هل كان عراب الحداثة الشعرية مجنوناً؟

وصف هتلر بأنه «شهيد» ودافع عن موسوليني

إزرا باوند
إزرا باوند
TT

هل كان عراب الحداثة الشعرية مجنوناً؟

إزرا باوند
إزرا باوند

قلّ من شعراء اللغة الإنجليزية في القرن العشرين من لاقى مصيراً محزناً ومأساوياً كذلك الذي لاقاه الشاعر الأميركي إزرا باوند (1885 - 1972). فهذا الشاعر الناقد المترجم الذي يعد من آباء الحداثة المؤسسين في النصف الأول من القرن العشرين، بل هو - مثل فرويد وأينشتاين - واحد من صناع العقل الحديث، قد اختار أن ينحاز في أثناء الحرب العالمية الثانية إلى صف الفاشية، وأن يقف ضد قيم الديمقراطية، مما أدى به إلى الاصطدام مع بلاده.
ولقد أثارت مواقفه هذه جدلاً كبيراً عبر السنين. وأحدث حلقات هذا الجدل كتاب صادر في هذا العام، عنوانه «مستشفى الأمراض العقلية: شعر إزرا باوند ومبادئه السياسية وجنونه»، من تأليف المحاضر الجامعي دانيل سويفت (الناشر: هارفيل سيكر، لندن 2017، 299 صفحة).
يقول سويفت في مقدمة الكتاب إن باوند يمثل حالة من أصعب الحالات وأعصاها على الفهم، وذلك لما حفلت به من تناقضات. لقد كان متحمساً للفاشية، وهو مع ذلك يقول: «لا تنظر إلى أي شيء على أنه عقيدة قطعية (دوجما)». وكان معادياً للسامية على نحو تعميمي، وهو الذي يقول: «إن دقة التقرير الأساسية هي المبدأ الأخلاقي الوحيد في الكتابة». وكان شاعراً حداثياً يزخر شعره بالإيماءات الأدبية والتاريخية (بل والنظريات الاقتصادية والسياسية)، وهو مع ذلك مؤلف بعض من أكثر القصائد حناناً ورقة في زماننا. وكان صبياً أميركياً من ضواحي مدينة فيلادلفيا، ولكنه قضى أغلب عمره في أوروبا متنقلا بين لندن وباريس وإيطاليا. وأعظم أعماله (الأناشيد) قصيدة استغرق أربعين عاماً في كتابتها، تتألف من ثمانمائة صفحة، وهي مع ذلك لم تكتمل. والصعوبة الأساسية التي تمثلها لا تتمثل فقط في ثراء نسيجها واستيحائها ثقافات متعددة وفترات تاريخية مختلفة، وإنما تتمثل أيضاً في صعوبة التوفيق بين ما تقوله ومتناقضات حياته.
لقد كان يحب الدستور الأميركي، ولكنه قضى فترة الحرب العالمية الثانية يلقي أحاديث دعاية ضد أميركا من إذاعة روما. وكان عنصرياً، ولكنه يجد قمة الصدق في الأساطير الأفريقية والفلسفة الصينية ومسرحيات النوه اليابانية. وقد دعي بمختلف الأسماء: فاشي، مجنون، عبقري، خائن. كان يمثل أفضل الأشياء وأسوأها في آن واحد، حتى ليصعب أن تفرق بين فضائله ورذائله.
ولا يمكن الحديث عن تاريخ الشعر الإنجليزي (البريطاني والأميركي) في القرن العشرين دون الحديث عن باوند؛ إنه بطل القصة وشريرها معاً، قد تحبه أو تكرهه، ولكنك لا تستطيع أن تتجاهله.
إن أفضال باوند على الأدب الحديث لا يمكن نكرانها؛ لقد أقنع ت. س. إليوت باختصار قصيدته «الأرض الخراب» إلى نحو ثلث حجمها الأصلي، وكانت اختصاراته هذه سديدة صائبة تصب في صالح القصيدة، وعلم إرنست همنجواي أن يقلل من استخدام النعوت، وأن يركز في أسلوبه على استخدام الأسماء والأفعال، وشجع أ. إ. كمنجز على إجراء تجارب على الصورة الطباعية لقصائده. وكان له الفضل في نشر رواية جويس «يوليسيز» في 1922. وحث و. ب. ييتس على طرح الزخارف جانباً، وكتابة شعر عار عيني محدد. ولا عجب أن دعاه وندام لويس: تروتسكي الأدب، فقد كان ثورياً في الشعر مثلما كان تروتسكي ثورياً في السياسة.
ويكفي للدلالة على اختلاف الآراء في باوند أن نقرأ هذه الكلمات على الغلاف الخلفي للكتاب: ت. س. إليوت يقول: «إنه أهم شاعر على قيد الحياة في اللغة الإنجليزية». مجلة «نيوماسز» (الجماهير الجديدة) تتساءل: «أينبغي أن يعدم إزرا باوند رمياً بالرصاص؟» موسوليني يقول: «إنه مسل». إرنست همنجواي يقول: «إنه يستحق العقاب والعار، ولكن أكثر ما يستحقه حقيقة هو السخرية... إنه واحد من أعظم الشعراء على قيد الحياة». وليم كارلوس وليمز يقول: «إنه أكبر أحمق ملعون ومزور في مهنتنا». مجلة «تايم» الأميركية تقول: «إنه خطر على الأطفال». أما باوند ذاته، ومن الإنصاف أن ندع الكلمة الأخيرة له، فيقول: «إنهم لا يعرفون ماذا يصنعون بي، ومن ثم فإنهم يضعون إز العجوز في قفص». وأين تكون الحقيقة في معترك هذه الشهادات المتضاربة؟
في مايو (أيار) 1945، قبض الجيش الأميركي على باوند في إيطاليا قرب مدينة رابالو. ذلك أنه في يناير (كانون الثاني) 1941 - عام دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية - بدأ يذيع سلسلة أحاديث من راديو روما يؤيد فيها موسوليني، وينتقد سياسات بلاده، ويذهب إلى أن محاربتها قوات المحور حماقة، ويناقش مسائل أخرى من قبيل إصلاح النظام المالي، والشعر. وقد أذاع قرابة مائتين من هذه الأحاديث قبل أن تقرر وزارة العدل الأميركية، في 26 يوليه 1943، أن توجه إليه تهمة الخيانة، وهي تهمة يمكن أن تكون عقوبتها الإعدام. نقل إلى معسكر يودع فيه المتهمون بجرائم الاغتصاب والقتل والفرار من الخدمة العسكرية، وأودع - حرفياً - في قفص فولاذي أبعاده ستة أقدام في ستة أقدام، وقد دعاه بـ«قفص الغوريلا»، عند حافة حقل. ولم تعلم زوجته درورثى بمكانه إلا بعد شهور. كما جاء لزيارته ابنه عمر باوند، وهو مجند في الجيش الأميركي.
فحص الشاعر خبراء طبيون من الجيش، ثم وافوا المحكمة بتقرير مشترك مؤداه أن باوند «يعاني حالياً من حالة بارانويا تجعله غير صالح من الناحية العقلية للتشاور مع محاميه، أو لأن يشارك على نحو ذكي معقول في الدفاع عن نفسه». وفور انتهاء الجلسة، نقل من المحكمة إلى مستشفى سانت إليزابيث، وهو مستشفى حكومي للأمراض العقلية خارج واشنطن. هكذا، أنقذه من الإعدام قول الأطباء: «إنه بعبارة أخرى مجنون وغير صالح عقلياً للمحاكمة».
ولم تكن هذه الأحاديث الإذاعية هي وحدها ما أدى إلى اتهامه بالخيانة. ففي مطلع مايو 1945 - وكان محتجزاً في جنوا - أجرى مقابلة مع صحافي أميركي. وقد وصف في المقابلة هتلر بأنه «شهيد»، وموسوليني بأنه «شخصية بالغة الإنسانية، ولكنها غير كاملة وفقدت صوابها»، ووصف ستالين بأنه «خير مخ في ميدانه». هكذا، دافع أو على الأقل التمس العذر لثلاثة من أكبر طغاة القرن العشرين.
في المستشفى، كان باوند هو المريض رقم 58.102. وسمح له باستقبال الزائرين (وحتى عشيقاته فيما بعد)، فكان ممن جاءوا إليه سائحون وناشطون سياسيون شبان وسفراء وأكاديميون وأدباء بارزون. وكانوا يحملون إليه هدايا متنوعة، مثل الحلوى والشاي بنكهة الياسمين والخبز بالزبيب والكتب. يجلسون عند قدميه، ويستمعون إليه وهو يتحدث عن الشعر وأمور أخرى.
بعد خروج باوند من المستشفى، سافر إلى إيطاليا ليقيم في قلعة تملكها ابنته الأميرة ماري بين الجبال. وفي سنواته الأخيرة، قلما كان يتكلم. وقد توفي في المستشفى البلدي بمدينة البندقية، في شتاء 1972، عن سبعة وثمانين عاماً.
ومع تضارب تقارير الأطباء الذين فحصوه، أثير هذا السؤال المهم: أكان مجنوناً حقيقة أم أنه كان يتظاهر بالجنون كي ينجو من عقوبة الإعدام؟ ذهب المدافعون عنه والمحبون له إلى أنه سواء كان هذا أو ذاك، فهو شاعر عظيم لا يمكن الحكم عليه بالمعايير العادية.
ومن العدل بعد ذلك أن نقول إن باوند في سنواته الأخيرة ندم على حماقاته السابقة؛ إنه يخاطب نفسه في «الأناشيد» قائلاً: «طامن من غرورك». وفي الأنشودة 119، وهي قصيدة قصيرة، يقول:
لقد حاولت أن أكتب الفردوس
لا تتحرك
دع الريح تتكلم
ذاك هو الفردوس
دع الآلهة تغفر ما
صنعت
دع أولئك الذين أحبهم يحاولون أن يغفروا
ما صنعت.
والخلاصة: إن باوند - كما يقول سويفت - خائن ووطني، شاعر ومجنون، عبقري وأحمق، نثر وشعر، جمال ونظام. كلها متناقضات اجتمعت في شخصه، مثلما كان الشأن مع سلفه والت ويتمان، القائل: «أأنا أناقض نفسي؟ حسن. إني رحيب الذات أتسع لكثرات كثيرة».



كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
TT

كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)

مع حلول شهر رمضان، يواجه كثير من الصائمين تحدياً في الحفاظ على اليقظة الذهنية والتركيز طوال ساعات النهار الطويلة، خصوصاً مع الامتناع عن الطعام والشراب لساعات. ويؤكد خبراء التغذية والصحة أن الصيام لا يعني بالضرورة تراجع الأداء الذهني، بل يمكن الحفاظ على صفاء الذهن باتباع عادات غذائية سليمة ونمط حياة متوازن، حسب مجلة «Vogue» الأميركية.

ويعتمد الصائمون خلال رمضان على وجبتين أساسيتين: السحور، وهي وجبة ما قبل الفجر التي تهيئ الجسم ليوم الصيام، والإفطار، وهي الوجبة المسائية التي تُتناول بعد غروب الشمس لكسر الصيام. وغالباً ما تُتناول هاتان الوجبتان في أجواء عائلية واجتماعية.

وتقول الدكتورة فرزانه ناصر، اختصاصية التغذية المعتمدة في الولايات المتحدة: «تعامل مع السحور والإفطار كتغذية موجهة، وليس مجرد أوقات للأكل؛ فعندما تصوم، فإن ما تتناوله خلال هذه الفترة القصيرة يؤثر بشكل مباشر على طاقتك وهضمك ومزاجك وتركيزك الروحي طوال اليوم». وأضافت: «رمضان وقت مثالي للانضباط والتأمل، وعندما تدعم جسمك بشكل صحيح، يمكنك الاستفادة الكاملة من التجربة».

السحور المتوازن

تشير فرزانه ناصر إلى أن السحور يشكل حجر الأساس ليوم الصيام، وتنصح بالتركيز على 3 عناصر رئيسية هي الألياف، والبروتين، والدهون الصحية، مع إضافة عنصر رابع اختياري وهو الأطعمة المخمرة مثل الزبادي.

وتوضح أن البروتين ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ومن أبرز مصادره: البيض، والزبادي اليوناني، والجبن القريش، والعدس، والحمص، والتوفو، والحليب. أما الألياف فتبطئ عملية الهضم وتوفر طاقة مستمرة، ويمكن الحصول عليها من الشوفان، وبذور الشيا والكتان، والمكسرات، والخضراوات، والبقوليات، والفواكه مثل التوت.

كما أن الدهون الصحية مثل زيت الزيتون، والأفوكادو، والمكسرات تدعم وظائف الدماغ وتزيد الشعور بالامتلاء، بينما تسهم الأطعمة المخمرة في تحسين الهضم وتعزيز المناعة. وتوصي فرزانه ناصر بتجنب الأطعمة المكررة أو عالية السكر والملح، مثل الخبز الأبيض والمعجنات والحبوب المحلاة؛ لأنها تسبب تقلبات سكر الدم ما يؤدي إلى الجوع المبكر والإرهاق.

الإفطار التدريجي

يُعد الإفطار على التمر تقليداً شائعاً ومفيداً صحياً؛ إذ يوفر سكريات طبيعية تمنح طاقة فورية مع الألياف. وتنصح ناصر ببدء الإفطار بالتمر مع ماء دافئ أو حساء خفيف أو شاي عشبي، لإعادة الترطيب وتنشيط الجهاز الهضمي تدريجياً.

بعد ذلك، يُفضل أن تحتوي وجبة الإفطار على بروتين صحي مثل السمك أو الدجاج أو البقوليات، إلى جانب الخضروات والدهون المفيدة لضمان توازن العناصر الغذائية. كما تشير فرزانه ناصر إلى أن الكبد يعمل بجهد خلال الصيام؛ لذا قد تساعد الأطعمة المرة مثل الجرجير والأعشاب الورقية في دعمه.

ولترطيب الجسم جيداً، تنصح سايما حسين، مدربة اللياقة والصحة النفسية بالولايات المتحدة، بتوزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور، بحيث يتم تناول عدة أكواب عند الإفطار، وأخرى خلال المساء، ثم كوبين تقريباً عند السحور، مع تجنب شرب كميات كبيرة دفعة واحدة.

وبجانب الماء، يمكن الاستفادة من الشوربات، والأعشاب الدافئة، والفواكه والخضراوات الغنية بالماء مثل البطيخ والخيار، في المقابل، يُفضل تجنب الأطعمة المقلية أو المالحة لأنها تزيد الشعور بالعطش، خصوصاً خلال السحور.

الحفاظ على اليقظة الذهنية

لا يؤثر الصيام الطويل على الطاقة البدنية فقط، بل قد يسبب إجهاداً ذهنياً. وتؤكد سايما حسين أهمية تناول الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة والبقوليات؛ لأنها توفر إمداداً ثابتاً من الغلوكوز للدماغ، إلى جانب أطعمة غنية بأحماض «أوميغا-3» مثل الأسماك الدهنية. وإذا شعر الصائم بالإجهاد الذهني خلال النهار، تقترح حسين القيام بنزهة قصيرة، أو تمارين تمدد خفيفة، أو أخذ قيلولة قصيرة. كما أن النوم الجيد ليلاً يبقى العامل الأهم لتجنب التعب.

كما تنصح الدكتورة فرزانه ناصر بالتركيز على الأطعمة الغنية بالمغنسيوم مثل الخضراوات الورقية، والمكسرات، والبذور، وكميات صغيرة من الشوكولاته الداكنة، لما لها من تأثير مهدئ للجهاز العصبي. كما توصي بتجنب القهوة والشاي بكثرة، وحتى كميات كبيرة من الشوكولاته الداكنة مساءً؛ لأنها قد تعيق النوم، وتقترح استخدام الشيكوريا المحمصة والمطحونة أو قهوة الهندباء كبديل خالٍ من الكافيين.


مصريون يتمسكون بـ«الراديو» في رمضان رغم «إغراءات» التلفاز

مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 
مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 
TT

مصريون يتمسكون بـ«الراديو» في رمضان رغم «إغراءات» التلفاز

مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 
مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 

لم يقتصر استقبال المصريين لشهر رمضان على التزاحم في الأسواق لشراء التمور والياميش والفوانيس، بل امتد مشهد الزحام إلى ورش الصيانة ومراكز إصلاح أجهزة الراديو القديمة، لضبط موجاتها استعداداً لبرامج ومسلسلات الشهر الكريم.

وفي ورشة صغيرة لإصلاح أجهزة الراديو بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، يقول صاحبها أحمد عبد العزيز إن الأيام التي تسبق رمضان وأول أيام الشهر تمثّل «موسم الذروة» بالنسبة لورشته مقارنة ببقية أيام العام، حيث يزداد الإقبال على إصلاح أجهزة الراديو القديمة، سواء من كبار السن أو من جيل الشباب الذين يحاولون إعادة الحياة إلى أجهزة ورثوها عن آبائهم أو احتفظوا بها بوصفها جزءاً من التراث العائلي.

ويضيف العم أحمد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «يُجمع زبائني على أن الأجواء الرمضانية لا تكتمل لديهم إلا بصوت الراديو، لذا يتجدد حضورهم كل عام مع حلول الشهر الفضيل لصيانة أجهزتهم وإصلاحها».

ويقول الموظف الأربعيني عادل لبيب، الذي سلّم صاحب الورشة جهاز الراديو الخاص به لفحصه: «لا يكتمل رمضان بالنسبة لي إلا بالاستماع إلى تلاوات القرآن قبيل الإفطار لكبار القراء، ثم الابتهالات عقب أذان المغرب. وغالباً ما أنفرد بجهاز الراديو في إحدى الغرف للاستماع بعيداً عن صخب التلفاز، وهي عادة ورثتها عن والدي، لذلك فالراديو رفيقي الحميم. كما تتابع زوجتي باستمرار المسلسلات الإذاعية، لا سيما أثناء إعداد الطعام لنا خلال الشهر».

الفنانة صفاء أبو السعود وأبطال مسلسل «أوضتين وصالة» (الهيئة الوطنية للإعلام)

منذ عقود، ارتبط رمضان في مصر ببرامج إذاعية شهيرة، إلى جانب أصوات قراء القرآن الكريم والمبتهلين. ورغم إغراءات التلفاز وهيمنة المنصات الرقمية في السنوات الأخيرة، يظلّ الراديو جزءاً من ذاكرة رمضان المصرية؛ إذ تحرص الأسر على متابعة البرامج الدينية والمسلسلات التي تُبث على مدار اليوم، وهي عادة تجعل من الراديو ضيفاً أساسياً في البيوت طوال الشهر.

كما يطلّ الراديو بقوة خلال رمضان في السيارات الملاكي والأجرة، والمحال التجارية، والأسواق الشعبية، حيث يضفي أجواءً رمضانية مميّزة.

هذه المشاهد تفسّرها الدكتورة سهير عثمان، أستاذة الإعلام في جامعة القاهرة، بقولها: «يمكن تفسير استمرار ارتباط المصريين بالراديو في شهر رمضان بأكثر من عامل، يأتي في مقدمتها البُعدان الثقافي والوجداني؛ فالراديو لم يكن مجرد وسيلة إعلام، بل تحوّل إلى طقس رمضاني أصيل ارتبط بالذاكرة المصرية منذ انطلاق الإذاعة في ثلاثينات القرن الماضي. وقد استطاعت أصوات بعينها، مثل الشيخ محمد رفعت والمبتهل سيد النقشبندي، أن تخلق علاقة وجدانية قوية لا تزال حاضرة حتى اليوم».

ومن زاوية أكاديمية، توضح عثمان، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «الأمر ينسجم مع نظرية الاستخدامات والإشباعات، حيث لا يتخلى الجمهور عن أي وسيلة إعلامية ما دامت تُشبع احتياجاته. فالراديو في رمضان يلبي احتياجات متعددة، مثل الألفة والحميمية، والإحساس بالروحانيات، وإمكانية الاستماع أثناء القيام بمهام أخرى من بينها قيادة السيارة أو الطهي».

وتشير إلى أن «رمضان في مصر هو شهر الطقوس، والإعلام جزء من هذه الطقوس؛ فكما تستمر العادات الدينية والاجتماعية، تستمر أيضاً العادات الإعلامية، ليظلّ الراديو حاضراً بوصفه جزءاً من المشهد الرمضاني المصري».

لقطة جماعية لفريق عمل «الفهلوي» (حساب المؤلف أيمن سلامة على فيسبوك)

وتحظى إذاعة القرآن الكريم، في هذا المشهد الرمضاني، بمتابعة جماهيرية كبيرة، حيث يحرص كثيرون على سماع الابتهالات والبرامج الدينية. لذا أعدّت الإذاعة خريطة بث تتضمن تلاوات نادرة تُبث للمرة الأولى في «قرآن المغرب» لنخبة من مشاهير دولة التلاوة، إلى جانب مجموعة متنوعة من البرامج الدينية والتوعوية الهادفة إلى تعزيز القيم الروحية ونشر الوعي الديني الصحيح.

كما تستقبل الإذاعة المصرية شهر رمضان بخريطة درامية تضم كثيراً من المسلسلات الجديدة، التي يقوم ببطولتها أبرز الفنانين المصريين، بينما تتنوع أحداثها بين الطابع الاجتماعي والكوميدي والتاريخي، وتُذاع هذه الأعمال بشكل متوازٍ على المحطات الإذاعية التابعة للهيئة الوطنية للإعلام.

وتضم قائمة مسلسلات العام الحالي مسلسل «مرفوع مؤقتاً من الخدمة»، الذي يعود به الفنان محمد صبحي إلى أثير الإذاعة، إلى جانب مسلسلي «أوضتين وصالة» و«بهجة رمضان» للفنانة صفاء أبو السعود، ومسلسل «صايم ولا نايم» للفنان مدحت صالح، و«جدو والعيلة» للفنانة عفاف شعيب، و«ماما بنتي» للفنانة سميرة عبد العزيز، و«الإسكندر الأصغر» للفنان حسن الرداد، و«سلطان العلماء... العز بن عبد السلام» للفنان طارق دسوقي، إضافة إلى مسلسل فرعوني يحمل اسم «ماعت»، وقد أُنتج بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

الملصق الدعائي لـ«أخطر خطير» (راديو النيل)

كما استقطبت المحطات الإذاعية الخاصة كثيراً من نجوم الصف الأول في مصر، حيث يقوم الفنان أحمد عز ببطولة مسلسل «الفهلوي»، ويقدّم محمد هنيدي مسلسل «أخطر خطير»، فيما تقدّم الفنانة إسعاد يونس مسلسل «إس بتعس». كذلك يقدّم الفنان أحمد حلمي مسلسل «سنة أولى جواز»، ويشارك الفنان أحمد فهمي في مسلسل «المتر براءة»، بينما يقدّم الفنان أكرم حسني مسلسل «فات المعاش».

وتعود أستاذة الإعلام للحديث، لافتة إلى أن انجذاب الجمهور إلى المسلسلات الإذاعية الرمضانية يعود إلى قوة الخيال السمعي؛ إذ يمنح الراديو المستمع دوراً نشطاً في تشكيل الصورة الذهنية للأحداث، رغم أن الممثل يقف أمام الميكروفون دون أداء بصري. وتضيف أن هناك أيضاً بُعداً تاريخياً، فالمسلسلات الإذاعية الرمضانية في مصر تمتلك إرثاً طويلاً ارتبط بأجيال متعاقبة عبر إذاعات شهيرة مثل «البرنامج العام» و«الشرق الأوسط»، ما رسّخ مكانتها في الذاكرة الجماعية.

البوستر الدعائي لمسلسل «سنة أولى جواز» للفنان أحمد حلمي (إذاعة ميجا إف إم)

وتضيف أن هناك سبباً عملياً لا يقل أهمية، وهو البعد الاقتصادي، فالراديو لا يحتاج إلى اشتراك مدفوع أو اتصال قوي بالإنترنت، بل يمكن الاستماع إليه بسهولة وبشكل مجاني، مما يجعله أكثر انتشاراً.


شقة سكنتها بريجيت باردو في باريس معروضة للبيع

بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
TT

شقة سكنتها بريجيت باردو في باريس معروضة للبيع

بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)
بريجيت باردو في منزلها بباريس تقرأ صحيفة «لو فيغارو» على سريرها (غيتي)

تُعرض للبيع في باريس شقة أنيقة تضاهي في فخامتها الشقق الواقعة في الدائرة الـ16، وهي من أغلى المناطق السكنية في العاصمة الفرنسية، وتتميز عنها بأن النجمة بريجيت باردو أقامت فيها 3 سنوات خلال مرحلة نشاطها وقبل اعتزالها.

واختارت بريجيت أثاث شقتها وفق طراز «آرت ديكو» الحديث، المختلف عن الطرز الفرنسية الشهيرة عالمياً والمتأثرة بقصور ملوك فرنسا. وتبلغ مساحة الشقة 400 متر مربع، بينما يصل السعر المطلوب فيها إلى 7 ملايين و900 ألف يورو.

وجاء في الإعلان الذي نشرته الوكالة المكلفة بالبيع أن هذا المسكن المجاور لغابة بولونيا مشبع بالتاريخ؛ إذ أقامت فيه الممثلة مع زوجها الألماني الثري غونتر ساكس في أواخر عقد الستينات من القرن الماضي. وهي الفترة التي أصبحت فيها بريجيت معروفة عالمياً، ورمزاً للإغراء بعد أن قدمها زوجها الأول، المخرج روجيه فاديم، في فيلم «وخلق الله المرأة».

وزير الزراعة الفرنسي وبريجيت باردو في شقتها بباريس (غيتي)

تتألف الشقة، التي تُشبه متحفاً بما تضمّه من مقتنيات فنية، من عدة صالات استقبال متعددة المستويات، و4 غرف للنوم. وتتوسط الحجرات صالة طعام ذات سقف مزدوج الارتفاع. وهناك زاوية لتناول المشروبات مبطنة بخشب الأكاجو، تتوسطها مرآة كبيرة كانت ضمن أثاث الباخرة التاريخية «فرانس». أما الأرضيات فما زالت على حالها بمواد أصلية راقية مثل الرخام، في حين صُنعت النوافذ من زجاج «تيفاني» الملون. وأكثر ما يلفت النظر احتواء الشقة على حديقة شتوية تزيد مساحتها على 50 متراً مربعاً، بجدار زجاجي كامل يمنح المكان نوراً طبيعياً.

وقبل بريجيت باردو وزوجها، كانت الشقة مملوكة لعائلة بوهارنيه التي يتحدر أفرادها من سلالة جوزفين، الزوجة الأولى للإمبراطور نابليون الأول. وبعد تألق الممثلة على الصعيد العالمي، انتقلت إلى هذه الشقة لتكون ملاذها الباريسي عندما تتطلب ظروف عملها الحضور إلى العاصمة وترك فيلتها الشهيرة «لا مادراغ» في بلدة «سان تروبيه» الجنوبية على ساحل المتوسط.

وفي عام 2018 خضعت الشقة لعملية تجديد كاملة هدفت إلى تحديث المرفقات مع الحفاظ على طابعها الأصلي. وتم الإبقاء على المستويات المتعددة، مع إضافة قطع تتناغم مع الأثاث الموجود. كما استُحدثت صالة للرياضة وأخرى للسينما المنزلية، وتحوَّلت الحديقة الشتوية إلى غرفة مفتوحة لأوقات الراحة والتريض، وخُصص جناح منفصل لإقامة الضيوف، إلى جانب حجرتين في الطابق الأخير من المبنى مخصصتين للمساعدين.

يُذكر أن باردو تزوجت 4 مرات ولها ابن وحيد، وقد غادرت الحياة في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن عمر ناهز 91 عاماً.