العقوبات الأميركية على السودان... خريطة زمنية

تتضمن نوعين من العقوبات تنفيذية وتشريعية... وإنجاز سعودي لرفعها

مبنى السفارة الأميركية في الخرطوم ( أ.ف.ب)
مبنى السفارة الأميركية في الخرطوم ( أ.ف.ب)
TT

العقوبات الأميركية على السودان... خريطة زمنية

مبنى السفارة الأميركية في الخرطوم ( أ.ف.ب)
مبنى السفارة الأميركية في الخرطوم ( أ.ف.ب)

خضع السودان منذ العام 1997 لعقوبات اقتصادية وتجارية فرضتها إدارات أميركية تعاقبت على البيت الأبيض. وتقول الخرطوم إن هذه العقوبات ألحقت بها خسائر اقتصادية وسياسية فادحة، فاقت 50 مليار دولار، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة ظلت تجدد هذه العقوبات عاماً بعد آخر، دون أن تضع حساباً لنداءاتها، وللتنازلات الكبيرة التي قدمتها. ولكن بعد دخول السعودية كقوة إقليمية مؤثرة، وضغوطها المستمرة على الإدارة الأميركية في السنوات الأخيرة أثمرت في الانفراجة الحالية.
واستمر السودان خاضعاً لهذه العقوبات إلى أن أصدر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قبل فترة قصيرة من نهاية فترته الرئاسية الأخيرة، أمراً تنفيذياً رفع بموجبه، جزئياً، العقوبات المفروضة على السودان لمدة ستة أشهر، على أن يتم البت في رفعها كلياً بعد ستة أشهر، حال التزام السودان بتعهدات قطعها على نفسه عرفت بـ«خطة المسارات الخمسة»، تتضمن جملة من القضايا المحورية محل الاهتمام المشترك، وعلى رأسها التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، والسلام في كل من السودان وجنوب السودان، واحترام حقوق الإنسان. وقبل أن تنقضي المهلة سكن البيت الأبيض رئيس جديد هو دونالد ترمب الذي أرجأ البت في عقوبات السودان لثلاثة أشهر إضافية للتحقق من مدى التزام الخرطوم بتعهداتها. وتنقسم العقوبات المفروضة على السودان إلى نوعين، واحدة صادرة بقرارات رئاسية تنفيذية، وأخرى بموجب تشريعات سنها الكونغرس.
أدرجت وزارة الخارجية الأميركية، السودان، ضمن قائمتها للدول التي ترعى الإرهاب 18 أغسطس (آب) 1993، واتهمته بأنه يسمح باستخدام أراضيه ملجأ للذين تصنفهم بأنهم إرهابيون مثل «حزب الله، والجهاد الإسلامي، وحماس»، وإيواء زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، وتوفير ملاذات آمنة لهم. وأجرت إدارات أميركية متعددة اتصالات مع حكومة الخرطوم، لكن لم تحرز خلالها العلاقات أي تقدم، إلى أن اعتبرت سفارة واشنطن في الخرطوم أن أصل الخلافات بين البلدين يستند على أن السودان يدعم الإرهاب، وينتهك حقوق الإنسان، ويشن حرباً دينية على جنوب السودان، ويحول دون وصول المساعدات الإنسانية.
وأصدر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، أمراً تنفيذياً طبق بموجبه عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية شاملة على السودان تحت مبرر دعمه للإرهاب الدولي. وزاد الطين بلة بقصف الطيران الأميركي لمصنع الشفاء للأدوية 20 أغسطس (آب) 1998، بعد أن اتهمت أسامة بن لادن الذي تأويه الخرطوم بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي، زاعمة أن المصنع يتبع لبن لادن وينتج أسلحة كيماوية.
وتوالت الأوامر التنفيذية ضد السودان، ففي أبريل (نيسان) 2006 أصدر الرئيس جورج بوش الابن الأمر (13400)، الذي وسع بموجبه العقوبات لتشمل حظر الأفراد الذين تثبت مساهمتهم في نزاع دارفور وحجز أملاكهم، ثم الأمر التنفيذي (13412) الصادر في سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، وقضى باستمرار حجز أموال الحكومة السودانية، وكل المعاملات التي قد يقوم بها أي مواطن أميركي مع الخرطوم التي تتعلق بصناعة النفط والبتروكيمياويات.
في العام 2002 أصدر الكونغرس «قانون سلام السودان» الذي رهن رفع العقوبات الأميركية بتقدم المفاوضات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، وألحق به في العام 2004 قانون سلام السودان الشامل، وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2006 أصدر «قانون سلام ومحاسبة دارفور» الذي يستند إلى أن سياسات حكومة السودان تهدد أمن وسلام وسياسة أميركا، ثم تلي ذلك قانون المحاسبة ونزع الاستثمار في السودان عام 2007 الذي فرض الكونغرس بموجبه عقوبات ضد الأشخاص الذين اعتبرهم مسؤولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011، طرأ تحسن على علاقة البلدين، وأبرمت الخرطوم اتفاقاً مع واشنطن نص على تعاون العاصمتين بالعمل معاً لمكافحة الإرهاب، لكن هذا الاتفاق لم يؤثر على العقوبات المفروضة على السودان، على الرغم من إقرار واشنطن بأن النظام السوداني حل خلافاته مع جنوب السودان، لكنه ربط تطبيع العلاقات بين البلدين بالتوصل إلى وقف للنزاع في إقليم دارفور السودان.
بيد أن إدارة الرئيس باراك أوباما أعلنت في 17 فبراير (شباط) 2015 تخفيف العقوبات على السودان، وسمحت للشركات الأميركية بتصدير أجهزة اتصالات شخصية، وبرمجيات تتيح للسودانيين الاتصال بالإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو ما عد مؤشراً إيجابياً. لكن إدارة أوباما مددت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 العقوبات لمدة عام، وأشارت إلى إمكانية رفعها حال تحقيق السودان لتقدم في الملفات التي تطالب بها واشنطن، الخرطوم. ثم فاجأ أوباما المراقبين بإصداره أمرين تنفيذيين في 13 يناير (كانون الثاني) 2017 أعلن بموجبهما رفعاً جزئياً لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم، بسبب ما سماه «التقدم الذي أحرزه السودان»، لكنه أبقى عليه ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وقضى الأمر الرئاسي برفع العقوبات الواردة ضمن الأمرين التنفيذيين (13067)، و(13412) اللذين أصدرهما، حال التزام حكومة السودان بما أطلق عليه «الأفعال الإيجابية التي سبق أن اتخذتها، خلال ستة أشهر ماضية».
ولتفعيل الأمرين التنفيذيين، عدلت وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» لوائح عقوبات السودان، بما جعل الأمرين التنفيذيين ساريين بمجرد نشرهما في السجل الفيدرالي، ويسمحان بالقيام بالتعاملات المالية التي كانت محظورة وفقاً للوائح العقوبات السودانية، بما يتيح للأفراد الأميركيين القيام بتعاملات مالية مع أفراد وهيئات سودانية، وبرفع حظر الأصول السودانية المجمدة.
واشترطت الإدارة الأميركية على السودان ما اصطلح على تسميته بـ«خطة المسارات الخمسة»، وتضمنت «مكافحة الإرهاب، والعمل على مكافحة (جيش الرب)، والسلام في دولة الجنوب، والسلام في السودان، وإكمال مسيرته والشأن الإنساني»؛ اشترطتها للرفع الكامل للعقوبات الأميركية، بعد مرور ستة أشهر من الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس باراك أوباما. لكن الرئيس دونالد ترمب مدد الفترة الاختبارية التي حددها سلفه أوباما لرفع العقوبات عن السودان لثلاثة أشهر إضافية، تنتهي بحلول يوم 12 أكتوبر الحالي، ورهنت إدارته الرفع بمواصلة الحكومة السودانية لـ«أعمالها الإيجابية»، الممثلة في استمرار وقف الأعمال العدائية في مناطق النزاع السودانية، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية إلى الضحايا، ومواصلة التعاون معها لمعالجة النزاعات الإقليمية والتهديد الإرهابي. واعترفت الإدارة الأميركية، في بيان، أن تأجيل رفع العقوبات جاء رغم أن الحكومة السودانية أحرزت تقدماً كبيراً في العديد من المجالات «لكنها رأت أنها بحاجة للمزيد من الوقت للاستيثاق من مدى التزامها، وتنفيذها لخطة المسارات الخمسة».
بيد أن إدارة الرئيس ترمب عادت وأضافت السودان، الأسبوع الماضي، إلى قائمة الدول المتقاعسة في وقف الاتجار بالبشر، وتضم كلاً من «السودان وإيران وفنزويلا والكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وجنوب السودان»، بموجب «قانون حماية ضحايا الاتجار بالبشر»، وينص على عدم تقديم الولايات المتحدة لأي مساعدات غير إنسانية أو غير مرتبطة بالتجارة لأي من الدول المصنفة ضمن تلك القائمة.
ودخلت السعودية في السنوات الأخيرة، على خط الأزمة، بالضغط على الإدارة الأميركية من أجل رفع العقوبات. وكان وزير الدولة بالرئاسة السودانية الفريق طه عثمان الحسين قد أكد لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء سابق، أن المملكة العربية السعودية لعبت دوراً رئيسياً في رفع العقوبات عن السودان، ومارست ضغوطاً متواصلة على الإدارة الأميركية، من أجل تحقيق هذا الهدف.
وأوضح الحسين أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وجه الأمير محمد بن سلمان (ولي ولي العهد وقتها) ببذل المزيد من الجهود من أجل الرفع الكلي للعقوبات عن السودان، مضيفاً أن الدور السعودي المتعاظم في رفع العقوبات عن السودان كان وراء الانفراجة التي تحققت «ولولاه لما تحقق ما تحقق».
وقال الحسين، الذي كان يشغل منصب مدير مكتب الرئيس، إن حكومته ظلت تبذل جهوداً كبيرة مع الجانب الأميركي لرفع العقوبات منذ عهد وزير الخارجية السابق علي كرتي. وأضاف قائلاً: «بدأنا المفاوضات مع الجانب الأميركي قبل زهاء خمس سنوات على عهد وزير الخارجية السابق علي كرتي، الذي أحدث اختراقاً مميزاً، يُشاد به، لكن الأمور لم تتحرك، إلا بعد تحسن علاقتنا مع السعودية والإمارات العربية المتحدة».
وقال الحسين إن الجهود السعودية بدأت باستدعائه عاجلاً إلى الرياض، بطلب من الأمير محمد بن سلمان، الذي أبلغه بما نتج من لقاءاته بالمسؤولين الأميركيين، وخصوصاً وزير الخارجية جون كيري (وقتها)، مشيراً إلى أن الجانب الأميركي أشار إلى 3 نقاط طالب بأن تلتزم بها الخرطوم، لرفع الحظر الاقتصادي عن السودان، وهي «وقف الدعم لـ(جيش الرب) وزعيمه جوزيف كوني، ووقف دعم الحركات المتمردة ضد حكومة جنوب السودان، وعلى رأسها نائب الرئيس الأسبق رياك مشار، والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية لمناطق الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق».
وأشار إلى أن حكومته قبلت النقاط الثلاث بسهولة، لأنها لا تدعم أصلاً «جيش الرب»، وأنها طلبت «أن يلتزم جنوب السودان في المقابل بوقف دعم معارضينا أيضاً»، وقال إن الرئيس البشير وافق عليها «وكان الأمير عند وعده».
ومن المقرر أن تقوم إدارة الرئيس دونالد ترمب بإبلاغ الكونغرس بالقرار لاتخاذ الخطوات التنفيذية اللازمة لرفع العقوبات، والتمهيد لتعليق الحصار التجاري والاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة، وإلغاء الأصول المجمدة، وإزالة القيود المالية التي عرقلت الاقتصاد السوداني. كما يزيل القرار أي عراقيل وأي قيود مفروضة على المعاملات التجارية والمالية والبنكية، والمعاملات الاستثمارية، وسيسمح بالعمل مع صناعات النفط والغاز في السودان، مثل خطوط الأنابيب وخدمات حقوق النفط، مع استثناء الأسلحة والمعدات والأجهزة المتقدمة، والأجهزة ذات الاستعمال المزدوج، فيما تبقى العقوبات المفروضة بموجب «قانون سلام دارفور» و«قائمة الدول الراعية للإرهاب»، التي يحظر بموجبها السودان من الاستفادة من المساعدات التنموية ومبادرات خفض الديون الأميركية، وعدم الحصول على استثمارات طويلة المدى. ويتطلب الخروج من العقوبات التي فرضها الكونغرس بتشريعات وقوانين جهوداً سياسية واقتصادية كبيرة من حكومة السودان.



رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
TT

رئيس الوزراء اليمني: معركة استعادة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس

رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)
رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني مستقبلاً محافظ الحديدة الحسن طاهر في عدن (سبأ نت)

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن معركة استعادة كامل سلطة الدولة لا تنتهي بتغير خطوط التماس، وأن اليمنيين يقفون اليوم في وجه المشروع الحوثي المدعوم إيرانياً، ويخوضون معركة دفاع عن الجمهورية والسيادة ومستقبل البلاد.

وشدد الزنداني، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ نت»، على أن الدولة والحكومة ستواصلان العمل لإعادة بناء القوة والقدرة على استعادة زمام المبادرة، وصولاً إلى إنهاء الانقلاب واستعادة سلطة الدولة ومؤسساتها في محافظة الحديدة وكامل التراب الوطني.

وعَدّ رئيس الوزراء ما يجري في الساحل الغربي بأنه تكرار لنمط ميليشيا الحوثي في إخضاع المجتمعات المحلية بالقتل والقمع والتهجير ومصادرة الممتلكات، مؤكداً أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم، والحكومة ستحتفظ بكل ما يوثق هذه الانتهاكات تمهيداً لمحاسبة مرتكبيها.

واطلع الزنداني خلال استقباله الحسن طاهر محافظ الحديدة، في العاصمة المؤقتة عدن، على آخر التطورات والمستجدات في المحافظة عقب التصعيد العسكري الواسع للحوثيين، وما ترتب عليه من تطورات ميدانية خطيرة وتداعيات إنسانية واسعة على المدنيين.

كما استمع لإحاطة حول الأوضاع الميدانية والإنسانية في المحافظة، وحركة النزوح المتزايدة من مناطق اجتاحها الحوثيون وانتهاكاتهم بقتل واختطاف المدنيين، وأوضاع الأسر التي اضطرت لترك منازلها وممتلكاتها تحت وطأة القصف والاعتداءات والملاحقات، والاحتياجات العاجلة للنازحين، وجهود السلطة المحلية بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الإقليميين والدوليين.

ووجَّه رئيس الوزراء اليمني بمضاعفة الجهود لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم الأساسية، مثمناً مساعي السلطات المحلية في المحافظات والمناطق المستقبلة لهم، ومؤكداً ضرورة التعامل مع موجات النزوح باعتبارها مهمة وطنية تستوجب استجابة حكومية وإنسانية واسعة، ودعماً دولياً عاجلاً، وعدم ترك المجتمعات المضيفة والنازحين وحدهم أمام تداعيات التصعيد.


العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
TT

العليمي يدعو للتماسك بعد صدمة التمدد الحوثي في غرب اليمن

امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)
امرأة تطهو الطعام في مخيم مؤقت للنازحين داخلياً في محافظة تعز باليمن (رويترز)

تسعى القيادة اليمنية إلى إعادة ترتيب أوراقها العسكرية والسياسية بعد الانتكاسة الكبيرة التي مُنيت بها القوات الحكومية في الساحل الغربي، مع سيطرة جماعة الحوثيين على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى مناطق باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر، في تطور أحدث صدمة واسعة داخل معسكر الحكومة المعترف بها دولياً.

وفي محاولة لإعادة ضبط المشهد، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، الأحد، سلسلة اتصالات بأعضاء المجلس ورئيس الحكومة وقيادات عسكرية ومحافظين، لمتابعة التطورات الميدانية والأمنية والإنسانية، ومستوى جاهزية القوات، والاستجابة الحكومية لتداعيات التصعيد الحوثي.

وتزامنت هذه التحركات السياسية مع إجراءات عسكرية وتنظيمية في أكثر من جبهة، بينها زيارة عضو مجلس القيادة عثمان مجلي، لمواقع عسكرية في محافظة صعدة، وإصدار نائب رئيس مجلس القيادة وقائد المقاومة الوطنية طارق صالح، قراراً بتشكيل قوة مستقلة للمقاومة التهامية، في مؤشر على سعي الحكومة إلى إعادة توزيع أدوار التشكيلات العسكرية بعد التراجع في الساحل الغربي.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأكد العليمي، خلال اتصالاته، أن التغيرات الميدانية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها حكماً نهائياً على مسار الحرب، وقال إن المعارك الكبرى لا يحددها «تغير عارض» في أحد خطوط المواجهة أو مكسب في جبهة دون أخرى، وإنما القدرة على التعلم من التحديات واستعادة المبادرة.

ويكتسب هذا الخطاب أهمية خاصة في أعقاب الخسائر التي تعرضت لها القوات الحكومية في الساحل الغربي، حيث انتقلت مناطق واسعة كانت تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن مدينة تعز والممرات البحرية إلى سيطرة الحوثيين، وفق المعطيات التي عرضتها القيادة اليمنية.

وقال العليمي إن بوصلة الدولة ستبقى موجهة نحو استعادة مؤسساتها وبسط سيادتها على الأراضي اليمنية، مؤكداً أن التطورات الميدانية لن تغير هذا الهدف.

وفي الوقت نفسه، ركز رئيس مجلس القيادة على ضرورة عدم حصر التعامل مع التصعيد في الجانب العسكري، مشدداً على استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها، وتأمين الخدمات والرواتب والاحتياجات الأساسية، ورفع مستوى الاستجابة الإنسانية للنازحين والمتضررين.

وتشير هذه الأولويات إلى حجم التداعيات التي خلّفها التصعيد الأخير، بعدما دفعت المعارك في الساحل الغربي أعداداً كبيرة من المدنيين إلى الفرار من مناطقهم، فيما تواجه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لاستيعاب النازحين وتأمين الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية.

عشرات الآلاف من اليمنيين هربوا من مناطقهم غرب البلاد جراء الهجمات الحوثية (رويترز)

وأشاد العليمي بدور القوات الجوية والطيران المسيّر في إسناد القوات البرية واستهداف القدرات العسكرية للحوثيين، كما أثنى على العمليات الجارية في مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع، في محاولة لإبراز تعدد محاور المواجهة وعدم حصر الحرب في جبهة الساحل الغربي التي شهدت التحول الميداني الأبرز خلال الأيام الأخيرة.

تحرك في صعدة

في صعدة، المعقل الرئيسي لجماعة الحوثيين شمال اليمن، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي، مواقع الفرقة الثانية طوارئ ومحوري آزال وحرب واحد في مديرية باقم، واطلع على مستوى الجاهزية والقدرات البشرية والتدريبية والعملياتية للقوات المنتشرة هناك.

وحمل مجلي رسالة من رئيس وأعضاء مجلس القيادة إلى القوات المرابطة في الجبهات، داعياً إلى الحفاظ على الروح المعنوية وتطوير القدرات العسكرية، في وقت قال فيه إن الحرب تتغير فيها موازين القوى من جبهة إلى أخرى.

وقال مجلي للجنود إن ما يجري يمثل «معركة واحدة»، داعياً إلى الحفاظ على القوات وتطويرها، في إشارة إلى الحاجة إلى منع الخسائر الأخيرة في الساحل من إضعاف بقية خطوط المواجهة.

كما استمع إلى عرض عن الخريطة العملياتية والقوة البشرية والنقاط القتالية، إلى جانب أعمال الطيران المسيّر والتصنيع والصيانة والتدريب.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وأبرز مجلي، خلال الزيارة، الدعم السعودي للقوات اليمنية، مشيراً إلى المساندة التي تقدمها المملكة وقيادة القوات المشتركة، بوصفها عاملاً رئيسياً في دعم القوات الحكومية خلال المرحلة الحالية.

وتأتي زيارة صعدة في وقت تحاول فيه الحكومة إظهار أن خطوط المواجهة الأخرى لم تتأثر بالانتكاسة الساحلية، خصوصاً أن المحافظة تمثل مركز الثقل التاريخي للحوثيين، بينما شهدت جبهات مأرب والجوف وتعز والبيضاء والضالع خلال الأيام الماضية تحركات عسكرية متزامنة.

قوة تهامية مستقلة

في خطوة أكثر ارتباطاً مباشرة بخسارة الساحل الغربي، أصدر طارق صالح قراراً بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.

وحسب القرار، تتكون القوة الجديدة من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، وتتمتع باستقلالية مالية وإدارية وعملياتية، على أن يحدد نطاق عملها وتتبع العمليات المشتركة للتحالف العربي بصورة مباشرة.

جندي تابع للحكومة اليمنية في تعز يمسك رشاشاً على عربة عسكرية (أ.ف.ب)

يأتي القرار في وقت أصبحت فيه مناطق واسعة من الساحل الغربي تحت سيطرة الحوثيين، بعد تقدم الجماعة في حيس والخوخة والمخا ومناطق باتجاه باب المندب والجزر اليمنية في البحر الأحمر.

ويمثل إنشاء القوة التهامية محاولة لإعادة تنظيم المكون العسكري المحلي المرتبط بالساحل، في ظل الحاجة إلى التعامل مع واقع ميداني جديد فرضه انهيار خطوط الدفاع الحكومية هناك.

كما يكشف القرار عن اتجاه نحو منح التشكيلات العسكرية المرتبطة بالمقاومة الوطنية أدواراً أكثر تحديداً واستقلالية، مع إبقاء التنسيق العملياتي ضمن منظومة التحالف الداعم للشرعية.


المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
TT

المخا وباب المندب... مخاوف من توسيع التهريب وتهديد الملاحة

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)
سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

حذّر مسؤول يمني وخبيران في الشؤون الأمنية والعسكرية من أن التوسع الحوثي في الساحل الغربي والجزر المحيطة بباب المندب قد يتجاوز تغيير موازين المعركة داخل اليمن، ليمنح الجماعة مواقع إضافية لتهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، بما يعزز، وفق تقديراتهم، قدرة إيران على الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد المخاوف من زيادة علميات تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة وتوسيع التعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي (القوات المسلحة اليمنية)

ورأى المتحدثون أن تداعيات التصعيد تجمع بين المخاطر العسكرية والأمنية والاقتصادية، إذ يمكن أن تتحول السواحل والجزر إلى نقاط للإمداد والتخزين، بالتوازي مع ارتفاع تكاليف التجارة وتفاقم الأعباء المعيشية على اليمنيين.

وتعمل القيادة اليمنية على إعادة ترتيب أولوياتها بعد خسارة القوات الحكومية مواقع واسعة في الساحل الغربي لمصلحة جماعة الحوثيين، التي تمكنت خلال هجوم استمر بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) من السيطرة على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية جنوب البحر الأحمر.

ممرات للإمداد والتهريب

قال السفير مروان علي نعمان، المستشار السياسي لوزيرة الخارجية اليمنية، إن التصعيد الحوثي يستهدف السيطرة على المخا وباب المندب وجزر البحر الأحمر «خدمة للأجندة الإيرانية»، ومنح الجماعة قدرة أكبر على توسيع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات واستقبال الإمدادات العسكرية والمكونات المتطورة من إيران.

ولفت نعمان في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السيطرة على هذه المواقع ستسهّل، حسب تقديره، نقل الإمدادات إلى مناطق نفوذ الحوثيين وإلى جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، وتوسيع قنوات تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر عبر خليج عدن والبحر الأحمر.

وأضاف: «يهدف هذا التصعيد للميليشيات الحوثية إلى تهديد الملاحة الدولية بصورة مباشرة، من خلال استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية، وابتزاز حركة السفن في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية».

ويرى المستشار السياسي لوزيرة الخارجية أن «توسيع قنوات الاتصال والحركة بين الحوثيين والجماعات الإرهابية في اليمن والقرن الأفريقي، لا سيما عبر خليج عدن والبحر الأحمر، يسهل تبادل الأسلحة والخبرات والتكنولوجيا وانتقال العناصر، ويزيد من مخاطر تشكل شبكة مترابطة من الإرهاب والتهريب والقرصنة على جانبي البحر الأحمر».

وحذر السفير مروان نعمان من أن «كل هذه العناصر تشكل تهديداً خطيراً ليس لليمن فحسب وإنما للمنطقة والعالم». مؤكداً على استمرار «الحكومة اليمنية في جهودها لمواجهة وردع هذا التصعيد وحماية سيادة وسلامة الأراضي اليمنية ومياهها الإقليمية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب الحوثي؛ وفقاً لما يكفله لها الدستور اليمني والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

من جهته، وصف محمد الولص بحيبح، رئيس «مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية» بمأرب، السيطرة الحوثية على الجزر بأنها تحول استراتيجي، موضحاً أن موقع جزيرة ميون وسط باب المندب يتيح مراقبة حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، فيما تمنح جزر حنيش وزقر نقاط ارتكاز إضافية على الطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.

ورأى بحيبح أن توسيع النفوذ الساحلي قد يوفر حماية أكبر للشحنات المهربة ويقلّص الاعتماد على المسارات البرية، عبر إتاحة مواقع جديدة للإمداد والتخزين.

تهديد الملاحة

وحذّر نعمان من أن الجماعة قد تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية لتهديد السفن وابتزاز حركة الملاحة في أحد أهم الممرات العالمية.

وقال إن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإطالة مسارات التجارة وزيادة مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن انعكاساته على الأسعار والأوضاع الاقتصادية داخل اليمن.

قائد محور طور الباحة يتفقد جبهات غرب الحجرية ويشيد بالجاهزية القتالية (القوات المسلحة اليمنية)

واتفق بحيبح مع هذا التقدير، عادّاً أن التقدم نحو المواقع المشرفة على المضيق يزيد قدرة الحوثيين على تعطيل التجارة، وشكّك في تطمينات الجماعة بشأن سلامة الملاحة، ورأى أن امتلاك أدوات التهديد يتيح استخدامها لاحقاً للضغط السياسي والاقتصادي.

وأضاف أن التصعيد يضع الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة بين مواجهة الخطر البحري، وتجنب توسيع المواجهة العسكرية، في ظل انشغالها بالصراع مع إيران.

شبكات عابرة للبحر الأحمر

وفي البعد الأمني، قال بحيبح إن التعاون بين الحوثيين وحركة «الشباب» الصومالية يثير مخاوف من اتساع شبكات التهريب وتبادل الخبرات، عادّاً أن السيطرة على مزيد من السواحل والجزر تمنح هذه الشبكات عمقاً بحرياً إضافياً.

بدوره، أشار العميد محمد الكميم، الخبير العسكري اليمني، إلى تقارير أممية تناولت شبكات تهريب بين ضفتي البحر الأحمر، وقال إن المصالح المشتركة واقتصاد الحرب يفسّران التعاون بين جماعات متباينة آيديولوجياً.

الشيخ عثمان مجلي عضو مجلس القيادة الرئاسي خلال زيارته قوات الفرقة الثانية طوارئ بمديرية باقم (سبأ)

وحذّر الكميم من أن اتساع هذه الأنشطة يهدد المجتمعات في اليمن والقرن الأفريقي، خصوصاً مع ارتباط التهريب بتمويل الجماعات المسلحة وتجارة المخدرات.

ورأى أن إيران تسعى إلى توظيف باب المندب ورقة ضغط موازية لمضيق هرمز، لكنه استبعد استمرار السيطرة الحوثية عليه، من دون تحديد إطار زمني لذلك.

ولفت الكميم إلى أن «الجماعة الحوثية صنعت خصيصاً منذ نحو عقدين للسيطرة على مضيق باب المندب الحيوي، ووفرت إيران للحوثيين الإمكانات كافة، ودفعتهم للاستعجال بالسيطرة عليه لتخفيف الضغط الذي تواجه في مضيق هرمز»؛ على حد تعبيره.