حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

هل يكون بداية مساره تفكك إسبانيا؟

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل
TT

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

حلم الاستقلال الكاتالوني... بين الممكن والمستحيل

تعيش إسبانيا هذه الساعات مرحلة عصيبة في تاريخها المعاصر، وذلك في أعقاب اتخاذ القوى القومية في إقليم كاتالونيا خطوة جريئة تمثلت بتنظيم استفتاء على استقلال الإقليم الثري، في تحدٍ سافر للحكومة الاتحادية الإسبانية، بل والتاج الإسباني. وكما هو معروف، أسفر الاستفتاء عن تصويت كثيف لصالح الاستقلال، وجاء الرد الإسباني حازماً، بدءاً من رفضه من قبل الملك فيليبي السادس، وانتهاء باستخدام القوات الأمنية العنف في الشوارع... وهو أمر اعتذرت عنه الحكومة الاتحادية.
مع مضي القادة القوميين في إقليم كاتالونيا الإسباني قدماً في مشروع إنجاز استقلال الإقليم عن المملكة الإسبانية، تزداد فرص تفكك إسبانيا ووقوفها على شفير الفوضى.
والواقع أنه عندما أقرّت إسبانيا «قانون الأقاليم المستقلة ذاتياً» عام 1978 لم تكن قياداتها تتصوّر أن عام 2017 قد يكون بداية انهيار هذا القانون، حسبما يرى الخبراء الدستوريون والقانونيون في البلاد، مع العلم أن إسبانيا تضم نحو 17 إقليماً تتمتع بالحكم الذاتي (المتفاوت)، كلها تندرج تحت التاج الإسباني.
التطورات الحاصلة في كاتالونيا تنذر بعدد من المؤشرات التي قد تهدد وحدة إسبانيا بشكل خاص، والاتحاد الأوروبي نفسه بشكل عام. وهو ما دفع كثيراً من المراقبين بوصف الأزمة في إسبانيا بأنها الأكثر إضراراً بمنطقة اليورو، وقد تكون أسوأ وقعاً حتى من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
خلال الساعات المقبلة التي قد تشهد إعلان استقلال الإقليم من جانب واحد، تصارع الحكومة الاتحادية - أو المركزية - في مدريد الوقت لقطع الطريق على هذه الخطوة، وذلك حتى تجنب البلاد تفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني التي تقضي بوقف الحكم الذاتي للإقليم، إضافة إلى اتخاذ إجراءات قد تشمل اعتقال القيادات الاستقلالية والسيطرة على القنوات المحرّضة على الاستقلال، إضافة إلى نشر الشرطة وعناصر الجيش، إذا لزم الأمر، للسيطرة على الأمور في الإقليم.
تفعيل المادة 155
رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي، من الحزب الشعبي اليميني، يواجه صعوبة في الحصول على دعم من الأحزاب السياسية في معركته لمنع انفصال الإقليم واستقلاله. وهو منشغل الآن بالبحث عن التوافق لتفعيل المادة 155 من الدستور فيما يصفه المراقبون بأسوأ أزمة سياسية تشهدها إسبانيا خلال 40 سنة. وبفضل هذه المادة يحق لراخوي حل برلمان كاتالونيا وإجراء انتخابات محلية على الرغم من المحاولات العنيفة لمنعه.
أما في مدريد، عاصمة الحكم في إسبانيا، فثمة من يصف خيار إقالة حكومة كاتالونيا بأنه «الخيار النووي»، كونه من المرجح أن يؤجج مزيداً من الاضطرابات في برشلونة وبقية أنحاء الإقليم الثري الذي يمثل اقتصاده خُمس حجم اقتصاد إسبانيا. وتجدر الإشارة إلى أن حزب راخوي اليميني الحاكم لا يتمتع بالغالبية المطلقة.
استخدام المادة 155 من الدستور الإسباني من شأنه أن يعيد إلى الأذهان النظام الديكتاتوري الذي قاد لعقود الجنرال فرانسيسكو فرانكو، ولن يكون بمقدور راخوي السير قدماً في هذا الاتجاه من دون الحصول على دعم خصومه الاشتراكيين، المؤيدين بشدة لوحدة إسبانيا.
رافاييل هرناندو، وهو منسق في البرلمان الإسباني يعمل لحساب الحزب الشعبي الحاكم، قال صراحة إن تفعيل المادة 155 «سيحتاج إلى دعم واسع ومتنوع، لأنه ليست هناك ضمانات بأنها ستكون كفيلة بحل المشكلات، وإذا لم يؤيد استخدامها سوى حزب واحد في البرلمان الاتحادي سيكون من الصعب الحصول على دعم الغالبية». وحقاً، ترى مصادر سياسية أن في غياب هذا الدعم سيكون موقف راخوي ضعيفاً، وقد يضطر للدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في عموم إسبانيا بأمل الحصول على التفويض اللازم للتعامل مع أزمة انفصال كاتالونيا.
على صعيد آخر، استخدام الشرطة الإسبانية المجلوبة من مدريد التي حاولت منع الكاتالونيين من إجراء الاستفتاء وتعطيله، للعنف، كان له تأثير سلبي. إذ جعل الاشتراكيين يبدون المخاوف من تزايد العنف في البلاد، ما يدفع إلى عواقب وخيمة. وكانت قوات الشرطة قد استخدمت الهراوات والطلقات المطاطية لمنع سكان الإقليم من التصويت، في مشاهد نقلها الإعلام المحلي والدولي، وأثارت إدانات دولية.
وحدة وطنية مهددة
لا شك أن المشهد الإسباني الآن أصبح مهدداً من شبح الانفصال، وهو انفصال تسهله فكرة الأقاليم في إسبانيا التي تضم - كما سبقت الإشارة - 17 إقليماً متمتعة بالحكم الذاتي. حكومات هذه الأقاليم مسؤولة عن المدارس والجامعات، والصحة والخدمات الاجتماعية، والثقافة، والتنمية الحضرية والريفية، وفي بعض الأماكن تقع حتى مسؤولية الشرطة على عاتقها.
وعليه، وبشكل عام، في إطار نظام الحكم الذاتي، انتقلت إسبانيا إلى «دولة لا مركزية»، وللحكومة المركزية فقط 18 في المائة من الإنفاق العام، مقابل 38 في المائة للحكومات الإقليمية، و13 في المائة للمجالس المحلية والبقية لنظام الضمان الاجتماعي.
أما الأقاليم والأقاليم القومية والإقليم التاريخية في إسبانيا - التي تتفاوت في استقلاليتها الداخلية - فهي:
- آندلوسيا (الأندلس)... إقليم قومي.
- كاتالونيا... إقليم قومي.
- مدريد... إقليم.
- بلنسية... إقليم قومي.
- غاليسيا (جليقية)... إقليم قومي.
- قشتالة وليون (قشتالة القديمة وليون)... إقليم تاريخي.
- بلاد الباسك... إقليم قومي.
- قشتالة لا مانشا (أو قشتالة الجديدة)... إقليم.
- جزر الكناري... إقليم قومي.
- مرسية.... إقليم.
- آراغون... إقليم قومي.
- إكستريمادورا... إقليم.
- جزر الباليار... إقليم قومي.
- استورياس... إقليم تاريخي.
- نافار... إقليم قومي.
- كانتابريا... إقليم تاريخي.
- لا ريوخا... إقليم.
معارضو استخدام القوة
ويرفض حزب بوديموس اليساري المعارض لحكومة رئيس الوزراء بالمطلق استخدام القوة في التفاوض مع الشعب الكاتالوني، أما حزب الباسك القومي، الذي أسس للدعوة لمزيد من الحكم الذاتي لبلاد الباسك بأقصى شمال البلاد، فيعارض بطبيعة الحال إقالة حكومة إقليم كاتالونيا.
وبلاد الباسك من الأقاليم التي تحلم بالاستقلال عن إسبانيا نظراً لوجود عدد من الصناعات الثقيلة فيها، وتتمتع هذه المنطقة الحدودية مع فرنسا بمجلس نيابي خاص بها، وتتكفل مؤسساتها الإقليمية بجمع الضرائب الأساسية، وتسمح لها حالة «الاستقلالية» أيضاً بالحكم والإدارة المباشرين في مجالات مثل: المالية والضرائب والصناعة وتنشيط الاقتصاد والبحوث والمستحدثات والنقل والإسكان والبيئة والتعليم والصحة والأمن العام.
أنطونيو باروزو، نائب مدير مؤسسة تنيو إنتليجنس البحثية ومقرها العاصمة البريطانية لندن، يقول إن موقف الاشتراكيين من استخدام المادة 155 «يمكن أن يلعب دوراً حاسماً في مستقبل رئيس الوزراء راخوي، وقد تذهب البلاد نحو المجهول إذا اتخذت الحكومة الاتحادية في مدريد إجراءات تصعيدية في الإقليم».
ولكن الحكومة قامت حتى الآن بالفعل بضربة استباقية لبرلمان إقليم كاتالونيا عبر استصدار قرار قضائي يدعو لإلغاء جلسة البرلمان المقرّرة بعد غد (الاثنين). وبالتالي فسيكون إعلان الاستقلال دون جدوى. غير أن الاستقلاليين الكاتالونيين يرون أن هذه الخطوة عديمة الفائدة «لأن الشعب الكاتالوني وحده مَن يحدد عقد الجلسات أم لا». وبناءً عليه، فإن أعضاء البرلمان الكاتالوني سيحضرون جلسات البرلمان متحدّين حكومة مدريد، ومعها الشرطة الآتية من مدريد تأهباً لفرض منع الانفصال بعدما قضت المحكمة الدستورية الإسبانية بحظر الجلسة. وما يستحق الذكر هنا، أن الحزب الاشتراكي الكاتالوني، وهو حزب وحدوي يعارض الحركة الاستقلالية، قد تقدم بطلب أمر حماية إلى المحكمة الاتحادية على أساس أن إعلان الاستقلال سيخالف الدستور و«يدمر» حقوق النواب في الإقليم.
ولقد جاء حظر المحكمة الدستورية بعد يوم من دعوة الجماعات الاستقلالية إلى عقد جلسة بعد غد. وستسعى الجلسة التي ينتظر أن يترأسها رئيس الإقليم كارليس بويغديمون، إلى تحديد الخطوات التالية باتجاه الانفصال بعدما صوتت أغلبية كبيرة لصالحه في الاستفتاء المختلف حوله، وغير المصرح به.
وفي حين أن إعلان الاستقلال من جانب واحد على الأجندة الرسمية، قال بويغديمون إن الأيام القليلة المقبلة ستشهد إعلان الانفصال، خصوصاً أن القانون الذي مهد للاستفتاء ينص على وجوب إعلان الانفصال خلال 48 ساعة من ظهور النتائج الرسمية. وفي هذا الاتجاه، أعربت ميريا بويا، عضو حزب ترشيح الوحدة الشعبية اليساري المتطرف في البرلمان الكاتالوني، عن دعمها. وأضافت بويا أن «الجلسة المتوقعة كاملة النصاب من أجل تقييم النتائج، وتحويل ما يترتب على هذه النتائج إلى واقع». وهذا يعني إعلان الانفصال أو إعلان الجمهورية.
تعقيدات داخلية وخارجية
بحسب الحكومة الإقليمية الكاتالونية، صوتت أعداد كبيرة لصالح قيام جمهورية كاتالونية مستقلة، وهي نتيجة يرجع سببها جزئياً إلى أن كثيرين في معسكر «لا» قاطعوا التصويت أو أداروا حملة من أجل تعليق المحكمة الدستورية الإسبانية الاستفتاء. حسب سلطات الإقليم، بلغت نسبة مؤيدي الاستقلال في الاستفتاء، نحو 90 في المائة، بينما بلغت نسبة المشاركة فيه نحو 42 في المائة. وهذا ما حدا بحكومة مدريد الاتحادية لوصف الاستفتاء بـ«المهزلة». وفي خطاب نادر إلى الأمة عبر التلفزيون، اتهم الملك فيليبي السادس بعد يومين من إجراء الاستفتاء قادة الإقليم بأنهم «بتصرفهم غير المسؤول قد يعرضون للخطر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لكاتالونيا ولإسبانيا بأسرها». وفوراً، دان بويغديمون كلمة الملك واتهم مدريد برفض التجاوب مع دعوات الوساطة في الأزمة.
في أي حال، على الرغم من أنه لم تعرب أي دولة عن استعدادها للاعتراف بدولة كاتالونيا المستقلة، فإن إعلان الاستقلال من جانب واحد سيقحم الدولة الإسبانية في أزمة دستورية. ويمكن للحكومة الاتحادية المركزية أيضاً أن تختار التدخل، ووسط كل هذه الأوضاع يبرز الدور الجدلي لشرطة الإقليم التي رفضت الانصياع لقرارات حكومة مدريد بمنع سكان الإقليم من التصويت في الاستفتاء. ولهذا السبب، اضطرت سلطات مدريد لإرسال تعزيزات من عناصر الشرطة من خارج الإقليم إليه، وقد يكون للجيش الإسباني دور في المرحلة المقبلة لفرض الأمن والقانون في حال تقرر تفعيل المادة 155 في الدستور.
من جهة ثانية، طال الأمر الوضع الاقتصادي أيضاً، وذلك بعد تهديد عدد من المصارف الكبرى بمغادرة الإقليم، وخصوصاً بعد إقرار عدد من المؤسسات المالية والشركات نقل مقراتها من برشلونة إلى مدريد. وهنا نشير إلى أن كاتالونيا، التي تعد من أغنى أقاليم إسبانيا (قرابة 20 في المائة من الاقتصاد الإسباني)، مقر لآلاف الشركات المحلية والأجنبية التي توظف الملايين. وبين المصارف التي قررت بالفعل مغادرة الإقليم بنك ساباديل، خامس أكبر بنوك إسبانيا، حسبما صرح ناطق باسم البنك. كذلك تراجعت أسهم بنك كاتالان ليندر ساباديل، ثاني أكبر بنك في الإقليم، بنحو 10 في المائة هذا الأسبوع مع احتدام السجال، ودعا مديرو بنك ساباديل لاجتماع للإدارة مع وجود مسألة تغيير مقر عمله. وقرر بنك كايكسا، أكبر بنوك كاتالونيا، إخراج مقره من الإقليم أيضاً.
أما على الصعيد الخارجي، فلقد دعا الاتحاد الأوروبي إلى الحوار سبيلاً للخروج من الأزمة، على الرغم من اتهام الزعيم الكاتالوني بويغديمون الملك فيليبي «بالوقوف في صف الحكومة في الأزمة القائمة وتجاهل مطالب سكان إقليم كاتالونيا». وفي حين دافع فرانس تيمرمانس، نائب رئيس المفوضية الأوروبية، عن حق مدريد في استخدام متناسب للقوة حفاظاً على السلم، فإنه قال: «حان وقت الحوار، وإيجاد السبيل للخروج من المأزق، والعمل ضمن أطر النظام الدستوري في إسبانيا». وذهب المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية بيار موسكوفيتسي أبعد من ذلك، إذ قال إن كاتالونيا «لن تكون عضواً في الاتحاد الأوروبي إذا استقلت عن إسبانيا».
وأضاف أن «الاتحاد الأوروبي لا يعترف سوى بدولة عضو هي إسبانيا». ووصف الأزمة بين سلطات مدريد وبرشلونة بأنها «قضية مؤلمة يجب أن يعالجها الإسبان... الحل لا يمكن أن يكون بالمواجهة بل بالحوار».
أبعاد الأزمة... رياضياً
كرة القدم أيضاً فرضت نفسها على المشهد. فالرياضة ليست بعيدة عن الأزمة، نظراً لاشتهار الإقليم باحتضان أحد أكثر الأندية الكروية شهرة في العالم. وفعلاً، طالب النجم العالمي أندرياس إنييستا، قائد فريق برشلونة، بإجراء حوار بين الحكومة الإسبانية وحكومة إقليم كاتالونيا، في ظل ارتفاع حدة التوتر. وقال إنييستا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي: «لم أعلق علناً على أوضاع معقدة وسط هذه المشاعر المتنوعة، ولكن الوضع الذي نعيشه حالياً يبدو استثنائياً». وأوضح إنييستا أن هناك شيئاً واحداً يجب إدراك أهميته قبل التسبب بمزيد من الضرر... هو الحوار.

طلاق كاتالونيا قد لا يكون الأخير
- لمنطقة كاتالونيا، الواقعة في أقصى شمال شرقي إسبانيا، ويقارب عدد سكانها 7 ملايين و450 ألف نسمة، لغتها الخاصة وتقاليدها وعاداتها الثقافية. وتعود المطالبات باستقلالها عن إسبانيا إلى قرون كثيرة، لكنها عادت إلى الواجهة بقوة في السنوات الأخيرة جراء الأزمة الاقتصادية في إسبانيا وأوروبا.
وسيطرت المخاوف حيال رابع أقوى اقتصاد في أوروبا على تغطية الإعلام الإسباني للأزمة، وعنونت صحيفة «إل باييس» اليومية البارزة أن التراجع في البورصة هو الأسوأ منذ الموافقة على انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي «بريكست». وأعلنت وكالة التصنيف الائتماني العالمية «ستاندرد آند بورز» أنها قد تخفض من تصنيف الدين السيادي في كاتالونيا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ولكن من ناحية أخرى، قد لا يكون إقليم كاتالونيا وحده الذي سيطالب بالانفصال خلال المرحلة المقبلة، إذ يشجع هذا الموقف كثيراً من الحركات القومية الانفصالية في إسبانيا إلى انتهاج الطريق نفسها، وخصوصاً بلاد الباسك بأقصى شمال وسط إسبانيا، التي طالما لجأ المتشددون من قومييها إلى السلاح في عمليات إرهابية نفذتها حركة «إيتا». ولبلاد الباسك أيضاً لغتها الخاصة وتاريخها المميز، وهي تنقسم جغرافياً على جانبي الحدود بين فرنسا وإسبانيا.
ثم هناك إقليم الأندلس، بجنوب البلاد، الذي يحتضن القومية الأندلسية، وفيه تنشط حركة سياسية واجتماعية تدعو إلى الاعتراف بإقليم الأندلس في جنوب إسبانيا دولة مستقلة. وتتلخص أهم سمات الحركة الأندلسية التي نشأت في القرن التاسع الميلادي في الانتماء إلى منطقة واحدة تحت اسم أندلوسيا (الأندلس) وأمة واحدة، والمطالبة بحقوق والوقوف في وجه تجاوزات الدولة المركزية. ولكن بقيت إشكالية: هل الأندلسيون يرتبطون فقط بمصالح متصلة بمنطقتهم؟ أم أنهم يكونون قومية تختلف عن كل القوميات الأخرى بخاصيات مميزة؟



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.