قتل ثلاثة جنود من القوات الأميركية الخاصة وخمسة جنود من الجيش النيجري، خلال كمين نصبه مسلحون مجهولون بالقرب من الحدود بين النيجر ومالي، في حادث كشف عن الوجود العسكري الأميركي في منطقة الساحل الأفريقي.
وقد وقع الكمين مساء أول من أمس، وانطلقت عمليات بحث واسعة عن منفذيه، فيما عقد أمس بعاصمة النيجر نيامي اجتماع أمني استثنائي لمتابعة التطورات.
وأكد مسؤول عسكري أميركي وقوع الهجوم، ومقتل ثلاثة جنود أميركيين من القوات الخاصة، كانوا يشرفون على تدريب القوات الخاصة في النيجر. كما أكدت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) أنباء عن تعرض الدورية للهجوم، مشيرة إلى أن جنديين أميركيين قد تم نقلهما إلى ألمانيا للعلاج جراء إصابتهما في الهجوم.
وكانت كتيبة الأمن والاستخبارات النيجرية، برفقتها أفراد من القوات الخاصة الأميركية تشرف على تدريبها، تلاحق مسلحين مجهولين قدموا من دولة مالي، وشنوا هجوما على قرية تونغو تونغو الواقعة في منطقة تيلابيري المحاذية للحدود مع مالي. وقد وقعت مواجهات خلال الهجوم، قبل أن ينسحب المهاجمون، وتبدأ المطاردة التي انتهت بوقوع الكتيبة والأميركيين في كمين نصبه المهاجمون وصف بـ«العنيف والدموي».
وتعد هذه المرة الأولى التي يتم الإعلان فيها عن وجود جنود أميركيين في هذه المنطقة التي تشهد عدم استقرار بسبب الكثير من الهجمات الدامية التي تنسب إلى مجموعات جهادية وتستهدف مواقع الجيش ومخيمات لاجئين. ولم تتحدث «أفريكوم» عن تعرض القوات الأميركية في النيجر إلى كمين، خلافا لما أوردته مصادر عسكرية محلية أخرى، لكنها قالت في المقابل إن الهجوم وقع بينما كانت قوات الولايات المتحدة تقدم المشورة والمساعدة لعمليات مكافحة الإرهاب في النيجر.
وأشارت المصادر الرسمية في النيجر إلى أن الحصيلة الأولية للكمين وصلت خمسة قتلى في صفوف الجيش النيجري وثلاثة من الأميركيين، كما أكدت القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم» نقل جنديين أميركيين مصابين إلى ألمانيا، حيث يوجد مقر القيادة الأفريقية بمدينة شتوتغارت.
وفي البيت الأبيض قالت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية، سارة ساندرز، للصحافيين، إنه تم إبلاغ الرئيس دونالد ترمب «بشأن النيجر»، من دون مزيد من التفاصيل.
ولم يعلن بشكل رسمي عن حصيلة الكمين، وما إذا كان هنالك رهائن تمكن المهاجمون من أخذهم معهم قبل الانسحاب من موقع الكمين، خصوصاً في ظل وجود جنود أميركيين مصابين، ونقلت وكالات الأنباء عن مسؤول محلي نيجري قوله: «المؤكد أن هناك خمس جثث لجنود من النيجر، وأن هناك مفقودين على ما يبدو».
وانطلقت ليل الأربعاء - الخميس عمليات تمشيط واسعة على الشريط الحدودي الرابط بين النيجر ومالي، وهي واحدة من أكثر مناطق الصحراء الكبرى صعوبة، لأنها مفتوحة وتنتشر فيها شبكات تهريب السلاح والبشر، وتتخذ منها الجماعات الإرهابية ملاذا آمنا وقاعدة خلفية لشن هجمات إرهابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وشاركت في عمليات التمشيط بحثا عن المهاجمين، التي استمرت طيلة يوم أمس، طائرات الميراج الفرنسية وطائرات «درون» حلقت هي الأخرى من القواعد العسكرية الفرنسية في المنطقة، بالإضافة إلى تحرك القوات النيجرية والمالية والفرنسية المنتشرة في المنطقة.
وتنشط في المنطقة المحاذية للحدود بين النيجر ومالي جماعات إرهابية كثيرة، أبرزها «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وجماعات أخرى مثل «أنصار الدين» و«المرابطون»، إضافة إلى جماعة «التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا» (مرتبطة بتنظيم داعش)، وسبق أن أعلنت حالة الطوارئ في هذه المنطقة، وينظم الجيش النيجري دوريات مراقبة من أجل فرض الأمن في المنطقة، ولكن ذلك لم يمنع وقوع هجمات بين الفينة والأخرى.
ويأتي هذا الهجوم بعد أسابيع فقط من إعلان انطلاق القوة العسكرية المشتركة لدول الساحل الأفريقي الخمس (موريتانيا، ومالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو)، وهي القوة العسكرية التي تواجه عراقيل كبيرة في التمويل، خصوصا بعد الموقف الأميركي المتحفظ على مساهمة الأمم المتحدة في تمويل هذه القوة، ولكن مصرع ثلاثة جنود أميركيين وإصابة اثنين آخرين قد يغير الموقف الأميركي، وفق ما يشير إليه مراقبون.
وفى منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي أطلق جيش النيجر عملية عسكرية جديدة انطلاقا من منطقة تيلابيري لمكافحة المتشددين بشكل أفضل. وكان رئيس النيجر محمد يوسف قد أكد في مطلع أغسطس (آب) الماضي أن جماعة بوكو حرام النيجيرية الجهادية «ضعفت إلى حد كبير»، بسبب تحركات القوة الإقليمية التي شكلتها في عام 2015 الدول المطلة على بحيرة تشاد: النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون.
ورغم أن حدودها تعتبر سهلة الاختراق، فإن النيجر لا تزال إحدى الدول الأكثر استقرارا في منطقة عرضة للاضطرابات، حيث تحيط بها مالي وليبيا ونيجيريا التي تواجه تهديد جماعات إسلامية مسلحة.
وتكثف قوات الأمن الأفريقية التي تدعمها قوات غربية من جهودها للتصدي للجماعات المتشددة التي تشكل جزءا من تمرد إقليمي متنام بمنطقة الساحل الصحراوية الفقيرة. وأعلنت جماعة متشددة جديدة نسبيا مسؤوليتها عن بعض الهجمات. وقال جيف دي بورتر، رئيس مؤسسة «نورث أفريكا ريسك كونسالتنج»، إن أي تأكيد لقيام تنظيم داعش بدور في هجوم أول من أمس سيؤدي إلى تحول استراتيجي من ليبيا باتجاه منطقة الساحل. وقال: «التركيز سينتقل الآن إلى الجنوب».
وتشكل الجماعات المتشددة جزءا من التمرد الإقليمي المتنامي في صحاري منطقة الساحل الفقيرة وقليلة السكان بغرب أفريقيا، حيث كثفت هذه الجماعات هجماتها على قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وقوات مالي وأهداف مدنية، بعدما أجبرت على العودة للتمركز في شمال مالي بعد عملية عسكرية قادتها فرنسا عام 2013. ووسعت الجماعات المتشددة في مالي نطاق هجماتها، لتشمل دولا مجاورة من بينها النيجر التي أعلنت حكومتها حالة الطوارئ بجنوب غربي البلاد في مارس (آذار) الماضي بعد سلسلة هجمات.
وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية، في تقرير لها، بأن الأميركيين حاضرون بشكل كبير في النيجر خصوصا في مطار أغاديز عبر قاعدة تقلع منها طائرات من دون طيار تراقب منطقة الساحل. لكن العسكريين العاملين في هذه القاعدة لا يخرجون منها سوى في حالات نادرة. وإضافة إلى القاعدة، ثمة قوات خاصة أميركية ومدربون في البلاد منذ بداية الألفية الثالثة لتدريب العسكريين النيجريين.
وينفذ هؤلاء الجنود مهمات في كل أنحاء البلاد. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وقعت النيجر والولايات المتحدة اتفاقا عسكريا ينص على التزام كل من البلدين «بالعمل معا على مكافحة الإرهاب»، وعلى أن يدرب الجيش الأميركي «الجنود النيجريين في مكافحة الإرهاب». وعلق مصدر عسكري غربي، أن «هناك في شكل محدد مهمات استخبارية وتدريبية يقوم بها جنود أميركيون أو فرنسيون في غالبية أنحاء البلاد». وفي منتصف سبتمبر، مددت نيامي حالة الطوارئ السارية في المنطقة منذ مارس الماضي «مع استمرار تهديد المجموعات الإرهابية» خصوصا تلك الآتية من شمال مالي المجاورة. وفي منتصف يونيو الماضي، نفذ الجيش النيجري عملية عسكرية جديدة انطلاقا من منطقة تيلابيري للتصدي للمتشددين المسلحين في شكل أفضل. في أكتوبر 2016 خطف الإنساني الأميركي جيفري وودكي في منطقة تاهوا شمال شرقي نيامي على مقربة من الحدود المالية.
مقتل 3 من القوات الخاصة الأميركية بكمين إرهابي في النيجر
الهجوم كشف عن الحضور العسكري لواشنطن في المنطقة ودورها في تدريب القوات المحلية
صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)
مقتل 3 من القوات الخاصة الأميركية بكمين إرهابي في النيجر
صورة وزعها الجيش الأميركي أمس لقوات نيجرية خلال مشاركتها في تمارين «فلينتلوك» في ديفا بالنيجر في 3 مارس 2017 (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





