العالمي، وقد أوضح تقرير اتجاهات النمو العالمية الصادر عن صندوق النقد أن هناك قدرا من التحسن في معدلات النمو الاقتصادي العالمي أفضل من التوقعات السابقة، ففي 2016 كان معدل النمو العالمي 3.2 في المائة، وفي 2017 وصل إلى 3.6 في المائة، والمتوقع للعام القادم تحسن طفيف ليصل النمو العالمي إلى 3.7 في المائة.
وكل التقارير الصادرة من المؤسسات الدولية تقول إنه لا داعي للتعجل بالتفاؤل باتجاه صعودي في معدلات النمو، لأنها أول زيادة لمعدلات النمو... فالعام الماضي شهد أقل معدل للنمو منذ الأزمة المالية، لذا يرى البعض أنه يجب أخذ هذه المعدلات بحذر وعدم الإفراط في التفاؤل، لأنه إذا حدث تقييد في اتجاهات السياسة النقدية في المستقبل فمن الممكن أن تقلل من معدلات النمو، ولو حدثت اضطرابات مالية في عدد من الأسواق المهمة حول العالم فمن الممكن أن تؤثر في معدل النمو.
وأسباب التحفظ أيضا من التفاؤل المفرط حول معدلات النمو هو ما يتعلق بالتوجهات نحو الداخل، أو «السياسات الحمائية»، في حركة التجارة والاستثمار. هناك أيضا عوامل غير اقتصادية أشارت لها بعض الدراسات، منها أثر الاضطرابات السياسية والنزاعات في بعض المدن، والأبعاد الجيوسياسية في بعض المناطق، أيضا التعرض الشديد للأماكن الخاصة بالإرهاب وأيضا ارتفاع تكلفة التحوط ضد الإرهاب ومكافحته.
أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فتوقعات التقرير حول معدلات النمو في المنطقة تدور حول 2.2 في المائة، والمتوقع العام المقبل أن تبلغ معدلات النمو ما يقرب من 3 في المائة، أي أن معدلات النمو في المنطقة العربية أقل من معدلات النمو العالمي. والأسباب متنوعة، إما بسبب أمور مرتبطة بالأسعار المنخفضة للنفط فيما يتعلق بالدول المصدرة للنفط، أو أسباب ترتبط بأن الدول العربية التي حققت مكاسب من انخفاض أسعار النفط لم تعوض خسائر الدول الأخرى في معدلات النمو، إضافة إلى المشكلات التي ما زالت تعاني منها عدد من الدول العربية من نزاعات وصراعات وأزمات مختلفة.
هناك أيضا تناقض بين موقف الدول الأوروبية التي تعاني من انخفاض حاد في معدلات التضخم، وموقف دول الشرق الأوسط التي تعاني من مشكلات ارتفاع حاد في معدلات التضخم. ويطالب التقرير الدول المتقدمة بعلاج المشكلة المتعلقة بانخفاض التضخم عن الهدف المنشود وهو 2 في المائة؛ بل إن بعض الدول الأوروبية وصل بها التضخم لمعدلات سلبية. وعلى العكس تعاني الدول العربية من ارتفاعات في معدلات التضخم. ويقال إن التضخم مثل الملح، قليل منه مطلوب لأنه يحرك الاقتصاد ويدفع النمو، وكثير منه مضر، لأنه يؤدي إلى ظاهرة الغلاء، وانعدامه يربك أيضا حركة السياسة النقدية.
أمور أخرى ستجد مساحة كبيرة من النقاشات وجلسات العمل خلال الاجتماعات السنوية، تتعلق بمناقشة مخاوف التراجع عن الرقابة المالية الحصيفة التي اتبعت منذ الأزمة المالية، وهناك نقاشات حول أوضاع العالم بعد الأزمة المالية، وحلقات نقاشية حول ماذا استفدنا من تجربة الأزمة المالية. وأيضا نقاشات أخرى ترتبط بتغييرات المناخ والأزمات المناخية وتأثيرها على اقتصاديات الدول، وهناك عدد من جلسات وورشات العمل تركز على دول الكاريبي وما لحق بها من تأثير بسبب الزلازل والأعاصير.
> يركز البنك الدولي في اجتماعاته السنوية هذا الخريف على قضايا التعليم والرعاية الصحية وتشجيع القطاع الخاص، كما يسعى البنك لزيادة رأس ماله للتوسع في الاستجابة لمطالب الدول المتزايدة للاقتراض... فما تفاصيل هذه التوجهات؟
- البنك الدولي أصدر تقرير world development report، وهناك ورقة ملخصة معروضة على مجلس المحافظين للبنك حول أزمة التعليم، وهي ليست الأزمة التقليدية المتعلقة بارتباط التعليم بالعمل التي كان يتم التصدي لها ببعض الدورات التدريبية، وإعانات البطالة المؤقتة وإعادة التأهيل، الآن الأزمة في التعليم رغم زيادة أعداد المنخرطين في التعليم في العالم.
وهذه الورقة تقدم ثلاثة أبعاد في قضية أزمة التعليم، الأول أن الدول تفقد كثيرا عندما لا تقيس بشكل جيد مخرجات التعليم، فالطريقة القديمة للتقييم بحساب النجاح والرسوب طريقة تقليدية، وهناك معايير دولية لقياس جودة التعليم ومدى امتيازه في بعض المجالات، وخاصة العلوم التطبيقية، والقدرة على إكساب الطالب فرصة على التعلم في المستقبل.
البعد الثاني، كيف نجعل من المدارس ساحات راقية للتعلم؟ وما هو المطلوب للتلميذ والمعلم؟ وإمكانيات تتجاوز المباني والمقاعد إلى استخدام تكنولوجيا المعلومات، وتطوير العلوم لمواجهة تحديات القرن الحالي، والتنافس مع الاقتصاد الرقمي (الديجيتال) التي قد تقلل من فرص العمل.
والبعد الثالث يتصل بما هي الإجراءات المطلوبة من الدولة لتستثمر في التعليم؟ ليس فقط في البنية الأساسية، وإنما في البنية البشرية والصحة والتغذية، وهناك أدلة على أن سوء التغذية في مراحل مبكرة معوق لفترة طويلة جدا لقدرة الطفل على الاستيعاب، وبالتالي قدرته على العمل.
وهناك أيضا ورقة بحثية خاصة بمنهج التمويل الجديد الذي يتبعه البنك الدولي، ودور البنك ممولا ومحفزا للقطاع الخاص، والتصور أن يقوم البنك الدولي بعملية التمويل بوصفها ملجأ أخيرا. فإذا كان هناك مشروع لدى دولة ما، يكون السؤال هل بإمكان القطاع الخاص القيام به؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فالقطاع الخاص أولى بتنفيذ المشروع، وإذا كانت الإجابة بلا، فهل النشاط غير مجد للقطاع الخاص بسبب معوقات بيروقراطية أو رقابية أو مشكلات خاصة بنظم وقواعد السوق؟ بالتالي يساعد البنك في إصلاح هذه المجالات. وإذا ظل القطاع الخاص غير راغب في القيام بالمشروع بعد تنفيذ هذه الإصلاحات، يمكن للبنك الدولي تقديم ضمانات لتمويل القطاع الخاص أو يتحمل الجانب الأول من الخسارة. وإذا فشلت كل هذه الخطوات نعود للتمويل المباشر للحكومة للقيام بالمشروع.
ومن أبرز الأمثلة على هذا الأمر، مشروعات بناء المطارات، وهي مشروعات يمكن مشاركة القطاع الحكومي والخاص في تنفيذها وهناك نماذج ناجحة كثيرة في دول أفريقية وآسيوية.
والسبب وراء هذا المنهج الجيد أن البنك الدولي يرغب في تشجيع القطاع الخاص للقيام بالمشروعات، لأن أي دولة لها سقف في محفظتها المالية. فإذا قامت الدولة باستنفاذ المبالغ في مشروعات يمكن أن يقوم بها القطاع الخاص، فسيكون ذلك على حساب مشروعات حيوية أخرى لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها أو لا يقدم عليها، مثل مشروعات تعليم الفتيات في المناطق الريفية، أو مشروعات تأهيل الفقراء. وسيركز البنك الدولي على هذا المجال بشكل كبير في الفترة القادمة.
ورقة ثالثة هي توجهات البنك الدولي في المستقبل، فوفقا للتغيرات العالمية فهناك مطالب متزايدة للاقتراض من البنك الدولي، سواء من الدول متوسطة الدخل أو الدول منخفضة الدخل... واهتمام البنك بالتنمية المستدامة وبرنامج 2030 للتنمية المستدامة يجعله يستثمر في ثلاثة مجالات، وهي البنية الأساسية والنمو الشامل، والاستثمار في التنمية البشرية من خلال الرعاية الصحية والتعليم، والاستثمار في تمكين قدرات الاقتصاد والمجتمعات على تلقي الصدمات سواء كانت صدمات خارجية في شكل تغييرات مناخية (مثلما رأينا في حالة الأعاصير والزلازل) أو صدمات بسبب الأوبئة (مثل زيكا وإيبولا) أو صدمات خاصة بمشكلات الجفاف أو نزوح لاجئين.
والقيام بعملية تمويل هذه الاستثمارات وطلب كبير من الأسواق الناشئة ودول ذات هشاشة، أو الدول ما بعد انتهاء الحروب الأهلية بها، كل هذه المطالب تستدعي أن يكون لدى البنك الدولي قدرات مالية للوفاء بها.
> هل هناك رؤية لدى البنك الدولي لعمل اتحاد دولي للقطاع الخاص يشرف عليه ويدعمه؟
- مؤسسة التمويل الدولية IFC هي ذراع البنك التنموي، وتم إنشاؤها في خمسينات القرن الماضي، وتعمل مع القطاع الخاص بتوجه تنموي وليس فقط إجراء صفقات مالية. والتوسع مع القطاع الخاص مطلوب، خاصة أن القطاع الخاص أصبح أكثر اهتماما بالاستثمار في المجال التنموي، ونجد اهتمام للقطاع الخاص في مجالات لم يكن مستثمرا فيها من قبل، خاصة مجالات التعليم والرعاية الصحية لما لها من بعد اجتماعي وثقافة جيدة في هذا الشأن. وأحد التقارير الصادرة عن مجموعة الأعمال المساندة للتنمية المستدامة أشار إلى مجالات للاستثمارات والتمويل الخاص، وهو يحتاج إلى شركاء من المؤسسات المالية ولذا لدينا ترتيب جيد ونعمل مع القطاع الخاص كشركات سواء صغيرة أو متوسطة.
وندخل أيضا في مجال جديد من خلال خزانة البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، ونعمل لتمويل جديد يربط هذا التمويل بأهداف التنمية المستدامة، وقمنا بهذا النوع من التمويل مع بنك «بي إن باريبا» بتمويل مائتي مليون يورو يربط عائد الاستثمار بتحقيق الأهداف التنموية المستدامة ولدينا عدة إصدارات من هذا النوع، وهناك السندات الخضراء التي تدخل في البيئة وتغييرات المناخ، كما قمنا بمساندة ماليزيا في إصدار صكوك لتمويل مشروعات تنموية.
وعملنا مع القطاع الخاص يتعلق بأمرين، المشاركة في الاستثمارات، أو المشاركة في التمويل، لكن حينما ينظم القطاع الخاص نفسه في شكل اتحادات، فإننا نعاملها معاملة منظمات المجتمع المدني وغير الحكومية التي لا يتم تمويلها من البنك الدولي، فالتعامل مع مؤسسات البنك الدولي إما مع الحكومات أو القطاع الخاص أو مستثمري قطاع خاص في دول نامية.
> ذكرت أن الانتعاش الاقتصادي العالمي يجب التعامل معه بحذر، هل ترى أن النظام المالي بوضعه الحالي يحتاج إلى أدوات مالية جديدة لتحقيق انتعاش اقتصادي؟
- مع متابعة أوضاع النمو الاقتصادي وأوضاع التجارة وأوضاع الاستثمار العالمي، فالدولة إذا استطاعت تطوير سياستها وتمكين مؤسساتها وتوضيح توجهاتها الاقتصادية فإنها تستطيع أن تتعامل مع أي ظرف في الخارج، وإذا كان الظرف الدولي أفضل ومعدل النمو عاليا فالمهمة هنا ستكون أسهل؛ لكن ليس معنى هذا أن معدل النمو الاقتصادي العالمي، كان 3.2 في المائة العام الماضي و3.6 هذا العام - وفقا لتقديرات صندوق النقد - وأن معدل النمو الداخلي في بلد يكون أقل.
هناك دول حققت معدلات نمو أعلى من المعدل العالمي، كالصين والهند، ودول أفريقية أيضا أصبحت تحقق معدلات نمو أعلى من المعدل العالمي... لكن العبرة هنا بأمرين، استمرار النمو لفترة طويلة من الزمن لإحداث التراكم الاستثماري التنموي لفترة. والأمر الثاني هو نوع هذا النمو، فالأفضل أن يكون النمو عابرا للقطاعات، وشاملا للأقاليم المختلفة داخل الدولة، وأن يكون النمو متوازنا من حيث البعد النوعي (نصيب الإناث مثل نصيب الذكور).
وقد أشارت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد (في خطاب بمناسبة مرور 20 عاما على الاستقلال التشغيلي لبنك إنجلترا المركزي)، إلى أن هناك ثلاثة أبعاد في مستقبل القطاع المالي؛ وهو تحليل تتبناه كثير من المؤسسات الدولية.
والبعد الأول مرتبط بظهور العملات الجديدة الافتراضية (virtual currency)، وهي عملات يتم إصدراها من خلال نظم معقدة وتأمين عال. وإلى الآن هذه العملات ليس لها أثر كبير في الاقتصاد، لكنها تنمو بمعدلات أعلى... ومع تزايد التكنولوجيا والشفافية في إصدراها، وإذا وجدت مساندة من الدول، فسنجد أنها ستحل محل العملات التي اعتدنا على وجودها منذ مئات السنين. والتقديرات أنها ستحل محل العملات التقليدية بحول عام 2040، وهو اتجاه له انعكاس على السياسة النقدية والاحتياطي النقدي، وعلى مدى الاعتماد على العملات الموجودة الآن.
البعد الثاني يتعلق بهذا التطور الهائل والسريع في صناعة الوساطة المالية بما يتجاوز البنوك، وما يعرف بالتكنولوجية المالية financial technology، ويوجد حولها ندوات ونقاشات مهمة، فهذه الوساطة المالية تجعل التمويل من شخص لآخر، وتحتاج إلى منصة تشاركية مؤمنة حيث يضع الفرد معلوماته وبياناته الصحيحة، وتعتمد على الثقة المتبادلة بين الأشخاص المتعاملين.
> هل هذا الاتجاه سيلغي دور البنوك التقليدية أم سيتراجع دورها؟ وماذا سيكون تأثير ذلك؟
- سيكون هناك وجود للبنوك التقليدية مع هذا النوع من الوسائط المالية التكنولوجية الجديدة، وهو ما سيعني زيادة المنافسة ويقلل المراكز الاحتكارية التي تمتعت بها البنوك لفترة طويلة، ومن شأنه تخفيض تكلفة المعاملات، وإحداث اضطرابات في بعض الأحوال إذا لم يدرك الرقيب المالي أن الرقابة المالية لا تتوقف فقط عند البنوك وشركات الوساطة المالية، ولكن يدخل فيها أيضا التمويل من شخص لآخر بشكل مباشر. وهذا كله يحتاج إلى نظم جديدة مبتكرة للرقابة المالية، ويحتاج إلى ثقافة مالية جديدةFinancial literacy، وأن يكون هناك قوانين لحماية حقوق مستخدمي هذه الخدمات ومقدميها، وهذا نمط جديد من التعاقدات المالية.
ونعود إلى البعد الثالث، وهو ما يعرف بانتشار الذكاء الاصطناعي، حيث أشارت مديرة صندوق النقد إلى أن 80 في المائة من البيانات المستخدمة الآن حدثت في العامين الماضيين فقط. وقالت لاغارد إن هناك ثورة لبيانات من نوع جديد تعرف بالبيانات السلوكية ونمط استهلاك الفرد، حيث يتم تجميعها واستخدامها في التسويق بناء على نمط سلوكيات الفرد. وهو نمط جديد حيث تزايد وتضخم حجم البيانات التي نتعامل معها الآن. وبدأنا عصر «البيانات الضخمة ذات الطبيعة السلوكية»، وهي تتطلب نظما جديدة للتعامل مع البيانات وتصنيفها، وثقافة جديدة للتعامل مع البيانات وحماية مالكيها والحماية من سوء استخدامها. وهذا سيعيدنا إلى جدل قديم ما بين حرية المعلومات وتداولها بوصفها حقا في المعرفة، وبين ما يرتبط باعتبارات الخصوصية للفرد أو الشركات مثل حقوق الملكية وبعد السرية والبعد الأمني للدول، وهذا يرتبط بثقافة ورقابة وتأمين، فما تنفقه المؤسسات الضخمة من تأمين بوجود حراس يعتبر هامشا مما تنفقه فيما يرتبط بالأمن السيبراني والأمان المعلوماتي، وأصبح مكلفا جدا، وقد رأينا حوادث اختراق لمنظومات معلومات قواعد بيانات في شركات.
> أين الدول العربية من هذا العصر الجديد للذكاء التكنولوجي والمعلومات السلوكية؟ وكيف يمكن أن تكون مجالا للاستثمار؟
- في تصوري أن الدول العربية التي قد تكون تأخرت على اللحاق بالتكنولوجيا القديمة، لديها فرصة أفضل في اللحاق بالتكنولوجيا الجديدة، إذا أحسنت الإنفاق الاستثماري الجيد في الأخذ بهذه التكنولوجيا؛ ليس مستخدما ومستهلكا، وإنما الاستحواذ على الفكر وراءها.
وتقليديا، هناك اهتمام في دول في المنطقة بدخول المتفوقين في كليات علوم تطبيقية وهندسية، لكن التحدي هو وضعهم في الإطار الأمثل لاستغلال إبداعاتهم، وربطهم بالأسواق وديناميكياتها والانفتاح على العالم الخارجي. والاقتصاد الرقمي يحتاج إلى استثمار ضخم فيما هو تقليدي، بمعنى أنه مع استثمار في التعليم (التقليدي) لكن بطرق مبتكرة، أو استثمار في الرعاية الصحية لكن بطرق مبتكرة، فهنا يكون هناك فرصة في التفوق في المجال الرقمي (الديجيتال)، والتغيير من تكنولوجيا قديمة إلى الأخذ بتكنولوجيا جديدة والاستثمار فيها، حيث إن الفرص فيها أفضل، والإشارات توضح أن هناك عالما جديدا يتكون بنظام معلوماتي وبياناتي جديد باستثمارات مختلفة عن ذي قبل.



السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
TT

السعودية تتصدر صمود النمو خليجياً

بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)
بيير-أوليفييه غورينشاس، المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي خلال عرض تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي) (إ.ب.أ)

وسط الصورة القاتمة التي رسمها «صندوق النقد الدولي» بخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 3.1 في المائة جراء الصراعات الجيوسياسية، برزت السعودية نموذجاً استثنائياً للصمود في منطقة الخليج.

فبينما تسببت «حرب إيران» في اختناق ممرات التجارة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، نجحت الرياض في تحييد تلك المخاطر بفضل خطوط الأنابيب البديلة التي تربط شرق المملكة بغربها عبر البحر الأحمر، وهو ما مكّنها من تجاوز إغلاق مضيق هرمز وضمان تدفق النفط للأسواق العالمية من دون انقطاع، ووضعها في صدارة دول المنطقة بنمو متوقع قدره 3.1 في المائة لعام 2026، مع آفاق واعدة ترتفع إلى 4.5 في المائة في عام 2027.

وتترنح اقتصادات مجاورة تحت وطأة انكماش حاد وتعطل مرافقها الطاقوية، حيث يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد القطري بنسبة 8.6 في المائة، في مراجعة هي الأقسى للمنطقة بفارق 14.7 نقطة مئوية عن تقديرات يناير (كانون الثاني) الماضي، نتيجة توقف منشأة رأس لفان الحيوية.


الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)
الجدعان مشاركاً في اجتماعات الخريف (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرارها المالي، مشدداً على مضي المملكة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وتعظيم دور القطاع الخاص بوصفه شريكاً استراتيجياً في التنمية.

جاء ذلك خلال مشاركة الجدعان، الثلاثاء، في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في العاصمة واشنطن، بمشاركة نخبة من قيادات القطاع الخاص، وذلك على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026.

وأوضح الجدعان أن البيئة الاستثمارية في المملكة ترتكز على الشفافية والاستقرار، مما عزز ثقة المستثمرين الدوليين ودعم تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل مستدام.

وأشار إلى أن الاقتصاد السعودي يزخر بفرص استثمارية قيّمة في قطاعات حيوية؛ كالخدمات اللوجيستية، والتقنية، والصناعة، وذلك رغم حالة عدم اليقين التي تخيّم على الاقتصاد العالمي.

ووجّه الجدعان رسالة للمستثمرين بأن التركيز على الأسس الاقتصادية طويلة المدى هو المفتاح الحقيقي للاستفادة من التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأكد الدور الريادي للمملكة بوصفها شريكاً موثوقاً في دعم الاستقرار الاقتصادي العالمي، مستندة في ذلك إلى سياسات مالية متزنة ورؤية تنموية طموحة ترسّخ مكانتها بوصفها مركز جذب استثماري رائداً على خريطة الاقتصاد الدولي.


أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
TT

أزمات سلاسل الإمداد تضاعف احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي

شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)
شهد الموسم الحالي قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح (الوزارة)

ضاعفت أزمات سلاسل الإمداد بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، احتياجات الحكومة المصرية من القمح المحلي. وسط محفزات للمزارعين بهدف زيادة معدلات توريد المحصول من بينها صرف المستحقات خلال 48 ساعة وتذليل العقبات خلال عمليتي الحصاد والتوريد.

وأعلنت وزارة الزراعة الاستعدادات النهائية لبدء موسم حصاد وتوريد القمح المحلي بجميع المحافظات. وقال وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، علاء فاروق، الثلاثاء، إن «الدولة تستهدف تسلم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي من المزارعين خلال موسم الحصاد الحالي، بما يسهم بشكل مباشر في تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للدولة».

وأشار وزير الزراعة المصري في بيان، إلى أن الموسم الحالي شهد قفزة نوعية في المساحات المزروعة بمحصول القمح لتتخطى حاجز الـ3.7 مليون فدان بزيادة قدرها 600 ألف فدان على العام الماضي، ولفت إلى أن «الجهود البحثية المكثفة التي بذلتها المراكز التابعة للوزارة ساهمت في رفع كفاءة الفدان ليتراوح متوسط الإنتاجية ما بين 18 إلى 20 إردباً، وذلك نتيجة استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة وتطبيق أحدث الممارسات الزراعية».

وأكد «حرص الدولة على دعم الفلاح المصري وتشجيعه وضمان العائد المناسب له وتحسين مستوى دخله»، كما أشار إلى زيادة سعر توريد القمح هذا العام إلى 2500 جنيه للإردب (الدولار يساوي 52.5 جنيه) وذلك بتوجيه من الرئيس السيسي لدعم المزارعين مع التوجيه بالصرف الفوري للمستحقات المالية للمزارعين والموردين، وبحد أقصى 48 ساعة، لافتاً إلى أن «استقبال القمح المحلي سيبدأ من 15 أبريل (نيسان) الحالي ويستمر حتى انتهاء الموسم في 15 أغسطس (آب) المقبل».

اجتماع برئاسة السيسي لمتابعة «منظومة الأمن الغذائى» الأحد الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي، محمد على إبراهيم، فإن «الحرب الإيرانية قد تكون ممتدة، وهناك أزمة في الأسمدة، وكل من (منظمة الفاو) و(برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) تحدثا عن مشاكل في تدفقات الغذاء ولا سيما القمح». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من المفترض أن تستبق مصر هذه التطورات، وهذا هو موسم حصاد القمح وسيتبعه موسم زراعة جديد، لذا من المناسب جداً رفع أسعار التوريد كما حدث».

ووفق اعتقاد إبراهيم فإن «الجهود الحكومية الموجودة خلال موسم القمح الحالي جيدة؛ لكن لابد من البناء عليها بشكل أكبر». ويفسر: «مثلاً تتم المقارنة ما بين سعر التوريد المحلي وسعر التوريد الدولي، ثم البدء في التسعير بشكل مناسب من أجل تنمية الزراعة ما يقربني كدولة من الاكتفاء الذاتي».

وسجلت واردات مصر من القمح ثاني أعلى مستوى تاريخي لها بنهاية العام الماضي وبانخفاض نسبته 12.7 في المائة على أساس سنوي، بحسب بيانات رسمية. وأوضحت البيانات أن «إجمالي واردات القمح خلال عام 2025 بلغ نحو 12.3 مليون طن مقارنة بنحو 14.1 مليون طن خلال 2024».

حول المحفزات الحكومية للمزارعين في موسم القمح الحالي. يرى أستاذ الاقتصاد واللوجيستيات والنقل الدولي أن «رفع أسعار التوريد مهم جداً، فضلاً عن آليات الصرف السريع للمزارعين وحل أي مشاكل تواجههم». ويلفت إلى أن » آثار الحرب الإيرانية سوف تستمر حتى لو انتهت، لذا لابد من الاستعداد الحكومي لهذه الفترات المقبلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع».

جولة ميدانية لمسؤولين في وزارة الزراعة (وزارة الزراعة)

ووجه وزير الزراعة المصري، الثلاثاء، بـ«ضرورة الجاهزية القصوى وتوفير جميع الآلات والمعدات اللازمة لمساعدة المزارعين في عمليات الحصاد الآلي»، مؤكداً «أهمية صيانة المعدات وتوزيعها بشكل عادل على مختلف المحافظات لضمان سرعة نقل المحصول إلى الصوامع والشون وتسهيل عملية التوريد ومنع التكدس». كما وجه بـ«تذليل أي عقبات تواجه عمليات التوريد بما يضمن استقرار السوق المحلية وتأمين مخزون استراتيجي آمن من المحصول».

في سياق ذلك، نشر «المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري»، الثلاثاء، إنفوغرافاً أشار فيه إلى زيادة المساحة المزروعة بالقمح خلال الموسم الحالي. وذكر أن «هذا التوسع الكبير جاء مدعوماً بجهود بحثية مكثفة من المراكز والمعاهد التابعة لوزارة الزراعة». وأكد أن «هذا التطور يعكس نجاح استنباط أصناف جديدة من التقاوي العالية الجودة، إلى جانب التوسع في تطبيق الممارسات الزراعية الحديثة، بما يعزز من إنتاجية المحصول ويدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي».

مزراعون وسط حقل قمح الشهر الماضي (وزارة الزراعة)

وقال محافظ الفيوم، محمد هانئ غنيم، إن «محصول القمح يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ترتكز عليها جهود الدولة لتحقيق الأمن الغذائي»، مشيراً إلى «حرص الدولة على تقديم مختلف أوجه الدعم والتيسيرات اللازمة للمزارعين بهدف التوسع في المساحات المنزرعة وزيادة الإنتاجية». وأضاف في تصريحات، الثلاثاء، أن «تحقيق معدلات توريد مرتفعة من محصول القمح يسهم في تقليل الفجوة الاستيرادية وتعزيز الاكتفاء الذاتي من القمح».