مريم مشتاوي وكريستين صالح... اجتماع القلم والريشة

غلاف أدى إلى ولادة صداقة بين كاتبة ورسامة

الفنانة التشكيلية كريستين صالح جميل
الفنانة التشكيلية كريستين صالح جميل
TT

مريم مشتاوي وكريستين صالح... اجتماع القلم والريشة

الفنانة التشكيلية كريستين صالح جميل
الفنانة التشكيلية كريستين صالح جميل

مريم مشتاوي، شاعرة لبنانية تقيم في لندن، لها عدد من المجاميع الشعرية منها: «حبيب لم يكن يوماً حبيبي»، و«ممر وردي بين الحب والموت» و«هالوين الفراق الأبدي».
دخلت عالم الرواية بـ«عشق» و«حين تبكي مريم» و«ياقوت».
كريستين صالح جميل رسامة بريطانية لبنانية شاركت في معارض محلية وعالمية، لها لوحات كثيرة عن الخيل العربي التي زينها مراد بطرس بالحرف العربي الجميل.
بمناسبة إطلاق الكاتبة مريم مشتاوي رواياتها الجديدة «تيريزا أكاديا»، ضربت «الشرق الأوسط» عصفورين بحجر، لأنهما بالفعل أشبه بعصفورين يزقزقان بلغة فنية تختلف طرقها، لكنها متناغمة.
«تيريزا أكاديا»، رواية تجمع ما بين الخيال وجنون الحب. تبدأ من شاطئ بورتوفينو في إيطاليا وتنتقل أحداثها إلى مرفأ طرابلس في لبنان، لتنتهي بين جدران دير في قرية عتابا، وهذه القرية من اختراع الكاتبة في جرود لبنان الشمالية.
«تيريزا أكاديا» أو «امرأة الفراق»، تولد في بيت يفقد أحد أركانه الرئيسية. والدها شيخ البحر رجل غريب الأطوار ينتمي إلى عالم البحار. توفيت والدتها وهي لا تزال طفلة، وربّتها امرأة لا تقل غرابة عن والدها.
أحبت تيريزا أغسطينو، لكنه ترك بورتوفينو واختفى... فقررت السفر إلى... حيث تبدأ الحكاية...
واللافت في الكتاب بعيداً عن قصته، الغلاف فهو لوحة فنية رائعة تشبه إلى حد كبير الكاتبة في ملامحها الهادئة. تروي لنا مشتاوي لغز الغلاف وتقول إنها التقت عن طريق الصدفة بالفنانة الرسامة كريستين صالح جميل من خلال صديقة مشتركة. بهرتها لوحاتها، خصوصاً لوحة بعنوان «أمل»، وهي عبارة عن صورة فتاة استطاعت الرسامة أن تعطي كل ما لديها لكي تظهر الأمل في عينيها. وعندما رأت مشتاوي هذه اللوحة تمنت ضمناً أن ترسم كريستين لها لوحة غلاف «تيريزا أكاديا»؛ فعرضت الأمر عليها ورحبت بالفكرة، ثم طلبت منها أن تعطيها فرصة لتقرأ الرواية... وبعد أسبوع اتصلت بها قائلة: «تيريزا أكاديا تشبهك جداً، أو قد تكون أنت. لذلك سيكون الغلاف عبارة عن بورتريه يشبهك».
تقول مشتاوي: «أخافتني الفكرة في البداية لأني كنت أعلم ضمناً أنني سأواجه انتقادات حادة، مثل (كاتبة مغرورة وممتلئة بذاتها ونرجسية)، ولكني حين رأيت اللوحة اقتنعت بفكرة كريستين، وشعرت أنها فعلاً تجسد الشخصية الرئيسة في الرواية».
وقالت كريستين صالح جميل لـ«الشرق الأوسط» إنها جسدت صورة تيريزا، وساهمت بأن تجعل الشخصية أقرب إلى الحقيقة، وهي سعيدة جدا كونها قامت بعمل جديد من نوعه. فهذه هي المرة الأولى التي تقوم بها برسم غلاف كتاب وهي راضية جدا بالنتيجة. وأضافت أن إحساس الكاتبة كان في مكانه؛ لأنها خافت في البداية من الانتقادات التي أطالتها مباشرة بعد إطلاق الكتاب، وشدّدت على أن الانتقاد مهم في الكثير من الأحيان، وكررت بأن فكرة الغلاف كانت فكرتها، والسبب هو أن كريستين رأت في شخصية المرأة التي تدور أحداث الكتاب حولها، تشبه في مضمونها الكاتبة. وهنا تفسر صالح الأمر من منطلق عملها رسامةً، وتقول: الفن هو عبارة عن مشاعر وله وجوه عدة. الكتابة فن. والرسم فن. والغناء فن. وأنا أرى بأن صاحب العمل هو قطعة من عمله؛ لأنه يتأثر به، وفي وضع مريم، فهي قطعة منه، ولو أنها لا ترى هذا التناغم وأوجه التشابه.
وتضيف صالح أنها لم تنقل صورة مريم كما هي؛ لأنها وضعت لمستها الخاصة لدرجة أن هناك الكثير من التساؤلات عما إذا كان غلاف الكتاب هو صورة مريم أم امرأة أخرى؟ وهذا ما أرادته صالح؛ لأنها وضعت لمستها ونقلت الصورة التي تلمستها في شخصية بطلة الكتاب ورسمتها بالطريقة التي شعرت بها. وتتابع: نجاح أي عمل يعتمد على علاقة جيدة تربط بين الطرفين الزبون والرسام، وفي هذه الحالة نجح الغلاف؛ لأن علاقتي بمريم تطورت لتصبح صداقة متينة، وهذا الأمر هو وليد اجتماعات عدة بيننا، قبل وخلال وبعد إنجاز اللوحة التي استغرق رسمها الشهر ونصف الشهر تقريباً، واستمتعت كثيراً بهذا العمل الذي استطعت أن اقنع الكاتبة به، بعدما عرضت عليّ الكثير من الصور الأخرى، إلا أنني انتصرت برأيي، وأعتقد بأن النّقاد سوف يقتنعون بهذا الخيار أيضاً؛ لأن الصورة هي مرآة معبرة عن مريم».
ورداً على سؤالنا عن نسبة رضاها عن اللوحة والعمل، تقول كريستين إنّها راضية بنسبة 90 في المائة، لكنّها تتقبل النقد بصدر رحب لأنها تسعى دائماً إلى التحسن.
بالعودة إلى مريم وروايتها الجديدة، ولدى سؤالها عن الرواية الأقرب إلى روحها والتي تشبهها كإنسانة، ردت: «كل الأعمال الأدبية هي امتداد لروح كاتبها... وكل رواية هي مرآة مريم. أعكس فيها تراكمات في داخلي عشتها في الماضي أو صادفتني حديثاً أو قرأتها في مكان وتخمرت في ذاكرتي». وتوضح: «مريم هي عشق وياقوت وتيريزا أكاديا. ربما كنتُ (عشق) بفقدانها طفلها في مرض السرطان... وكنتُ (ياقوت) بالحرب التي عاشت داخلي في الطفولة... وكنتُ تيريزا بجنوبها وانفعالاتها. كل شخصية تولد من أحشائي... أكتبها بحب... أتقمصها وتتقمصني... نعيش معاً طيلة الرحلة الروائية، وحين تنتهي الرواية أشعر بإحباط شديد وبفراغ أكبر».
وعن سبب انتقالها من عالم الشعر إلى الرواية، تقول مشتاوي: «لا أعتقد أني انتقلت إلى عالم الرواية، بل الأصح أنني نقلت معي الشعر إلى أحضانها. لا يمكنني أن أتخلى عن جنسيتي الشعرية فهي الأصل... حاولت أن أوظّف الشعر في خدمة الرواية، وكنت حريصة أن يكون ظله خفيفاً على البناء الروائي. أسعى لأكتب بأسلوب شاعري، محافظة على العناصر الرئيسة للرواية».
وبرأيها، فإن الصراعات المتتالية التي يعيشها عالمنا العربي وصعوبة الحياة والماسي المتلاحقة التي نسمع بها، تدفع المبدع إلى الكتابة. والشعر بطبيعته مكثف، ومساحته ضيقة ليس فيه مساحات شاسعة للتعبير، ولا يحتمل تدفق المشاعر؛ لذلك لجأت إلى الرواية التي جاءت كحاجة ملحة وليدة الأحداث الأليمة التي نعيشها يومياً». وتتابع: «كما أن الشعر نخبوي بامتياز، وأنا أردت أن أصل إلى كل فئات القرّاء».
ترى مشتاوي أن اللجوء إلى الرواية كان لغسل روحها من كل الشوائب التي سببها الزمن، وثانياً لأنها تطمح للتغيير وتؤمن بدور الكاتب في تطوير المجتمع. وحسب رأيها، فكونها عربية مقيمة في لندن، ترى أن هذه المدينة هي مرتع للإنسان المبدع رجلاً كان أم امرأة، عربياً أم أجنبياً.
وتضيف: «لست في حاجة إلى أن آتي من خلفية سياسية معيّنة لأنجح في عملي ومجتمعي، ولا حتى أن أتبع تياراً أو حزباً أو زعيماً سياسياً، كما قد يحصل في وطني الأم أو في أي بلد عربي آخر. هنا، يكفي أن يجتهد الإنسان ليجني ثمار تعبه». وتضيف: «بالنسبة للمرأة تحديداً، فإن العالم العربي يقلّل من شأنها ومن قدراتها. حتى مناصبها السياسة هي شكلية فقط، ولا يستطيعون مزج المرأة الحسنة المظهر مع الموهبة، وكأن على كل امرأة ناجحة أو موهوبة أن تكون رثة المظهر. في لندن المرأة المجتهدة قبيحة كانت أم جميلة تصل إلى أحلامها. مدينة تقدّر الكفاءات تشجعها وتعتني بها».
هنا في هذه المدينة تعلّمت أن الإنسان له حقوق فعلية مثل تلك التي قرأت عنها مشتاوي في الكتب حين كانت في بيروت.
يشار إلى أن مريم مشتاوي تشارك في صالون ثقافي شهري، ولها نشاطات ثقافية خيرية. فالصالون الثقافي هو تجمع شهري لمثقفين وكتاب وشعراء عرب وأجانب من محبي الثقافة العربية، ينظم فعاليات ثقافية متنوعة تهدف إلى مد الجسور بين الثقافتين العربية والبريطانية، وتقديم صورة مشرقة عن الثقافة العربية في زمن شاعت مفاهيم خاطئة عن العرب في بلدان الغرب. لحد الآن احتفى الصالون بقامات عربية كبيرة مثل جبران خليل جبران ونزار قباني وغيرهما، كما أحيا ذكرى تفجير شارع المتنبي.
أسست مريم الصالون الثقافي بعد موت ابنها الصغير لدعم الجمعيات التي تعنى بمرض سرطان الأطفال.
بدأت في لندن ثم توسعت النشاطات إلى بلدان عربية أخرى، فنظّمت أمسيتين ثقافيتين لصالح مركز سرطان الأطفال في بيروت أما في تونس فكان لها أمسية شعرية لصالح مستشفى عزيزة عثمانة.
ختمت مريم حديثها بعبارات رائعة تنبع من القلب: «كما يقال، الحياة قصيرة، وهي أخذ وعطاء، ومتى أصبحت أخذاً بلا عطاء خرجت عن كونها حياة. نحن نأخذ يومياً أشياء جميلة نتمتّع بها، فلا ضرر بأن نعطي القليل. والمحبة ترفعنا إلى أعلى مراتب الفرح... مساعدة طفل مريض هي أعظم آية في الحياة».



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.