السويحلي لـ«الشرق الأوسط»: «الخريطة الأممية» خطة عملية للحل في ليبيا

رئيس المجلس الأعلى للدولة انتقد استخدام المناصب العسكرية والدينية لتمرير آراء سياسية

السويحلي («الشرق الأوسط»)
السويحلي («الشرق الأوسط»)
TT

السويحلي لـ«الشرق الأوسط»: «الخريطة الأممية» خطة عملية للحل في ليبيا

السويحلي («الشرق الأوسط»)
السويحلي («الشرق الأوسط»)

رسم عبد الرحمن السويحلي، رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، صورة للأوضاع الداخلية في بلاده، بالتأكيد على أن «الجهات الدولية والإقليمية أصبحت على يقين بأنه لا يمكن لأي طرف في الصراع الدائر في ليبيا أن ينتصر على الآخر أو يلغيه».
ودافع السويحلي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن «الخريطة الأممية» لتعديل «اتفاق الصخيرات»، وتبنيها «دمج المسلحين والتنظيمات الإسلامية في الحياة السياسية»، ورأى فيها «خطة منطقية وعملية تحظى بتوافق كبير بين الأطراف السياسية الليبية»، لكنه شدد على ضرورة «التخفيف من الآثار السلبية لما سماهم (المعرقلين)»، وقال إن «طرفا في السلطة الحالية يسعى لإفشال العملية السياسية. لكن المزاج الشعبي والإقليمي والدولي لم يعد يتقبل الاستمرار في التعنت من هذا أو ذاك».
كما تحدث السويحلي عن اختزال أعضاء «المجلس الرئاسي»، وفقاً لـ«الخريطة الأممية» من تسعة أشخاص إلى ثلاثة، وقال إن «هذا ليس موضوع خلاف، ولن يكون، لأن المتطلبات العملية والشعبية تفرض ذلك».
وبخصوص إمكانية دمج شخصيات معروفة، مثل المفتي السابق الصادق الغرياني في الحياة السياسية، علّق السويحلي على ذلك بالقول إنه «ليس من المنطقي منع أي شخص أو مجموعة تريد الانخراط في العملية السياسية، لكن شريطة الالتزام بالقواعد الديمقراطية»، موضحا أن «كثيرين يعترضون على استخدام المناصب العسكرية والدينية لتمرير آراء سياسية، وأنا معهم».
وفيما يلي نص الحوار:

> كيف تقرأ «الخريطة الأممية» للحل في ليبيا مع انطلاق الجولة الثانية لتعديل «اتفاق الصخيرات» في تونس السبت المقبل؟
- «خريطة الطريق» التي أعلنها غسان سلامة ترتكز على ثلاثة عناصر مهمة، وتتميز بتسلسل واضح لتعديل الاتفاق السياسي، (وقُع في منتجع الصخيرات بالمغرب ديسمبر/ كانون الأول 2015) واستكمال الاستحقاق الدستوري، وإنهاء المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات طبقا للدستور الجديد. وحسب هذه الخريطة فسيتم التعامل مع تلك العناصر في إطار المادة «12» من الاتفاق، التي تنص على أن المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب هما المؤسستان المنوط بهما تعديل اتفاق الصخيرات، وعلى هذا الأساس نراها خطة منطقية وعملية وتحظى بتوافق كبير بين الأطراف الليبية.
> لكن البعض يعترض على «المرحلة الثانية» من «الخريطة الأممية»، والمتمثلة في عقد مؤتمر وطني لدمج «المهمشين» في العملية السياسية، ويرى أنه سيفرز كيانات إضافية قد تزيد من خلط الأمور؟
- نحن في المجلس الأعلى للدولة نتفق مع سلامة حول أهمية النظر إلى «المؤتمر الوطني» كحدث سينتهي، وليس كجسم يؤسس لوضع جديد يتخوف منه البعض، ونرى أن حشد الدعم لأي اتفاق قبل المفاوضات وخلالها وبعد استكمالها ضروري، وهو أحد الدروس التي تعلمناها من تجربة اتفاق الصخيرات.
> كيف ترى الموافقة على دمج سيف الإسلام القذافي في العملية السياسية وهو مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية ومحاكم ليبية؟
- ما يطرحه المبعوث الأممي يعتمد على أن المشاركة السياسية متاحة للجميع، وليست حكرا على أحد دون سواه، وهو موقف مبدئي ليس محل جدل بين الأغلبية الساحقة من الليبيين.
> وماذا عن دمج المسلحين والتنظيمات الإسلامية؟
- الاتفاق السياسي المُوقع في الصخيرات ينص على أن دمج وإعادة تأهيل منتسبي التشكيلات المسلحة هو إحدى أولويات حكومة الوفاق الوطني، ولا أعتقد أن هناك خلافا حول ذلك، وما يتعلق بالتنظيمات الإسلامية أو أي تنظيمات أخرى تريد الانخراط في العملية السياسية وتلتزم بالقواعد الديمقراطية فإنه من حقها أن تشارك في بناء الوطن الذي يسع الجميع وبحاجة إليهم.
> المفتي السابق الصادق الغرياني على «قائمة الإرهاب» ودائما ما يحرض على الاقتتال، عبر فضائية «التناصح»، ويرى أن كل من يقاتل مع قائد الجيش الليبي خارج عن ولي الأمر ويحشر في النار؟... هل مثل هذه الشخصيات ستمثل في العملية السياسية مستقبلاً؟
- سبق وقلت إنه ليس من المنطقي منع أي شخص أو مجموعة تريد الانخراط في العملية السياسية، ما دامت أنها مستعدة للالتزام بالقواعد الديمقراطية، ولا أحد يستطيع منعها، إضافة إلى ذلك يجب عدم تجاهل حقيقة أن الكثيرين يعترضون على استخدام المناصب العسكرية أو الدينية أو غيرها لتمرير أو فرض آراء سياسية، وأنا أشاطرهم ذلك.
> هل تتوقع تكرار المناكفات التي شهدتها البلاد أثناء مناقشة اتفاق الصخيرات مع تعديله في تونس؟
- أعتقد أن ديناميكية المشهد الليبي قد تغيرت كثيرا منذ اتفاق الصخيرات، وأصبحت الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية مهيأة أكثر من أي وقت مضى للوصول إلى تسوية، ومع أنها قد لا تحظى بالرضا الكامل من كل الأطراف، لكنها تحقق مطلباً شعبياً لا يمكن تجاهله، وهذا ما بدأ ينعكس بالفعل على مجريات الأمور بين وفدي مجلسي الأعلى للدولة والنواب في لقاءاتهم بالعاصمة التونسية.
> وهل سيمرر مجلس النواب التعديل هذه المرة، أم أنه سيتعثر كما حدث مع اتفاق الصخيرات؟
- أعتقد أن المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والمبعوث الأممي على دراية تامة بالصعوبات التي واجهت عملية تنفيذ الاتفاق السياسي منذ عامين، والأهم أن ما لمسناه في الجولة الأولى من مفاوضات تعديل الاتفاق السياسي، التي جرت في تونس، هو أن هذه الأطراف ترى أن البلاد بحاجة إلى تفاهمات جديدة وعملية بآليات أكثر فاعلية وقابلة للتنفيذ.
> وماذا عن التدخلات الأجنبية والاستقواء بالخارج لحسابات شخصية، وانعكاسات ذلك على المناقشات الجارية؟
- ربما من حسن الحظ هذه المرة أن الأطراف الدولية والإقليمية أصبحت على يقين بأنه لا يمكن لأي طرف في الصراع الدائر في ليبيا أن ينتصر على الأطراف الأخرى أو يلغيها، وهو ما أثر إيجابيا على ديناميكية المشهد، وهذا لا يمنع رفض أحد الأطراف لأي تسوية، وربما الحصول على دعم لهذا الرفض، ولكن المزاج الشعبي والإقليمي والدولي عموما لم يعد يتقبل الاستمرار في التعنت من هذا أو ذاك.
> هل تتوقع توافقا على طرح فكرة «الرئيس والنائبين» وعدم التمسك بالتمثيل الجهوي والقبلي؟
- لا أعتقد أن تخفيض عدد المجلس الرئاسي من تسعة إلى ثلاثة أعضاء سيكون موضوع خلاف، لأن ذلك التوجه تفرضه متطلبات عملية وشعبية.
> هناك أطراف ليبية سعت إلى عرقلة الاتفاق السياسي في السابق. فهل ترصد تكرار السيناريو نفسه الآن؟
- رغم أن الظروف أصبحت مواتية أكثر من أي وقت مضى للوصول إلى توافق حقيقي يمكن تنفيذه ويؤثر إيجابيا على المشهد الليبي، ويساهم في رفع المعاناة عن مواطنينا، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ضمان عدم ظهور معرقلين، وعليه يجب العمل من الآن على التخفيف من الآثار السلبية لتلك الفئة، وأفضل طريقة لذلك هو توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
> من هم المعرقلون برأيك؟
- «الخريطة الأممية»، إذا صح التعبير، تهدف إلى مساعدة الليبيين على الوصول إلى تسوية عادلة، وأي تسوية، بحكم تعريفها، لن تُرضي كل الجهات، خصوصا الجهات المستفيدة من استمرار الصراع، وتتمنى بقاء الوضع على ما هو عليه، وهناك بعض الأطراف في السلطة الحالية تسعى لإفشال العملية السياسية، وكما ذكرت سابقاً، فأنا أعتقد أنه بالإمكان التخفيف من آثار ذلك عبر عملية سياسية متوازنة وبمشاركة أكبر.
> البعض يرى أن ليبيا أصبحت مسرحا للأزمات العربية والأجنبية وتصفية الحسابات، وليس العكس؟
- هذا ليس غريباً، فجميع الدول تبحث عن مصالحها في كل مكان، وقد يقودها ذلك إلى صراع مع خصومها أو منافسيها على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، وللأسف الشديد فإن الصراع في ليبيا بين أبناء الوطن الواحد فتح الباب أمام جهات خارجية نقلت صراعاتها إلى ليبيا.
> من تكون هذه الأطراف؟
- الصراع بين الأطراف الليبية سمح لآخرين بالتدخل في الشأن الداخلي، وفتح الباب على مصراعيه لكيل الاتهامات وتوجيه اللوم إلى هذا الطرف أو ذاك، اعتمادا على أدلة، أو حتى من دونها، وأعتقد أن تقارير فريق الخبراء المعني بليبيا الموجهة إلى مجلس الأمن تشير بوضوح إلى هوية الجهات، التي تتدخل في ليبيا، والدعم الضخم الذي تقدمه إلى أحد أطراف الصراع.
> كيف تنظرون إلى دخول إيطاليا على خط الأزمة الليبية؟
- أعتقد أن إيطاليا تشاركنا الرأي بخصوص أهمية تضافر الجهود في هذه المرحلة الحرجة من أجل الالتزام بقرارات مجلس الأمن الخاصة بليبيا، وخطة العمل التي طرحها المبعوث الأممي، ودعم جهوده في تيسير الوصول إلى تسوية بين الأطراف الليبية، ونتمنى أن تصب تلك الجهود في هذا الاتجاه.
> هل من سبيل لتوحيد الجيش الليبي؟
- بكل تأكيد، فقد كانت هناك بداية واعدة في سنة 2012 عندما اشترك عسكريون ليبيون وخبراء دوليون، تحت إشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في إعداد وثيقة أطلقت عليها آنذاك «نحو ورقة بيضاء للدفاع» قدمت في أبريل (نيسان) 2013 إلى وزير الدفاع آنذاك عبد الله الثني، لكن للأسف لم ير ذلك الجهد النور حتى الآن، ونحن نرى أن عملية تأسيس جيش في ليبيا يجب أن تبتعد عن الشخصنة، وأن تركز على المبادئ، مع ضرورة أن تكون بنية المؤسسات الدفاعية والتشريعات متسقة مع المعايير الديمقراطية الدولية، وضمان خضوع ذلك لرقابة مدنية ديمقراطية، وأن يكون البناء المؤسسي للقوات المسلحة هو المهنية والولاء للوطن، واحترام حقوق الإنسان والمحافظة على السلامة الإقليمية لليبيا.
> إلى متى ستظل ليبيا تحت سيطرة الميليشيات المسلحة وانتشار السلاح في أيدي الجميع؟
- ليس هناك خلاف حول حقيقة أنه لا يمكن بناء الدولة في غياب امتلاكها للقوة، ولكن التعامل مع ظاهرة انتشار السلاح والمجموعات المسلحة يتطلب أولا الاعتراف بأن هذه الظاهرة معقدة، يختلط فيها الجانب السياسي والعسكري والاقتصادي، وأنه لا يمكن التعامل معها بالتمني أو الإجراءات العشوائية، فتجارب المجتمعات الأخرى حول العالم أثبتت ضرورة وجود برنامج لجمع السلاح من أيدي المواطنين، وإعادة دمج تلك الفئات في المجتمع، في ظل عملية تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية يمكن أن تتيح لأعضاء تلك المجموعات المسلحة فرصة واقعية للاندماج، مع ملاحظة أن هذه الإجراءات لا يمكن تنفيذها في غياب الإرادة السياسية التي تعتبر أمرا حتميا، بالإضافة إلى أن الوفاق الوطني يعتبر نقطة البداية الأساسية لذلك، وبالتالي يعود الاستقرار إلى بلادنا.
> على ذكر التحولات الاجتماعية والاقتصادية هناك ليبيون كثيرون يطرحون السؤال التالي: أين تذهب أموال النفط؟
- يشكل النفط الخام 96 في المائة من إجمالي صادرات البلاد، ما يجعل الاقتصاد معرضا للصدمات في أسواق النفط الخام الدولية، وهذا ما حدث بالفعل بعد التراجع العالمي في أسعار النفط، هذا بالإضافة إلى انقطاع الإنتاج بسبب مشكلات أمنية، ما أثر بشكل كبير على اقتصادنا، إذ انخفضت عائدات النفط الخام في البلاد من 53.3 مليار دولار عام 2012 إلى 4.8 مليار دولار في عام 2016. وأرى أن الحل الرئيسي لهذه المشكلة يكمن في الاستقرار السياسي والانضباط المالي، وتوحيد المؤسسات السيادية واستقرار الوضع الأمني.
> لكن هناك من يقول إن حكومة الوفاق فشلت في إعادة الاستقرار إلى البلاد، وكان أداؤها متواضعا، مما كان يستلزم قيام مجلس الدولة بسحب الثقة منها؟
- نحن الآن في حوار مع مجلس النواب حول تعديل الاتفاق السياسي، ومن أهم البنود المطروحة إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وهو أمر أشمل وأهم من مجرد سحب الثقة واستبدال حكومة بأخرى، وقد توصلت لجنتا المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب خلال الجولة الأولى التي احتضنتها تونس إلى تفاهمات مبدئية مهمة حول هذا الموضوع، وتهدف إلى معالجة جذرية لقضايا الأداء والكفاءة والفاعلية والمساءلة في السلطة التنفيذية.
> بعض الفرقاء يقولون إن المدة القانونية لاتفاق الصخيرات تنتهي منتصف ديسمبر المقبل بحسب نصوصه؟ ما صحة ذلك؟
- بعض الدوائر المحلية والإقليمية تصر خطأ على أن الاتفاق السياسي الليبي ينتهي في تلك المدة كما ذكرت، وبصرف النظر عن حقيقة أن هذا الموقف يعبر عن مصالح ذاتية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، فإن ذلك يفتقر بوضوح إلى الأسس الموضوعية، فالاتفاق السياسي يعتبر ساري المفعول طوال الفترة الانتقالية التي حددت في الاتفاق السياسي في المادة «1» تحت بند «أحكام إضافية»، بأنها «هي التالية لاعتماد الاتفاق، ولحين انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية بموجب الدستور الليبي»، أما بالنسبة لمجلسي النواب والدولة فإنهما يستمران في العمل «لحين انعقاد الجلسة الأولى للسلطة التشريعية بموجب الدستور الليبي»، طبقا للمادتين «18» تحت بند «مجلس النواب»، والمادة «22» فقرة «2» تحت بند «المجلس الأعلى للدولة»، وبغض النظر عن هذا التشويش فإنه من المهم إنجاز خطة العمل التي اقترحها المبعوث الأممي، وأعتقد أنه إذا ما تحملنا مسؤولياتنا وتضافرت الجهود فإن الوضع في بلادنا سيشهد تحسناً ملحوظاً.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended