سنوات السينما

سنوات السينما

الجمعة - 16 محرم 1439 هـ - 06 أكتوبر 2017 مـ رقم العدد [14192]
لقطة من «أنشودة جندي».
Ballad of a Soldier (1959)
ستالين مات... يعيش شوخراي
لم يتسن للمخرج الروسي غريغوري شوخراي (1921 - 2001) تحقيق الكثير من الأفلام. بالكاد أنجز تسعة أفلام ما بين 1956 و1984. لكنه سيعرف إلى اليوم بفيلم واحد أكثر من سواه هو «أنشودة الجندي» الذي كان الثاني بين أفلامه ورشح للأوسكار بعد ثلاث سنوات مرّت على إنتاجه وذلك سنة 1962.
في السنة ذاتها تم ترشيحه لجوائز «بافتا» البريطانية وخرج بجائزة «أفضل فيلم من أي مصدر». قبل ذلك بعامين نال ذهبية مهرجان سان فرانسيسكو الدولي كأفضل فيلم ونال المخرج شوخراي جائزة أفضل مخرج من المهرجان ذاته.
من السهل القول إن «أنشودة جندي» هو فيلم من الشعر السينمائي والحس الإنساني الذي يطفوان فوق العمل بأسره من بدايته لنهايته. لكنه في نظرة متعمقة هو فيلم ضد الحرب العالمية الثانية في فترة ما زالت تعيش السطوة الستالينية ومبادئها حتى بعد رحيله قبل سبع سنوات من تحقيق هذا الفيلم. في تلك الفترة لم يكترث أحد لتقديم أفلام تعادي الحرب بل ساد فيها سيل من الأفلام التي تتحدث عن الحرب كميدان بطولة وطنية نموذجية للجيش الأحمر ضد الغزاة النازيين وللفرد والمجتمع الروسيين اللذين تضامنا دفاعاً عن الوطن.
شوخراي منح المنوال المثالي المعتاد للفيلم الحربي السوفياتي معالجة إنسانية واستبدل البطل الذي يقطر حماساً لتحقيق النصر على الأعداء، بشخص شاب بريء الملامح ورومانسي العاطفة (أداه فلاديمير إيفاشوف) نال إذناً من قيادته على الجبهة لزيارة أمه في الداخل الروسي. ينطلق لاستغلال هذه المدة الوجيزة التي نالها للعودة إلى قريته البعيدة بأسرع ما يمكن. طريقة الوصول هي القطار. بطلنا أليوشا سيلتقي في رحلته بفتاة وحيدة (زانا بروخورينكو) التي تحتاج لمساعدته بغاية الوصول إلى صديقها الجريح.
يلتقي أيضاً برفيق خسر ساقه في الحرب ويخشى العودة إلى زوجته كسيحاً... اندفاعه للمساعدة ينطلق من تجاوب إنساني محض ورغبة في العودة إلى رحلته في الوقت المناسب حتى لا تنتهي الإجازة قبل لقائه والدته ومساعدتها في تغطية السقف الذي يخر ماء كلما أمطرت بعوارض خشبية جديدة.
هذه الحيثيات تلعب دورها في وقوفنا كمشاهدين لجانب أليوشا طوال الوقت والفضل في ذلك لمخرج وجد الحكاية التي وضعها شوخراي بنفسه مع فالنتين إيزوف، مناسبة ثمينة لعرض مواقف إنسانية على خلفية من المشاهد التي تحكي ضراوة الحرب في الداخل الروسي. كل ذلك بريشة شعرية ممسوكة بخفة وغير متكلفة. بطله الساعي للقاء والدته لم تتح له فرصة تحقيق ذلك اللقاء بل صار عليه واجب العودة من حيث أتى. والمشهد الأخير للفيلم لأمه القروية وهي تترك المنزل وتقف عند مفترق الطريق بانتظار ابنها لا يمكن مفارقة بال أحد من مشاهدي الفيلم. كلاهما، الأم وابنها، عاشا حلماً لم يتحقق.
«أنشودة جندي» يقف عالياً بين أفلام معدودة (نعرفها) استفادت من انتقال الاتحاد السوفياتي (كما كان اسمه الرسمي آنذاك) من الستالينية إلى الخروتشوفية. تلك نقلة أثمرت عن منح المخرجين بعض الانفتاح من دون المساس بالمبادئ. وهذا الفيلم يسير فوق الخط النحيف بين الانفتاح والتقاليد المفروضة بمهارة. فهو يتحدث عن الإنسان قبل الجندي وعن حال الوطن قبل الوطن. لا يسعى لقلب الصورة بل لقراءة بعض مكوناتها التي لم يسبق لأحد أن قرأها من قبل باستثناء حفنة قليلة جداً من الأفلام أحدها «البجع يطير» لميخائيل كالاتوزوف الذي تم تحقيقه عامين قبل هذا الفيلم.
واحد من قراءات الصورة غير المتداولة آنذاك كانت في تخصيص حيز كاف للحديث حول الشاب أليوشا والفتاة التي يلتقي بها. سيصحبها بعض الوقت وسينظر إليها ببعض الشهوة، لكنه يعلم أنها لن تكون له إلا إذا رغبت هي والمشاهد التي تجمعهما رومانسية وخالية حتى من قبلة واحدة. بذلك فإن أليوشا بطل حرب بدوره، لكنه بطل من صنف آخر.
روسيا سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة