«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة

«وول ستريت» في القمة ولا خوف من فقاعة

بفضل شركات الاقتصاد الرقمي والمعرفي
الخميس - 22 محرم 1439 هـ - 12 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14198]
لندن: مطلق منير
بلغ مستوى مؤشر «إس أند بي 500»، الأسبوع الماضي، 2532 نقطة مقابل مستوى 1562 نقطة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2007، قبل أن يهبط لاحقاً بنسبة 56 في المائة ليبلغ أدنى مستوى له في مارس (آذار) 2009 عند 683 نقطة. ومنذ تلك النقطة المتهاوية جداً يكون المؤشر قد صعد بالنسبة البسيطة المطلقة 270 في المائة من دون حساب إثر توزيعات الأرباح.

وكان مؤشر «داو جونز» قد بلغ أدنى مستوياته بعد الأزمة في 6 مارس 2009، عندما هبط إلى 6626 نقطة مقابل إقفال عند مستوى 22773 نقطة الأسبوع الماضي، وفي الفترة ذاتها ارتفع مؤشر «ناسداك» من 1293 نقطة إلى 6590 نقطة.

وبعكس الأسواق الأوروبية والأسواق العالمية الأخرى، خرجت السوق الأميركية من الأزمة على نحو سريع اعتباراً من 2013 عندما عادت المؤشرات إلى مستويات 2007، وذلك بمرونة عالية وسرعة تأقلم نادرة مستفيدةً من دعم حكومي استثنائي لا سيما على صعيد السياسة النقدية التي خفضت الفوائد إلى أدنى مستويات تاريخية، وأطلقت برامج تيسير كمّي لشراء الأصول بلغ حجمه 4500 مليار دولار، فضلاً عن حوافز اقتصادية وضريبية وضعت في خدمة تنافسية الاقتصاد الأميركي. وسمح ذلك للشركات بتسريع إعادة التركيز على مرحلة ما بعد الأزمة، في وقت ظلت فيه أسواق أخرى متخبطة في كيفية الخروج من التداعيات.

ويقول محللو «وول ستريت»: «يتعزز المشهد المطمئن الآن مع زياد وضوح السياسة الاقتصادية والضريبية الجديدة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، وبذلك تزول تدريجياً حالة عدم اليقين التي كانت سادت في الأشهر الماضية، ويعود المستثمرون لاستئناف نشاطهم في تداولات قد تدفع مؤشرات (وول ستريت) إلى مستويات أعلى، وذلك في موازاة موجة متطلبات للمساهمين ظهرت في الجمعيات العمومية لتدفع إدارات الشركات إلى فعالية أكبر، علماً بأن تلك المتطلبات كانت بدأت تطل برأسها أكثر فأكثر منذ ما بعد الأزمة، مجبرةً الشركات على مزيد من التأقلم مع الأوضاع الجديدة، سواء بعمليات إعادة هيكلة أو بتغيير جذري لبعض نماذج الأعمال التي كشفت الأزمة هشاشتها، وهكذا استطاعت الشركات من جديد سلوك طريق النمو».

ويضيف محللون آخرون إلى ما سبق عاملاً جديداً كلياً، إذ يؤكد هؤلاء أن «الأمر لم يعد متعلقاً بشركات الاقتصاد التقليدي أو بشركات ناشئة، بل إن السوق اليوم مفعمة بشركات مكرسة النجاح في اقتصاد جديد كلياً ومختلف جذرياً عما كان في 2007 وما قبلها. والمقصود هنا شركات التقنية مثل (غوغل) و(أمازون) و(فيسبوك) و(آبل)... التي عرفت كيف تبني إمبراطوريات احتكارية أو شبه احتكارية على مستوى العالم. وتضاف إلى تلك الشركات أخرى ناشئة ممولة الآن بمليارات الدولارات لتكون نجوم الأسواق في المستقبل. كل هذه المكونات تتجمع معاً لتمنح المستثمرين أجواء تفاؤلية إضافية تختلف في عواملها جذرياً عما كان في 2007».

ربما لا يشبه 2017 عام 2007 بشيء، لكن ذلك لا يمنع من بعض الحذر الذي يبديه قلقون من المستويات المرتفعة التي وصلت إليها مؤشرات البورصة، لتبدأ التساؤلات حول ما إذا كانت أسعار الأسهم بلغت مستويات خطرة أو «مضاربية» قد تتشكل معها فقاعات.

يرد المحللون المتفائلون بالقول: «في قراءة تاريخية للسوق الأميركية في مدى المائة سنة الماضية، يتبين أن المستويات العالية شكلت ثلث الفترة المذكورة، أي أن السوق الأميركية قضت 30 سنة من أصل 100 في قمم كانت دائماً تثير قلق البعض. لذا لا مبرر كافٍ للخوف إذا كان المستثمر طويل النفس أو يوظف أمواله للأمد الطويل، كما يفعل الملياردير وارين بافيت رئيس شركة (بيركشير هاثاوي)».

ويضيف المتفائلون: «على المستثمر اليوم أن يعرف أن الأمور مختلفة كلياً عن السابق، وللدلالة على ذلك يجدر التذكير بأن قائمة أكبر الشركات العالمية من حيث القيمة السوقية انقلبت رأساً على عقب بين 2007 و2017. فعشية الأزمة المالية كانت القائمة مشكَّلَة من (إكسون موبيل) و(جنرال إلكتريك) و(بتروشاينا) و(شاينا موبيل) والبنك الصناعي والتجاري الصيني، و(مايكروسوفت) و(غازبروم) و(إيه تي أند تي) و(شل) و(سيتي غروب)... أما القائمة اليوم فتطغى عليها الشركات التقنية، وهي مكونة من (آبل) و(غوغل) و(مايكروسوفت) و(فيسبوك) و(أمازون) و(بيركشير هاثاواي) و(علي بابا) و(تيسنت) و(جونسون آند جونسون) و(أكسون موبيل). أي أن 70 في المائة من قائمة أكبر شركات العالم هي شركات تقنية ورقمنة وتكنولوجيا معلومات في اقتصاد معرفي غير تقليدي. ولهذه الشركات قيم سوقية بمئات المليارات. وإذا كان لا بد من المقارنة، فتجدر الإشارة - على سبيل المثال - إلى أن قيمة الشركات المدرجة في مؤشر «كاك 40» الفرنسي تساوي 1.5 تريليون دولار، أي أقل من نصف قيمة 5 شركات أميركية فقط هي (آبل) و(غوغل) و(مايكروسوفت) و(فيسبوك) و(أمازون)، التي تزيد قيمتها مجتمعة على 3 تريليونات دولار كما عند إغلاقات الأسبوع الماضي».

يضاف إلى العمالقة المكرسين في قطاع التقنية شركات أخرى في القطاع نفسه يلمع نجمها على الطريق ذاته، مثل شركة «نتفلكس» التي بلغت قيمتها السوقية 86 مليار دولار، الأسبوع الماضي.

ويشير متخصصون في متابعة الشركات العملاقة إلى «قدرة هائلة لدى شركات التقنية والرقمنة على الانعطاف الاستراتيجي بفعل استحواذات في عدة اتجاهات. فشركة (غوغل) تحولت بفعل الاستحواذ على (يوتيوب) من مجرد محرك بحث إلى وجهة جديدة ترفيهية وثقافية لا تقل أهمية. و(فيسبوك) تحولت من مجرد شبكة تواصل اجتماعي إلى منصة عالمية للاتصالات تضم نحو ملياري مستخدم يضاف إليهم 1.3 مليار من مستخدمي (مسنجر) و1.2 مليار من مستخدمي (واتس آب) التابعة لمجموعة (فيسبوك)، و800 مليون مستخدم لمنصة (إنستغرام) التي استحوذت عليها أيضاً، أي أن نصف سكان الكرة الأرضية متصل الآن بـ(فيسبوك) وتوابعها. علما بأن الشركة قامت بنحو 64 استحواذاً لم يفهم المحللون بعدُ كل استهدافاتها. أما شركة (أمازون) المعروفة بريادتها للتجارة الإلكترونية فهي أيضاً مستحوِذَة على حصة مرموقة من قطاع الحوسبة السحابية، وتستغل الداتا (البيانات) المعلوماتية الهائلة التي لديها في قطاعات أخرى. و(نتفلكس) التي بدأت في تأجير أفلام الفيديو (أونلاين) دخلت أخيراً في نطاق الإنتاج الهوليوودي بمليارات الدولارات».

ويختم المحللون بتأكيد أن «(وول ستريت) تعيش اليوم عصراً مختلفاً كليّاً لا جمود فيه خلال سنوات طويلة مقبلة، لأن لدى كل شركة من شركات التقنية قدرةً تحوليةً كبيرةً. وهذا لا يمت بصلة لشركات الاقتصاد القديم الذي كان سائداً قبل الأزمة العالمية التي اندلعت في 2007».
أميركا Economy

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة